القائمة الرئيسية

الأشخاص غير البشريّين

الأشخاص غير البشريّين
ملخص المقال

يتناول المقال جدل حقوق الحيوانات، حيث يسعى مشروع حقوق غير البشر لتصنيفها كأشخاص قانونيين بناءً على صفات عقلانية. يسلط الضوء على تحول الفكر الفلسفي من أرسطو إلى جيريمي بنتام، الذي اعتبر المعاناة معيارًا لحقوق الحيوان. يشدد على أهمية معالجة معاناة الحيوانات بدلاً من منحها وضع الشخصيات القانونية.

لقد كنا واثقين خلال معظم التاريخ الغربي من أن البشر وحدهم «أشخاص» بينما لا تتمتّع أيّ مخلوقات أخرى بهذا المكانة، وهذا الاعتقاد مهمّ جدًّا؛ لأن الشخصيّة غالبًا ما تُعتبر شرطًا ضروريًّا للتمتّع بالقيمة الأخلاقيّة. وفي الآونة الأخيرة، طعنت مجموعة من النشطاء القانونيّين الأميركيّين تدعى «مشروع حقوق غير البشر» «Nonhuman Rights Project» في الافتراض القائل بأن البشر وحدهم هم الأشخاص. وهُم يتّبعون هنا حجّة بسيطة، إذ يفترضون أن البشر يمتلكون سمات معيّنة تجعلهم أشخاصًا، ثم يسألون عما إذا كان هناك دليل على أن أيّ حيوانات غير بشرية تمتلك هذه الصفات نفسها أم لا. وقدّمت المجموعة شهادة من مجموعة من الخبراء تدعم الادّعاء بأن الشمبانزي والفيلة والدلافين تمتلك هذه الصفات بالفعل. وخلصوا إلى أنه يجب اعتبار هذه الحيوانات أشخاصًا من الناحية القانونية. بل إن المشروع قد رفع دعاوى قضائية في العديد من محاكم الولايات نيابة عن أفراد الشمبانزي، طالبًا منح هؤلاء الأشخاص غير البشريّين اعترافًا قانونيًّا باستقلاليّتهم.

 

وعلى الرغم من أن المشروع يُقيم مطالبات حول الحقوق القانونية فقط، وأن دعاواهم القضائيّة لم تنجح حتى الآن، فإن حججهم لها آثار على مسائل أعمّ تتعلق بالوضع الأخلاقيّ للحيوانات غير البشريّة وعلاقاتها بالبشر؛ حيث إنه إذا كان لبعض الحيوانات مكانة «الأشخاص» حتى بالمعنى الضيّق المطلوب للاعتراف القانونيّ، فربّما نكون نحن البشر مُلزمين أخلاقيًّا بمعاملة تلك الحيوانات بشكل مختلف تمامًا عمّا يحدث حاليًّا، كأن نمتنع مثلًا عن قتلها لأغراض الرياضة والغذاء أو عن استخدامها لأغراض التجريب الطبيّ.

 

قضيّة هويّة الحيوان تاريخيًّا:

 

تضرب مسألة مناقشة الوضع الأخلاقيّ للحيوانات بجذورٍ في الفكر القديم، فقد ناقش الفلاسفة اليونانيّون هذه المسألة مطوّلًا وعلى نحو متطوّر جدًّا، وصاغ العديد من الفلاسفة اليونانيّين، ومن بينهم أرسطو والرواقيّون، القضيّة من حيث امتلاك أو عدم امتلاك العقل، ورأوا أنه إذا كان لدى أيّ حيوان عقلًا، فيجب أن يتمتع بنفس المكانة الأخلاقيّة التي يتمتّع بها البشر. لكن لماذا يجب أن تكون القدرة على التفكير لازمة لاكتساب المكانة الأخلاقيّة؟

 


القيم والدلافين:

 

كان النهج الأخلاقيّ الذي استخدمه الفلاسفة اليونانيّون هو أن أعضاء المجتمعات الذين ابتكروا معايير سلوك مقبولة بينهم بشكل مشترك يتمتّعون بمكانة أخلاقيّة في ذلك المجتمع. والفكرة هي أن الكائنات العقلانيّة وحدها قادرة على إدراك فوائد الميزة طويلة الأجل على الميزة قصيرة الأجل وفهم المبادئ العامّة للسلوك. وافترض العديد من الفلاسفة اليونانيّين أن القدرة على التفكير وحدها هي التي تسمح للكائنات بمواءمة أفعالها مع متطلّبات الأخلاق.

