القائمة الرئيسية

أحاديّة ذهن الخليّة البشريّ

أحاديّة ذهن الخليّة البشريّ
ملخص المقال

يتناول النص تأثير الإنترنت على الفرد والمجتمع، مشيرًا إلى إمكانية ظهور ""ذهن الخليّة"" الذي يعكس وعيًا جماعيًا. يشدد الكاتب على أن الإنترنت تعزز التعاون، مما قد يؤدي لفقدان الفردية والوعي المستقل. يطرح تساؤلات حول السيطرة على هذا التحول ومخاطر فقدان الهوية الفردية والاستبداد الاجتماعي.

لقد أصبحت شبكة الإنترنت منتشرةً في كلّ مكانٍ إلى حدٍّ باتت فيه الكلمة نفسها قديمة الطّراز؛ إذ لا أحد يستعملها كثيرًا؛ حيث نطلب استعمال الوايفاي أو المحادثة أونلاين، أو نشكو غياب الدّاتا، وقلّما نشير إلى شبكة الإنترنت بوصفها كيانًا «entity»؛ فقد باتت شيئًا فطريًّا وشائعًا جدًّا في حياتنا؛ لدرجة أن اللّفظة لم تعد مفيدةً؛ وهذا ما يدفعني إلى التّساؤل: ما الذي نتحوّل إليه؟ هل يمكن أن تدفعنا شبكة الإنترنت إلى أن نتجاوز واقعة كوننا أفرادًا ومجتمعاتٍ متنوّعةً؟

أعتقد أنّنا ندخل حقبةً تتّخذ فيها لفظتا «الفرد» و«المجتمع» تعريفًا أو معنًى جديدًا، بينما يزداد ترابطنا بما أُعدّه «ذهن الخليّة» «hive mind». كما أعتقد أنّ عمليّة ذهن الخليّة يمكنها أن تكون مرحلة انتقالٍ نحو أحاديّةٍ «singularity» في الوعي حول كوكب الأرض. فهل هذا ما نرغب فيه؟ وهل يمكن تحقيقه؟ هل نحن في طور ابتكاره؟ أيكون ذلك أمرًا محتومًا؟ وهل يمكن التّحكّم به؟ وما الذي يعنيه هذا الأمر؟

لكن قبل التّطرّق إلى هذه الأسئلة لا بدّ أن نعرّف كلمتَي «الخليّة» «hive» و«الذّهن» «mind» وعبارة «ذهن الخليّة»؛ ما هو ذهن الخليّة؟

الذّهن:

إنّه وعيٌ بالوجود وبالمحتوى التجريبيّ؛ حيث يشير إلى ما يكمن خارج ذاته وداخل وجوده.

الخليّة:

عددٌ من الكيانات التي تتشارك عنصرًا من الوعي الذي لا ينفرد بأيّ فردٍ، وإنما يكون حاضرًا في كلّ واحدٍ منهم، ويختبره الجميع بصفته وعيًا بوجودهم الجمعيّ.

ذهن الخليّة:

إدراكٌ نشأ من تواصل أذهانٍ منفردةٍ ومختلفةٍ عن بعضها؛ حيث لا يحدّدها انفصال الأذهان المنفردة التي شكّلتها.

ولنعاين إمكانيّة وجود ذهن الخليّة في إطار حرّيّة الإرادة، انطلاقًا من مزعم أنّ فقدان الإرادة الحرّة الفرديّة أمرٌ غير مرغوبٍ فيه.

حتميّة ذهن الخليّة:

لطالما اعتمدت أساسيّات النّجاة على التّعاون بين البشر. لقد وفّر الأفراد لأنفسهم وللآخرين حدًّا أدنى من الرّفاهيّة؛ وذلك من خلال اتّحاد قدراتهم بوساطة التّعاون في سبيل تحقيق الأهداف المشتركة. ويمكن تطبيق هذه النّتيجة على الإرادة المشتركة التي غالبًا ما نشير إليها بمسمّى «علم نفس الجماعة» «group psychology». ووفقًا لهذا المعنى تعتمد البشريّة حتمًا على ذهنيّة الخليّة «hive-mindedness». ونحن لا نملك - طبعا - ذهن الخليّة التي تملكها العصافير، أو النّحل، أو النّمل، ولكنّ التّعاون يمدّد وعي الفرد، إن صحّ التّعبير؛ ويتّضح هذا في تطوّرنا الدّاخليّ، وصولًا إلى تكنولوجيا المعلومات (IT) التي طوّرناها مؤخّرًا.

