القائمة الرئيسية

العقل والعاطفة 

العقل والعاطفة 
ملخص المقال

تتناول المقالة العلاقة بين العقل والعاطفة، موضحةً أنهما ليسا متعارضين. تشرح ثلاثة مفاهيم للعقل: التفكير، العلل، والعقلانية. تركز على الانفعالات الجسدية وكيف يمكن استخدامها لتبرير الأفعال. رغم أن الانفعالات غير إرادية، يمكن التصرف بناءً عليها بشكل عقلاني. تدعو المقالة القراء لتجربة تبرير أفعالهم بناءً على عواطفهم، مما يساهم في سد الفجوة بين القلب والعقل.

ترجمة: رضا زيدان

كثيرًا ما يقال: إن القلب والذهن ""mind"" أي العاطفة، والعقل ""reason""، متعارضان. الأمر ليس كذلك! تهدف هذه المقالة إلى تعزيز وعينا بالعلاقة بين الاثنين. 

هنا، عندما أستخدم كلمة ""عقل reason""، فإنني أشير إلى ثلاثة مفاهيم متميزة. الأولان هما: ملكة العقل: وهي قدرة التفكير، أو الفهم، أو الاستنتاج، والعلّة: التي هي عبارةُ تسويغٍ أو تفسيرٍ منطوقة أو مكتوبة أو مفكَّر فيها. ويشير الاستخدام الثالث لكلمة ""العقل"" إلى عقلانيّة أو معقوليّة عبارة أو مجموعة من العبارات. يتضمن هذا الاستخدام الثالث للكلمة الحكم، وفقًا لبعض المعايير المعيّنة، على ما إذا كانت عبارة تبريريّة أو تفسيريّة معيّنة (علّة) عقلانيّة بما فيه الكفاية، أي ما إذا كانت العلّة علّة عقلانيّة! فمثلًا، تحتوي العبارة: ""أريد الذهاب إلى المتجر الذي في زاوية الشارع لشراء بعض الأسماك الاستوائيّة"" على التفسير ""لأنني أريد شراء بعض الأسماك الاستوائيّة"". ومع ذلك، قد لا تبدو هذه العبارة عقلانيّة بالنسبة لشخص يعرف أن المتجر هو محل بقالة وليس مَربى مائيًّا. 

الآن دعونا نركّز على العواطف. تأتي كلمة ""العاطفة emotion"" من الاسم اللاتينيّ mōtus، الذي يعني ""النقلة motion"" أو ""الحركة movement"". من الناحية الكلاسيكيّة، هناك بالفعل نوعان من العاطفة: عواطف العقل (المشاعر affections)، وعواطف الجسد (الانفعالات passions). والتمييز موجود في أعمال القدّيس توما الأكويني. فمثلًا، في كتابه ""الخلاصة اللاهوتيّة"" (حوالي 1268م)، ذكر الاختلاف بين انفعال الحبّ وشعور الحبّ (1a. 82.5, ad1). تشمل الأمثلة الأخرى للمشاعر (بالإضافة إلى المثال الذي قدّمه الأكويني) الحماس، والاستياء، والتسامح، بل وحتى الاهتمام الدؤوب. ومع ذلك، يكفي أن نعرف هنا أن الانفعال أو الشعور يميّزان ببساطة نوع العاطفة: فالانفعالات هي عواطف الجسد، والمشاعر هي عواطف العقل. لأغراض هذه المقالة، سنركّز على عواطف (أو حركات) الجسد. بالتركيز على الانفعالات بالخصوص، نأمل أن يتّضح سبب وجود الانقسام بين القلب والعقل في المقام الأول. 

يدّعي الأكويني أن جميع الانفعالات مصحوبة بزيادة أو نقصان في معدّل ضربات القلب (Summa, 1a.2ae, 24.2, ad2). هذا واضح إذا توقّفنا لنتعرّف على ما يحدث لقلبنا عندما نأكل، أو نشرب، أو ننخرط في نشاط عدوانيّ أو رومانسيّ. وتجدر الإشارة إلى أن هذه الأنشطة ليست في حدّ ذاتها انفعالات. وإنما هي أنشطة تستحثّ الانفعالات كنتيجة للانخراط فيها. في الواقع، قد ينخرط المرء على نحو شائع -رغم أن هذا ليس ضروريًّا بأيّ حال من الأحوال- في أنشطة الأكل، أو الشرب، أو القتال، أو ممارسة الجنس؛ لأن الشخص بالتناظر يكون جائعًا، أو ظمآنَ، أو مثارًا جنسيًّا، وهذه الحالات الأخيرة هي انفعالات – كما أنه يكون مشبعًا، أو مرويًّا، أو آخذًا ثأره، أو مرتاحًا من الإثارة كنتيجة للانخراط في هذه الأنشطة. 

لنأخذ مثالًا على انفعال الجوع. هذا الانفعال ينشأ في الجسد، ولا سيّما المعدّة. وهذا الشعور feeling (أستخدم هذا اللفظ كمرادف للعاطفة هنا) هو شعور جسديّ بوضوح. ويمكن أن يتخذ درجات مختلفة -جوع أشدّ أو أقلّ- ويمكن أن يتميّز بمجموعة متنوعة من الإحساسات الجسدية، مثل الألم القاسي أو الانزعاج المضجر. لكن هذه الإحساسات ما زالت -بالطبع- جسديّة. 

