القائمة الرئيسية

العيش والتّعايش بالشّجاعة والكرم والحكمة

العيش والتّعايش بالشّجاعة والكرم والحكمة
ملخص المقال

فين جانينغ يؤكد أن التعاطف والرأفة ضروريان لنجاتنا وازدهارنا، مستشهدًا برواية ألبير كامو ""الغريب"". يسرد كيف أن شخصية ميرسو تتجاهل مشاعر الحزن، مما يجعله غريبًا عن المجتمع.

ترجمة: جوزيف بوشرعة 

يقول فين جانينغ: إنّ التعاطف والرّأفة ضروريّانِ لازدهارنا ونجاتنا.

«توفّيت والدتي اليوم. أو ربّما البارحة. لست متأكّدًا». هذه هي العبارات التي يفتتح بها ألبير كامو روايته الغريب «The Stranger» (1942). وإنْ بدت هذه الكلمات نافرةً، فيعود السّبب إلى أنّ القارئ يتوقّع من الشّخص «الطّبيعيّ» أنْ يعرفَ متى توفّيت أمّه. ولكنْ على حدّ قول كامو لا يجب عليك توقّع ذلك. ولعلّ ما يحاول كامو قوله: هو أنْ تبقى على علاقةٍ مفتوحةٍ مع الموت. ولعلّ ما يحاول الكاتب الفرنسيّ سؤاله: هل سيحدث الأمر فارقًا؟ فسيّانٌ اليوم أو الأمس – لقد توفّيت والدتي!

ولكن لا تتحسّن توقّعات القارئ عندما يدرك أنّ بطل الرّواية ميرسو لا يحزن على موت والدته في جنازتها. إنّما يهيم بفتاةٍ في أثناء مراسيم الدّفن. بعد ذلك يتوجّه الاثنان إلى الشّاطئ حيث يستحمّان، ثمّ يمارسان الحبّ. ترغّب الفتاة في الزّواج بميرسو الذي يقول لها أنّ الأمرَ تافهٌ، ولكنّه سيقوم به إنْ رغبت حقًّا في اتّخاذ هذه الخطوة.

يبدو جواب ميرسو على سؤال الزّواج جوابًا كسولًا أخلاقيًّا أو روحيًّا، فهو لا يتعب نفسه على اتّخاذ موقفٍ. إذ يقول «لا يهمّ». لا شيء ذو أهمّيّةٍ. فسيّانٌ اليوم أو الأمس، الزّواج أو عدم الزّواج: ولعلّ لا شيءَ جدّيٌّ عند ميرسو. وقد يكون هذا هو أسلوب كامو في إبراز فراغ الحياة اللا مبالية أخلاقيًّا ووجوديًّا.

ولاحقًا يقتل ميرسو عربيًّا في الرّواية. ولم يُعطَ سببٌ للجريمة، وربّما يعود السّبب إلى أنّه لا يمكن تبرير ارتكاب الجرائم. فيعكس بذلك كامو على نحوٍ غير مباشرٍ أخلاق القارئ على نفسه: أتعتقد أنّه يمكن تبرير ارتكاب الجريمة؟

يشير عنوان الرّواية الغريب إلى هويّةٍ تنطبق على الآخر «The Other»، أو على الآخرين، حيث تميّزهم آخريّتهم «otherness» عنّي وعن مُثُلي العليا. إنّ ميرسو هو الغريب عن الأخلاق المتعارف عليها، وكذلك العربيّ والفتاة غريبانِ عنه. لا يربطهما شيءٌ جدّيٌّ به.

أمّا الجزء الثّاني من الرّواية فيدور حول محاكمة ميرسو. ويظهر كامو مدى عدم كفاءة النّاس وجوديًّا عندما يدينون ميرسو عوضًا عن محاولتهم فهم لماذا لم يبكِ الرّجل في جنازة والدته. يبدو أنّ غياب الدّموع هو نفسه إشارةٌ إلى كونه شخصًا شرّيرًا. وهذه الإدانة هي خير مثالٍ على الجهل الصّادر عن نقصٍ في الفهم والانغماس في الموضوع. لا يتّفق سلوك ميرسو مع تصوّرنا (أو تصوّر ذاتنا) لما هو طبيعيٌّ، وهو موضع تكوين التّصوّرات كلّها. ولكنْ هل ثمّة طريقةٌ أخرى لمقاربة الموت-الحزن؟

إنّ حالة شخصيّة ميرسو مدهشةٌ؛ إذ يعيش حياته بمنظورٍ حسّيٍّ للوجود «hedonistic»، ولكنّه مخيفٌ أيضًا؛ لأنّه لا يتحمّل مسؤوليّةً للحياة. إنّ أفق حياته لقصيرٌ: اليوم أو الأمس. ولكنْ ماذا عن المستقبل؟ كذلك لا يبدو قادرًا على إظهار الرّأفة أو التعاطف .