تشجّع شبكة الإنترنت على اتخاذ أنواعٍ أخرى من التّعاون وجعلها ممكنةً؛ حيث تشمل جماعاتٍ أكبر، ومشاركةً أسرع وأقرب للأفكار. وهذا الأمر يدفعنا باتّجاه ذهن الخليّة على نحوٍ سريعٍ غير خاضعٍ لأيّ خطّةٍ مركزيّةٍ. لكن هل نمط التفكير لكل من لديه ذهن الخليّة أمرٌ محتومٌ؟ يمكننا التّسليم بأنّنا في الأحوال جميعها سنفقد إحساسنا بفرديّتنا ما لم تحرمنا كارثةٌ من الكهرباء.

إذا اعتبرنا الإنترنت تواصلًا مباشرًا للأدمغة فسيسهل علينا اعتبار التّفكير المنعزل أمرًا صعبًا المحافظة عليه نظرًا إلى المعدّل السّريع الذي يدفعنا فيه المجتمع إلى مشاركة أفكارنا. وفي هذا الإطار قد يبدأ دماغٌ منفردٌ في التّصرّف كالعصبون «neuron» أمام الوصلات العصبيّة «synapses of the internet» في دماغ الإنترنت أكثر من كونه وحدةً حاويةً ذاتها؛ ويتّضح هذا الأمر في ازدياد محاكاتنا المعلومات أكثر من توليدها، وبخاصّةٍ عبر المشاركة، وإعادة النّشر، أو إعادة التّغريد. إنّ المحتوى الأكثر تعقيدًا من مختلف النّشاطات والمواضيع تولّده جماعاتٌ على الإنترنت عوضًا عن الأفراد؛ لأنّ تحقيق محتوًى غنيٍّ يكون على هذا النّحو أسرع. زد على ذلك سهولة التقاط تجاربنا من خلال الصّور والفيديوهات وتحسينها عبر المحسّنات التي ترفع من نوعيّتها، وإن كانت في الواقع لا تسهم إلاّ في خفض التّنوّع، ثم في تقليص الفرديّة.

إننا إذا راجعنا السّرعة التي نطوّر فيها تواصلاتنا في العالم الافتراضيّ فسنجد أنّ ذهنيّة الخليّة بدأت تتحقّق. ويبدو أنّ أدمغتنا لم تعد قادرةً على التّمييز بين معلومةٍ من العالم الحقيقيّ ومعلومةٍ من العالم الاصطناعيّ؛ إذ إننا نتفاعل مع الحالات الاجتماعيّة على الإنترنت شعوريًّا وفكريًّا كأنّنا جزءٌ من مجتمعٍ فعليٍّ.

العمليّة:

يصرّ علماء النّفس على أنّ الذّهن البشريّ أقلّ تمركزًا ممّا ظننّا. ولقد حاجج الفيلسوف ""دايفيد هيوم"" «David Hume» - في القرن الثّامن عشر - بأنّ وحدة الوعي وهمٌ؛ حيث يتألّف كلّ ذهنٍ من حزمةٍ من الإدراكات الحسّيّة والتّجارب. ويبدو أنّ كلّ وعيٍ مؤلّفٍ من كياناتٍ متعدّدةٍ ليس سوى مسألة وجهة نظرٍ؛ كي يشعر المرء بوجود أحاديّة الهويّة. أمّا التّكنولوجيا التي ما زالت في طور الدّراسة فسرعان ما تصبح متطوّرةً إلى درجةٍ تجيز ربط أذهاننا على نحوٍ يتجاوز الخيال. خذ مثلًا شبكة دماغٍ موصولٍ بالإنترنت قد أظهرت سنة 2019 أنّها تجيز ثلاثة أفرادٍ منفصلين أن يلعبوا - مستخدمين أفكارهم - لعبةً جماعيّةً شبيهةً بلعبة تتريس «Tetris»؛ لذا يمكن التّوصّل إلى أحاديّةٍ في الوعي من هذه الثّورة التّكنولوجيّة؛ لأنّ الوعي الواحد – الذي نشأ من عدّة عمليّاتٍ - سبق وجوده، وأعني بذلك: نحن. ولكن إذا اعتبرت شبكة الإنترنت نفسها واعيةً ومندمجةً مثلنا تمامًا فهل سنستطيع ملاحظة هذا الأمر؟ هل سنعرف إذا باتت الشّبكة العنكبوتيّة واعيةً - أو كما يظنّ ذلك الكثيرون - أيمكن معرفة أنّها تنسّق ذهنيةً بشريّةً واحدةً؟

لا شكّ أنّنا في عمليّة تزايد التّرابط، فهل نحسّن حياتنا الاجتماعيّة والمهنيّة بصفتنا أفرادًا، أم نبدأ في ابتكار ذهنٍ واحدٍ؟ وانطلاقًا من مقارنة ذواتنا في الإنترنت بالخلايا العصبيّة في الدّماغ هل نستطيع تسمية أذهاننا المنفردة ذهنًا واحدًا، أم يُعدّ الوضع شبيهًا بخليّةٍ ذات أذهانٍ مصغّرةٍ؟ لعلّنا سنتجزّأ إلى أذهانٍ عديدةٍ قبل توليد وعيٍ واحدٍ عالميٍّ، ثمّ نعود في نهاية الأمر إلى الفردانيّة «individualism» مجدّدًا.

