القائمة الرئيسية

الحقوق الرقمية والمواطنة الرقمية ومحو الأمية الرقمية: ما الفرق ؟

الحقوق الرقمية والمواطنة الرقمية ومحو الأمية الرقمية: ما الفرق ؟
ملخص المقال

يتناول النص التحديات المرتبطة بالوسائط الرقمية، مثل انتهاكات الخصوصية والمراقبة. يبرز ثلاث استجابات معيارية: المواطنة الرقمية، الحقوق الرقمية، ومحو الأمية الرقمية، التي تساعد الأفراد على التكيف مع الحياة الرقمية. تُستكشف فعالية هذه الاستجابات في معالجة القضايا الفلسفية والأخلاقية، وتختتم المقالة بنقاط عمل لتعزيزها. 

خلاصة

استخدام الوسائط الرقمية معقد. فانتهاكات الخصوصية، وزيادة مراقبة البيانات، والمعاملات التجارية والمدنية الرقمية بشكل افتراضي، وتآكل المجال الديمقراطي هي مجرد بعض القضايا المعقدة في المجتمعات الحديثة. وتدعو هذه الأسئلة الوجودية المرتبطة بالحياة الرقمية الأفراد للتأقلم مع هوياتهم، بالإضافة إلى تفاعلاتهم ووقائعهم الاجتماعية. نحدد في هذه المقالة ثلاث استجابات معيارية معاصرة لهذه القضايا المعقدة  وهي المواطنة الرقمية والحقوق الرقمية ومحو الأمية الرقمية. تلتقط هذه المصطلحات الثلاثة الأطر المعرفية والوجودية التي تُنظّر وتشرع (في كل من السياسة والتفاعلات الاجتماعية اليومية) كيف يتعلم الأفراد العيش في مجتمعات رقمية. وتستكشف المقالة فعالية كل من هذه الاستجابات في معالجة القضايا الفلسفية والأخلاقية والعملية التي أثارتها البيننة، وكذلك القيود المفروضة على الفاعلية البشرية كهدف شامل داخل نطاق هذه الاستجابات. وندرس كيف تتصدى كل استجابة للتحديات في السياسة والحياة الاجتماعية اليومية والخطاب السياسي، ونتتبع الاستخدامات المتقلبة لهذه المصطلحات وتوجيهاتها لأصحاب المصلحة المختلفين. ونختتم المقالة بسلسلة من “نقاط العمل” النظرية والعملية التي تحسن هذه الاستجابات لصالح الفرد والمجتمع.

كلمات مفتاحية: الإنترنت، الرقمنة، حقوق الإنسان الجماعية، المواطنة، محو الأمية.

1- مقدمة

تتناول هذه المقالة كيفية حشد ثالوثا من المصطلحات والمفاهيم “المواطنة الرقمية” و”الحقوق الرقمية” و” محو الأمية الرقمية” كميادين للعمل والتدخل المعياريين استجابة للرقمنة المتزايدة للحياة اليومية. ونتعامل مع هذا التحدي كمعلمين وعلماء اجتماع للطفولة والشباب، لذلك فنحن مهتمون بكيف يعمل كل مصطلح من المصطلحات الثلاثة:

• كمناهج لتعلم استخدام الوسائط الرقمية وهيكلها؛

• كإطارات لتنظيم الثبات أمام الرقمية؛

• كمجالات معرفية حول المواطنة والحقوق ومحو الأمية في العصر الرقمي؛

• وكقواعد اجتماعية مرغوبة لجعل المجتمع المدني “أفضل”.

ويحتوي كل مصطلح بداخله على إشارة إلى مبادئ الإنصاف والعدالة الاجتماعية والإنفاذ، لا سيما فيما يتعلق بالتنظيم والتعليم.

ومن غير المعتاد الجمع بين العناصر الثلاثة (المواطنة والحقوق ومحو الأمية الرقميين) في مناقشة واحدة، وكما سنبين لاحقا، يحتوي كل عنصر على تاريخه ونقاشه المعقدين. ومع ذلك، فإننا مهتمون بكيف يؤدي استخدام مصطلح “رقمي” بشكل صفة لكل عنصر وظيفة معيارية لها نتائج كبيرة على الطرق التي يمكن للأفراد والمؤسسات التعليمية من خلالها الاستجابة للتغييرات الضارة المحتملة في العلاقات بين الأفراد والدولة والجهات التجارية.

والدافع المباشر لنقاشنا هو بالطبع النطاق والوصول الهائلين إلى التقنيات الرقمية في كل جانب من جوانب الحياة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والشخصية. وغُطي هذا في موضع آخر وهو يشكل من نواح كثيرة سياق المقالات في هذا الإصدار الخاص، وهو يغطي في الواقع الكثير من النقاش الدائر في الحياة العامة والشخصية.

على الرغم من إقرارنا بأن الحدود بين المفاهيم الثلاثة لم تعين بدقة، فإن هذه المقالة تتناول كل مصطلح باعتباره “مجالا” متميزا، وتستكشف كيف تشكل هذه البنى المعيارية أساسا للتربية والتدخلات التنظيمية و/أو الإنفاذ. نبدأ المقالة من خلال اعتبار “الرقمية” تأثيرا في كل مجال (أي المواطنة والحقوق ومحو الأمية)، واستكشاف معانيها الحرفية والضمنية. ونستنتج عند فحص كل مفهوم رئيسي كيف تم استخدام كل منها كـ “تحصينات” ضد الرقمية. ونجمع في المناقشة خيوط الفحص معا للنظر في إعادة تشكيل الفاعلية في السياق الرقمي. ونختتم المقالة بدعوة إلى العمل من أجل تحديد أكثر اتساقا وترابطا وصراحة للطرق التي يمكن أن تدعم بها هذه الحقوق والمواطنة ومحو الأمية الأفراد وتأمنهم في عالم رقمي.

