القائمة الرئيسية

التفكير في التفكير

التفكير في التفكير
ملخص المقال

يتناول النص فكرة ""التفكير في التفكير""، موضحًا كيف أن الفلاسفة وعلماء النفس يستكشفون طبيعة التفكير وتأثيره. يعبر عن صعوبة التعبير عن الأفكار بلغة، ويشير إلى دور المناجاة الداخلية في التخطيط وفهم الذات. كما يربط بين التفكير وعبارة ديكارت ""أنا أفكر إذن أنا موجود""، مستعرضًا تجارب الأشخاص المصابين بالفصام. يختتم النص بالتأكيد على أن التفكير في التفكير يمثل تحديًا مثيرًا لفهم الذات والوجود.

يقضي الفلاسفة معظم وقتهم في التفكير، وهُم في بعض الأحيان يُفكّرون في التفكير ذاته. لكن التفكير في التفكير عملٌ غريب، بل وربما يكون مستحيلًا، مثل محاولة الإبحار في مجرًى مائيٍّ في قارب مصنوع من الماء.

ونحن كثيرًا ما نصف التفكير بأنه «كلام داخليّ»، وهو ""كلام"" لأننا «لا نستطيع التعبير باللغة عن ماهيّة الفكر قبل أن تتمّ ترجمته إلى لغة»، حسبما يقول بريان ماجي في كتابه «اعترافات فيلسوف» (الصادر في 1997). وهكذا فإن المرء عندما يُصغي جيدًا بأُذُنه الداخلية، فإنه يسمع صوتًا ""في رأسه""، و""الرأس"" موضع غير محدد تحديدًا دقيقًا، ولكنه أقرب مثلًا إلى ذلك الظلام الموجود داخل الجمجمة خلف العيون مما هو إلى الأقدام أو بالأحرى إلى بقية الكون. وقد نميل إلى الاعتقاد بأن هذا الصوت التخيّلي ضروري حتى نتمكن من إبلاغ أنفسنا بما نفكر فيه، ولكن هذا الاعتقاد لا يصمد طويلًا؛ فهو يوحي بأننا نطلب من أفكارنا أن تتشكّل بالكامل حتى نستطيع أن نقول لأنفسنا ما هذه الأفكار. وسنجد أنفسنا في نهاية الأمر مضطرين لأن تكون لدينا أفكارنا قبل أن نعرف ما الأفكار التي لدينا! وعند هذه النقطة يبدأ الدوار.

وخلاصة القول: إن التفكير في الذات يبدو مثالًا على شيء، قال لودفيج فيتجنشتاين: إنه مستحيل، وهو أن تعطي اليدُ اليمنى لليدِ اليسرى هدية. ولكن دعونا نترك الفلسفة مؤقتًا وننتقل إلى علم النفس.

رأي علماء النفس 

يرى علماء النفس أن المناجاة الصامتة للذات عند اليقظة بداية من الطفولة المبكرة وحتى أيامنا الأخيرة في الحياة لها عدة وظائف؛ حيث إن الأفكار التي نُحدّث بها أنفسنا تساعدنا في التخطيط لأعمالنا والتحكّم فيها وتوجيهها، كما تطرح لنا أيضًا بدائل للواقع. ويُعد التحدث إلى الذات جزءًا من عملية تسجيل وفهم معنى ما يجري بداخلنا وحولنا. وعندما نُعبّر عن الأفكار على هذا النحو يصبح هذا المعنى هو معنى ""نحن""؛ أي: استيعاب للحوار بالداخل. ويُعبّر تشارلز فيرنيهو عن هذا في كتابه الرائع «الأصوات بداخلنا: تاريخ وعلم كيفية التحدث إلى الذات» الصادر في عام 2016: «العقل المنفرد هو في الواقع جوقة كاملة»، ورؤوسنا هي غرف الصدى التي تُضخّم لنا صوته، وهكذا لا يدهشنا أن تتّخذ أفكارنا مجموعة متنوعة من الأنماط بل وبطبقات صوت مختلفة أيضًا، كما لو كنا نُعبّر عنها بصوت فعلًا.

ولكننا نحن لا نراعي دائمًا ذلك المستمع الخيالي؛ إذ تأتي تمتماتنا مجزّأة، بل وغالبًا ما تكون مكثفة أو حتى ناقصة، حيث نترك أشياء كثيرة دون أن نقولها، كما لا نربط عباراتنا ببعضها، فنحن في نهاية الأمر لسنا بحاجة لأن نشرح لأنفسنا كل شيء، فكل منا يعرف ما الذي يَعنيه بداخله.