كذلك لا بدّ من أن نسأل عما إذا كان بإمكاننا السّيطرة على هذه العمليّة أو الحدّ منها؛ فعلى سبيل المثال: هل يمكن تجزئة ذهن خليّةٍ كالإنترنت في المستقبل بحيث يحافظ على فرديّة كلّ مستخدمٍ من مستخدميه؟ إننا نعجز عن الإجابة عن هذا السّؤال الآن، لكنّني أعتقد أنّنا سنضطرّ في نهاية الأمر إلى رفض التّواصل السيبرانيّ كلّه؛ لكي نبقى أفرادًا ونمارس حرّيّتنا الفرديّة، وهذا الأمر مستبعدٌ حصوله. وهكذا نصل إلى السّؤال المهمّ: ما مدى السّيطرة التي نمتلكها الآن؟

يتطلّب التّحكّم بالخليّة وجود رغبةٍ مشتركةٍ بالتّحكّم الفرديّ، ولكن إذ اعتَمَدَ التّحكّم الفرديّ على رغبة الجماعة فإن هذا الأمر يوازي قولك: لا سيطرة لنا بصفتنا أفرادًا، وهكذا ينشأ السّؤال: هل ستتخلّى الخليّة عن جزءٍ من سلطتها وتجيز الاعتراض للوحدات التي تؤلّفها؟ لعلّ الجواب يكون ""لا"". وقد سبق لنا أن رأينا تجلّي هذه المشكلة على مواقع التواصل الاجتماعيّ؛ مثل: تويتر؛ وذلك بوساطة التّجمهر الحادّ ضدّ أفرادٍ اعتُبروا أنّهم انتهكوا قيم مجتمع الإنترنت. يبدو كأنّ ترابط الحشود الغاضبة يزيل وعي الأصوات الفرديّة التي قد تكون ضروريّةً، ومن ثم ينزع أسس الرّغبة في الفرديّة أساسًا. واختصارًا: إن يكن التّمرّد على ذهن الخليّة ممكنًا فلعلّنا لن ندركه أصلًا، وهذا ما يؤدّي بنا إلى مرحلةٍ يستهلك فيها الوعي الأحاديّ ذلك التّفكير الفرديّ استهلاكًا تامًّا، فيتعدّى فكرة ذهن الخليّة، ويصبح بذاته ذهنًا، وفي هذه الحالة يصبح التّحكّم مسألة تحكّمٍ بالذّات؛ أي تتحكّم بك الذّات.

أمّا فيما يخصّ أخلاقيّة هذا الذّهن الأحاديّ فلا نستطيع فعل شيءٍ سوى التّنظير بأنّ الذّهن الأحاديّ سيكون وحيدًا، حتّى لو تألّف ممّا كان يُعدّ أفرادًا. كذلك يمكنه أن يكون أخلاقيًّا محضًا ومطلقًا، ومن ثم «إلهيًّا»، أو لعلّه سيعني أنّ الأخلاق لم تعد موجودةً أو قابلةً للتّطبيق. ولكننا سنظل حتى ذلك الحين أمام الأسئلة التّقليديّة الصّعبة نفسها فيما يخصّ أخطار هذا الأمر على الفرديّة وحرّيّاتها: متى يصبح التنظيم الاجتماعيّ استبداديًّا؟ وما هي الحرّيّة؟ وكيف يجب أن نكون أحرارًا؟ وكيف يمكننا أن نكون أخلاقييّن؟ وهكذا دواليك. دائمًا ما تراودنا هذه الأسئلة فيما نحاول تحديد ما يكون عليه الإنسان، وطبعًا ذلك إلى الحدّ الذي لم نعد فيه «نحن» بشرًا بل أصبحنا «أنا» الفرد الجمعيّ.

© JAMES SIROIS 2020

جيمس سيرويس: كاتبٌ، وصانع أفلامٍ، ومحبٌّ للسّفر من مونتريال، كندا.

 

مقالات ذات صلة