ملأت حركات الاحتجاج الاجتماعيّ شاشات التلفاز والمصادر الإخبارية طَوال العقد الماضي. فمِن حركة احتلّوا والربيع العربي إلى حركة السترات الصفراء وحركة تمرّد ضدّ الانقراض، والمسيرات النسائية وحركة حياة السود مهمّة؛ تعدّ قوّة الشعب في أوج يقظتها.
إلا أنها تُعدّ مع الأسف في أوج إثارتها للجدل أيضًا، كما نرى من الضجة الإعلامية حول موضوع إسقاط التماثيل في الولايات المتحدة والمملكة المتحدة. وهذا يُسلِّط الضوء على عدم التقدير الكافي لدوافع الاحتجاج الاجتماعيّ مِن قِبَلِ بعض المعلِّقين. إذا كنا نريد استجاباتٍ ناضجةً للحركات الاجتماعيّة، فعلينا أولًا النظر في وِجهات نظر مَن يقومون بهذه الاحتجاجات.
والتفسير الفلسفيّ للحركات الاجتماعيّة الذي يؤدّي هذا الغرض بالتحديد هو ""نظريّة الاعتراف"" لأكسيل هونيث، والتي طُوِّرت في الأصل في تسعينيّات القرن الماضي. كان هونيث (مواليد 1949)، وهو فيلسوف اجتماعيّ ألمانيّ، يردّ على تفسيرٍ ماركسيٍّ للصراع الاجتماعيّ كان مهيمنًا في السابق على الفضاء الأكاديميّ، وهو تفسير كان يُقلِّل من فاعليّة المحتجّين ودورهم من خلال الادّعاء بأن نشاطهم كان محدّدًا سلفًا بواسطة عوامل اقتصاديّة واجتماعيّة. سعى هونيث للتوصل إلى نظرية جديدة تمنح الأفراد الفاعلية التي تليق بهم، معترفة بمشاعرهم وآمالهم. ومن أجل تحقيق هذا الأمر، لجأ إلى مفهومًا يعود إلى القرن الثامن عشر من صياغة هيجل (والذي كان بدوره متأثرًا بفيشته)، ألَا وهو مفهوم ""الاعتراف المتبادل"". يرى كل من فيشته وهيجل أن حالة زيادة وعي الإنسان بذاته تعني الاعتراف المتبادل بحريّتنا وحريّة الآخرين. تقول النظرية إنّه لا يمكننا أن نصبح أحرارًا حقًّا إلّا إذا اعترفنا بحريّة الآخرين، وجعلهم يتعرفون -بدورهم- بحرّيتنا.
رأى هونيث في هذه الفكرة إمكانيّة وصف جديد للحركات الاجتماعيّة. لكن أولًا، ولدعم تحليل هيجل علميًّا، استخدم علم النفس الخاص بجورج هربرت ميد. كانت دراسات ميد حول الأطفال قد قادته إلى استنتاج أن الرضيع يكتسب فهمًا عمليًّا جيدًا لنفسه من خلال تفاعله مع الآخرين فقط. استخدم هونيث هذه الرؤية السيكولوجية لتحديث مفهوم هيجل الفلسفي حول الاعتراف المتبادل، وبالتالي وضع نظرية للحركات الاجتماعية أعادت للأفراد المنخرطين فيها أهمّيتهم.
فعل هونيث هذا الأمر لأول مرة في كتابه الصادر عام 1992 (الصراع من أجل الاعتراف: القواعد الأخلاقيّة للمآزم الاجتماعيّة). يُبيّن هونيث في هذا الكتاب بالتفصيل ثلاثة أشكال من الاعتراف يمكن منحها لشخص ما، وثلاث قيم أو خصالٍ مُوازية يسمح هذا الاعتراف من الآخرين للناس بالتعرّف عليها في أنفسهم. وهذه الأشكال هي:
- الحب: وينشأ في الأصل في عائلتك ويوفِّر الثقة بالنفس الوجوديّة الأساسيّة.
- الاعتراف القانوني: والذي تمنحه الدولة ونظامها القانوني، ويمنحك احترام الذات باعتبارك شريكًا على قدم المساواة مع الآخرين في العمليّة القانونيّة.
- التضامن: وهو نوع احترام الذات الذي يأتي من رؤية نفسك ذا قيمة اجتماعيّة.
يرى هونيث أنّ تحقيق الأشكال الثلاثة للاعتراف الاجتماعيّ ضروريّ للوصول إلى الحريّة الحقيقيّة. ووفقًا لرواية هونيث، فإن الحرمان من الاعتراف بأيٍّ من هذه الأشكال -مثل إقصاء المرء من النظام القانونيّ أو اعتباره عديم القيمة من الناحيّة الاجتماعيّة- يشكّل مصدر تحفيزٍ كبير للنضال الاجتماعيّ. يؤدّي الحرمان من الاعتراف إلى شعور بالإهانة الفردية يُخلّ بالتوقعات، التي تستند إلى التجارب السابقة للاعتراف بالذات أو الاعتراف بالآخرين. تنشأ القوة الدافعة للحركة الاجتماعيّة عندما تبدأ مجموعة ما في النظر إلى نوع معيّن من الإهانة كأمرٍ يتشاركه جميع أفرادها. يؤدّي هذا الأمر بدوره إلى التوصّل إلى مفهوم مشترك لما يبدو عليه مجتمع مستقبليّ يمنح الاعتراف، وهذه الفجوة بين النموذج والواقع هي ما تُغذّي الاحتجاج الاجتماعيّ. وبالنسبة لهونيث، تشكّل هذه العوامل الركائز التي تقوم عليها حركات مثل مسيرة المرأة وحياة السود مهمّة.