الرقمية كصفة

يعد استخدام المصطلح “رقمي” كصفة مؤهلة أو وصفية في كثير من الأحيان زائد عن الحاجة. كما أنه دائما وصف غير دقيق. وعند تطبيق المصطلح على مفاهيم وتراث وتقاليد “المواطنة” و “الحقوق” و “محو الأمية” غالبا ما تكون غير دقيقة بشكل محبط. وليس الهدف من هذا المقال مناقشة تعريف مغلق مدقق ضيق ولكن محاولة استنباط ما يظهر على الساحة عند استخدام المصطلح. فمن الواضح أنه من الصعب العثور على أي مجال من مجالات الحياة الاجتماعية المعاصرة ليس رقميا، فلماذا لا يزال استخدام الصفة مهما وقويا خاصة فيما يتعلق باستجاباتنا الثلاث؟

تشير الصفة في بعض الأحيان إلى العمل في مجال رقمي حصري. على سبيل المثال، يمكن أن تشير الحقوق الرقمية إلى الحقوق التي تتعلق بأنشطة رقمية فحسب مثل توقيع الشروط والأحكام عند استخدام برنامج جديد. على النقيض من ذلك، غالبا ما يستخدم المصطلح لشرح الطرق التي تغير بها الرقمية المجالات الموجودة سابقا أو يمددها أو يوسعها. وتعد محو الأمية مثالا جيدا على ذلك حيث أن معرفة القراءة والكتابة تسبق الرقمية حتى لو تم الكثير من نشاط التعلّم من خلال الرقمية؛ فالقراءة والكتابة بمعناهما ما قبل الرقمي ضرورية لتكون ملما بالقراءة والكتابة رقميا؛ وأنشطة محو الأمية الرقمية الحصرية (مثل البرمجة أو إنشاء أو تحرير الفيديو الموسيقي عبر الإنترنت أو المشاركة في المدونات أو المنتديات أو غرف الدردشة، إلخ) تعتمد على شكل من أشكال محو الأمية غير الرقمية. وتشير المواطنة الرقمية إلى كونك مواطنا رقميا، كأن البوابات الحكومية ومنصات الشبكات الاجتماعية والتسوق عبر الإنترنت قد صارت في حد ذاتها نوعا من الدول أو الإمبراطوريات التي لمواطنيها عدة أدوار ووظائف وما إلى ذلك. وتشير في الوقت نفسه إلى الطرق التي يمكن أن تشتمل بها النماذج التقليدية للمواطنة (لدولة قومية) الآن على أعمال المواطنة عبر أنظمة تصويت ومنتديات مدنية جديدة ومتغيرة.

تزعم هذه المقالة أنه في كل مرة تُستخدم فيها “الرقمية” كمغير أو كمصطلح واصف في أي من المعاني المقترحة أعلاه، فإنها تمارس تأثيرا معياريا. أولا وقبل كل شيء، تتقدم الإشارات “الرقمية” وتتطور وتتغير. فالمواطنة ومحو الأمية والحقوق ليست ممتلكات ثابتة ومع ذلك فهي مكرسة في القانون والأعراف والممارسات الاجتماعية. عندما يُضاف المُغير “رقمية”، تبدو مثل هذه الممارسات في حالة تدفق ولا يمكن فهمها الآن دون الرجوع إلى الرقمية.(1) ثانيا، هناك فكرة ضمنية عن التغييرات في النطاق والحجم على مستوى أساسي بحيث تُحول الممارسات نفسها. ويتجلى هذا بشكل أكبر فيما يتعلق بالبيانات الضخمة (Kitchin, 2014). إن فكرة أن تصبح المواطنة رقمية تحمل في طياتها مبادئ الضخامة والفورية والتحكم في المعلومات التي تعتبر جميعها ملازمة لفكرة البيانات الضخمة وبالتالي تؤدي إلى تغيير في الفهم. ثالثا، إن فكرة أن تصبح الأبعاد البشرية رقمية تستدعي فكرة الماكينة وأن تصبح هذه الأبعاد مؤتمتة وغير شخصية (Andrejevic, 2020). رابعا، تنقل الرقمية التغييرات في الأعراف والافتراضات والتوقعات الاجتماعية. فعندما تصبح الحقوق والمواطنة ومحو الأمية رقمية، يشير هذا إلى أن مبادئ الحوكمة والرقابة والسلطة والمساءلة قد تختلف بشكل ملحوظ بسبب هذه الأبعاد الرقمية الجديدة والمتغيرة. ويشير هذا إلى نوع مختلف من المعايير (بمعنى المتوسط أو الوسيط)، ما يعني أن المواطنة الرقمية تنقل مجموعة مختلفة من الممارسات من مجرد التصويت في منصة الاقتراع أو المشاركة في المجتمع المدني إلى المشاركة في المناقشة عبر الإنترنت.

وكما يشير ذلك إلى نوع مختلف من النموذج الوصفي، فإن الأسماء – الحقوق ومحو الأمية والمواطنة – تصبح وسيلة لتأهيل الصفة الرقمية. وبينما قد يكون الأكثر دقة من الناحية اللغوية الحديث عن المواطنة في العصر الرقمي أو الحقوق في العصر الرقمي أو محو أمية الوسائط الرقمية، تُظهر الصياغة المنطقية أن القيم الأساسية والممارسات الأخلاقية التقليدية لهما مكان فيما جلبته الرقمية إلى مجتمعنا من أشياء دائمة التغير ومنفتحة للجميع. ولا تزال هناك طرق تجعل لمسئوليات المواطنة وحقوقها والتزاماتها معنى في العصر الرقمي. ولا يزال من الممكن حماية الأفراد والجماعات بموجب القانون من خلال الحقوق الرقمية، ويمكن للإمكانات التي تهيئها محو الأمية للتواصل الاستدامة والتوسع عند ترجمتها إلى شفرة ثنائية.

2- ثلاثة مفاهيم للعمل والتدخل المعياريين

تلتقط المصطلحات الثلاثة الأطر المعرفية والأنطولوجية لتنظير وتشريع (في كل من السياسات والتفاعلات الاجتماعية اليومية) كيف يتعلم الأفراد العيش في عوالم اجتماعية رقمية. وفي حين تتطلب هذه المقاربات مجموعات مختلفة من المعرفة والمهارات، فإن ما يوحدهم هو الاهتمام بكيفية تصرف الفرد. ومع ذلك، يختلف ما يتم التصرف بناء عليه مع كيف يتم تمكين الأفراد من التصرف. وأعاق التركيز على اختلافات المقاربات الثلاث في كثير من النواحي الجهود التي يبذلها الفرد للسيطرة على الرقمية حيث طُورت هذه المقاربات بالتوازي بدلا من الشكل الحواري. ويميل كل مصطلح إلى تناول فئات مختلفة من المصالح وبالتالي مجموعات متنوعة من الفاعلين الاجتماعيين. ونميز في هذا القسم الحدود بين الاستجابات الثلاث.

