القائمة الرئيسية

حِصان الحرب

حِصان الحرب
ملخص المقال

يتناول المقال نجاح مسرحية ""حصان الحرب"". تدور القصة حول حصان يُباع في الحرب العالمية الأولى، بينما يسعى صديقه ألبرت لاستعادته. يبرز النص تقنية حركة الدمى التي تخلق تجربة مسرحية فريدة. يستند التحليل إلى أفكار أرسطو حول المُحاكاة، مشددًا على العلاقة الأخلاقية بين الإنسان والحيوان ومعاناة الأحصنة. في النهاية، يُظهر العرض كيف يُثير التفكير النقدي حول أخلاقيات الحرب من خلال تجربة جمالية مؤثرة.

ترجمة: فادي حنا.

 

لقد حاز الفيلم والعروض المسرحيّة المقتبسة من رواية مايكل موربورغو: ""حِصان الحرب"" شهرة عالميّة. تتمثل إحدى طرق فَهم ردود أفعال الجمهور -لا سيّما رد الفعل على عرض الماريونت- المتحمسة للغاية إلى النظر في الجماليّات، ثم الأخلاقيات الأساسيّة التي ينطوي عليها العمل.

إنَّ القصة ملحمية السرد تدور أحداثها فور اندلاع الحرب العالميّة الأولى، حيث يُباع الحصان جوي لسلاح الفرسان، ويُحمل إلى فرنسا ليبدأ رحلته الملحميّة. لكنَّ ألبرت لا يستطيع نسيان جوي، ولأنه كان صغير السنّ عن الالتحاق بالجيش؛ فقد راح يبدأ بمفرده مهمته الخطيرة من أجل العثور على جوي واستعادته إلى بلدته ديفون.

يقول أرسطو في كتاب الشّعر (٣٣٥ ق.م): «إنَّ سرديّة الحبكة الملحميّة يجب أن «تؤلف، بحيث تكون دراميّة، وتدور حول فعل واحد تام كله، له بداية ووسط ونهاية؛ لأنه إذا كان واحدًا تامًّا كالكائن الحيّ أنتج اللذة الخاصّة به».

وقد شاهدت إنتاج المسرح القومي لحِصان الحرب في مسرح لندن الجديد، ووجدته عَرضًا استثنائيًّا. أرى أنَّ سبب ذلك إنما يرجع تحديدًا إلى طريقة تلاعب مُحركو الدُمى بدُمى الخيول المُصمَّمة بصورة رائعة وباحتراف ودقة هندسيين، بحيث تحاكي خصائص الأحصنة. كنا نعرف أنَّ المُتحكمين هم مُحركو الدمى، لكنَّ مُشاهدتهم جعلتنا نشك في هذه المعرفة؛ فمن السّاخر أنَّ حركة الدمى كانت واقعيّة جدًّا، حيث بدت «الأحصنة» كما لو أنها على وشك الخروج عن السيطرة. لذا، كان ثمة توتر بين معرفة ما يجري في الواقع، والخبرة المسرحيّة. كان انعدام التصديق لا يمكن مُقاومته. كانت هذه أحصنة حقًّا تتنفس، وتهرول، وتعدو، وتُسرَّج، وتُمتطى، وتَصهل، وتعرض كل تفصيلات الحيوانيّة الجامحة والرائعة التي نلقاها في الأحصنة. وحتى أصغر تفصيلاتها مثل تحريك آذانها، ما يومئ بصرف انتباهها وتبدُّل مِزاجها؛ إلا أنها ليست خيولًا، وإنما دُمى مُشيّدة من المعدن، والجلد، والخشب، والقصب، وأسلاك معدنيّة. لنقتبس قول آرثر دانتو من كتابه: ""تحول المألوف"" (١٩٨١م)، إذ يقول: إنَّ «المادة المُتجانِسة المألوفة» قد تحوّلت في الواقع. فقد جمعت الدُمى بين الفن والحِرفة والتّصميم.  الحقيقة أنه يعرض الآن حِصان الحرب «جوي» في صالة المسرح والأداء بمتحف فيكتوريا وألبرت بلندن، بصفته موضوعًا جميلًا.

