القائمة الرئيسية

الفينومينولوجيا على الشاطئ

الفينومينولوجيا على الشاطئ
ملخص المقال

يحلّل تشاد إنجلاند Chad Engelland فلسفيًّا تجربة الوجود على شاطئ البحر.

أكتوبر 14, 2024

ملخص :يتناول تشاد إنجلاند في هذا النص جاذبية الشاطئ كتجربة تأملية، حيث يبرز الفروق بين الفضاء المفتوح للبحر وحدود الخبرات البشرية. يصف كيف يمثل الأفق تذكيرًا بمحدوديتنا ويشير إلى أهمية اللحظات الزمنية والمكانية، مثل شروق الشمس وغروبها. يستكشف أيضًا الديناميكية المستمرة للأمواج، مشددًا على أن الشاطئ يُظهر كيف تتداخل التجارب المختلفة، مما يدفعنا للتأمل في جمال محدوديتنا البشرية.

ترجمة: رضا زيدان

على الشاطئ ننعم بأشعة الشمس، ونمرح مع الأمواج المتكسرة، ونسبح مع الأمواج، هذه مجرّد أمثلة على الأنشطة الممكنة. بصرف النظر عن القيام بأيّ شيء، من الممتع أن تكون على الشاطئ. لماذا؟ ما الجاذبيّة التأمليّة لهذا المكان حيث يلتقي المحيط بالأرض؟ 

على النقيض من التقارب المنظّم لمداخل منازلنا، أو للمناظر الطبيعيّة في الضواحي والمدن، يفتح البحر مسافات شاسعة خالية من العوائق. المشهد يبتلعنا. اعرف صغرك أيها الإنسان! هنا، على ما يبدو، نواجه اللا متناهي وجهًا لوجه. ومع ذلك، فإن اللمحة البشرية عن اللا متناهي هي في الواقع أوضح مظهر لمحدوديّتنا. ما نواجهه هو تعريف صارخ لحدود نطاق خبرتنا. 

ما هو واضح على نحو حادّ عبر مجال رؤيتنا هو خطّ الأفق، حيث يلتقي المحيط بالسماء، الخطّ الأكثر استقامة وصدقًا على الإطلاق الذي واجهناه في الطبيعة. عادة، يكون خطّ الأفق محجوبًا بأشياء مثل الأشجار والمباني، أو الجبال والتلال. ومع ذلك، في هذه الحالة، لا يوجد سوى الهواء والضوء. في اتّساع المياه لدينا شعور واضح بالانفتاح والصفاء؛ ولكنه انفتاح مقيّد وصفاء محدود. يمكننا أن نركب سفينة ونسافر نحو الأفق؛ لكن على الرغم من أن الأرض سوف تتراجع خلفنا، فإن الأفق سيبقى ثابتًا حيث يكون دائمًا، ولن يصبح أقرب إلينا ولو بميل بحريّ واحد. يمكننا بالطبع المغامرة حتى نلتقي بالشاطئ المقابل. ومع ذلك، يظل أفق الإدراك هو أفق الإدراك حتى مع تغيّر ما يقع في الأفق، حجب الأشجار والتلال للسماء المفتوحة. 

لكن عندما يكون الأفق مكشوفًا على الشاطئ، فإننا نرى شيئًا نادرًا ما نراه إلا بهذه الطريقة، تظهر بداية ونهاية يومنا المحدّدتَيْنِ في شروق الشمس وغروبها. إن الشمس التي تغرب تسرّنا ليس فقط بالمعزوفات الجميلة والرائعة للّون والحركة، لكن أيضًا بمغزى ما نشاهده: التمييز الطبيعيّ لأيّامنا المحدودة على هذه الأرض. وفي هذا تتواجد الزمنيّة الكاملة لتجربتنا بالنسبة إلى الوضع الحاليّ للشمس عبر السماء. وتتواجد أيضًا المكانيّة الكاملة للتجربة بالنسبة إلى أجسادنا. إذن ما يراه المرء على الشاطئ هو كيف تبدو الأشياء من هنا والآن، وما يواجهه المرء على الشاطئ هو الهُنا نفسها والآنيّة نفسها المتعلقَيْنِ بهُنا والآن. 