2-1 المواطنة الرقمية

كما هو الحال مع جميع الاستجابات الثلاث المستكشفة في هذه المقالة، تبزغ المواطنة الرقمية من تراث قديم له تاريخ خاص. يُنظر إلى المواطنة تقليديا على أنها العلاقة بين الأفراد والدولة القومية. وهي تقوم على مفهوم “المواطن المطيع”، الذي يُبلغ بالقضايا عبر وسائل الإعلام ويلتزم بالمشاركة في العمليات الانتخابية (Bennett, 2007). ويُعبر عن المصالح الفردية من خلال العضوية في الأحزاب السياسية وجماعات المصالح. وقد تعرضت هذه النظرة التقليدية للمواطنة للنقد من طرف النسويات والمدافعين عن التنوع، وذلك بسبب مقاربتها الضيقة للهوية والتعبير والمشاركة (Vromen, 2017). وظهرت في الآونة الأخيرة معايير جديدة للمواطنة تستند إلى ما تسميه أريادن فرومين ((2017 “سياسة الحياة المشخصنة” (ص 27) حيث تتعلق المشاركة الديمقراطية بالاختيار والاستهلاك والعمل الاجتماعي بقدر ما تتعلق بالعمليات الانتخابية. ويُعبأ المواطنون من خلال حركات وقضايا اجتماعية معينة، غالبا ما تكون ذات طبيعة عالمية (مثل تغير المناخ).

ومع صعود الإنترنت، زادت فرص المشاركة في الحياة المدنية والاجتماعية والسياسية. وبالتالي يمكن تعريف المواطنة الرقمية ببساطة على أنها “الحق في المشاركة في المجتمع عبر الإنترنت” (Mossberger, Tolbert, & Mcneal, 2007). اهتمت المقاربات المبكرة للمواطنة الرقمية أكثر بتضييق الانقسام الرقمي: كانت الأولوية لقضايا حقوق وحريات الوصول والإدماج والتواصل (Shelley et al., 2004; Thrane, Shelley, Shulman, Beisser, & Larson, 2004). ومع ذلك، مع تعميم منصات وسائل التواصل الاجتماعي، تضاءلت أهمية مسألة الوصول حيث أصبحت فيسبوك وتويتر أدوات للمشاركة المدنية. والمواطنة في السياق الرقمي ليست “محددة”، ولكنها تتضمن سلسلة من المهام أو الأفعال. يجادل إنجين إيشين وإيفلين روبرت في كتابهما البارز “أن نكون مواطنين رقميين” (2015) بأنه من خلال الأعمال الرقمية يأتي المواطنون الرقميون إلى حيز الوجود. وفي حين قد يبدو هذا واضحا، إلا أن الأعمال الرقمية تتضمن تفسير تيارات متعددة من المعلومات المحلية والعالمية، وفي عصر البيننة، توقع عواقب غير معروفة.

من الناحية الأنطولوجية، تشير المواطنة إلى علاقتنا بشيء يتجاوز الفرد، سواء أكان ذلك جماعة أو منصة أو دولة قومية (McCosker et al., 2016, p. 2). وبهذه الطريقة، لا تتعلق المواطنة الرقمية بالمسئوليات المدنية أو نقل المسئولية إلى الفرد فحسب، بل تتعلق بالأحرى بكيف تسهل الرقمية أشكال جديدة من المشاركة. وفي حين تفتح الرقمية أنواعا مختلفة من الجماعية، فكما يشير هنري جينكينز ونيكو كاربينتير (2013)، لا تزال المشاركة صراعا من أجل البشر المهمشين حتى في السياق الرقمي. ومع ذلك، يمكن للمنصات الرقمية تسهيل أنماط مشاركة مدنية ذات تأثير كبير على السياسة الديمقراطية. وخير مثال على ذلك هو ضعف الإقبال على مسيرة حملة دونالد ترامب في تولسا في يونيو 2020. وقد تم تنظيم هذا الحدث عبر تطبيق تيك توك، حيث جمع تحالفا غير متوقع بين متظاهري حياة السود مهمة ومحبي موسيقى كي بوب. فعلى الرغم من الإبلاغ عن بيع التذاكر بالكامل، إلا أن أجزاء كبيرة من الملعب كانت فارغة (Sakzewski, 2020).

 وفي كثير من النواحي، ركز التنظير حول كيفية جعل الأفراد مواطنين رقميين على إعادة تعريف السلوكيات والمجتمعات المدنية المتغيرة (Jenkins, Shresthova, & Gamber-Thompson, 2016). وتفتح الرقمية مساحات جديدة للعمل السياسي والمشاركة. ومع ذلك، فإن تأثير منصات الوسائط الاجتماعية الخاصة على الأعمال الرقمية، وآثار هذه الأعمال على المواطنة أمر معقد. ويثير غموض البنى التحتية الرقمية والاعتماد المتزايد على صنع القرار الخوارزمي تحديات خطيرة لما يعنيه أن تكون مواطنا مستنيرا ومشاركا ونشطا. فالمواطنون الرقميون أقل اعتمادا على الدولة القومية من أجل تعبيرهم الديمقراطي. وفي الوقت نفسه، من الواضح أن التقنيات الرقمية قد مكّنت من إدخال وتكثيف القوانين الصارمة التي وسعت نطاق وصول الدولة القومية إلى مواطنيها. على سبيل المثال، تمكّن قوانين الاحتفاظ بواصفات البيانات الحكومات من تأكيد أشكال جديدة من الانضباط والسيطرة على المواطنين باسم الأمن العام (Ozalp, 2019; Sarre, 2015).

الحقوق الرقمية

الحقوق الرقمية هي حقوق إنسانية وقانونية تسمح للأفراد بالوصول إلى المحتوى الرقمي واستخدامه وإنشائه ونشره على أجهزة مثل أجهزة الكمبيوتر والهواتف المحمولة، وكذلك في الفضاءات والمجتمعات الافتراضية (Reventlow, 2017). لا تعد الحقوق الرقمية في الوقت الحالي مجموعة من الحقوق في ذاتها ولذاتها، ولكنها مرتبطة بحقوق الإنسان الأخرى، ولا سيما حرية التعبير والحق في الخصوصية في الإنترنت والبيئات الرقمية (Hutt, 2015). ومن الناحية العملية، يمكن اعتبار حقوق الإنسان حماية من “تهديدات أساسية” – مثل القهر والحرمان والعنف – تعرض المصالح الإنسانية للخطر (Mathiesen, 2014). ومع ذلك، فكما تشير آن بيكوك (2019)، لا يزال هناك جدل حول ما إذا كان الوصول إلى الإنترنت هو حق من حقوق الإنسان في ذاته ولذاته، أم هو جزء من ضمانات حرية التعبير الموجودة بالفعل، أم أنه ليس حقا على الإطلاق (p. 4).