ويفيد بعض الناس أن الصور لا تزين تفكيرهم فحسب، بل تهيمن عليه. وقد يبدو تدفق الصور في ذهن المرء بديلًا مناسبًا للغته الأمّ، نظرًا لتشابك الروابط بين المعرفة والبصر؛ فالرؤية هي أكثر حواسّنا معرفيّة أو شبهًا بالمعرفة، ونحن غالبًا ما ننظر إلى كل تقدم في الفهم باعتباره ""نظرة""، كما نعتبر أن التأثيرات التراكمية لهذه النظرات ""تنوير""، أما النشاط الذي يدفع هذا التقدم في الفهم فهو ""النظر""؛ بينما ننظر إلى النفاذ إلى مستوى أعلى من الوعي باعتباره ""إلهام"" ربما يطرح نفسه على أنه ""رؤية"".

ربما يكمن التشابه الأساسي بين الرؤية والفكر في انفصالهما الواضح عن أهدافهما؛ إذ إنه وعلى عكس الإحساسات كالآلام مثلًا، والتي تظلّ لازمة لا تتعدّى موضعها إلى خارجه (طالما لا يتمّ تفسيرها)، فإن الرؤية متعدية لموضعها، حيث يجب عبور مسافة ما بين الإدراك والشيء الذي يدور حوله الإدراك. ومن ثَمَّ فإن حوليّة الرؤيةِ تخلق حيزًا مفتوحًا بين الرائي والمرئي، بين ذات الرائي وموضوع الرؤية. وبالمثل ينفصل التفكير عن موضوعه بشكل أوضح، نظرًا لأن التفكير ينطلق من موضع محدود يقع في مركز الذات ""هنا"" ليصل إلى موضع لا محدود يوجد خارجًا عنا ""هناك""، فأفكاري حول الانفجار العظيم مثلًا تنظر إلى الماضي بسلاسة لتستعرض مجمل تاريخ الكون.

ومع ذلك يأتي الفكر عند معظم الناس في الأغلب على شكل كلمات لا صور، فلقد لاحظنا بالفعل أن الفكر غالبًا ما يكون تجربة يقوم بها المرء لدوره في محادثة ينتظر حدوثها. ولكن هناك سبب آخر لهيمنة الكلمات على الفكر، وهو أن التفكير غير مرتبط بأي من الحواسّ الخمس؛ إذ لا توجد علاقة تُذكر بين معاني الكلمات من ناحية ومظهرها ومسمعها من الناحية الأخرى، ولذلك تستطيع الكلمات الجمع بين المعلومات المستمَدّة من مختلف الحواس، مما يساعدنا على تجميع أجزاء العالَم ونسج مختلف مسَارات المعرفة في تيار الوعي.

نعود الآن إلى الفلسفة، حيث يمنحنا التفكير في التفكير عذرًا للعودة إلى أشهر محطات الفلسفة الغربية، ألا وهي برهان (الكوجيتو) لرينيه ديكارت الذي يُصاغ عادة بعبارة ""أنا أفكر إذن أنا موجود""، وهو يعني أن أيّ تأكيد على وجود المرء يجب أن يفترض مسبقًا أن الأفكار تصدر عن المرء ذاته. وهكذا فإننا نواجه واحدًا من أكبر الألغاز في علم النفس الفلسفي، ألا وهو قدرتنا على تعيين أنفسنا كمصدر للأحداث العقلية. ربما يكون هذا أمرًا صعبًا نظرًا لعدم وجود علامات خارجية ولا جهد جسديّ مصحوب بحركات مرئية وهمهمات وآهات مسموعة، تُسبِغ على الأفكار طابع الملكية. وليس من المستغرب إذن أن يعاني الأشخاص المصابون بالفصام معاناة رهيبة أحيانًا، عندما يمرّون بنوبة ""زرع الأفكار""، حيث يسمعون أفكارهم كأصوات ينسبونها إلى مصدر خارجيٍّ، فيعتقدون أن غرباء أشرارًا هم من يزرعون تلك الأفكار في عقولهم.  

