ملخص :يتناول دان كورجيسكو فكرة توفير الحكومة سكنًا وطعامًا وحبوب سعادة مجانية، متسائلًا عن جدوى ذلك. يرى أن الشدائد ضرورية للنمو الشخصي، وأن السعادة المستمرة قد تقلل من الدافع للتغيير. يحذر من مخاطر المجتمع الذي يفضل السعادة على الحرية، ويتساءل عن الثمن الذي سندفعه مقابل سعادة زائفة في ظل التقدم العلمي والواقع الافتراضي.
ترجمة: هاشم الهلال
يقول دان كورجيسكو: إن سوما يمكن أن تأتي.
تخيّل لو أنك تريد حكومة أن توفّر لمواطنيها سكنًا مريحًا بالإضافة لحبّتَيْنِ خاصّتَيْنِ يوميًّا، مجّانًا. تحتوي الحبّة الأولى على جميع متطلباتنا الغذائيّة اليوميّة، بينما تتضمّن الحبّة الثانية شعورنا بالسعادة والرضا طوال النهار والليل. سؤالي هو: هل مثل هذه الحالة تكون جيدة ومرغوبة في ذات الوقت؟
قد يُحاجِج الكثير بأن توفير السكن والطعام للجميع سيكون ذا منفعة عامّة. السكن والغذاء ضروريّان لتعزيز ازدهار الإنسان، وكذلك من أجل سعادته على المدى الطويل. من دونهم سنكون مقيّدين بشكل كبير في متابعة مشاريعنا المستقبليّة لتحقيق ذواتِنا أو اختبار إمكاناتنا. إنها أشياء نحتاجها بالضرورة لنصبح أقصى ما يمكن أن نكون عليه. ومع ذلك، فإن آخر ما نقدمه نظريًّا، وهو حبوب السعادة، هو أكثر إثارة للجدل.
مرة أخرى، يمكن للمرء أن يُحاجِج بأنه دون الشعور بالسعادة يصبح من الصعب للغاية أن يُدركَ ذاته وأن يعي مشاريعه المستقبليّة على أكمل وجه. لكن يمكن للمرء أيضًا أن يُحاجِج على العكس: أنه دون الشدائد والنضال يفشل البشر في تطوير أنفسهم بشكل كامل فكريًّا أو روحيًّا أو أخلاقيًّا. بموجبِ هذا الرأي، يجب أن توضع العقبات في طريقنا إما عن طريق القدر أو المجتمع أو الظروف حتى نصبح أفضل نسخ نهائيّة لأنفسنا. بهذه الطريقة، يصبح الإنجاز من خلال الشدائد أو التغلب عليها جزءًا لا يتجزّأ من أن تكون شخصًا ناجحًا وكاملًا، وبالتالي سعيدًا بالمعنى الأرسطيّ للكلمة. بالنظر إلى هذا، يصبح السؤال الآن، هل يحتاج المرء إلى أن يكون ساخطًا بشكل عامّ، في حالات مزاجيّة سيّئة مختلفة، أو غير سعيد تمامًا، ليكون متحمّسًا نحو تطوير ذاته؟ إذا شعر شخص ما بمشاعر السعادة طوال الوقت، ليلًا ونهارًا، فما الدافع المحتمل الذي قد يكون لديه لتغيير ظروف حياته؟ إذا كان «العقل هو عبد العواطف» كما قال ديفيد هيوم بعبارته الشهيرة، فما السبب الذي يمكن تصوّره لتحسين أنفسنا، إذا كانت حياتنا العاطفيّة تغمرنا باستمرار في شعور غامض دافئ بالرضا، مع أنفسنا ومحيطنا على حدّ سواء؟
ويا للمفارقة يمكننا أن نرى كيف أن حبوب السعادة قد تفتح بسهولة الباب أمام مجتمع غير مرغوب فيه ربّما حتى إلى مجتمعٍ شموليّ بالمطلق حيث، كما قال غوته ذات مرة، «انتصار الاستبداد هو بإجبار العبيد بأن يظنّوا أنفسهم أحرارًا » فالسعادة الكاملة ستمنح السيطرة الكاملة، على عكس العالَم الموضح في رواية هكسلي (Aldous Huxley) المُتبصّرة عالَمًا جديدًا شجاعًا (Brave New World) (1932)، حيث يلعب عقار سوما نفس الدور الاجتماعيّ الذي تلعبه حبوب السعادة. سيشعر جميع المواطنين في ظلّ نظامنا الشموليّ السعيد بأنهم في الواقع ليسوا راضون فقط بل وأحرار. ومع ذلك، في الوقت نفسه، فإن قدرتهم على التغيير والنقد وفحص أنفسهم ومجتمعهم وثقافتهم بدقّة، ستتقلّص بشكلٍ حادّ.