 

ونظرًا لأن العقل ليس سِمةً جسديّة يمكن التحقّق منها بشكل مباشر، فقد كان عليهم البحث عن دليل غير مباشر على امتلاكها، ولهذا فقد قرّر الإغريق أن أيّ كائن عاقل بحقّ يجب أن يمتلك لغة، ولأن الحيوانات تفتقر إلى القدرة على الكلام على حدّ علم معظم الإغريق آنذاك، فلم يروا أن لأيّ من الحيوانات عقلًا، وبالتالي لا يمكن أن يكون أيّ منها «شخص» أو عضو في مجتمع أخلاقيّ. ونظرًا لأن الحيوانات غير البشرية لا يمكن أن تكون جزءًا من مجتمعات تتكون من أفراد عقلانيّين، فقد خلصوا إلى أن هذا يحرمها من الحقّ في نفس الحماية الأخلاقيّة التي يستحقّها البشر.

 

وقد شكّلت أفكار أرسطو والرواقيّين الأفكار المسيحيّة في العصور الوسطى بشأن الحيوانات، وهكذا فقد اتفق الاسكولائيّون مع الفلاسفة اليونانيّين على أن الحيوانات غير البشريّة تفتقر إلى العقل، ولذلك لا يمكنها أن تتمتّع بأيّ شيء يُشبه الوضع الأخلاقي للبشر.

 

في وقت لاحق، نظر رينيه ديكارت (1596-1650) إلى الإنسان على أنه مزيج فريد من جسد ماديّ وعقل غير ماديّ أو روح غير ماديّة، ورأى أنه لما كانت الحيوانات تفتقر إلى العقل فلا بدّ أنها تفتقر أيضًا إلى الفكر (فليس لدى الحيوان سوى الإحساسات)، وبالتالي تفتقر الحيوانات إلى الروح. وعلى نحو مماثل، افترض إيمانويل كانط (1724-1804) أن البشر ينتمون إلى عالَمَيْنِ في آنٍ واحد، وهذين العالَمَيْنِ هما عالَم الخبرة الحسيّة وعالَم آخر يختصّ بالفكر (الذي يعني بالنسبة لكانط التفكير غير الحسيّ). ونظرًا لأنه كان يعتقد هو الآخر أن الحيوانات لا تنتمي إلى عالم الفكر، فقد اعتقد أيضًا أنه ليس للحيوانات حقوق أخلاقيّة علينا. ومن المعروف أن كانط أكّد أنه ينبغي على البشر أن يتجنبوا القسوة مع الحيوانات، ولكن ليس من أجل الحيوانات ذاتها، بل يجب تجنب القسوة على الحيوانات على أساس أن بعض البشر الذين يشاهدون ذلك قد يتألّمون من مشاهدة تلك المعاملة كما أن فعل القسوة ذاته مؤذٍ للشخص الذي يقوم به (Lectures on Ethics, 1775).

 

لكن هذا المناخ الفكريّ بدأ يتغيّر في أواخر القرن الثامن عشر، حيث جاء جيريمي بنتام ليؤكّد على أن السؤال الوحيد المتعلّق بمعاملة أيّ مخلوق هو ما إذا كان يمكن لهذا المخلوق أن يعاني أم لا، فيقول:

«ربّما ندرك يومًا ما أن صفات مثل عدد الأرجل أو زغابة الجلد أو نهاية عظم العجز، هي أسباب غير كافية لأن نترك كائنًا حسّاسًا ليواجه نفس مصير [المعاناة]؛ فما الأمر الآخر الحاسم الذي يمكن أن يدلّنا هنا؟ هل هي مَلَكَة العقل أم ربّما مَلَكَة الخطاب؟ لكن الحصان أو الكلب مكتمل النموّ يكون أكثر عقلانيّة مقارنةً مع رضيع يبلغ من العمر يومًا أو أسبوعًا أو حتى شهرًا، فضلًا عن كونه أكثر قدرة على التحدث بذاته كحيوان. ولكن حتى لو افترضنا عكس ذلك، فما الفائدة هنا؟ إن السؤال ليس هو ""هل يمكن للحيوان أن يفكر؟"" ولا ""هل يستطيع الحيوان الكلام؟"" بل هو ""هل يمكن للحيوان أن يتألّم؟""» («مبادئ الأخلاق والتشريع) (The Principles of Morals and Legislation, Chapter XVII, 1780).