نقول عمومًا: إنَّ الجماليات في هذا العمل تقوم على درجة عالية من المُحاكاة، بحيث تشتمل على تجربة ثرّية ومُقنعة للغاية. يؤكد دانتو أنَّ المُحاكاة «تتطلب في النهاية حالة... العمل الفنيّ حين لا يُشبه شيئًا ما، كالجسم أمام المرآة، ولكن عندما يتعلَّق بما يُشابهه». (المصدر السابق، ص ٦٨). ويناقش ريتشارد وولهايم في كتاب: الفن وموضوعاته (١٩٨٠م، الطبعة الثانية) الرؤية التمثيلية «الرؤية بصفتها seeing as» (رافضًا مفهومه السّابق «الرؤية في seeing in»)، حيث «تتيح رؤية التمثُّلات -بصورة مُلائمة- الانتباهَ التّزامنيّ بالموضوع المُمثَّل والتمثيل عامة». (٢١٣) تطبق تلك الخصائص الكاشفة للرؤية بصفتها، والكيفية التي تتعالق بها المُحاكاة بموضوعها على الخبرة المسرحيّة في مشاهدة حِصان الحرب، التي تبدو متناقضة بوضوح مع تقنيات الصور المُولَّدة رقميًّا المُستعملة في أفلام كثيرة.

يواصل الحوار في الكتاب العاشر من جمهورية أفلاطون، حيث يقول سقراط: «إنَّ مظاهر الأشياء يمكن محاكاتها باستعمال مرآة، ويقترح أنه «يُفترض أن تكون تلك حرفة الرسّام». ويبدو أنَّ أفلاطون لا يرفض المُحاكاة بما هي مُحاكاة، لكنه يقول أيضًا: «إنَّ المُحاكاة تتعلّق بالمَظهر، ومن ثَمَّ يمكن أن تضللنا تطبيقاتها بأن تصرف انتباهنا بعيدًا عن «الصور»، حيث يقوم الواقع الحقيقيّ والحقيقة و«الخير».

أرسطو عكس ذلك؛ إذ يرى في فنّ الشعر أنَّ المُحاكاةَ «راسخة في طبيعة الإنسان»، وأنها المسؤولة عن «نشأة الفن الشعريّ كله». وكما يقول: «تُلازِم عادة المُحاكاة الإنسان منذ طفولته (… يختلف الإنسان عن الحيوانات الأخرى في أنه أكثرها مُحاكاة، فهو يتعلَّم أوائل دروسه بالمُحاكاة». يتحدث أرسطو أيضًا عن «اللّذة الحاصلة بالمُحاكاة عند جميع الناس ».

توظف في الآونة الأخيرة استعارة المرآة وعلاقتها بالمُحاكاة في علم الأعصاب، حيث اكتشفت الخلايا العصبية المرآتية. تنشط هذه الخلايا أثناء ملاحظة حركات الآخرين، وترتبط أيضًا باصطناع الرائي حركات تناظرها، أي: محاكاتها. قد لا تلعب هذه الخلايا العصبية دورًا محوريًّا في اكتساب المَهارات الحركيّة فحسب، وإنما في فَهم مَقصد الآخرين أيضًا؛ فتُنمّي بذلك الاستجابات العاطفيّة والتعاطف.

 لذا تعد المُحاكاة تأسيسية لبجوانب كثيرةلوجودنا. إننا نحاكي  لزومًا أغراضًا عملية، لكنا نستعمل المُحاكاة أيضًا في الدراما والفنون الأخرى هنا، حيث نتناولها تناولًا استطيقيًّا [جماليًّا]. والمُحاكاة طريفة بحدّ ذاتها، لا لمجرد أنها مفيدة من الناحية العمليّة. 