يستطيع الأدب اختبار وتوسيع مجال تجربتنا. فعلًا، يصعب مشاركة الحزن من دون مَعونة الفنّ. خذ مثلًا، يستطيع الموت تمرير الوقت بسهولةٍ، فيما تجعله الفاجعة ثابتًا. وفي هذه الحالات يساعدنا الفنّ عبر إعادة تركيب الأحداث أو استجاباتنا لها. أو يفسح الشّعر مجالًا أمام التّعبير عن شيءٍ يعجز معظمنا عن التّعبير عنه. إنّها قوّة المخيّلة التي تجعل الشّيءَ ممكنًا، وتجعل تصوّر عالمٍ مختلفٍ وأفضل ممكنًا أيضًا.

إنّ القدرة على تخيّل شيءٍ آخر غير أفكارك الحاليّة هو أيضًا أساس التعاطف والرّأفة، مثلما يمكننا الحكم لأنّنا نستطيع تخيّل المتّهم يتصرّف على نحوٍ مختلفٍ. يصوّر ألبير كامو محدوديّة مخيّلة القارئ في روايته الغريب، أي محدوديّة تشاعرنا ورأفتنا، وذلك عندما يخالف سلوك وموقف ميرسو نظرتنا إلى الحياة.

إنّ التعاطف هو القدرة على اختبار المرء مشاعر الآخرين بالنّيابة؛ أي يفهمهم ويرأف بموقفهم أو منظورهم. التعاطف مقيّدٌ، فهو يقوم على الانصهار. يساعدنا التعاطف على إدراك أنّنا كلّنا مترابطون، وعبره نبدأ في استيعاب أنّ المخلوقات الحيّة كلّها ستختبر الحزن، والعداوة، والألم.

كذلك لدى التعاطف جانبٌ قاتمٌ. يمكن استغلاله أو استعماله لأغراضٍ شرّيرةٍ، مثلما استعملت شخصيّة هانيبل لكتر قدراتها التعاطفية في رواية صمت الحملان «The Silence of the Lambs» لتشبع نهمها لأكل لحم البشر. إنّ هانيبل لكتر تشاعريٌّ «empathetic»، إذ يستطيع فهم مشاعر الآخرين فهمًا جيّدًا، ولكنّه ليس رؤوفًا «compassionate». وعلى حدّ تعبير الدّالاي لاما: «إذا رغبتَ في أنْ يكون الآخرين سعداء كن رؤوفًا. وإنْ أنت أردتَ أنْ تكون سعيدًا كن رؤوفًا».

إنّ التعاطف هو سلوكٌ انبساطيٌّ «extroverted behavior» يظهر عندما نتواصل مع الآخرين، ونعتني بهم، ونحميهم، ونواسيهم. ولكنّني أعتبر التعاطف سلوكًا انطوائيًّا «introverted behavior» يظهر عندما ندرك ألمنا ثمّ نعتني بأنفسنا. وللسّبب نفسه حاجج الفيلسوف الألمانيّ أرتور شوبنهاور أنّ الأخلاق تنشأ عن الرّأفة. (واعتبر تشارلز داروين الرّأفة شيئًا مخصوصًا بالبشر). يساعدنا إلحاق التعاطف بالرّأفة على فهم أشكالٍ أخرى من الحياة. يمكن لهذا الجمع أنْ يوضّح لنا واقعة موجوداتٍ لا يمكنها النّجاة من دون عنايتنا بها. إذ سيضمن التعاطف والرّأفة مستقبل الإنسان العاقل وفصائلَ مهدّدةٍ أخرى.

