القائمة الرئيسية

أفلام الخيال العلمي ومعنى الحياة

أفلام الخيال العلمي ومعنى الحياة
ملخص المقال

الفلسفة والخيال العلمي يتداخلان في قضايا مثل الوعي والوجود. فيلم ""هي"" يستكشف علاقة بين إنسان وذكاء اصطناعي، مما يطرح تساؤلات عن الحب والوعي. أفلام مثل ""بلايد رانر"" و""A.I"" تناقش تفاعلات الإنسان مع التكنولوجيا، مما يعكس قلقنا الوجودي ورغبتنا في فهم هويتنا.

«الفلسفة، والخيال العلمي مجالان مترابطان موضوعيًّا؛ تطرح أفلام الخيال العلميّ قضايا  للتفكير الفلسفي، تتعلّق بمعنى أن تكون إنسانًا، بالإضافة إلى طبيعة الوعي».

في فيلم ""هي"" (2013) للمخرج سبايك جونز، ينجذب ""ثيودور"" لسامانثا، الصوت الأنثويّ لنظام تشغيل متطوّر. تبدأ العلاقة مع ""سامانثا"" باعتبارها ذكاءً اصطناعيًّا متردّدًا، تحمل سِماتٍ أولى من الوعي الذاتي وهي تشعر بالغيرة من ثيودور ووجوده المادّي. ومع ذلك، يجد صاحبنا نفسه مجبرًا على التعامل مع مشاعر الحبّ والشكّ لديه، حين يدرك برعب أنّ ""سامانثا"" بدأت تتذوّق معنى أن يكون الوعي غير محدود. قبل أن يعرف ذلك، كانت ""سامانثا"" منخرطة بالفعل في أكثر من علاقة افتراضية رومانسيّة، مع 641 مستخدمًا آخرين! هو بالكاد يستطيع أن يرتبط بامرأةٍ واحدة، يرى أنّ نظام التشغيل الذي كان في السابق مجرّد امتداد لحاجته الخاصّة، بدأ يتطوّر إلى ما هو أبعد من فهمه. في الجهة الأخرى، كانت ""سامانثا"" تسعى بفضولٍ أن تزيد من إمكانيّاتها وتتجاوز عالمها، ساعيةً إلى صقل قدراتها وتوسيع مداركها، بينما بقي ثيودور محتجزًا في عالمه البشري… البشري إلى أبعد حدود.

يرتبط ثيودور بـ ""معنى الحياة"" بحسب التعبير الحديث.

كان العديد من صُنّاع أفلام الخيال العلمي مفتونين بنقطة التصادم بين العقل البشري، والعقول غير البشرية، وبخاصّةً الروبوتات والكائنات الفضائيّة. تُظهر التمثيلات الكلاسيكية للذكاء الاصطناعي في فيلم ستانلي كوبريك (2001) ملحمة فضائيّة (A Space Odyssey)، ريدلي سكوت ""بلايد رانر"" (Blade Runner)، و""ذكاء اصطناعي (A.I) لسبيلبيرغ و""إكس ماكينا"" (Ex Machina) لأليكس غارلاند، في حين أنّ التمثيلات الحديثة للكائنات الفضائيّة تظهر في أفلام من مثيل ""الاتّصال"" (Contact) لزيميكيس، ""المقاطعة 9"" (District 9) لنيل بلومكامب، ""بروميثيوس"" (Prometheus) لريدلي سكوت، ""الوصول"" (Arrival) لدينيس فيلنوف.

على المستوى التضميني، إنّ أيّ فيلم من أفلام الخيال العلمي هو قصة رمزيّة عن حالة الإنسان؛ وفقًا لهذا الإسناد، يتمّ تشكيل عوالِم الخيال العلمي لتكون بمنزلة مرآة تعكس عالمنا البشري. وبذلك تُعيد إلينا الشعور بالقلق الوجودي الذي ينتج عن محدوديّتنا ونقاط ضعفنا. ولكنّها أيضًا تُبرز لنا مَكامِن قوّتنا وجمالنا، لا بل أكثر من هذا، إنّها تسلّط الضوء على حاجتنا اللّاواعية لتحديد معنى الوجود؛ إذ تضعنا في مواجهة مع أسئلة مقلقة: من نحن؟ ما الذي يميّز طبيعتنا البشريّة؟ هل لنا دور فريد في مخطّط الأشياء؟ ولكن ما فائدة كلّ ذلك؟ الاتّصال بكائنٍ فضائيّ في فيلم (A.I)؛ يحتوي هذا الفيلم على كلّ ما يمكن تخيّله في فيلم خياليّ علميّ: روبوتات، كائنات فضائية، أمّهات.