إن الأفق الزمنيّ والأفق المكانيّ، المعروضان على نحو متلألئ للغاية قبالة الشاطئ، يضيئان أيضًا تجاربنا الأكثر تعلقًا بالمشي التي تتكشف في ضواحينا الحضرية والعادية. في الواقع، كل تجربة تنطوي على آفاق مكانيّة وزمنيّة. فالأغاني التي نستمع إليها لها نغمات وكلمات تتواجد من وراء أفق وعينا الحاليّ. وكلمات صديق من أصدقائنا، تأتي إلينا واحدة تلو الأخرى، وتترك ببطء فكر الصديق يظهر أمامنا. ومع شروق كل نغمة أو كلمة، تغرب نغمات وكلمات أخرى، يُحتفظ بها فقط بذاكرتنا. 

بالمثل تتضمن الأمور العادية آفاقًا للتجربة. فمثلًا، هناك عرض تقديميّ لكل طبق جديد، وهناك تدفّق للطعوم في كل قضمة، بما يشمل الافتتاح المنعش للأكل، ووسطه المدهش، وطعمه اللذيذ الذي يبقى عند الانتهاء منه. وهناك حركة أعلى أيضًا، حيث تفسح المشهّيات الطريق للوجبة الرئيسيّة، وتفسح الوجبة الرئيسيّة الطريق للحلوى في النهاية؛ وكذلك حركة المحادثة المتمثلة في التبديل بين موضوع وآخر. حتى العناصر غير الديناميكيّة تنطوي على آفاق استكشاف. فمثلًا، طاولة العشاء لها جوانب حاضرة تواجهك وجوانب مخفيّة لا تواجهك، ولكن ببعض الحركة منك يتغيّر محتوى التجربة -تصبح الجوانب الغائبة حاضرة، وتصبح الجوانب الحاضرة غائبة- لكن دون تغيير حقيقة وجود حدود للتجربة. 

يُعتبر الشاطئ بالطبع مكانًا ديناميكيًّا، حيث تتبع الموجةُ الموجةَ، وتنكسر، وتتراجع، بصخب واستمرار. إن الأمواج جذّابة ومخيفة على حدّ سواء في قوّة إثارتها للعاطفة. والحركة تجذبنا وفي الوقت نفسه تهدّدنا: تعال والعب معي إذا كنت تجرؤ! كما يلعب راكبو الأمواج بألواح التزلّج القصيرة والطويلة، هناك إثارة شديدة في ذلك. اسبح بين الأمواج، وجدّف بقوّة في الموجة الصاعدة؛ ثم، إذا كنت محظوظًا، افتتن بالقوة الجامحة للموجة التي تحملك دون عناء وبسعادة نحو الشاطئ! 

يتّضح أن بعض الأمواج تمدنا بأفضل ركوب منعش ومثير في حياتنا، وأخرى تصرعنا وتسحقنا في غضبها. لكن كل موجة تخرج من وراء أفق تجربتنا: نتوقعها ونموج معها. وأفق تجربتنا هناك، الذي نلمحه في الأفق حيث يلتقي البحر بالسماء، هو كل تجربة على الشاطئ، بما في ذلك تجربة كل موجة. إن لا نهائية المحيط هي إشارة إلى محدودية التجربة البشرية. وهذا، في ظنّي، هو جزء من رسم الشاطئ. تعجّب، أيها الإنسان، من أمجاد محدوديّتك! 

 

تشاد إنجلاند Chad Engelland أستاذ ورئيس قسم الفلسفة بجامعة دالاس. صدر كتابه ""الفينومينولوجيا Phenomenology"" عن مطبعة MIT في عام 2020.

مقالات ذات صلة