الآن انفعال الجوع ليس جزءًا من ملكة العقل -أي قدرة التفكير أو الفهم أو الاستنتاج- لأن ملكة العقل هي ملكة الذهن ولذلك هي غير-جسديّة. تمتدّ هذه الملاحظة إلى جميع العواطف الجسديّة. هذه طريقة من الطرق لفهم الفجوة بين الانفعال والعقل، أو القلب (بالمعنى الحرفيّ أحيانًا) والذهن. ومع ذلك، هذه الفجوة ليست غير قابلة للسدّ. 

سدّ الفجوة بطريقتَيْنِ بسيطتَيْنِ

تُنتج ملكة العقل -التي تُسمى تقليديًّا بـ الفكر intellect – عللًا، وفي هذه الحالة بمعنى الأفكار التي يمكن صياغتها في صورة تبريرات أو تفسيرات منطوقة. على سبيل المثال: إذا اقترحتُ على صديقي أنه ""ينبغي أن نذهب لتناول بعض الطعام لأنني جائع""، فإن عبارة ""لأنني جائع"" تمثل السبب/التفسير لرغبتي في أن نذهب لأكل شيء ما. بهذه الطريقة يمكن استخدام الانفعال كعلّة للفعل، والأكثر من ذلك، يمكن جعله مفهومًا لملكة العقل. لذا فإن تقديم العلل القائمة على الانفعالات هو أحد الطرق لكسر الفجوة بين القلب والذهن. 

هناك طريقة أخرى للتفكير في الانقسام بين الانفعالات والفكر، وهي أن نلاحظ أولًا أن الانفعالات لا إراديّة إلى حدّ ما. وهذا يعني أنه ليس لدينا تحكّم في ما إذا كنا نشعر بالجوع أو العطش، ولدينا تحكّم محدود فقط في ما إذا كنّا نشعر بالغضب أو الحزن، وما إلى ذلك. في حين أن هذا صحيح، إلا أن من الممكن التحكّم في كيفيّة أو ما إذا كنا نتصرّف وفقًا لانفعالاتنا. لذلك فنحن مسؤولون عن كيفيّة تصرّفنا بناء عليها. 

إن مسألة كيفية تصرفنا بناء على انفعالاتنا يمكن الحكم عليها بملكتنا العقلية عن طريق العلل التي نقدمها للانفعالات، سواء أكانت أفعالنا معقولة أم لا! لذا فهذه طريقة أخرى لسد الفجوة بين القلب والذهن. فمثلًا، قد تُتّخذ العبارة ""خرجتُ لأجري بعض الوقت من أجل أن أعيد توجيه غضبي وأتخلص منه"" كتعبير عن استخدام عقلاني للغضب، إذا كان معيار الاستخدام العقلانيّ للغضب هو، مثلًا، أن ""يُستخدم الغضب استخدامًا مثمرًا"". لذلك، على الرغم من أن عاطفة الغضب لم يشعر بها المرء بحريّة أو لم يولّدها طواعية، إلا أنها استُخدمت بطريقة كانت كافية لتلبية أو تحقيق معيار العقلانية. وبالتالي، فإن عبارتَيْ التبريريّة – علّة كيفيّة استخدامي لانفعال الغضب، يمكن اعتبارها عقلانيّة. إنها علة عقلانيّة!

التجربة الفكريّة

لقد رأينا أنه على الرغم من وجود فجوة بين العاطفة والعقل، إلا أن هذه الفجوة ليست غير قابلة للسدّ. جرى توضيح ذلك أولًا بإظهار كيف يمكن أن تكون الانفعالات مفهومة ومستخدمة من قِبَل ملكتنا العقلية، عندما يمكن الإشارة إلى الانفعالات كجزء من عبارة تهدف إلى تفسير أو تبرير الرغبة في التصرف. وبناء على ذلك، رأينا أنه على الرغم من كون الانفعالات لا إراديّة إلى حدّ ما، إلا أنه يمكن التصرّف وفقًا لها بطرق عقلانيّة، حسب معايير حكم الفرد. 

إن التمرين الذي يمكنك أن تجربه، عزيزي القارئ، هو على النحو التالي. خذ أي عاطفة تنبع من الجسد، مثلًا الجوع، أو العطش، أو الشهوة، أو الغضب، أو الخوف، أو الفرح... أو أي شيء آخر نشعر به جسديًّا، بما في ذلك الألم واللذة. اسأل نفسك عما إذا كان من الممكن تبرير، أو تفسير، فعلٍ ما بناء على ذلك. فمثلًا، يمكن أن يكون تبرير فعل ممكن ما، ""سآخذ آخر زجاجة بيرة من الثلاجة لأنني عطشان"". ثم اسأل نفسك أيضًا عما إذا كان هذا التبرير يتوافق مع اعتقاداتك والتزاماتك المختلفة. يمكن أن يكون أحد هذه المعايير هنا هو مبدأ ""المشاركة مراعاة"". في هذه الحالة، أنت لم تفكّر في ما إذا كان أيّ صديق من أصدقائك قد يحب البيرة، ومن ثَمّ لم يُوف بمبدأ ""المشاركة مراعاة"" بالشكل الكافي. لقد توصّلت إلى استنتاج مفاده أن علّة تناولك لآخر زجاجة بيرة ليست عقلانيةّ؛ لأن التصرّف بهذه الطريقة سيتعارض مع اعتقاداتك الأخرى. على مضض إلى حدّ ما، يمكنك أن تنادي لتسأل عما إذا كان شخص آخر يرغب في مشاركة آخر زجاجة بيرة معك.   

 

جيمس روبنسون James R. Robinson هو خريج ماجستير حديث يعيش في هولندا، ويعمل حاليًّا كبُسْتانيّ وكمدرّس للغة للإنجليزيّة بدوام جزئيّ. 

 

مقالات ذات صلة