هل يعني هذا إذن أننا يجب أن نُحاجِج بدلًا من ذلك لأجل الوظيفة الأخلاقيّة المفيدة لجميع أنواع البؤس والاستياء في تطور البشرية؟ لقد لعبت حالات الوجود الفظيعة هذه بالفعل دورًا لا يستهان به في تطوّرنا التاريخيّ. بعد كل شيء، فإن تجربة الظلم هي التي تحفّز التعطش إلى نقيضه. أو بشكل أعمّ، فإن تجربة الشرّ هي التي تدفعنا إلى صياغة الخير والسعي إليه، سياسيًّا وفرديًّا. بمعنى ما، يزودنا الشرّ ببعض أشكال المعرفة الضروريّة التي تقودنا إلى الرغبة في الخير، وهي حالة أعلى من المعرفة. لذلك، قد يكون التطور الأخلاقيّ مُحاجَجة ضروريّة أو حوارًا بين حالات التعاسة، ويحلّ في حالات أعلى من السعادة. هنا نحصل على نوع من المعرفة في حالة الشرّ التي هي بحدّ ذاتها غير كافية، ولكن من خلال الممارسة الإضافيّة للعقل يصبح الشر أكثر احتمالًا إلى حدّ ما لأن مصادره وعواقبه أصبحت الآن مفهومة بشكل أفضل. يتوافق هذا جيدًا مع ما قاله سقراط منذ فترة طويلة، ذلك الشرّ الذي هو أيضًا حالة عميقة من التعاسة يتمّ من خلال الجهل، بينما الخير مبنيّ على المعرفة ويؤدّي إلى حالة السعادة الأكثر عمقًا. في هذا الفهم، السعادة هي نوع من الحكمة القانعة، التي تُجمع جزئيًّا، من خلال حالات سابقة للجهل التعيس.
نرفع مناقشتنا إلى يومنا هذا: هل نتّجه الآن نحو وضعنا الافتراضيّ الذي يظهر على شكل حبوب منع الحمل للشؤون الاجتماعيّة والسياسيّة أو ما يعادله؟ يجب أن يمنحنا صعود الواقع الافتراضيّ وقفة للتفكير هنا. هل يمكن للتطوّر المتزايد والقدرات الغامرة للواقع الافتراضيّ أن ينتج عالَمًا يشعر فيه الناس بأنهم راضون بشكل متزايد، بينما يتجاهلون العالَم الحقيقيّ بشكلٍ تدريجيّ؟ وبالمثل، هل سيكون التقدّم في العلوم البيولوجيّة من الناحيتَيْنِ الوراثيّة والصيدلانيّة قادرًا قريبًا على توفير حبّة سعيدة فعليّة، بحيث تصبح مشكلة حقيقيّة وليست مجرّد تجربة فكريّة؟ هل المجتمع الغربيّ الذي يرتكز بقوّة على السعي وراء السعادة الفردانيّة يتّجه نحو موقف يحتمل أن يتخلّى فيه عن حرّيّاته مقابل حالات نفسيّة من الرضا أو السعادة أو الفرح؟ أليس هذا، في حدّ ذاته، عرضًا لشرط اجتماعيّ وجوديّ حاليّ آخر وهو فقدان السيطرة على أجزاء مهمّة من حياتنا داخل مجتمع عالميّ متزايد البيروقراطيّة والإداريّة والأوليغارشيّة والعولمة؟
ما الثمن إذن الذي نحن بصدد دفعه، ومقابل أيّ نوع من السعادة؟