تكمن قوة نظريّة الاعتراف الخاصة بهونيث في الدور الذي تمنحه لأولئك المشاركين بالفعل في النضالات الاجتماعية. لم تعد تصرّفاتهم تُفسَّر باعتبارها أفعال تُحتِّم حدوثها الظروف الاقتصاديّة أو الاجتماعيّة، بل باعتبارها ناشئة عن تجاربهم ومشاعرهم.
ويتجلّى اهتمام هونيث العظيم بدور المتظاهرين وفاعليّتهم في رفضه تحديد أهدافهم لهم، وهذا أمرٌ نابعٌ من فلسفته الشخصيّة. إنّ الأمور التي تُشكّل مجتمعًا يمنح الاعتراف بحقٍّ في نظرية هونيث غامضة في جوهرها، لأن الصفات والسمات وأنماط الحياة التي تُعتبر ذات قيمة اجتماعيّة أو ضروريّة لتضمينها في النظام القانوني عُرضة لإعادة التأويل المستمرّ والمتضارب. بل إن هونيث يرى أن المجموعات الاجتماعيّة سوف تصطدم ببعضها البعض عندما تحاول كل مجموعة منها تأسيس مفهومها الخاص حول مجتمع جيّد يكون السّائد والمعتاد. بَيْدَ أن هذا يقتضي أن تُحدِّد المجموعات الاجتماعيّة التي تشارك في الاحتجاج مفهومها المشترك لِما يتكوّن منه العالَم الذي يمنحهم الاعتراف الاجتماعيّ المناسب. ليس لفيلسوفٍ أو خبيرٍ إعلاميٍّ أن يحدّده لهم؛ لذا وبدلًا من مخاطبة الناس بتعالٍ حول ما ينبغي أن يكون عليه شكل المجتمع الجيّد، علينا أن نترك أمر تحديد الغايات لأولئك الذين يُصارعون من أجل نَيْلِ الاعتراف، طالما أنهم ليس من أهدافهم حرمان فئة أخرى من حقّها في الاعتراف. وهذا -على الأرجح- السبب الذي جعل هونيث ينأى دائمًا بنفسه عن تدخّلات سياسية معينة.
إن نظريّة الاعتراف لهونيث ليست مثاليّة، فالزعم بأنها مبنيّة على أسسٍ علميّة متينة مزاعم هشّة، بالإضافة إلى أنها لا تأخذ بعين الاعتبار كيف أن المؤسسات -وعلى عكس الأفراد- قادرة على منح الاعتراف أو منعه، وهذه مسألة يمكننا القول إنها تمثل عنصرًا حاسمًا في أيّ نظريّة اعتراف تهدف لتشريح التحيّز المُمنهج. من الصعوبة بمكان أيضًا تطبيق نظريّة الاعتراف على الاحتجاجات التي تضمّ عددًا كبيرًا من المجموعات التي تكون متعارضة في العادة؛ مثل تلك الاحتجاجات التي تقوم ضد الطغاة والقادة المُستبدّين.
لكن يظل هونيث يُذكّرنا بأن نضع المُحتجّين وأولئك المتأثرين بالأوضاع في المقدمة دائمًا. وهذا درس حاسم وحسن التوقيت. وصف دونالد ترمب حركة حياة السود مهمّة بأنها ""رمز للكراهيّة"". وفي بريطانيا كما في الولايات المُتّحدة، سرعان ما يقفز السياسيّون والإعلاميّون إلى مجازات ""الأعمال التخريبيّة"" و""البلطجة"" و""الهمجيّة"" عندما يأتون على مناقشة المنخرطين في النضال الاجتماعي. وكثير منا ممّن يعتبرون أنفسهم ""واعين ويقظين"" يقعون بسهولة في فخ انتقاد مطالب المحتجّين.
ربما إذا كان لدينا تقدير مشترك أفضل لما يدفع الحركات الاجتماعية، وأعطينا الأولويّة بحقّ لأولئك الأفراد، فسنكون أكثر قدرة على العمل على تحقيق المطالب الشرعيّة من أجل التغيير الاجتماعي الهادف ومن أجل الاعتراف. إننا بحاجة إلى هذه السرديّة المشتركة التي تتفادى التعامل بتعالٍ مع أولئك الذين يتّخذون موقفًا في عامنا هذا أكثر من ذي قبل.
© أندرو هيامز 2021
أندرو هيامز مستشار حملات سياسيّة. وهو حاصل على درجة الماجستير في تاريخ الفكر السياسيّ والتاريخ الفكريّ من كليّة لندن الجامعيّة وكليّة كوين ماري من جامعة لندن.