أمّا المُحاكاة كنظريّة في الفنّ يفيد منها الفن المسرحيّ، فقد يقول بعض الساخرين: « إنَّ سبب نجاح حِصان الحرب إنما يعود إلى رفعها شعارَ تصوّرٍ فنيٍّ أكثر وضوحًا وسهولة، ألا وهو مِصداقيّة الفن، أي: إنها تُشابه الحياة الواقعيّة. يسهل من الناحية الفلسفية تحدي ذلك الشعار في الفن، كما أوضح ذلك جيروم ستولنيتز Jerome Stolnitz في النقد الفني: دراسة جمالية وفلسفية (١٩٦٠م)، حيث يقارن التصاوير الحرفية الاختزالية بالممارسة الفنيّة الحقة. فهذه الإجراءات -على النقيض من تلك- تنطوي على تطويع خلّاق وإبداعيّ للعناصر الشكليّة، مثل التلاعب بالزمان والمكان، وكذا الصور المُعبرة عن المِزاج والطّابع؛ فيوجب التوكيد والمُغالاة الفنيَين.

ثمة جوانب أبعد من نظرية المُحاكاة. وقد ذكرنا أهميّة الحبكة الملحمية عند أرسطو. لننظر أيضًا في أفكاره حول الكليّة والتطهير.

يرى أرسطو أنَّ «الشعر -ومن ثَمَّ الدراما- بالأحرى يروي الكليّ، بينما التاريخ يروي الجزئيّ». (فنّ الشّعر). فرغم أنَّ جوي حصان جزئيّ، إلا أنه يمثّل الأحصنة على وجه العموم. يقول مايكل موربورغو عمّا ألهمه في تأليف العمل الأصليّ أنه أراد الكتابة عن «المعاناة الكليّة» التي كابدها البشر والأحصنة في «العالم المُتهدّم» الذي خلّفته الحرب العالمية الأولى. يمثّل جوي إذن مُعاناة كل أحصنة الحروب، وتنعكس هذه الكليّة في تصميمه. كما يقول المُصمِّمان والمُنتجان أدريان كولر وبازل جونس: «إنَّ دُمى الحصان «مَنحوتة تجريديًّا». (انظر warhorseonstage.com) ينطوي ذلك الشكل التجريديّ على معنى الكليّة.

التطهُّر هو التفرغ من العواطف بمشاهدة أداء مأساويّ يُثيرها، ويبدو أنَّ التطهر يتحقق في المأساة مثلًا بمُشاهدة «ندم الفاعل على فعله، وهذا يظهر أنه لو عرف الوقائع فلِمَ اختار ارتكاب الفعل؟» (الشعر، ص٩٨) وكتب ج. ف. إيلز مُترجم الترجمة الإنجليزية لكتاب: « فن الشعر» في ملاحظاته أنَّ التأويلات حول التطهر غالبًا ما «تركز كلها على مشاعر الخوف والشفقة التي تُثار عند المشاهد». أما خبرات المتلقين في المسرح لحصان الحرب، فينبغي أن يضاف، إلى التقدير الجماليّ للدمى التي ناقشناها  للتو، جودةُ التمثيل، والتصميم المستوحى من المدرسة الدوّامية (Vorticist)، والإضاءة، والموسيقى، والصوت. إنَّ توليف هذه العناصر سيثير حتمًا مشاعر «الخوف والشفقة» في نفوس المشاهدين إلا من كان منهم فظًا غليظًا. 

إنَّ العلاقة الوثيقة بين المسرح والحياة توجب علينا أن ننظر فيما يعرضه العمل من سلوك أخلاقيّ.

أولًا: ثمة أسئلة لا تنتهي عمّا إذا كانت التصاوير الدراميّة تؤثر على السلوك سواء إيجابيًّا أو سلبيًّا. رأى أفلاطون بوضوح أنها كذلك، ولهذا دافع عن ضرورة رقابة الفنون في جمهوريته.  قد تكون العلاقة بين المحاكاة والخلايا العصبية المرآتية في زمننا أكثر عُمقًا مما ظننا. ومن ثَمَّ فإنَّ مُحاكاة السلوكيات الأخلاقيّة قد تتلاءم مع الخبرة الجماليّة، ولا تتضارب معها، كما قد يدعي بعض الأصوليين. حري بنا أن ننتقل الآن إلى بعض القضايا الأخلاقية المتضمَّنة في حصان الحرب.

