القائمة الرئيسية

الانسجام وثقافة الإلغاء

الانسجام وثقافة الإلغاء
ملخص المقال

تناقش المقالة مفهوم ""الإلغاء"" وتأثيره على العلاقات الإنسانية، مشيرةً إلى أنه قد يقطع الروابط بدلاً من تعزيزها. تقدم الكاتبة ""الانسجام"" كقيمة أساسية للحفاظ على العلاقات رغم التوترات، وتؤكد على أهمية التواصل والتفاهم.

ترجمة: فادي حنّا

تلقيت في الآونة الأخيرة على البريد الإلكترونيّ رسالةً تُبلغني بأنني قد آذيت مَشاعر المُرسِل. وقد كان المُرسِل مُحقًّا في ذلك تمامًا. كانت إساءتي غير مُتعمّدة لكنها سبَّبت له أذىً. وقد انتهت رسالته بعبارة «لا داعي للاعتذار». استوقفني ذلك قليلًا. لأن ردّ فعلي الأوّل كان الاعتذار. ولم أكن مُتيقّنةً من مُراد «لا داعي للاعتذار». فإذا كان المُرسِل يوّد فعليًّا ألّا أُجيبه، فإنه يُنكر أيّ اهتمام من جانبه في الحصول على اعتذار منّي، ويقطع أيّ دافع عندي لمحاولة إصلاح العلاقة. وإذا كان مُراد ذلك التعليق، عوضًا عن ذلك، هو التخفيف عن إحساسي بالذنب، فإنه قد فشل في ذلك، ذلك أن تقول لي إنني قد جرحت مَشاعر أحدهم هو أمر يستدعي ذلك الإحساس البسيط بالذنب الذي يُصاحب مثل هذه الزلات غير المُتعمّدة. ويُحفِّز الإحساسُ بالذنب الاعتذارَ. إنه إحساس مُفيد من هذه الناحية، على الرغم من نفورنا منه، أو في الواقع بسبب ذلك. ولِمَ الإشارة إلى المُخالفة إذا لم يكن ثَمّة إشارة مُضمرة إلى طلب التصالح؟

 لم يكن ذلك ليقترب من مقدار الخزي الناجم عن «إلغاء» [أو مُقاطعة] شخص ما، ولئن كان ذلك الشخص قد عرفته جيّدًا، فقد شعرت بالمقاطعة فجأة، لذا، خطرت كلمة «الإلغاء» في ذهني.

 تُستعمل الآن «ثقافة الإلغاء» و«الإلغاء» بكثرة، وقد جرى الآن تسييس هذَيْنِ المُصطلحَيْنِ إلى حدّ بعيد، لكنهما مصطلحَين غامضَين للغاية. يمكن أن يتعلَّق الإلغاء، على سبيل المثال، بالاقتصاد والنفوذ، بحيث يُحرَم أناس من فرصة الانتفاع من عدم احترامهم وإساءة مُعاملة الآخرين. يمكن أن يتعلَّق كذلك بالسلطة على نطاق أضيق، وبين شخصَيْنِ أكثر، كما يحدث عندما «يلغي» مُراهق تعامله مع زميله؛ لأنه يتفوَّه بعبارات بذيئة. يبدو أن كافّة الاستعمالات المختلفة لهذا المصطلح تشترك في فكرة استرداد السلطة. إن الإلغاء هو أسلوب لمعارضة إهانة موجّهة، على الصعيدَيْنِ المؤسّسيّ والشخصيّ، من خلال الامتناع عن التواصل مع أولئك الأشخاص الذين يستخدمون مَنابرهم بطرائق تتصف بأنها مؤذيّة. لكن مصطلح «مُلغَى» وفعل الإلغاء يستعملان ويُساء استعمالهما أيضًا، كحال العديد من الظواهر الديمقراطيّة الشعبيّة. كما أن ظاهرة الإلغاء مُشوّشة وخلافيّة. يسهل على أيّ شخص راشد أن يُقدِّر الفكرة في مُجملها، في بعض حالاتها، وأن يبقى مع ذلك قلقًا إزاء ما قد تؤدّي إليه؛ ففي أغلب الأحيان ثمّة عنصر يقول بإنكار حريّة التعبير من جانب المُلغين.

 ولأن الأمر برّمته كان خاصًّا، وعلاقتي بالمُرسِل لم تنقطع، فإن تجربتي مع الانفصال عبر البريد الإلكترونيّ لم تكن مِثالًا حقيقيًّا على فكرة الإلغاء. لكني قد شعرت بالإلغاء للحظة، وعندما تأملت فيما حدث ربطته بمفهوم قيمة لم تتعرَّض له الأحاديث المتواصلة عن قيمة الإلغاء من عدمها، أو حتى المتعلّقة بالثقافة بصورة أعمّ، إلا قليلًا، أعني مفهوم: الانسجام.