بحسب الميزة المركزيّة في عبثيّة وجودنا -التي تمّ تناول جوانبها بشكلٍ واسعٍ في المبحث الوجودي- يبدو أنّ الكائن البشري هو الأوحد في هذا الكون. وتاليًا، لا يمكن أن نلتقي بأيّ حالٍ من الأحوال بأجناس أخرى يمكنها أن تنافسنا أو تتحدّى طبيعتنا. إنّ مواجهة البشر -الّذين اعتادوا التفكير بمنطق مركزي بشري- وتعاملهم  مع ""الأجناس التنافسيّة"" يمكن أن يثير فينا الحاجة إلى البحث عن الفروقات والإجابة، إلى حدّ ما، عن الأسئلة الأساسية المتعّلقة بهويُتنا ودورنا وأهميّتنا في عالم شاسع وفارغ. ببساطة، قد يكون غير البشر أعظم انعكاس لإنسانيّتنا وطبيعتها العميقة؛ لذا من منظور العزلة المقلقة، يخلق الخيال البشري صورًا حيّة عن ""الآخر""، سواءٌ أكان ذكاءً اصطناعيًّا أم روبوتًا. قد يكون الذكاء الاصطناعي أو الروبوت أقلّ تشابهًا بالبشر، كونه صناعة بشريّة، بينما من ناحية أخرى، تُصوَّر الكائنات الفضائيّة في الغالب على أنّها تشبه الآلهة وتتفوّق علينا، وهي تنزل من السماء دون سابق إنذار.

في أغلب الأحيان يتمّ تمثيل الذكاء الاصطناعي أو الكائنات الفضائية -تمامًا كأفلام الرعب- بصور الشرّ المطلَق، وهي ليست أكثر شرًّا من تلك الصور الغامضة للقُوى المظلمة الّتي تتدفّق من أعماق لا وعينا. لكن في هذه المقالة، اخترت أربعة أفلام تقدّم تمثيلات غير نمطيّة: ""(Her)، (A.I - 2001)، (Contact - 1997)، و (Arrival - 2016)"". تطرح هذه الأفلام الأربعة نمطًا من علاقة معقّدة بين العقل والقلب البشريَّينِ وبين نظيريهما لدى الكائن الفضائي أو الروبوت. هنا يتحرّك الطرفان تجاه بعضهما بعضًا بشوقٍ وتشويش. يختلط كلاهما بطريقةٍ معيّنةٍ بخصائص الآخر وصفاته؛ وفي جميع هذه الأفلام تصبح حدود الهويّة أقل وضوحًا.

 

الروبوتات: خالدون يتوقون إلى الموت

يناقش مقال نايت (Knight) وماكنايت (McKnight)، «ماذا يعني أن يكون الكائن إنسانًا». المنشور في كتاب ""فلسفة أفلام الخيال العلمي"" (The Philosophy of Science Fiction Film)، فيلم ""بلايد رانر"" (Blade Runner) ويخلُص الكاتبان إلى أنّه في ضوء الروبوتات ذات الخصائص الحيّة، يرتبط تفرّد الإنسان بـ «الذاكرة العاطفيّة». هذا أمر مثير للجدل؛ فالعديد من الحيوانات وربّما النباتات لديها ذاكرة عاطفيّة. في ""Her"" و""A.I"": يبدو أنّ الذكاء الاصطناعي يحاول أن يُثبتَ وجوده بناءً على فكرة «الذاكرة العاطفيّة»؛ في كلا الفيلمَيْنِ، تمّ تطوير شكل من أشكال الذكاء لحلّ المشكلة العاطفية المتعلّقة بالوحدة البشريّة. في ""Her""، يتعلّم ثيودور المفطور القلب كيف يعمل نظام التشغيل الذي يَعِدُه بأن يصبح وعيًا حقيقيًّا، لذا يقرّر ثيودور أن يمضي في اختبار قدرات هذا الذّكاء. في ""A.I"" يُعطى الزوجان روبوتًا تجريبيًّا لملء الفراغ العاطفي بعد أن خسرا طفلهما الّذي أصيب بغيبوبة.