 

وهكذا رأى بنتام أنه إذا كان الحيوان يمكن أن يعاني، فينبغي أن يكون له نفس حقّ البشر في التحرّر من المعاناة، وكان يعتقد أن بُدُوّ مظاهر المعاناة على الحيوان هو مؤشّر دقيق على تجربة الألم، وبالتالي لا ينبغي جعل الحيوان يعاني.

 

ويعتبر موقف بنتام من الحيوانات تحولًا ملحوظًا عن موقف المفكّرين السابقين عليه، فلقد افترض أن الحقيقة البسيطة المتمثّلة في إمكانية التعرّض للأذى كافية لمنح الكائن الحي مكانة أخلاقيّة. وكان هذا تحولًا كبيرًا في الفكر الأخلاقيّ أيضًا؛ فحتى ذلك الحين كان الافتراض الأساسيّ للأخلاق في أوروبا الغربيّة هو أن من لهم أهميّة أخلاقيّة هم فقط الفاعلين الأخلاقيّين؛ أي فقط الأفراد القادرين على فهم المبادئ الأخلاقيّة والتصرّف وفقًا لها. ولكن بنتام هنا يقدّم الفكرة البديلة التي مفادها أن الكائنات التي يمكن أن تعاني الأذى لها أهميّة أخلاقيّة لمجرّد أنها عُرضة للأذى. ومن ثَمَّ فقد قدّم فكرة «المفعولات الأخلاقيّة/ Moral Patients» (دون أن يستخدم هذا المصطلح) ويعني به المخلوقات التي تكون ذات أهميّة أخلاقيّة لمجرد أنها عرضة للأذى.

 

وفي النصف الثاني من القرن التاسع عشر، غيّر تشارلز داروين النظرة الشائعة لعلاقتنا بالحيوانات إلى نظرة مختلفة تمامًا، فقد كان أحد الآثار المهمّة لنظريّته في التطوّر عبر التغيّر التراكميّ أنه لا يوجد تفاوت حادّ بين قدرات البشر وقدرات المخلوقات غير البشريّة، ومن ثَمَّ فقد رأى أولئك الذين قبلوا أفكار داروين أن فكر أرسطو والأكويني وديكارت وكانط في أحسن حالاته هو فكر غير مكتمل، حيث إنهم جميعًا قد افترضوا وجود تفارت أو اختلاف كبير بين البشر والحيوانات غير البشريّة.

 

وكان أحد الجوانب المشكلة في رؤية داروين عن الاتصال بين البشر والحيوانات هو أنها تتعارض مع وقائع واضحة، وهي أن البشر يعيشون بطرق تختلف بشكل ملحوظ عن غيرهم من الحيوانات ويتمتّعون أيضًا بقدرات تبدو مختلفة تمامًا عن تلك التي تتمتّع بها الحيوانات. بَيْدَ أن هذه «الوقائع الواضحة» قد تعرّضت هي الأخرى لانتقادات شديدة في القرن العشرين.

 

التفكير في الحيوانات حديثًا:

بدأ العلماء خلال القرن العشرين في مناقشة مسألة ما إذا كانت الحيوانات غير البشريّة تستخدم اللغة استخدامًا حقيقيًّا أم لا؛ فمن المؤكد أن الحيوانات غير البشريّة غير قادرة على التواصل على النحو الذي يتواصل به البشر، ولكن إلى أيّ مدى يعني هذا أن تلك الحيوانات تفتقر إلى اللغة؟ يعمل العلماء الآن بجدّ في فحص الأصوات التي تصدر عن الشمبانزي والفيلة والدلافين والحيتان، وقد خلصوا في عدد من الحالات إلى أن بعض أنواع التواصل الحيوانيّ لها بنية نحويّة مشابهة لكلام البشر. ويمكننا القول هنا: إن الحيوانات تستخدم قواعد النحو لبناء معنى مُركب في تواصلها؛ إذ إنها لا تُصدر أصواتًا مميّزة مختلفة فحسب، بل تستطيع أيضًا أن تُصدر تلك الأصوات في تسلسل مرتّب، وهذا الترتيب الذي تصدر به الأصوات مهمّ للمعنى الكلي. وعلى مدار الثلاثين عامًا الماضية، كان هناك نقاش حادّ حول مسألة ما إذا كان لدى فصائل الشمبانزي والغوريلا لغة أم لا، أو ما إذا كان يمكنها تعلُّم التواصل على مستوى التواصل البشريّ. ولا يوجد إجماع نهائي حتى الآن على هذين الأمرين (انظر على سبيل المثال مقال مايكل برايس «لماذا لا تستطيع القرود التحدث – وكيف سيبدو حديثها إذا استطاعت الحديث»، المنشور في مجلةScience ، 2016)، لكن حتى وقتنا هذا على الأقلّ لا نجد أي مبرر على الإطلاق للثقة التي أكّد بها الفلاسفة اليونانيّون أن جميع الحيوانات تفتقر إلى اللغة المعقّدة أو العقل.  