نظرا لسرعة وتنوع الوصول إلى التقنيات واستخدامها في جميع أنحاء العالم، فإن ضمان تمتع الأفراد بنفس الحقوق في الفضاءات الرقمية كما هو الحال في الفضاءات الأخرى أمر صعب. وكذلك من الصعب أيضا إنشاء إطار عمل للحقوق الرقمية يشمل جميع أصحاب المصلحة في المنصة، بما في ذلك المصممون والمستخدمون والمساهمون (Goggin et al., 2017). في الواقع، يوجد توتر متأصل بين التبادل الحر للأفكار وضمان الحماية الكافية من التحرش وسوء المعاملة (Livingstone, 2014). كما يعيد الإنترنت تشكيل مفاهيم الخصوصية لأن المشاركة على العديد من المنصات الرئيسية تتطلب تبادل المعلومات الشخصية: يكاد يكون من المستحيل فعليا المشاركة بشكل سري عبر الإنترنت. وعلى أقل تقدير، يجب فهم الخصوصية على أنها مشبكة (Marwick & Boyd, 2014). ومن الصعب تكريس هذا في القانون.

يتمثل أحد الأبعاد الأنطولوجية الهامة للحقوق الرقمية في أن “الفرد صاحب السيادة” هو موضوع مطالبات الحقوق (Livingstone & Third, 2017, p. 667). ومع ذلك، فإن القضية الرئيسية في خطاب الحقوق الرقمية هي الميل إلى جعل حقوق الإنسان عالمية، في حين تتموقع قضايا حقوق الإنسان في الواقع محليا (Livingstone & Third, 2017). فقد يكون ما هو حق رقمي في بعض أجزاء العالم ليس حقا رقميا في مناطق أخرى، ومع ذلك يمكن للأفراد وبياناتهم عبور حدود الدول والمناطق بسهولة عبر الإنترنت. ويجادل جيراد غوغين وآخرون (2017) أنه لهذا السبب غالبا ما تُهمل الحقوق الرقمية لأطراف متنوعة، مثل مجموعات مجتمع الميم والأطفال والأشخاص ذوي الإعاقة والسكان الأصليين. وهذا يتطلب هندسة البرمجيات والأطر القانونية التي يمكنها ضمان إنفاذ هذه الحقوق. ومع ذلك، كما تجادل سونيا ليفينجستون وأماندا ثرد (2017)، تؤدي محاولات حماية الفئات المهمشة إلى “أطر قانونية تهيمن عليها الحماية” (p. 667)، التي يمكنها الحد من الفرص الرقمية.

إذن كيف تدعم الحقوق الرقمية استخدام الوسائط الرقمية؟ تُظهر الحقوق الرقمية السياق بشكل أوضح عند مقارنتها بالمواطنة الرقمية ومحو الأمية الرقمية – بما في ذلك هندسة البرامج ونماذج الأعمال التي تدعم المنصات الرقمية (Srnicek, 2017). ويشجع التركيز على الحقوق الرقمية صانعي السياسات على تطوير الأطر التكنولوجية والقانونية لضمان تمتع الأفراد بنفس الحقوق سواء عبر الإنترنت أو خارجه. وتقليديا، كانت الحقوق مسألة تخص الدولة القومية، ولكن كما تشير سونيا ليفنجستون (2014)، قامت الدولة مؤخرا “بتفويض سلطتها”، وعلى وجه الخصوص، إلى “مؤسسات القطاع الخاص مثل تلك التي تمتلك مواقع وخدمات و بنى تحتية رقمية”(p.22). على الرغم من أن الفرد هو موضوع مطالبات الحقوق الرقمية، إلا أن الحقوق الرقمية تختلف عن محو الأمية الرقمية والمواطنة الرقمية في اعتمادها القوي على المؤسسات والمنظمات لدعم عمل الفرد.

محو الأمية الرقمية

مثل محو الأمية التقليدية القائمة على الطباعة، يشير محو الأمية الرقمية إلى الكفاءة أو القدرة في موضوع أو مجال معين. ومع ذلك، نظرا لأن كلا من المفاهيم النظرية والمادية لـ “الرقمية” زلقة، كذلك فإن المفاهيم الخاصة لما يشكل “المتعلم” زلقة. في الواقع، أصبح تحديد المقصود بمحو الأمية الرقمية أكثر تعقيدا بمرور الوقت. يصف تعريف مبكر اقترحه بول جيلستر (in Pool, 1997, p. 9) محو الأمية الرقمية بأنها “تجميع معرفة” يتضمن “كيفية استيعاب المعلومات وتقييمها وإعادة دمجها”. ومع ذلك، نظرا لأن فضاءات الرقمية ونصوصها وأدواتها تتغير باستمرار وتصبح أكثر تعقيدا، فكذلك ما يلزم لاعتبار الشخص”متعلما” تصبح أكثر تعقيدا. وربما لهذا السبب اعتُمدت تعريفات واسعة النطاق، على سبيل المثال، يعرف ستيفن ثورن (2013) محو الأمية الرقمية بأنها “نشاط سيميائي بوساطة الإعلام الإلكتروني” (p. 192)، متجنبا تحديد المهارات والممارسات المطلوبة الأكثر تحديدا. وتميل التعريفات الأخرى لمحو الأمية الرقمية إلى الوقوع في تصنيفات إما البراعة والكفاءة التشغيلية، أو التقييم والنقد (Lankshear & Knobel, 2011).

من بين الاستجابات الثلاثة التي نحللها هنا، فإن محو الأمية هي الأكثر ارتباطا بالتربية. في الواقع، تتجزأ الاستجابات التربوية للظواهر، ففيما يتعلق بمحو الأمية نجد “محو الأمية المالية” و”محو الأمية البدنية” كمصطلحات تستخدم لوصف قدرة الفرد على فهم المعلومات والأعراف والتقاليد الاجتماعية التي تحيط بهذه المصطلحات، وكذلك لإثبات هذه الدراية من خلال الفهم أو الكتابة.

على الرغم من الانتشار المعاصر لمحو الأميات، فإن محو الأمية كمفهوم لها تاريخ طويل. وساعد امتداد مصطلح محو الأمية إلى محو الأمية الإعلامية في السبعينيات على تعزيز فكرة محو الأمية كطريقة لتأطير الاستجابات للتغيرات في نظام الاتصالات. فمحو الأمية إطار راسخ في الاستجابة للتغيرات في الاتصالات يضع معايير العلاقات بين الأفراد والمجتمع ويوضحها.