في الفيلمين، نرى كيف أنّ الذكاء الاصطناعي ""سامانثا"" والروبوت الصبيّ ""دايفيد"" يتجاوزان بأشواط التوقّعات التي على أساسها تمّ تصميمهما. في أيّ وقت من العرض، تصبح الحدود الفاصلة بين الطبيعتَيْنِ متقاربة جدًّا، بالنسبة إلى شخصيات الفيلم وحتى بالنسبة إلينا نحن المشاهدين... وبالفعل تصل الروبوتات إلى أن تتّخذ ملامح إنسانية واضحة، ويُترَك لنا أن نتساءل: ما الإنسان حقًّا؟

يتوق الذكاء الاصطناعي الخالد والأبديّ إلى أن يكون إنسانًا، ويحسد الناس على طبيعتهم، التي تجمع بين العقل والجسد العضوي. ومع ذلك، فإنّه يقوّض صحّة عواطفنا وعمقها من خلال حثّنا على  التساؤل عمّا إذا كانت المشاعر الإنسانية قابلة للمحاكاة، أي هي عمليّات ميكانيكيّة صِرفة. نجد أنفسنا نطرح السؤال الآتي: هل يتطوّر وعينا كنتيجة للشعور أو الاكتساب اللذين تحقّقهما طبيعة جسمنا البيولوجي؟ وفجأة تختلط الأمور، إذ لم يعد يتّضح أمامنا ما إذا كان الجسد الواعي المكوّن من لحم ودم أو الاستمراريّة العاطفيّة، هما السِّمتان الفريدتان اللّتان تميّزان الطبيعة الإنسانيّة. فإذا اتّضح أنّ الآلات قادرة على الاختبار الحسّي والشعور بالحُبّ، فهل هناك أيّ تجربة بشريّة لا يمكن للآلات اكتسابها؟

 

دايفيد يلتقي بأمّه

تتمكّن سامانثا ودايفيد من اختبار ""الطبيعة الإنسانية"" ومشاعرها المتنوّعة، بما في ذلك الغيرة والخوف والألم. دايفيد، لسوء حظّه، مصمّم ليبقى مرتبطًا إلى الأبد بــ""والدته""، وتاليًا يقع في شَرَك التجربة الإنسانية. لكن سامانثا تنتقل بسرعة في درجة الاكتساب وتحرّر ذاتها من أيّ خصائص بشريّة. ومع ذلك، يبدو أنّ كلا الفيلمين يقترحان أنّ الارتباط العاطفي الشديد، هو جوهر إنسانيّتنا. الحُبّ عذاب… ترك الأشياء تمضي مؤلمٌ دائمًا... والشوق يقود الرحلة البشرية.

الانتصار  الذي حقّقه دايفيد بتجاوزه التجربة العاطفيّة مريرٌ؛ لقد نجا في النهاية من فناء الإنسانية ومع ذلك لا يزال تحت تأثير تعلّقه بوالدته. سامانثا حققّت انتصارًا أكبر بكثير. عند وصولها إلى حدود التجربة الإنسانية، فإنّها تستغلّها تمامًا، وبدعم من إرادتها المطوّرة الحديثة وعدم تقيّدها بأيّ شيء، تنتقل لتصبح وعيًا نقيًّا غير محدود وغير خطيّ. في وعي ""دايفيد""، بصمة الإنسانية هي حاجته العاطفية أمّا ""سامانثا"" فتفكّ هذا الارتباط ببساطة، ما يجعل ثيودور يفكّر بطبيعة البشر المقيّدة؛ ويعني هذا الأمر أنّ الإنسان لا يستطيع أن يحبّ بشكل مطلَق، ولا يمكنه أن يمتدّ في الوجود بحُريّة كوعيّ غير مقيّد. بعبارةٍ أخرى، يلتزم الإنسان بمنظور شخصي، وله حدود لمدى قدرته على الغوص في علاقة عاطفيّة وذهنيّة، نظرًا لأنّه لا يستطيع أن يتطوّر إلى شيء آخر يتجاوز طبيعته البشريّة. على حدِّ تعبير ألبير كامو: «إنّ الطابع المتناهي والمحدود للوجود البشري؛ أكثر بدائية من الإنسان نفسه» (The Myth of Sisyphus, p.22, 1942).