ومع ذلك، فإن ملكيّة الأفكار تبدو أكثر عقلانيّة من ملكيّة التصورات؛ حيث لا يوجد ما يعادل الملكيّة الفكريّة حتى في الإدراك المتعدّي، فما أراه هناك (خارجًا عني) ينتمي إلى العالَم، في حين أملك أنا كيفيّة تفكيري فيه. ولكن على الرغم  من أننا على الأرجح نتحمل المسؤوليّة عن أفكارنا أكثر من مسؤوليّتنا عن تجاربنا، فإن هذا لا يصحّ دائمًا؛ فنحن كثيرًا ما نبحث عن التجارب بأنفسنا، بينما تخطر ببالنا الأفكار كما لو كنا مجرد متلقّين لها. وهناك بالطبع درجات مختلفة من الفعالية والانفعال في التفكير؛ إذ نجد أن هناك تيارًا لا ينقطع من الأفكار والصور وأجزاء من الثرثرة يتدفّق بشكلٍ عفويٍّ داخل المساحات المعرفيّة في أذهاننا، وثمّة تذكّر وتخيّل لا نبذل فيهما جهدًا، كما يحدث أن تستحوذ على المرء أفكار تدور حول نفس الموضوع البائس لترسّخ في ذهنه الشعور المرضيّ بالذنب والخوف، وهذه الأخيرة هي الفكر عندما يتحوّل إلى «أغلال من صنع العقل»، (بعبارة الشاعر وليم بليك) وليس تعبيرًا عن الحُريّة. وفي مقابل هذا كله، هناك فكر يستغرق كثيرًا من الجهد يكون دافعه العزم على التفكير والفحص والحل والشرح، وقد لا نجد ثمار هذا الجهد في نفس الوقت الذي نفكر فيه؛ بل إن الملاحظ غالبًا هو أن الحوادث الفكريّة السعيدة لا تحدث إلا للعقل المستعدّ، وقد يستغرق استعداد العقل ذاتيًّا شهورًا أو حتى سنوات، وبذلك تكون لحظة ""النشوة"" العقليّة نتيجة جهد ذهنيّ سابق وهي تبلغ هدفها عندما نستغلّها ونبني عليها.

إنّ إحدى أكثر قدراتنا المعرفية إثارة للدهشة، هي قدرتنا على اقتفاء أثر الرحلة التي قادتنا إلى فكرة نشعر بالحيرة عندما نجد أنفسنا نفكر بها، ومنها أن يسأل المرء نفسه مثلًا: «كيف وصلتُ إلى هنا؟ لماذا خطرَتْ في ذهني عطلة العام الماضي؟"".

وتلك النظرة السريعة إلى الوراء بحثًا عن المحرّك الذي حرّك قطارًا من الأفكار هي فعل استثنائيّ يخصّ الانتباه الداخليّ والإرادة المعرفيّة، ويخصّ قدرتنا على فحص ترابطنا الذاتيّ.

أفكار حول الأفكار

منذ هجوم جيلبرت رايل على الثنائيّة الديكارتيّة في كتابه «مفهوم العقل» الصادر عام 1949، كان الفلاسفة عمومًا يرفضون التفكير في الأفكار بوصفها أشباح تدور داخل الرأس. بَيْدَ أنه من الصعب ألّا أفكّر في الأفكار التي لديّ الآن بوصفها ""داخليّة"" على عكس الحروف التي تظهر على شاشة الكمبيوتر في أثناء كتابتها بوصفها ""خارجيّة""، فأفكاري تبدو أقرب إليّ حتى من الإحساسات التي تنشأ من جسدي كالحكّة مثلًا.

ويقودنا هذا إلى جانب غامض آخر في الأفكار، ألَا وهو طابعها المزدوج، ويجدر بنا التوقف عن هذه النقطة؛ لأنها تساعدنا على تحديد الأدوار المميزة لكل من علم النفس، والفلسفة في البحث في التفكير.