ومع ذلك، تظهر الأبحاث أن المدارس بحاجة إلى بذل المزيد من الجهد لتطوير مهارات المعرفة الرقمية (Littlejohn, Beetham, & McGill, 2012). وعلى وجه الخصوص، ينبغي التركيز على توسيع المعرفة الرقمية عبر سياقات مختلفة، بحيث يمكن تطوير مهارة نقدية وأخلاقية وتقنية (Pangrazio, 2019). فينبغي التعامل مع محو الأمية الرقمية في السياقات التربوية على أنها مجموعة متطورة من المهارات والممارسات ذات آثار على الهوية (Littlejohn et al., 2012). وعلى وجه الخصوص، يمكن استخدام محو الأمية لشرح العملية التي يتعلم من خلالها الأفراد كيفية التصرف على/ في المنصات التي تبيننهم بالإضافة إلى منح المنصات سلطة تربوية لإدراج طرقها في التعلم والمعرفة والسلوك.

ظهرت في الآونة الأخيرة تفرعات جديدة من محو الأمية الرقمية، وهي محو أمية البيانات (Pangrazio & Sefton-Green, 2020)، ومحو أمية البيانات الشخصية (Pangrazio & Selwyn, 2019) ومحو أمية البنية التحتية (Gray, Gerlitz, & Bounegru, 2018)، وذلك كاستجابة مخصوصة لتحديات البيننة. وعلى الرغم من أن المؤسسات التعليمية يمكن أن تكون مواقع مهمة لتطوير محو أمية البيانات، فإن معظمها يميل نحو تأطير أداتي لهذا المحو – تعزيز “تركيز أداتي على إدارة الأداء أو الكفاءات أو الأدلة” (Raffaghelli & Stewart, 2020, p. 439). وقد يكون سبب هذا حقيقة أن برامج محو الأمية الرقمية تتأثر بشدة بمتطلبات القوى العاملة (Alexander, Becker, Cummins, Giesinger, & The New Media Consortium, 2017) بدلا من تحديات العيش في عالم رقمي.

يمكن اعتبار محو أمية البيانات في كثير من النواحي فرعا من محو الأمية الرقمية يشير إلى نطاق موسع من الوسائط الرقمية التي يستخدمها الأفراد للعيش في عالم رقمي. مع وضع هذا في الاعتبار، ربما تكون محو الأمية الرقمية أساسية للمواطنة الرقمية والحقوق الرقمية: لا يمكن للأفراد المشاركة أو المطالبة بحقوقهم الرقمية إذا لم يكونوا “متعلمين” في المقام الأول.

المناقشة

مجالات العمل

بينما تعمل المفاهيم الثلاثة  كمعايير في المجالات الخطابية، فإنها أيضا تصف مجموعات من الأنشطة والأفعال والممارسات حيث يمكن أن يتمتع بعض الأشخاص بسلطة أكثر أو أقل من الآخرين وغالبا ما تكون إمكانية الفاعلية الفردية غير متساوية. فتميل المواطنة على سبيل المثال إلى أن تُعرّف من خلال الحد الأدنى من المتطلبات المتمثل في التصويت على الرغم من وجود عدد من الطرق الأخرى التي يمكنها وصف مواطنة المرء وقياسها: من الأعمال ذات العقلية المدنية مثل التقاط القمامة إلى المشاركة في المسيرات المظاهرات والنشر عبر الإنترنت وعضوية المجتمع المدني والأحزاب السياسية. فالمواطنة بشكل عام هي مسألة أنطولوجيا – كينونة – بقدر ما هي مسألة معتقدات أو توافقات أو أفعال.

على النقيض من ذلك، فإن مجال الحقوق أكثر عمومية، حيث يُحمى الأفراد من خلال القواعد أو القوانين المشتركة وحيث يطلب الفرد الحماية أو الإنفاذ عندما تكون الحقوق مهددة. وهذا هو السبب في أن استخدام قانون المستهلك فيما يتعلق بالشروط والأحكام أو قبول ملفات تعريف ارتباط البيانات أمر محفوف بالمخاطر لأنه يبدو غير مناسب (Andrejevic, 2014; Richardson, 2015). فلو كانت هذه الشروط والأحكام تتعلق بحماية حقوق المواطنين حقا، لكُتبت بطريقة يسهل على الأفراد فهمها. ومع ذلك، فإن مجال الحقوق ليس للهيئات العامة والمشرعين والشرطة فحسب، لأن على الأفراد أن يؤكدوا حقوقهم في المطالبة بها. وفي حين توجد أشكال من الاحتجاج الجماعي في المجال الرقمي وحركات شعبية تقوم بإزالة البيانات الحكومية أو إعادة تخصيصها عند استخدامها للحرمان من الخدمات (D’Ignazio & Klein, 2020)، فإن معظم الحقوق الرقمية سلبية ويُحل النزاع حولها عبر الشركات و/ أو الجهات الحكومية – مثل اللائحة العامة لحماية البيانات للبرلمان الأوروبي (Richardson, 2015).

 ربما تكون محو الأمية الرقمية هي مجال العمل الذي يركز بشكل كبير على الفردانية والفاعلية المفردنة. فعلى الرغم من تقييم محو الأمية الرقمية واعتمادها، إلا أنها من المفترض أيضا أن تكون ممارسة عامية وشعبية. وكنمط سلطة (Pangrazio & SeftonGreen, 2020) يمارس الناس محو الأمية الرقمية من خلال أعمالهم الرقمية على عكس الحقوق الرقمية التي تمارسها الهيئات الوطنية وفوق الوطنية. وبالتالي، فجميع المجالات الثلاثة تتشابك مع القدرات والسلطة والضمانات من أعلى إلى أسفل ومن أسفل إلى أعلى على طول محور يولي نوعا مختلفا من الاهتمام للكيانات الفردية و/ أو الجماعية. ونوضح ذلك في الرسم البياني التالي (الشكل 1):

الشكل1: رسم تخطيطي يوضح مجال العمل الواسع للمواطنة الرقمية والحقوق الرقمية ومحو الأمية الرقمية.

وكما نناقش أدناه، تعترف المفاهيم الثلاثة بالمبادئ المتغيرة للفاعلية البشرية. ومع ذلك، ففي عمل هذه المفاهيم في مجالات التعليم والتنظيم، فإن التوتر بين القوى من أعلى إلى أسفل وبين القوى من أسفل إلى أعلى لا يؤدي إلا إلى تفاقم الطرق التي تُظهر فيها الرقمية في المفاهيم الثلاثة امتياز السلطة الهيكلية بدلا من استقلال الفرد.