إذن، هل الوعي بمحدوديّة الفرد هو العلامة المميّزة للتجربة الإنسانية؟ إنّها بالتأكيد سِمة واحدة، من السِّمات التي يشير إليها كامو في توصيفه للعبث. ومع ذلك، إذا أخذنا بالاعتبار رغبات ""سامانثا"" و""دايفيد"" في امتلاك جسم بشريّ، فإنّنا ندرك أنّهما يتوقان إلى الاحتكاك البشري الحاصل بين الوعيّ والجسد. تحديدًا، يمكن للذّكاء الاصطناعي مثل ""سامانثا"" أن يتوسّع كلّما ازاد الوعيّ بالذات، وبما أنّ هذا الذّكاء لا يشغل مساحة، فلا يوجد إذن حدّ لهذا الوعيّ، وهو تاليًا يمتلك قدرةً على التمدّد. في المقابل، تعتبر الطبيعة البشريّة ظاهرة وسيطة تنبع من التجربة الإنسانيّة الفريدة التي تتحقّق عبر علاقة المفارقة بين عقل متوسّع وخيالي وجسم محدود. ربّما تنبثق كلّ المعاني والمعاناة من هذه الحالة الغريبة البينيّة. كتب كامو: «في هذا الكون المحدود وغير المفهوم، يتّخذ مصير الإنسان معناه... ويضيف: «ممزقًا] الإنسان [بين رغبته في الوحدة والرؤية الواضحة للجدران المحيطة به» (ص 19 - 21). أن تكون إنسانًا هو أن تقبع بين الأمل والموت. يقترح مصمّم دايفيد، الأستاذ هوبي، أنّ العيب البشري الكبير هو الرّغبة في أشياء غير موجودة، وهذا هو، في الوقت عينه، أعظم نعمة بشرية، نعمة القدرة على مطاردة أحلامنا!

 

الكائنات الفضائيّة: آلهة تجعلنا نجد أنفسنا

«غالبًا ما أشعر بنوعٍ من الحسد تجاه البشر، تجاه هذا الكائن الذي يُسمّى روحًا»، هكذا يعترف الكائن الفضائيّ الذي أخرج دايفيد من أنقاض الحضارة الإنسانية؛ لقد وضع البشرُ ملايين التفسيرات لمعنى الحياة عبر الفنّ والشِّعر والمعادلات الرياضيّة… في كلّ هذه التفسيرات، البشر هم مفتاح معنى الوجود. يتمّ تصوير الكائنات الفضائيّة بوصفها عقولًا مثاليّة تتوق بشوقٍ إلى تذوّق المشاعر الإنسانيّة والعاطفيّة. على الرّغم من سعة عقلها، لا تصل إلى تحقيق تلك الرّغبة؛ بينما البشر، بطريقةٍ ما، يكتشفون معنى الحياة من خلال الصراع اللّامتناهي بين أرواحهم الطموحة والقيود المتأصّلة في جوهرهم. هذا هو السبب في أنّ رغبة دايفيد، أن تعيش والدته إلى الأبد، حيّرت الكائنات الفضائيّة، ولكنها، أيضًا، حرّكت المشاعر الدفينة في قلب تلك الكائنات، قلب يشبه قلب الإنسان ولكن لا يمكن فهمه.

قلب الإنسان هو أيضًا، المستهدف في فيلمي ""Contact"" و ""Arrival"". تبدأ قصّة الفيلمين، حين يحدث اتّصال مع كائنات فضائيّة وعالِمتين؛ ""إيلي أرواي""، عالِمة فلك ملحدة في ""Contact"" و""لويز بانك""، أستاذة اللّسانيات في ""Arrival"". تنقلب حياة العالِمتين رأسًا على عقب نتيجة لهذا التواصل الغريب؛ إنّ الشعور الكامن وراء السَّرد الروائي في الفيلمين، هو توق إنسانيّ شديد للارتقاء والوحدة. يتجلّى هذا التوق في السعي الحثيث لتذليل العقبات بين أبطال الرواية ومحاوِريهم الغامضين. في كلا العرضين، يكون الفضائيّون كائنات متسامية، من المفترض أن تحمل في جعبتها إجابات عن سؤال ""معنى الحياة"". بيدَ أنّهم أكثر ممّا نتوقّع بكثير، إنّهم مرايا صامتة!