 

تظهر الشمبانزي وبعض الحيوانات غير البشريّة الأخرى أدلّة على امتلاكها لقدرات أخرى يربطها بعض الباحثين بالشخصيّة، وإحدى هذه القدرات هي التعرف على الذات في المرآة. والفكرة هنا هي أن الحيوان القادر على التعرف على انعكاس صورته على المرآة يمتلك إحساسًا بالذات، وهو شرط أساسي للشخصيّة. وبالإضافة إلى ذلك، تُظهر بعض الحيوانات، ومنها الشمبانزي، أدلّة على ما يسمى «نظريّة للعقل»، أي تستطيع أن تفهم أن الأفراد الآخرين لديهم مشيئات ورغبات ومشاعر ونوايا ومشاريع خاصة بهم، وتتصرّف على أساس ذلك الفهم – عن طريق الخداع المتعمّد مثلًا.

 

وثمة مجموعة أخرى من القدرات المتعلّقة بالشخصيّة تتضمّن القدرة على التنبّؤ بالمستقبل والتخطيط له، ومن المؤكد أن مثل هذه القدرات تظهر لدى الشمبانزي، ومن أبرزها مثلًا أن بعض الشمبانزي الموجودة في الأقفاص تستطيع أن تخزن أكوامًا من الحجارة التي تخطط لرميها على الزوار من البشر في المستقبل. 

 

هذه اكتشافات رائعة ومهمّة وتساعد إلى حدّ كبير في تعميق فهمنا لجيراننا من غير البشر، ولكنها في حدّ ذاتها لا تعني بالضرورة أنه ينبغي علينا معاملة الحيوانات التي تتمتّع بهذه القدرات باعتبارها أشخاص.

 

كريستين كورسجارد من جامعة هارفارد هي فيلسوفة كانطيّة معاصرة تتمتّع بالذكاء الشديد ووضوح الفكر ولكنها ترفض وجهة نظر كانط القائلة بأن الحيوانات ليس لها أيّ حقوق أخلاقيّة علينا. وهي تدعم رأيها هذا في كتابها (Fellow Creatures) الصادر عام 2018 مجادلةً بأنه ربّما يكون لدى جميع المخلوقات الواعية نوايا وخطط تؤهلها لأن تكون موضوع احترام من البشر. وتؤكّد كورسجارد أننا لا نملك أساسًا سليمًا للحكم بأن مشيئاتنا ورغباتنا وقيمنا لها أهميّة أو مكانة أخلاقيّة أكبر من تلك الخاصّة بالمخلوقات الأخرى، كما ترى أنه بما أننا لا نملك دفاعًا حاسمًا عن الادّعاء بأن قِيَمنا تفوق قِيَم الحيوانات غير البشريّة، فإننا ملزمون باستيعاب خطط حياتها. وخلصت كورسجارد إلى عدّة أمور من بينها أن هذا يعني ضمنًا أن الحيوانات غير البشريّة لا ينبغي أن تُنقل من موائلها الأصليّة وبالتأكيد لا ينبغي أن يتمّ أسرها.