وليس من المستغرب عبر المجالات الثلاثة اعتماد تعاريف متحفظة وإقرارها. على سبيل المثال، غالبا ما تُفهم محو الأمية الرقمية في التعليم من حيث كيفية إعداد الشباب للعمل في “اقتصاد المعرفة”، وليس من حيث التعبير عن الذات. وبالمثل أصبحت المواطنة الرقمية شفرة مفيدة لتحدي التنمر عبر الإنترنت والسلوك غير اللائق (Ribble, Bailey & Ross, 2004) خاصة فيما يتعلق بالأطفال والشباب. وعادة ما تتخذ البرامج التعليمية حول المواطنة الرقمية منهجا تعليميا لدعم السلوك “المناسب” و “المحترم” و “المسئول” عبر الإنترنت (Australian Curriculum Assessment and Reporting Authority, 2020; New South Wales Department Education, 2020; Ribble, Bailey, & Ross, 2004). وفي أستراليا، يتجلى هذا النهج الحمائي للمواطنة الرقمية في سياسات مثل حظر الهاتف المحمول مؤخرا في المدارس في ولاية نيو ساوث ويلز (New South Wales Department Education, 2020).

ومن منظور الحقوق الرقمية، عادة ما تُأطر جهود حماية الأطفال من حيث الحقوق في تجارب غنية ومتنوعة عبر الإنترنت. وكما تجادل ميلدا مسيناتي (2017) يمكن أن تحد الحماية والتنظيم من فرص الأطفال عبر الإنترنت و”تفشل في مراعاة القدرات المتطورة والمصالح الفضلى للطفل” (p.765). ومن الواضح في نفس الوقت أن هناك حاجة إلى حماية أفضل للبيانات الشخصية للأطفال. على سبيل المثال، كيف يبدو أن تحليلات التعلم “تتحدث باسم” الأطفال بينما يعيق التعلم الشخصي تمكينهم (Lupton & Williamson, 2017). ومع ذلك، كما لاحظ لوبتون وويليامسون (2017)، هناك أمثلة قليلة للأدوات والاستراتيجيات التي تحمي بيانات الأطفال والخصوصية الرقمية دون التقليل من نطاق التجارب الرقمية.

مسألة الفاعلية ؟

بينما المحور الرئيسي لبحثنا هو استكشاف الاختلافات في المقاربات، فإننا نجادل بأن أحد الأشياء المشتركة بين موضوعاتنا الثلاثة هو الالتزام الصريح بتعزيز الفاعلية في السياق الرقمي. فالفاعلية لازمة للمطالبة بالحقوق الرقمية للفرد، أو التصرف كمواطن مستنير ومسئول، أو أن تكون متعلما بما يكفي لاستخدام الوسائط الرقمية. في الواقع، عبر جميع المقاربات الثلاثة – المواطنة الرقمية والحقوق الرقمية ومحو الأمية الرقمية – يشار إلى الفاعلية على أنها “قدرة” شاملة لازمة لتحقيق فائدة في عالم رقمي متزايد التعقيد.

وللفاعلية تاريخ فلسفي معقد. وعند استخدامها لوصف قدرة الفرد على التصرف بحرية في العالم، يتشابك مفهومها مع افتراضات حول الإرادة الحرة، والقيود الهيكلية التي تحد من تصرفات الأفراد والعلاقة بين الفرد ومجتمعه (Richardson, 2015). وفي عصر “التحليلات التنبؤية” حيث يمكن الآن معرفة أذواق الشخص واختياراته وتفضيلاته ومعتقداته وأعماله، أصبحت فكرة الفعالية الرقمية أكثر هشاشة. في الواقع، فإن تحليل المعلومات المضللة والكاذبة والخاطئة بجانب الإعلانات المستهدفة في وسائل التواصل الاجتماعي، يثير الآن الخوف من أن اتخاذ القرار الديمقراطي – في بعض النواحي هو أحد أكثر التعبيرات قيمة عن الفاعلية البشرية – لم يعد نتاجا للإرادة الحرة، بل أصبح مثالا على الطرق التي يمكن بها التلاعب بالأفراد (Korner, 2019; Sefton-Green, 2019).

ومع ذلك، تُروج الفاعلية، كمصطلح شامل لقدرة الفرد على إحداث التغيير في العالم، باعتبارها صفة مهمة للأطفال والشباب. وتكلف المدارس وبرامج الشباب بتطوير أنماط المشاركة عبر مختلف المجالات. والسياق الرقمي ليس استثناء. في الواقع، تعتبر “الفاعلية الرقمية” الآن جزءا لا يتجزأ من “قدرة الفرد على التحكم في العالم الرقمي والتكيف معه” (Passey et al., 2018, p. 426). وهكذا أصبحت “الفاعلية الرقمية” عنصرا واسع الانتشار في العديد من البرامج التعليمية. ومع ذلك، لا يُعرف ما إذا كانت الفاعلية الرقمية – كما نفهمها تقليديا – ممكنة بالفعل في سياق تسيطر عليه شركات التكنولوجيا متعددة الجنسيات بشكل متزايد.

تبدو المواطنة الرقمية معرضة للتدخل خصوصا من قبل الجهات الفاعلة التجارية والحكومية. وتُحدد المواطنة تقليديا من خلال عوامل مثل مكان الميلاد (إما للفرد أو والديه) أو طلب الحصول على مواطنة بلد ما. ومع ذلك تعتبر المواطنة في السياق الرقمي مفهوم أكثر غموضا وموضع خلاف. ويمكن في عالم رقمي معولم إسناد المواطنة خوارزميا من قبل منظمات مثل وكالة الأمن القومي في الولايات المتحدة أو وكالة الاستخبارات الأمنية الأسترالية، ما يخلق نوعا جديدا من المواطنة هو المواطنة الخوارزمية (Cheney-Lippold, 2017). ولا يمكن إثبات المواطنة الخوارزمية، بل تُمارس. في الواقع، توضح البيانات المتولدة من خلال ممارسة العلاقات والتجمعات الاجتماعية عبر الإنترنت والجمعيات العلاقة بين الفرد والدولة. وكما أوضح تشيني ليبولد (2017) ففي عصر البيننة، تكون البيانات الشخصية هي “الأكثر منالا” وبالتالي فهي أسهل طريقة “لتمثيل السكان الخاضعين للمراقبة” (p. 160). وفي حين سهلت الرقمية المشاركة المدنية، فقد أدت أيضا إلى طرق جديدة لتحديد المواطنة أو إسنادها لا تتوافق مع المفاهيم التقليدية للمشاركة الديمقراطية. على سبيل المثال، يمكن تحديد المواطنة الخوارزمية من خلال العلاقات والتجمعات، ما يعني أن “القدرة الرسمية على الارتباط عن قصد بدولة كمواطن معترف به تُطرح في حالة من الفوضى” (Cheney-Lippold, 2017, p. 166).