إنّ اللّفظة اللاتينيّة للتعاطف هي «compassio versque»، وتتضمّن معنى «المعاناة مع»؛ فيما تتضمّن اللّفظة الهولنديّة «medfolelse» (وكذلك الألمانيّة «mitgefuhl») المقابلة لها معنى «الشّعور مع». وأتّفق مع اشتقاق اللّفظة الهولنديّة الذي لا يرتكز على المعاناة والألم فحسب، بل على الفرح والسّعادة أيضًا، وذلك خلافًا للتّصوّر البوذيّ التّقليديّ لمفهوم الرَّأفة. وبمعنى آخر، يقوم التّشاعر على كون المرء قادرًا على الشّعور بالتّعبير الشّعوريّ عند الآخر سواءٌ أكان متضمّنا الألم والمعاناة أم السّعادة والفرح. ويصعب على بعض النّاس تقبّل هذا الأمر.

يكمن التّحدّي في مساعدة الآخر على تحمّله تقلّبات الدّهر من دون مواجهتنا عبء مشكلاته. إنّ رمز البوذيّة هو العجلة التي تمثّل الدّارما «Dharma»، أي المبادئ والممارسات البوذيّة الأساسيّة. إنّ البوذيّة وغيرها من أخلاقيّات الرّأفة هي ضربٌ من العجلة التي نستطيع وضع أحزاننا وعيوبنا عليها من دون تغيير أهمّيّتها (ثقلها)، لكنّها تجيز لنا التّحرّك. تحاول معظم الممارسات الرّوحيّة والأخلاقيّة تسهيل الحياة عبر تجنّب الإلهاءات غير الضّروريّة، والتّخلّي عن الأمور غير الأساسيّة، وتأكيد العنصر الملهم في الحياة. تساعدني هذه الممارسات على تحمّل الأشياء التي يستحال تحمّلها في حال غياب تلك الممارسات.

وعلى هذا النّحو يمكّننا التعاطف والرّأفة من استيعاب الآخرين لكي نساعدهم من دون إنكار حزنهم أو الاستخفاف بسعادتهم. لقد قُتلت الفيلسوفة إديت ستاين خنقًا في إحدى غرف الغاز سنة 1942، وهي السّنة عينها التي نشر فيها كامو رواية الغريب. لقد قُدِّمَت لها خطّة هروبٍ لكنّها أبت التّخلّي عن زملائها. وفي كتاباتها تصرّ ستاين على أنّ الرّأفة هي القدرة على الانتصار على حبّ الذّات، والأناوحديّة «solipsism»، والأنويّة «egotism». دائمًا ترتكز الرّأفة على شيءٍ مشتركٍ. إذ كتبت أنّها تشعر بالسّعادة حول ما يجعل غيرها سعيدًا. ومن دون الرّأفة يدخل الكثير في صراعٍ، كما يظهر لنا في صراعات سياسات الهويّة «identity politics». من دون الرّأفة يصعب استيعاب ميرسو، ولكنّ غياب الرّأفة هو ما يحوّل ميرسو إلى مجرمٍ أيضًا. إذ لا يبدو قادرًا على التّواصل والاعتناء بالآخرين، تمامًا مثلما يعجز عن الاعتناء بنفسه وبألمه. ويصرّ كامو في هذا الإطار على الموقف الوجوديّ الكلاسيكيّ: تبدأ الأخلاقيّات بالذّات.

ولكنْ إنْ بدأ كلّ تغييرٍ بالذّات فهذا لا يعني أنّ عليه أنْ يختتمَ فيها. وكما أشارت الفيلسوفة الوجوديّة سيمون دو بوفوار إلى أنّك إذا لم تستجب للظّلم فأنت لا تحيا. والعبرة الأخلاقيّة أنّه يجب على النّاس التّصرّف عند الموت أو عند اقترابه منهم، وإلاّ باتوا محتضرين. وعلى هذا النّحو يمكن اعتبار العديد من فلاسفة وممارسي المساعدة الذّاتيّة أنّهم يتبنّون شكلًا من أشكال العدميّة السّلبيّة «passive nihilism»، وذلك بقدر ما يعجزون على التّأكيد على أهمّيّة التّواصل مع الآخرين.