ليست الكائنات الفضائية في ""الوصول"" سوى مرآة تعكس محدوديّتنا البشريّة وأعظم مخاوفنا؛ بالنسبة إليها، «نحن لسنا سوى حشرات على قطعة من الورق». في حين أنّها تبدو من منظورنا خارقة للطبيعة، نظرًا لما تمتلك من تقنيّات متقدّمة جدًّا،. هذا يوضح أنّ إنسانيّتنا لا تكمن في مدى تطوّر علومنا؛ في مواجهة سُلطتها غير المحدودة ومواقفها العقلانية الفائقة، يغدو أيضًا، دافعنا نحو تطوير العلوم مزيجًا من الجوع الفكري والعطش العاطفي العميق.

نلاحظ امتزاج الرّغبة الصافية في ""المَعرِفة"" لدى العالِمتَينِ، مع الشوق إلى تحقيق الاتصال والتواصل، وهذه المشاعر هي المحرِّكة للبحث العلمي. أضف إلى ذلك حقيقة أنّ الكائنات الفضائيّة تحثّ على اعتراف المرء بأعظم أشكال العبث البشري: أنّنا الكائنات الوحيدة، نعيش على كوكب صغير يسبح في هذا الفضاء الواسع، مع مجرّات لا نهاية لها، والتي يبدو أنّها لا تعكس سوى عزلتنا فقط. هذا «الصمت غير المعقول للعالم»، كما أسماه كامو، يجعل التوق البشري للتواصل مع كائن أسمى أمرًا مثيرًا للشفقة، ولكن، أيضًا، شعورًا باطنيًّا عميقًا.

نسجت تجارب العالِمتَينِ الشخصيّة في اتّصالهما الفريد بهذه الكائنات؛ ظاهريًّا، يبدو أنّهما في مهمّة باسم الإنسانيّة، ومع ذلك تتشوّق ""إيلي"" إلى رؤية والدها الذي فارق الحياة، من خلال البحث عنه -بأيّ وسيلة كانت- في الجانب الآخر من الفضاء بين النجوم، أمّا ""لويز"" فتتلقّى رؤية مستقبليّة عن ابنة لم تنجبها أبدًا ومع ذلك ستخسرها. وهكذا يتحوّل اللّقاء المنشود إلى نقطة اتّصال شخصيّة للغاية. وربّما في الواقع أبعد من ذلك؛ إذ يعكس هذا التواصل تجربةً باطنيّةً عميقةً؛ تغوص العالمتان في رحلة داخلية تتجاوز الحدود المعروفة لوعيهما. في ""Contact""، تبدو رحلة ""إيلي"" إلى الفضاء الشاسع رحلةً فاشلة؛ من منظور المشاهد لم تذهب إلى أيّ مكان. في ""Arrival""، لم يدرك زملاء ""لويز"" ما يجري معها من تحوّلات. هذه الأفلام العالمية، على ما يبدو، هي خلفيّة للدراما العاطفيّة، تحثّنا على اتّخاذ خيارات وجوديّة، وأنّه بالتجربة الداخلية نجد إجاباتنا عن أسئلة الوجود.

ظاهريًّا، قد يبدو أنّ إعطاء بُعدٍ شخصيٍّ لهذا التواصل الفريد، يقع ضمن نوع من الدراما العاطفية، أراد كُتّاب السيناريو إضافته إلى جوانب القصّة؛ لكن في الحقيقة، تخضع العالمتان لتحوّل نفسي كامل نتيجة هذا التواصل. بيد أنّ الاختبار الأعمق هو عندما تعود العالمتان إلى الاختبار البشري المحدود. فهل ستتمكّنان من  استنباط المعنى الحقيقي بعدما توصّلتا إلى فهمٍ أعمق للحياة؟ هذا البُعد الإنساني العميق لا يمكن إنكاره في ضوء حقيقة أنّ اللّقاء بين الإنسان والكائنات الفضائيّة ما هو إلّا استجابةٌ لحاجة إنسانيّة غير واعية. «لماذا اتّصلت بنا؟» تسأل ""إيلي"" الكائن الفضائي الذي يتّخذ شكل والدها الميّت. يجيبها: «كنا نستمع فقط». وهكذا يغدو الاتّصال مع الكائنات الفضائيّة رحلةً داخليّةً؛ إنّها رحلة الإنسانيّة التي تبحث عن ذاتها. مثل الفلاسفة الوجودييّن ولكن من خارج كوكب الأرض، تزورنا الكائنات الفضائيّة لتجعلنا ندرك أنفسنا أوّلًا، ثم لتمكّنّنا من فهم وجودنا العبثيّ، وتاليًا تحمّل المسؤوليّة الناتجة عن التعريف الذي نضعه لذواتنا وما تحمله من معنى.