 

إن الحجّة التي تسوقها كورسجارد حجّة مبتكرة وجديرة بالاهتمام، ولكن النتائج التي توصّلت إليها تركت العديد من القضايا دون معالجة؛ ذلك لأن مصالح البشر غالبًا ما تتعارض مع مصالح الحيوانات؛ إذ يسعى البشر مثلًا لإبعاد الغزلان والأرانب والسناجب عن الحدائق المنزليّة. كما يبدو أن الفئران والجرذان تجد مساكن البشر جذّابة للغاية، في حين يبذل البشر جهودًا حثيثة لإبقاء تلك الحيوانات بعيدة عن مساكنهم. ولم توضّح كورسجارد كيف سنتعامل مع مشكلة الآفات؟ وبالإضافة إلى هذه القضايا نجد أنه على الرغم من أن بعض الحيوانات غير البشريّة تشبه الأشخاص البشريّين في بعض النواحي، إلا أنها تمتلك صفات الشخصية بدرجة أقلّ كثيرًا من البشر البالغين؛ فعلى سبيل المثال، قدّمت الأبحاث دليلًا على أن الشمبانزي البالغ يُحقّق فقط النمو الفكري لطفل بشريّ يبلغ من العمر سنتين أو ثلاث سنوات ((‘The Intellectual Development of a Home-Raised Chimpanzee’, K. J. and C. Hayes, Proceedings of the American Philosophical Society, Vol. 95, No. 2, 1951)، كما أن الأطفال يستمرّون في النمو الفكريّ لأكثر من عشرين عامًا، بينما تتوقّف الشمبانزي عن التطور المعرفي في سنٍّ مبكرة. فهل يجب أن تتمتّع الشمبانزي بنفس المكانة الأخلاقيّة التي يتمتّع بها البشر أو ما يماثلها؟

 

وتوضّح الدراسات المفصّلة أن الشمبانزي يُكوِّن روابط عاطفيّة وثيقة مع غيره ويُعاني من أزمة عاطفيّة إذا تمّ حرمانه من تلك الروابط. وينطبق الشيء نفسه على العديد من الحيوانات غير البشريّة وربّما معظمها. وهكذا قد توفّر هذه البيانات البحثيّة أساسًا للمطالبة بمعاملة الحيوانات غير البشريّة معاملة لائقة؛ ولكن يبدو أن الوصول إلى هذا الاستنتاج لا يستلزم المطالبة بإسباغ صفة الشخصيّة على الحيوانات، فهذه البيانات توفّر دليلًا على الكيفيّة التي يمكن أن تعاني بها الحيوانات حسبما كان بنتام سيرى لو أنه صادفها، وهذا وحده كفيل بأن يرتّب علينا حقوقًا أخلاقيّة للحيوانات.

 

وتُظهر الشمبانزي علامات لإدراك الذات والتخطيط للنشاط المستقبليّ، لكن هذا لا يمنحها بديهيًّا الحقّ القانونيّ في البقاء بمنأى عن القيود الإنسانيّة. والواقع هو أن أفراد الشمبانزي الذين أقام «مشروع حقوق غير البشر» الدعاوى القضائيّة من أجلهم قد ظلّوا في الأسر معظم حياتهم أو حتى طوال حياتهم، ومن غير المرجّح أن يستطيعوا العيش إذا ما عادوا إلى البرّيّة. في ضوء ذلك، ما الحقوق المعقولة التي يمكن أن تُمنح لهم؟ يعتقد «مشروع حقوق غير البشر» أنه يجب السماح للشمبانزي بتكوين روابط مع أفراد الشمبانزي الآخرين والتمتع بدرجة معيّنة من الحريّة في العيش كما يحلو لهم. لكن بالنسبة للقردة العليا التي تقيم في مجتمعات بشرية، يجب أن تظلّ درجات هذه الحريّة محدودة للغاية؛ إذ إنهم مثل الأطفال الصغار، لا يمكنهم البقاء على قيد الحياة إلا بتوجيه من البشر ورعايتهم.

 

يُضاف إلى ذلك أنه توجد حاليًّا قوانين لحماية الحيوانات من القسوة وضمان معاملتها على النحو المناسب؛ فهل سيشكّل منحها وضع الشخصيّة القانونيّة إضافة كبيرة إلى هذه الحماية؟ إن كل ما كان سيعني جيريمي بنتام وأتباعه النفعيّون التأكيد عليه هنا هو الكيفيّة التي يمكن بها إيذاء الحيوانات، وقد تعلّمنا هنا أن الحيوانات قد تُعاني من حرمانها من الروابط الاجتماعيّة مع غيرها من أفراد جنسها وعدم قدرتها على العيش حسبما ترغب، بالإضافة إلى الألم الجسديّ وعدم الراحة. ويبدو أن هذه الحقيقة العارية سبب كافٍ لحماية الحيوانات من المرور بمثل هذه التجارب، بغضّ النظر عن القضايا المرتبطة بالشخصية.