إنّ الأفكار النماذج (Token) هي أفكار شخصية، تحدث في مناجاة الذات الداخلية، وهي أمثلة محددة من الأفكار، منها على سبيل المثال فكرتي في وقت معيّن عن أن «ستوكبورت هي بلدة تابعة لمدينة مانشستر الكبرى»، وربما تكون هذه الأفكار مناسبة للبحث النفسي في التفكير. وفي المقابل، فإن الفكرة النمط (Type) التي تنتمي إليها ""ستوكبورت هي بلدة تابعة لمدينة مانشستر الكبرى"" هي فكرة غير شخصيّة، وهي موضوع مناسب للبحث الفلسفيّ. والفكرة النمط هي الفكرة التي يتمّ التعبير عنها بأيّ نماذج معيّنة من الأفكار، بحيث يمكن لأيّ عدد من الأشخاص التفكير في نفس الفكرة النمط، وهذه الفكرة تشير إلى جزء من العالَم هو ملك للجميع وليس ملكًا لأحد في الوقت ذاته. وعلى الرغم من أن أفكارنا النماذج هي جزء لا يتجزأ من الحالة المُسمّاة «أنا هنا والآن»، إلاّ أنها أيضًا، أمثلة لأفكار النمط التي تنفصل موضوعاتها عن «أيّ شيء هنا والآن»، وغالبًا ما تكون أفكار النمط هذه أفكار حول إمكانات عامة ودائمة غير قاصرة على جزء منفصل من الزمكان أو حتى مقيّدة جزئيًّا بمجالٍ حسيّ محدَّد. ولهذا يكون من المعقول أن نقول عن شخص غارق في التفكير إنه «على بعد أميال»، ولكن الأميال هنا ليست الأميال التي تفصل بين المواقع المادية.

ويكمن التحدّي والإثارة في مسألة ""التفكير حول التفكير"" في ما أشرت إليه في بداية المقال، ألا وهو لزوم فحص الأفكار بواسطة أفكار أخرى؛ إذ يلزم أن ترتفع هذه ""الأفكار الأخرى"" بطريقة ما فوق قريناتها لكي تتوفّر لها إطلاله مناسبة للنظر في التفكير بشكل عام، ومن ثَمَّ تكون وسيلة مناسبة للوصول إلى جوهر التفكير. لذلك ليس من المدهش أنه بينما لا يوجد شيء أقرب إلينا من تفكيرنا، فإنه يظل بعيد المنال. إن استخدام الاستبطان لمراقبة الأفكار في أثناء تشكّلها هو أمر يشبه ""محاولة رفع المصباح بسرعة كافية لرؤية كيف يبدو الظلام"" حسبما يقول ويليام جيمس. أو بتعبير آخر: الأمر أشبه بمحاولة الإمساك بشراريب من الضباب باستخدام ملاقط مصنوعة من الضباب، ذلك لأن وضع نظرية عن (التفكير) يبدو كما لو كنا نحاول أن نقبض بأيدينا على المجموع الكلّي للقبضات. 

ربما لا تمثّل الأمور تحديًا كبيرًا للفلاسفة كما هو الحال بالنسبة لعلماء النفس، فعلى الرغم من أنه ينبغي على الفلاسفة عندما يفكّرون في التفكير أن يستخدموا بعض أدوات التفكير، مثل الاسترجاع الاستراتيجيّ وتجميع المذكِّرات وإعمال المنطق، فإنه لا يتعين عليهم أن يفكّروا بأنفسهم وهم يفكّرون بأنفسهم. ولكن حقيقةَ أنّ التفكير يمكن أن يتجاوز نفسه بحيث يفكر في ""الفكر"" تظلّ واقعة استثنائيّة، فهي تبدو أحيانًا، عملًا فذًّا يمكن مقارنته بوقوف المرء خارج جسده، وهذا وحده كفيل بأن يُمكّننا من مقاومة إغراء البحث عن تفسير للفكر يعتمد فقط على أحد منتجات الفكر المتأخرة والمعقدة وهو العلم الموضوعي، أو علم الأعصاب على وجه الخصوص.

إن قدرتنا على التفكير في التفكير هي واحدة من عدة ألغاز مترابطة نشأت عن معضلة أساسيّة، ألا وهي قدرتنا على أن نشمل أنفسنا بالتفكير، كما هي الحال عندما نتحدث عن ""المادة"" أو ""البشر"" أو ""الذات""؛ أو نحاول أن نفهم جميع الأشياء، كما هي الحال عندما نتحدث عن ""الكون"" أو حتى عن ""جميع الأشياء"". ولذلك، يعتبر التفكير في التفكير هو التعبير الأكثر تطورًا عن قدرتنا على توضيح ما هو كائن، فضلًا عن التأكيد بالقول على أنه كائن.

قد نتجادل حول منطق «أنا أفكر إذن أنا موجود». ومقدار ما يقدمه هذا المنطق من «أنا»، ولكن يجب أن نعترف بأن تفكير المرء في أفكاره، ومطاردته لفكرة أنه يفكر، يعني التوكيد على المعنى المبهج جدًّا لوجوده، أي التوكيد على الحكم «أنا موجود». 

© البروفيسور ريموند تاليس 2021

 

مقالات ذات صلة