ملخص :في كتابه ""الفلسفة في عالمٍ تقنيّ""، يناقش جيمس تارتاغليا العلاقة بين الفلسفة والتكنولوجيا، مُبرزًا أهمية التفكير النقدي في مواجهة التحولات التقنية. ينتقد الفكر المادي الذي يقلل من قيمة الفلسفة، ويقترح ضرورة إدراج الفلسفة في التعليم وتعزيز المثالية لفهم الواقع بشكل أفضل. يحذر من العواقب السلبية للتقدم التقني إذا لم يُدار بحكمة، داعيًا إلى رقابة ديمقراطية على هذا التطور.
أنحن، كما يقول جيمس تارتاغليا في كتابه الفلسفة في عالَمٍ تقنيٍّ: آلهة وعمالقة، «بيادقُ لا حول لها ولا قوة في لعبةٍ لا أحد يلعبها»، أم أنَّنا أحرار في محاولة صنع مستقبلنا، مسترشدين بقدرتنا على التفكير العقلانيّ؟
ظاهريًّا، الخيار الثاني يبدو بديهيًّا. يمكننا أن نُعِدَّ خطّةً ونبذل قصارى جهدنا في تحقيق هذه الخطة. ولكن هذه ليست الطريقة التي يرى التفسيرُ الحتميّ الماديّ للفيزياء بها الأمور؛ ففي عالَمٍ مكوَّن من المادة، حيث كلُّ شيء وأيُّ شيء تحت رحمة قوانين الفيزياء، لا يبدو أن هناك فسحةٌ للتفكير الحر: فنحن عاجزون عن التأثير في مجرى الأحداث. وإن كان كلُّ شيءٍ يتكوّن من المادّة ومكائدها، فلسنا سوى رُكَّاب في رحلة.
تارتاغليا، الذي يعمل أستاذًا للميتافيزيقا في جامعة كيل، يُحاجُّ أن هذا الضرب من التفكير الميتافيزيقيّ -الذي يعدُّ العالمَ الواقع الوحيد- قد تسبّب في حجب نفع الفلسفة باعتبارها تخصُّصًا متميِّزًا. وقد زاد الطين بِلّة العداوة الصريحة التي يُبديها بعض الفيزيائيّين إزاء الفلسفة (لقد ماتت الفلسفة، كما يقول ستيفن هوكينغ). تارتاغليا يُحاجُّ أيضًا أن الفلسفة صارت عيالًا على الفيزياء، وأنها فقدت اتصالها بروحها الحيويّة بمحاولتها في إبقاء أهمّيّتها بتضمين النتائج العلميّة في تفكيرها. وفي رأيه أن هذا تطوُّر خطير. فالتقدُّم العلميّ عادةً ما يُحفِّز التقدُّم التقنيّ، التقدُّم التقنيّ يُمثِّل تحديًا بسبب الطريقة التي يُغيِّر بها أسلوب حياتنا، لذا من المُستحسن أن نستطيع التفكُّر بهذا على نحو مُستقلّ. فعلى سبيل المثال، عند العديد مِنَّا الوقت الذي نقضيه في العمل وفي أوقات الاستجمام ينطوي على الجلوس أمام شاشة. والإنترنت جعل محلّات التسجيلات والسينما والمكتبات والجرائد أمورًا مُستطرفة وإنما غير ضروريّة.
يلاحظ تارتاغليا أن هذه التغيُّرات حلَّت بنا من دون مشاورة أو موافقة، ومع ذلك فإن أثر هذه «المشاريع الهندسية» (ص.8) على الحياة سيكون شديدًا. وهو ليس متفائلًا بالتقنية ولكنه ليس متشائمًا منها أيضًا. والكتاب يُسلِّط الضوء على عيوب هذين الموقفين في تشريحٍ مُثيرٍ لستيفن بينكر وجون غري. فعلى النقيض من بينكر الذي يرى التقنية بوصفها جالبةً لحياةٍ أفضل بلا تحفُّظات أو غري الذي يعتقد أن التقنية يمكنها أن تُجسِّد الشرّ الكامن فينا جميعنا، يفهم تارتاغليا أن التقنية ليست كلها خيرًا أو شرًّا. ولكنه مع ذلك حريصٌ على التأكيد بأن التقنية إن خرجت عن مسارها فالعواقب المحتملة جسيمة. ويرى أن الرقابة الديمقراطيّة الشاملة على التقنية مهمّة لتجنُّب مستقبلٍ شنيع. ويقدِّم صورةً تهكميّةً لمستقبلٍ من هذا القبيل في الفصل الأخير من الكتاب: «يوطوبيا». فإن كانت التقنية ستُغيِّر أساليب حياتنا، فعلينا أن نضمن أن يكون هذا التغيير وفقًا لما نريده. وعلينا أن نُقرِّر أيًّا من المشاريع تمضي قُدُمًا، وأيُّها يجب أن نُعرِضَ عنه. وباختصار، التطوُّر التقنيّ يتطلَّب جرعةً قويّةً من العقلانيّة الأخلاقيّة.