 

المكانة الأخلاقيّة لغير البشر:

تؤمن كريستين كورسجارد أن الكائنات الواعية فقط هي التي لها الحقّ في التزاماتنا الأخلاقيّة، ويبدو هنا أن كورسجارد تعتقد أن المخلوق الذي يفتقر إلى الوعي (كالحشرات مثلًا) لا يكون على دراية بظروفه، وبالتالي فإنه لا يعاني، مهما كان مستوى المحنة الجسديّة الذي يواجهه.

 

هناك العديد من المشكلات في هذا الرأي، أولها: أننا لا نملك تعريفًا واضحًا ومقبولًا للوعي، كما لا تتوافر لدينا أي معايير واضحة لتحديد متى يكون الوعي حاضرًا. وفي ضوء فهمنا الحالي للوعي، من الممكن أن يكون لدى كل من الذباب والصراصير مستوى معين من الوعي، فهذه الحشرات في نهاية المطاف مجهزة تجهيزًا جيدًا للهروب من التهديدات والردّ على المفترِسات. ويبدو أن كورسجارد -على عكس بنتام- ترى أن المعاناة وحدها ليست مهمّة أخلاقيًّا فيما يتعلق بمعاملتنا للحيوانات، فالمهمّ في نظرها هو نيّة الحيوانات في الهروب من المعاناة؛ إذ ترى أن النيّة هي المركزيّة في الأخلاق كما يرى كانط. ومن ثَمّ فإن المعيار الذي تضعه كورسجارد قد يسمح لعدد كبير من الكائنات الحيّة باكتساب مكانة أخلاقيّة ومنها الحشرات.

 

ومع ذلك فقد وجدت كورسجارد (مثل كانط) أن هناك فجوة واسعة بين البشر والمخلوقات من الأنواع الأخرى، فهي تشير إلى أن البشر قادرون على فهم المبادئ الأخلاقيّة وإدارة حياتهم وفقًا لها، وعلى حدّ علمها لا توجد مخلوقات أخرى لديها هذه القدرة؛ حيث إن المخلوقات الأخرى تتصرّف ببساطة وفقًا لدوافعها، ولا تفكّر في بواعث تصرّفاتها ولا تقيّمها كما يفعل البشر: هي فقط تتصرّف أو لا تتصرّف. ولذلك على الرغم من أن كورسجارد تختلف مع كانط في القول بأن الحيوانات غير البشريّة ذات أهميّة أخلاقيّة، فإنها تتّفق معه على أن البشر فقط هم القادرون على التصرّف كفاعلين أخلاقيّين. بعبارة أخرى: تفترض كورسجارد أن الحيوانات غير البشريّة غير قادرة على فهم المبادئ الأخلاقيّة العامّة ومواءمة أفعالها معها. وهكذا يواجه نشطاء «مشروع حقوق غير البشر» مشكلة تتمثّل في أن الحيوانات غير البشريّة لا يمكن أن تكون أبدًا أشخاصًا مثل البشر. ومن هذا المنظور نجد أن «مشروع حقوق غير البشر» قد أُسيء فهمه. ولكن هناك أسباب قويّة للتأكيد على أن الحيوانات غير البشريّة يجب أن تكون ذات أهميّة أخلاقيّة لمجرد أنها يمكن أن تعاني. ولذلك فإنه بدلًا من البحث عن شيء مثل الشخصيّة القانونيّة البشريّة للحيوانات، يكون الأكثر جدوى هنا والأكثر تماسكًا من الناحية المفاهيميّة هو أن نبحث عن علاج قانونيّ قويّ للصور التي تعاني بها الحيوانات على أيدي البشر. 

 

© البروفيسور جيرارد إلفستروم 2021

جيرارد إلفستروم هو أستاذ الفلسفة في جامعة أوبورن بولاية ألاباما الأمريكية، وهو حاصل على درجة الدكتوراه من جامعة إيموري.

 

مقالات ذات صلة