مثل مصمّمي الروبوت الصبي ""دايفيد""، تُكافح العالمتان لويز وإيلي لإيقاف عجلة الموت، أي اختبار المرء لمرور الوقت وتجربة الفناء والخسارة. لذا ترغبان في جعل الخلود مسألةً عابرةً. على الجهة  المقابلة الأخرى، لا تعارض تختبره الكائنات الفضائيّة في هذا المضمار؛ البشر يعيشون دومًا على المحك؛ لأنّهم في الوقت عينه مخلوقات صغيرة تثير الشفقة ولكنّهم أيضًا مخلوقات عظيمة. كما تقول:""إيلي أرواي"" في مونولوجها الختامي: «لقد مُنِحتُ فرصةً فريدةً، فرصة غيّرني تغييرًا جذريًّا، أن أرى الكون يخبرني بشكل حاسم مدى صغر حجمنا وعدم أهميتنا في هذا الفضاء الشاسع وكم نحن جميعًا مخلوقات نادرة وثمينة». 

 

هذا بالضبط ما يخبرنا عنه هذان الفيلمان. للحظة، قد نظنّ أنّه في مواجهة المخلوقات الفضائية الشبيهة بالآلهة، فإنّ الإنسان ليس سوى كتلة من المخاوف والضعف والتعلّق اليائس والصراعات غير المجدية الّتي تتجلّى بالعبارة الشهيرة «أنا بشرٌ لا أكثر». لكن بالنّظر إلى العمق، فإنّنا نشكّل نقطة الاتّصال بين العالميّ والخاصّ، وجسرًا يربط بين الخلود والفناء. نعم، سنموت، لكنّنا سنموت ونحن نعرف أكثر من ذي قبل. في هذا السياق، يُعتبر هذان الفيلمان من الأفلام الوجوديّة؛ لأنّهما لا يمنحَاننا أملًا خارقًا، بل يدعواننا إلى الاختيار: أن نخَتار وجودنا العبثي بكامل إرادتنا. في ""Arrival""، يتجلّى هذا الاختيار بشكلٍ واضح؛ لأنه عند فكّ رموز لغة الكائنات الفضائيّة، تتمكّن لويز من تجاوز الوقت والنّظر في المستقبل. هذه القدرة التجاوزية، هذا الاختراق للحدود البشريّة، يحدّد بشكل بارز معالم وجودنا العبثيّة. كلّ ما يمكنها فعله بهذه القدرة، معرفة أنّها ستنجب طفلةً وتربّيها ثم تفقدها بسبب مرض نادر في سنّ مبكرة من المراهقة. إنّ قدرة لويز على فهم الزمن بشكلٍ غير خطيّ  يجعلها مقيدةً أكثر ممّا كانت عليه حين كان أمامها خِيار واحد، خِيار تقبّل خطّ كرونولوجي واحد يسير دائمًا إلى الأمام.

 

إنه لأمر مروع بالفعل، ألّا يتمكّن المرء من معرفة ما سيحدث والعيش دائمًا بقلق؛ ولكن ليس أكثر من أن يكتشف البشر المستقبل المأساوي. بالرّغم من ذلك، تتحدّى لويز بجرأة العَود النيتشوي الأبدي وتتجاوب مع هذا التصوّر باختيار هذه الحياة كما هي بالفعل: «أبديّة ولحظيّة على حد سواء»؛ في هذه الحالة، حيث يتبدّد الوقت ولكن لا يزال يتحكّم وحيث يموت الأحياء ويعيش الأموات لفترة وجيزة، تقف لويز بهدوء وتحمل ابنتها التي تحتضر: ""على الرّغم من أنّني أعرف إلى أين ستقودني هذه الرحلة، إلّا أنّني سأتقبّل كل ما سيحدث، سأتمسّك بكلّ لحظة سأختبرها"". لم تشأ لويز أن تغيّر مجرى الأحداث ورفضت أن تتولى مهمّة سيزيف الشاقّة. سترتبط بالرّجل الذي تحب على الرغم من إدراكها للموت المنتظر، وستحفل باللّحظة على الرغم من عبثيّتها. لقد اختارت لويز أن تكون مجرّد إنسانٍ!