قد يعجب بعض الناس من اهتمامنا بحصان  إذا فكرت في أخلاقيّة الحرب ألا تجد أنَّ التأثيرات على الإنسان أكثر أهميّة؟ إلا أنه ينبغي التذكير بأنَّ الأحصنة لا تستنفد الموارد، ولا تصنع الأسلحة لتدمير البيئة وقتلها، ومع ذلك، فإننا  ونجعلها تُقاسي في حروبنا. 

أقام الفيلسوف الأسترالي بيتر سينغر في كتاب: « تحرير الحيوان» (١٩٧٥م) دفاعًا قويًّا ضد إساءة مُعاملة الحيوانات غير البشريّة بالاستناد إلى قدرتها على المعاناة. فحتى الأخلاق النفعية تستفيد من إطار تطوريّ حول تعالقنا بالحيوانات غير الآدمية. لذا فهو يُقابل بين «مركزيّته الحيويّة biocentrism» الأعم ومركزيّة الإنسان (anthropocentrism) المسيطرة منذ زمن طويل، حيث تأتي المصالح البشريّة على حساب سلامة الحيوان. ذلك هو «التمييز بين الأنواع speciesism». (مصطلح صاغه ريتشارد رايدر Richard Ryder عام ١٩٧٠م) تقدم حجج سينغر منظورًا يمكن من خلاله النظر إلى محنة الأحصنة في الحرب العالمية الأولى والتركيز عليها.

إنَّ قضية رفض إساءة معاملة الحيوانات قديمةُ العهد. فقد نشأت الجمعية الملكية لكف الأذى عن الحيوانات وجمعية الصليب الأزرق الخيرية للحيوان، في القرن التاسع عشر.  بل رغم الظروف الصعبة في الحرب العالمية الأولى، فإنَّ الجيش الإنجليزي ظل محافظًا على رفاه الخيول، وهو ما ثبت أنه فعل إنسانيّ، حيث يمكن قيام روابط عميقة بين الحصان وصاحبه، وهذا غالبًا ما تتعارض مع مصير كليهما. (هذا هو موضوع قصة حصان الحرب).

هل من  الإنسانية أن نتحدث عن ارتباط بالخيل، كما لو كانت واعية أخلاقيًّا؟ يمكن أن نفهم ذلك أكثر إذا فكرنا في سلوك الحصان بوصفه سلوكًا تابعًا لا مستقلًّا. يمتد ذلك ليشمل العلاقة التمثيلية بين مُحركي الدُمى والدُمى، بحيث يصلوا إلى مستوى من التعلُّق يمكن وصفه -على حد قول د. إ. كوبر D.E. Cooper «فلسفة للحدائق A Philosophy of Gardens» (٢٠٠٦)- بـ «تجلي الاعتماد المُشترك».

إنَّ المسرح يتيح فرصة تجربة جمالية لا تتوسطها شاشات من أي نوع، حيث يتقاسم الجمهور الزمان والمكان كليهما، والمناخ نفسه، مع المؤدين. لهذا قد يقترب المشاهدون جماليًّا من القضايا التي يتناولها العرض، مثل عدم أخلاقيّة الحرب واستغلال الحيوانات البريئة في هذا السياق، بما لا يخلو من شوق إلى حالة البراءة والثقة والحساسيّة التي يتمتع بها الحصان؛ فيمكننا من تخفيف الفظاعات التي يرتكبها نوعنا. وقد يأمل المشاهدون أملًا عقيمًا في عدم تكرار هذه الفظاعات مرة أخرى أبدًا، مع أنهم يدركون في الوقت نفسه أنها ما زالت تُرتكب...  إنَّ ذلك النوع من الخبرة رغم أنه عابر، إلا أنه يساعدنا على إثارة تفكير نقدي يتجاوز العرض «نقلة من التقدير الجماليّ إلى التأمل الأخلاقيّ».

 

© كولن بروكس ٢٠١٤م. 

 طبّق كولن بروكس طوال مسيرته المهنيّة مدرسًا للفنون، وأستاذًا جامعيًّا في الفن والتربية، والجماليّات، وفلسفة العقل، والأخلاق. نشر كتابه ""التنكر كفيلسوف"" عام ٢٠١٣م.

 

مقالات ذات صلة