نقاط العمل

تنبثق من مناقشتنا نقاط عمل خاصة بالتعليم والبحث والتنظيم. أولا، تحديد النقاط المتناقضة للتداخل والتوتر والاختلاف مفيد للتربية لأنه يضمن إمكانية تطبيق الاستجابة الأكثر ملائمة في سياق معين. على سبيل المثال، تميل محو الأمية الرقمية والحقوق الرقمية إلى التركيز على أشكال العمل الفردي، في حين ترتبط المواطنة الرقمية عادة بممارسات جماعة أو مجموعة. ونظرا لأن الحكومات والسلطات التربوية تنظر بشكل متزايد إلى محو الأمية الرقمية على أنها مشابهة للقراءة والكتابة (Littlejohn et al., 2012)، فمن المفيد التفكير في هذا باعتباره الاستجابة الرقمية الأساسية. ومع كل ذلك، ليست هناك حاجة للمطالبة بحقوقك الرقمية إذا لم يكن بإمكانك استخدام التقنيات الرقمية. وبالمثل، تدشن أعمال الهوية التي هي جزء من محو الأمية الرقمية الانتماء الجماعي وتقويه، وهو ما يقع في صميم المواطنة الرقمية.

كشف تحليلنا ميل الاستجابات الثلاثة إلى العمل على المستوى المفاهيمي، ما يجذب الباحثين الأكاديميين في سعيهم لفهم الممارسات الرقمية للأفراد. ومع ذلك، فإن التواصل والمشاركة في المجالات المدنية، والتحكم وإتقان التقدم في التعلم، وسلطة الترخيص بالمعاملات التجارية، وعضوية الألفة والذوق أو الجماعات التي تحركها الاهتمامات جميعها تعني أشياء مختلفة للأفراد المختلفين وتعبيرهم عن الفاعلية. ويقيد الوعي بالبيننة و “رأسمالية المراقبة” مفاهيم الحرية التي بدت في السابق جزءا لا يتجزأ من فهمنا المعياري للفاعلية. فهل توضح الاستجابات الثلاثة التي فحصناها هنا الحياة اليومية للناس وما أنواع الفاعلية التي يروجون لها؟ ينبغي على البحث المستقبلي اختبار حدود هذه الاستجابات، وربما الأهم من ذلك، النظر في كيفية تفعيلها باعتبارها ثلاثية تساعد الأفراد على مقاومة الجوانب الأكثر انتشارا لمراقبة البيانات والتوصيف التجاري.

أخيرا، كشف تحليلنا أنه على الرغم من الجهود الدءوبة للمعلمين والباحثين لإعداد الأفراد للعيش في عالم مبينن، توجد حدود للاستجابات الفردية والجماعية من القاعدة إلى القمة. كما تتضح الحاجة إلى مزيد من التنظيم من أعلى إلى أسفل لشركات التكنولوجيا الكبرى. وإذا نُظر إلي هذه الاستجابات الثلاثة على أنها تعمل على مستويات مختلفة (أي التقنية / النقدية / الاجتماعية والفردية / الجماعية)، فمن الضروري أن تصوغ التربية والبحث طرقا لتوضيح متى وكيف يمكن تفعيل هذه الاستجابات في الحياة اليومية الاجتماعية والمدنية لضمان حماية الحقوق الرقمية.

استنتاجات

 فحصنا في هذه المقالة بدقة كيف تهيء المفاهيم الثلاثة المختلفة الأفراد للعيش في عالم رقمي. وكان مبرر كتابة المقالة هو تطوير المواطنة الرقمية والحقوق الرقمية ومحو الأمية الرقمية بالتوازي، بدلا من الشكل الحواري، ما يعني أنها لم تُجمع معا بشكل فعال. وسلطت مناقشتنا الضوء على سبب الحاجة إلى استكمال مقاربات من أسفل إلى أعلى، مثل تلك الخاصة بمحو الأمية الرقمية والمواطنة الرقمية، بمقاربات تنظيمية من أعلى إلى أسفل مثل الحقوق الرقمية. وبالمثل، يمكن أن تؤدي المهارات الفردية مثل تلك التي تعززها محو الأمية الرقمية إلى عمل جماعي تشاركي مهم للمواطنة الرقمية وتعزيز التعددية والديمقراطية. وكشف فحصنا أيضا كيف تغير البيننة والأتمتة المشهد الرقمي بسرعة. وينبغي تطوير تفرعات جديدة من محو الأمية الرقمية، مثل محو الأمية البيانات، في التعليم لكي يكون الأفراد على دراية بالتحديات التي تواجه حقوقهم الرقمية، فضلا عن غرس الدافع والمهارات للمطالبة بهذه الحقوق. ومع تزايد احتشاد الوسائط الرقمية، أصبحت المفاهيم التقليدية للفاعلية تحت التهديد. وهذا يستدعي كلا من التنظيم والتعليم معا، ما يعني أنه لا يمكن لأي من المواطنة الرقمية أو الحقوق الرقمية أو محو الأمية الرقمية بمفردها إعداد الأفراد بشكل كاف. ويجب أن تعمل هذه المفاهيم الثلاثة في تناغم حتى يتمكن المجتمع “الجيد” من الازدهار.

الهوامش

(1) هذا هو أحد المبادئ الأساسية الموضحة في التفكير القانوني حول الأنظمة المعيارية للإنترنت:

https://www.normativeorders.net/en/events/documentation/69veranstaltungen/5515-normative-orders -of-the-digital

REFERENCES

Alexander, B., Becker, S. A., Cummins, M., Giesinger, C. H., & The New Media Consortium. (2017). Digital Literacy in Higher Education, Part II: An NMC Horizon Project Strategic Brief. Volume 3.4. The New Media Consortium.

Andrejevic, M. (2014). The big data divide. International Journal of Communication, 8, 1673–1689.

Andrejevic, M. (2020). Automated Media. Routledge. https://doi.org/10.4324/9780429242595

Australian Curriculum Assessment and Reporting Authority. (2020). Glossary: Digital Citizenship. F-10 Curriculum. Retrieved from https://bit.ly/3dBtkqp

Bennett, L. (2007). Changing citizenship in the digital age. Conference on Millenial Learners.

Cheney-Lippold, J. (2017). We Are Data: Algorithms and the Making of Our Digital Selves. New York, NY: New York University Press. https://doi.org/10.2307/j.ctt1gk0941

D’Ignazio, C., & Klein, L. (2020). Data Feminism. The MIT Press. https://doi.org/10.7551/mitpress/ 11805.001.0001

Goggin, G., Vromen, A., Weatherall, K., Martin, F., Webb, A., Sunman, L., & Bailo, F. (2017). Digital Rights in Australia. The University of Sidney. Retrieved from http://hdl.handle.net/2123/ 17587

Gray, J., Gerlitz, C., & Bounegru, L. (2018). Data infrastructure literacy. Big Data & Society, JulyDecember. https://doi.org/10.1177/2053951718786316

Hutt, R. (2015, 11). What are your digital rights? Retrieved from https://www.weforum.org/agenda/ 2015/11/what-are-your-digital-rights-explainer/

Isin, E., & Ruppert, E. (2015). Being Digital Citizens. Rowman & Littlefield.