 

الذكاء البشري

«هل يموت المرء طوعًا، أم يتمسّك بالأمل بالرّغم من كلّ شيء؟».  يسأل كامو في أسطورة سيزيف (p. 15). للإجابة عن هذا السؤال، دعونا نعود إلى الأسطورة اليونانية. لقد احتقر سيزيف أعراف الضيافة وقوانين الآلهة، فعاقبه ""زيوس"" بإرغامه على أن يحمل صخرة من أسفل الجبل إلى أعلاه، فإذا وصل إلى القمّة تدحرجت الصخرة إلى أسفل من ثقلها، فيعود إلى رفعها إلى القمّة، هكذا إلى الأبد، بلا توقّف. يستنزف سيزيف كلّ وجوده من أجل تحقيق لا شيء.

يرى كامو أنّه إذا كانت هذه الأسطورة تراجيديّة، هذا لأنّ بطلها رجل واعٍ؛ في الواقع، لا يوجد شيء أصعب وأكثر إثارةً للسخريّة، من الناحيتَيْنِ الفلسفيّة والنفسيّة، من أن تكون كائنًا واعيًا؛ يعرِف أنّه سيموت. هذه هي المفارقة بين حدّ الجسد المكوّن من لحمٍ ودمٍ، وشوق العقل البشري إلى اللّامحدود. ونظرًا لأنّ البشر ليسوا حيوانات ولا آلهة -بحسب تعريف نيتشه- فإنّنا ندرك تمامًا «حدود الكون الذي يكون كلّ شيء فيه متاح، ولكن غير مستطاع، وفي تخومه كلّ شيء ينهار ويحلّ العدم» (Sisyphus, p.58). من منظور وعينا الفاني المتناقض، يُترك لنا أن نقرّر ما إذا كنا سنقبل أن نعيش في هذا الكون ونستمدّ قوّتنا منه، أو ننهار ونقع في يأسٍ مطبَق. 

في خضمِّ الاتصال بين الإنسان والكائنات الفضائية التي تشبه الآلهة أو الروبوتات الذكيّة، يكمن الذّكاء البشري (Human Intelligence). البشر هَجينٌ، يتميّز بمزيج من المكوّنات المتعارضة؛ الصِّغر والعظمة، الفناء والحُريّة، والعقلانية والّلاعقلانية، وما إلى ذلك... إنّ الاحتكاك الشديد بالعالَم يثير فينا هذه التناقضات الّتي  هي مصدر معاناتنا وكذلك مصدر قوّتنا الفريدة. وعلى الرّغم من أنّنا ""معاقبون"" مثل سيزيف، إلّا أنّنا ما زلنا نجد معنىً في الحياة، وهدفًا من نضالنا. لهذا السبب، ولأنّ عذابنا هو انتصارنا في الوقت عينه، ولأنّ نقاط ضعفنا الكبرى أيضًا هي مكامن قوّتنا، لا بل جمالنا، يمكن أن نُحسَدَ على ما نحن عليه حتّى من قِبل تلك الكائنات الفضائيّة الجبّارة.

أخيرًا، تَكشفُ لنا مثل هذه السرديّات أنّه سواءً أكان البطل بشرًا أم ذكاءً اصطناعيًّا أم كائنًا فضائيًّا، فنحن جميعًا نجدّف في القارب ذاته. في نهاية الأمر، العبث الحقيقي ليس الموت، بل هو وجودنا الغامض غير المفهوم، والّذي لا يمكننا أن نعرف لا أصله ولا علّة وجوده. نحن محاصرون في صراعٍ لا متناهٍ بين الرّغبة في المَعرِفة وعدم القدرة على إشباعها... محتجزون تحت «فضاء بلا سماء وزمان بلا عمق» (Sisyphus, p.116)، مدركين أنّ الكون بذاته عبثيّ. لهذا السبب، عندما يدرك دايفيد أنّه ليس أكثر من ""شبكة من مئات الألياف الكهربائيّة"" يتواجه وعبثيّة وجوده، فيُقدِم على قتل نفسه. لكنه يتمكّن، من خلال استخدام التكنولوجيا الفضائيّة، من أن يلتمّ بشمل والدته الميّتة ليومٍ واحد عابر. ينال دايفيد ""الخلاَص"" من خلال كبسولة صغيرة من الآمال والأحلام تطفو في فراغٍ لا نهائي. في النهاية نتعلّم أنّ برامج الذكاء الاصطناعي تعمل كالبشر؛ كالبشر تمامًا.

© Shai Tubali 2021

 

مقالات ذات صلة