قد توضّح جملة جان بول سارتر المشهورة «الوجود يسبق الماهيّة» ما أحاول إيصاله. تفيد الفكرة أنّنا ولدنا من دون طبيعةٍ ثابتةٍ بل ينبغي علينا اختيار أنفسنا أو خلقها يوميًّا. لا يملك الإنسان ماهيّةً محدّدةً مسبقًا، إنّما هو حرٌّ في اختبار وبناء الأعراف لغاياتٍ خيّرةٍ أو شرّيرةٍ بحيث يتحمّل مسؤوليّتها. وخلافًا لذلك لا يظهر ميرسو اهتمامًا أو اعتناءً بالآخرين أو بنفسه.

يجد بعض النّاس الوجوديّة إشكاليّةً عندما تجعل الفردَ أساس الأخلاق، عوضًا عن كونها مستمدّةً من مصدرٍ متعالٍ كالله. ومن دون تحويل الموضوع إلى دفاعٍ عن الوجوديّة لا أعتقد أنّ سارتر أو دو بوفوار يجعلان الفرد محورَ كلّ شيءٍ. إنّما يقوم مشروعهما على تقبّل أنّ الآخرين هم أحرارٌ مثلنا تمامًا. قد يصعب العيش مع هذه الحرّيّة عند الآخرين كما عندنا، وهذا السّبب في قول سارتر: «الجحيم هو الآخرون». وأحيانًا يصحّ هذا القول. ولكنْ على حدّ تعبير دو بوفوار في كتابها سنّ البلوغ «The Coming of Age» (1970): «لدى حياة المرء قيمة بقدر ما يلحق المرء قيمةً بحياة الآخرين، وذلك عبر الحبّ، والصّداقة، والاستياء، والرّأفة.» ويمكن التّعبير عن هذا الموقف بالآتي: أحيانًا يكون الجحيم هو الآخرين، وأحيانًا يكون الآخرون مصدرَ إلهامٍ ودعمٍ. وهذه النّقطة الأخيرة التي يخفق ميرسو في إدراكها.

يمكن اختصار الفلسفة الوجوديّة ذات الأساس الاجتماعيّ «socially-anchored existential philosophy» المطروحة في ثلاثة مفاهيمَ رئيسةٍ: الشّجاعة أو المقاومة؛ اللّطافة أو الكرم؛ والحكمة أو التّعلّم. وتوضيحًا: 

(1) الشّجاعة للعيش، وخصوصًا الشّجاعة لنقد ومقاومة الأعراف والأفكار الغالبة، مثلًا، التّشكيك نقديًّا في الحقائق البديهيّة في الحياة. تقوم الشّجاعة على كونك منفتحًا على الاحتمالات كلّها. 

(2) الكرم في تعايشنا مع الآخرين. ينبغي علينا أنْ نكون كرماء مع بصائرنا وفهمنا بحيث يتمكّن الآخرون من العثور على الحقيقة فيها، أو يقدرون على نقاشنا وتصحيح أخطائنا وأغلاطنا. يرتكز الكرم على أنّه لا يوجد شيءٌ بذاته، إنّما نكون نحن في تفاعلٍ دائمٍ تتفاوت استفادته. 

(3) الحكمة بصفتها استراتيجيّةَ نجاةٍ. يعلم الحكيم ما يكون مهمًّا لتمريره للأجيال. ليست الحكمة معرفةً حصرًا، إنّما القدرة على مقاربة تحدّيات الحياة بذكاءٍ وشجاعةٍ. إذ تتطلّب تحسينًا وتطويرًا مستمرًّا لحواسّ المرء، وتركيزًا دائمًا على حضوره.

إذاً يتطلّب العيشُ، والتّعايشُ، والنّجاةُ، الشّجاعةَ، والكرمَ، والحكمةَ. لذا لا تقوم حقيقة سؤال نوع الحياة الذي يستحقّ عيشها على اتّباع قواعدَ محدّدةٍ، بل إنّه مرتبطٌ بالمسؤوليّة الأخلاقيّة التي دائمًا ما تضع ذات المرء في موضع علاقةٍ مع الآخرينَ، والآخرين في موضع علاقةٍ مع ذاته.

درس فين جانينغ الفلسفة، والأدب، وإدارة الأعمال في كلّية كوبنهاغن لإدارة الأعمال «Copenhagen Business School»، وفي جامعة ديوك «Duke University»، كما حاز على شهادة الدّكتوراه في الفلسفة العمليّة من «CBS». وهو يعيش في برشلونة.

مقالات ذات صلة