Jenkins, H., & Carpentier, N. (2013). Theorizing participatory intensities: A conversation about participation and politics. Convergence, 19(3), 265–286. https://doi.org/10.1177/ 1354856513482090

Jenkins, H., Shresthova, S., & Gamber-Thompson, L. (2016). By Any Media Necessary: The New Youth Activism (Connected Youth and Digital Futures). NYU Press.

Kitchin, R. (2014). Big Data, new epistemologies and paradigm shifts. Big Data & Society, April-June. https://doi.org/10.1177/2053951714528481

Korner, K. (2019). Digital politics: AI, big data and the future of democracy. EU Monitor: Digital Economy and Structural Change, August.

Lankshear, C., & Knobel, M. (2011). New Literacies: Everyday Practices and Social Learning (3rd ed.). Open University Press.

Littlejohn, A., Beetham, H., & McGill, L. (2012). Learning at the digital frontier: a review of digital literacies in theory and practice. Journal of Computer Assisted Learning, 28(6), 547–556. https://doi.org/10.1111/j.1365-2729.2011.00474.x

Livingstone, S. (2014). Children’s digital rights: a priority. Intermedia, 42(4/5), 20–24.

Livingstone, S., & Third, A. (2017). Children and young people’s rights in the digital age: An emerging agenda. New Media & Society, 19(5), 657–670. https://doi.org/10.1177/ 1461444816686318

Lupton, D., & Williamson, B. (2017). The datafied child: The dataveillance of children and implications for their rights. New Media & Society, 19(5), 780–794. https://doi.org/10.1177/ 1461444816686328

Macenaite, M. (2017). From universal towards child-specific protection of the right to privacy online: Dilemmas in the EU General Data Protection Regulation. New Media & Society, 19(5), 765– 779. https://doi.org/10.1177/1461444816686327

Marwick, A. E., & Boyd, D. (2014). Networked privacy: How teenagers negotiate context in social media. New Media & Society, 16(7), 1051–1067. https://doi.org/10.1177/1461444814543995

Mathiesen, K. (2014). Human Rights for the Digital Age. Journal of Mass Media Ethics, 29(1), 2–18. https://doi.org/10.1080/08900523.2014.863124

McCosker, A., Vivienne, S., & Johns, A. (2016). Negotiating Digital Citizenship. Rowman & Littlefield.

Mossberger, K., Tolbert, C. J., & Mcneal, R. S. (2007). Digital Citizeship: The Internet, Society and Participation. The MIT Press. https://doi.org/10.7551/mitpress/7428.001.0001

New South Wales Department Education. (2020). Digital citizenship. Retrieved from https://www .digitalcitizenship.nsw.edu.au

Ozalp, S. (2019). Unlawful data access and abuse of metadata for mass persecution of dissidents in Turkey: The by-lock case. In A. Daly, S. K. Devitt, & M. Mann (Eds.), Good Data (pp. 117–134). Institute of Network Cultures.

Pangrazio, L. (2019). Young People’s Literacies in the Digital Age: Continuities, Conflicts and Contradictions. Routledge.

Pangrazio, L., & Sefton-Green, J. (2020). The social utility of ‘data literacy’. Learning, Media and Technology, 45(2), 208–220. https://doi.org/10.1080/17439884.2020.1707223

Pangrazio, L., & Selwyn, N. (2019). ‘Personal data literacies’: A critical literacies approach to enhancing understandings of personal digital data. New Media & Society, 21(2), 419–437. https://doi.org/10.1177/1461444818799523

Passey, D., Shonfeld, M., Appleby, L., Judge, M., Saito, T., & Smits, A. (2018). Digital Agency: Empowering Equity in and through Education. Technology, Knowledge and Learning, 23(3), 425–439. https://doi.org/10.1007/s10758-018-9384-x

Peacock, A. (2019). Human rights and the digital divide. Routledge. https://doi.org/10.4324/ 9781351046794

Pool, C. R. (1997). A new digital literacy. Educational Leadership, 55(3), 6–11.

Raffaghelli, J. E., & Stewart, B. (2020). Centering complexity in ‘educators’ data literacy’ to support future practices in faculty development: a systematic review of the literature (Vol. 25). Informa UK Limited. Retrieved from https://dx.doi.org/10.1080/13562517.2019.169630110.108/013562517.2019.1696301

Reventlow, N. (2017, 12 10). Digital rights are human rights. Retrieved from https:// digitalfreedomfund.org/digital-rights-are-human-rights/

Ribble, M., Bailey, G., & Ross, T. (2004). Digital citizenship: Addressing appropriate technology behavior. Learning & Leading with Technology, 32(1), 7–13.

Richardson, J. (2015). Law and the Philosophy of Privacy. Rouletge. https://doi.org/10.4324/ 9780203516133

Sakzewski, E. (2020, 06 22). Were TikTok users and K-pop fans really behind the poor turnout at Trump’s Tulsa rally. Retrieved from https://www.abc.net.au/news/2020-06-22/did-tiktok -users-kpop-fans-really-troll-donald-trump-tulsa-rally/12378768

Sarre, R. (2015). Metadata retention: A review of policy implications for Australians. Justice and Social Democracy Conference.

Sefton-Green, J. (2019). Can schools educate for democracy in the digital age? Oxford Research Encyclopedia of Education. Oxford University Press.

Shelley, M., Thrane, L., Shulman, S., Lang, E., Beisser, S., Larson, T., & Mutiti, J. (2004). Digital citizenship: Parameters of the digital divide. Social Science Computer Review, 22(2), 256–269. https://doi.org/10.1177/0894439303262580

Srnicek, N. (2017). Platform Capitalism. Polity Press.

Thorne, S. L. (2013). Digital literacies. In M. Hawkins (Ed.), Framing Languages and Literacies (pp. 192–218). Routledge.

Thrane, L., Shelley, M., Shulman, S., Beisser, S., & Larson, T. (2004). E-political empowerment: Age effects or attitudinal barriers. Journal of E-Government, 1(4), 21–37. https://doi.org/10.1300/ J399v01n04_03

Vromen, A. (2017). Digital Citizenship and Political Engagement. Palgrave Macmillan. https:// doi.org/10.1057/978-1-137-48865-7

مقالات ذات صلة