ما أفضل نهج يمكننا اتِّباعه في هذا؟ يُقدِّم تارتاغليا اقتراحَيْنِ شائقَيْنِ لحلِّ هذه المسألة، أحدهما عمليّ والآخر نظريّ. الأول هو النهوض بالتفكير الفلسفيّ بإضافة مُقرَّر الفلسفة إلى المناهج المدرسيّة. ويصعب عدم موافقته على هذا: ستتأثّر حياة الأجيال المستقبليّة تأثُّرًا جذريًّا بالتغيُّر التقنيّ؛ لذا من المُستحسن أن يمضوا في العالم مزوّدين بالتفكير النقديّ الذي ينمّيه التعليم الفلسفيّ. مسلّحين بهذا، ستستطيع الأجيال المستقبليّة استعادة قدرٍ من الحصافة إلى التقدُّم التقنيّ، لضمان أن التقدُّم ينفعنا لا يهدّدنا.
اقتراحه الثاني هو نبذ التفكير الماديّ الذي أدّى إلى خفض منزلة الفلسفة في المقام الأول. ويوضح تارتاغليا أنه أصبح مثاليًّا على الرغم من أنه كان ماديًّا. فخلافًا للماديّة التي تعتقد أن أفضل طريقةٍ للتعبير عن الواقع الأساسي هي معادلات الفيزياء، ترى المثاليّة أن «حياتنا العقليّة الداخليّة توفِّر النموذج الأفضل لمحاولة استيعاب الطبيعة المطلقة للواقع» (ص. 31). فعند المثاليّ أن العالم الخارجي مُماثل لعوالمنا الداخلية.
قد ينتقد البعض هذا الموقف باعتباره موقفًا صوفيًّا: «هل العقول توجد عائمةً في العالم؟» و«كيف يمكن أن توجد التجارب خارج الأدمغة؟». وكما يقول تارتاغليا ببراعة: إن هذا الأسلوب من التفكير يحتفظ بالحمولات المادية؛ فهذه الأسئلة تمثِّل إشكالًا بالفعل إن كنتَ تفكُّر ضمن التصوُّر الماديّ للعالَم. ويحاجُّ أنه إن تخلَّى المرء عن هذه الحمولات، فسيرى أن تجربتنا المباشرة هي الواقع على نحو أساسيّ، وليس الجسيمات والقوى والحقول. وفي رأي تارتاغليا أن جعل المكوّنات الفيزيائيّة هي الواقع الأساسيّ يُشجِّع تبعيّة الفلسفة للعلوم الطبيعيّة من خلال الماديّة.
الكتاب مقتضبٌ وحيٌّ وممتعٌ. ويظهر أن تارتاغليا يستمتع بتحدِّي تصوّراتنا المسبّقة، وكيف نعتقد أننا نعرف ما نعتقد أننا نعرفه. وإن كان مُحقًّا بأن هيمنة المادية في طريقها إلى الاضمحلال (وأعتقد أنه قد يكون مُحقًّا)، فكتاب الفلسفة في عالمٍ تقنيّ تمهيدٌ نافعٌ بلا شك لما سيأتي. وأقترحُهُ على الخصوص لأولئك الذين تحزُّ في نفوسهم نوازعه المثاليّة؛ فالكتاب يضمُّ ما يكفي لتغيير رأيهم.
© كيران برايفورد
كيران برايفورد طالب دكتوراه في جامعة كيل يبحث في التقنية والوعي.