قيمة الانسجام

إن قيمة الانسجام يصعب تحديدها، كما أن الرغبة في الانسجام قد تجعلنا نتقبّل أمورًا ليس علينا تقبُّلها. لقد استخدمتُ في فصلي «فلسفة الطبيعة الإنسانيّة» بعض الخطابات التي كتبتها ثيانو وبريكتيونى، هما امرأتان فيثاغوريّتان ينصحان نصائح منزليّة تقوم على قيمة الانسجام [الهارمونيا]، «التأليف الموافق»، تلك القيمة الأساسيّة في المدرسة الفيثاغوريّة القديمة. يبقى بعضها نصائح جيّدة حتى يومنا هذا؛ حِبَّ، لكن لا تُفسدْ أولادك، عَامِلْ خُدّامك جيّدًا. لكن ثمة أحد الخطابات التي أرسلتها ثيانو إلى امرأة تُدعى نيكوستراتي حيث تنصحها بألّا تُثير جلبةً بشأن خيانة زوجها لها. ذلك أن عدم الانسجام في سلوك زوجها لن يُحسِّنه أن تقطع الزوجة علاقتها به. تقول ثيانو: إن الزوج، من أجل أن يتبيَّن خطأ مَسلكه، فإنه يحتاج إلى أن تُظهر نيكوستراتي الانسجامَ من جانبها، الذي يعني، في هذه الحالة، أن تجتاز مَشاعر الضّغينة.

  بدت هذه النصيحة لطلّابي في الفصل مُضحكة لأول وهلة. قطعًا لا!

  كان ذلك ردّ فعلي الأوّل أيضًا. تَحظى النساء هذه الأيّام بسلطة أكبر؛ إذ باستطاعتهنّ عدم التسامح مع الخيانة في كثير من الحالات. لكنني في التدريس أُحاول جاهدة دومًا أن أعرض أفضل قراءة للمادّة الفلسفيّة قبل أن أضعها موضع النقد. وبتطبيق ذلك ها هنا، لاحظت صلة باتجاهات معيّنة في الفكر النسويّ المُعاصر تقوم على أخلاقيّات الرعاية، وغيرها، التي تؤكّد على أهمّيّة علاقاتنا مع الآخرين ومَضامينها. لم أعثر على استعمال لمصطلح «الانسجام» في تلك الأدبيّات، لكني وجدت المَفهوم مُلائمًا. يعني الانسجام في المقام الأوّل بالإبقاء على العلاقات الجيّدة بإزاء التنافر الذي لا بدّ منه، والهفوات، والزلّات، والخلافات. ليس يعني الانسجام التراجع للحفاظ على السّلام، فذلك من المُرجّح أن يُقيم سلامًا زائفًا. إن شخصًا يتخلّى عن اهتماماته في سبيل أن يتجنّب شجارًا صوته غير مسموع، وحاجاته غير مُجابة، وهو بذلك إنما يسمح بتسلُّط الآخرين عليه. إن مَظهر الانسجام حينما نركن إلى الصمت إزاء إساءة استعمال السلطة لهو انسجام ظاهريّ؛ فالانسجام يتطلَّب -عوضًا عن ذلك- التّثقيفَ الدائم للعلاقات بحيث يُسمع صوت الجميع ويُقدَّر، ويتحمَّل الجميع عواقب أفعالهم، ويُمكن عَقد تسويات تُساعد على العيش.

يجدر هنا ملاحظة أن الانسجام لا يتعلَّق بضبط السلوك، وإنما يتعلَّق أيضًا بضبط الوجدانات. ولا بدّ من التعامل بحرص هنا أيضًا؛ ذلك أن الانسجام لا يتعلَّق بكبت الوجدانات المَشروعة، بل بالتناغم بينها والظروف. يعني ذلك بالطبع مشكلة أخرى شائكة؛ ففي أيّ وقت تكون أيّ الوجدانات مُلائمة؟ إننا نكره أن يُصيبنا، أو من نحبّهم، أي أذى، ونحس بالذنب إذا ما اقترفنا إثمًا، ونفتخر إذا أنجزنا -أو من نحبّهم- شيئًا طيّبًا، إلى آخره. كما يقول أرسطو في الأخلاق إلى نيقوماخوس: على المرء أن يعرف الشعور بها [الوجدانات] على ما ينبغي تبعًا للظروف، وتبعًا للأشياء، وتبعًا للأشخاص. في كتاب «الحب والمعرفة: الوجدانات في الإبستمولوجيا النسويّة» (1989) تقترح أليسون جاجار (Alison Jaggar) الامتحان الآتي: «أقترح أنَّ الوجدانات تكون مُلائمة في حال إذا كانت تُميّز مُجتمعًا يزدهر في كنفه الناس كافة (وربّما بعض أشكال الحياة غير الإنسانيّة كذلك) أو إذا كانت تفضي إلى تشييد مُجتمع كهذا». تُشير الوجدانات -في كثير من الأحيان- إلى مدى صحّة علاقاتنا أو سوئها. وتذهب جاجار بصفة عامّة إلى أنها مَصادر للمعرفة.

 بيد أن الوجدانات تتطلَّب مِرانًا. إني أعرف من خلال التجربة أن تنشئة الأطفال تتطلَّب تعليمهم الذكاء الوجدانيّ؛ وتمييز مشاعرهم، والتأمل فيها، بحيث يقدرون على تقييم مدى مُلاءمة مشاعرهم إزاء الموقف الذي يتعرّضون له. فلا فائدة من الغضب الشديد إزاء القيام ببعض الواجبات المدرسيّة التي لن تستغرق الطفل أكثر من عشر دقائق لإتمامها، وهي في الواقع سهلة عليه.

لهذا، فإن نصيحة ثيانو لنيكوستراتي، عندما تحثّها على أن تُقلل من حموّة غيرتها المشروعة، ليست تتضمّن القول بأن تبتسم، وأن تخفي مشاعر غيرتها، متظاهرة بأن كل شيء على ما يرام؛ فلمّا كان الانسجام قيمة أساسيّة، فإن نيكوستراتي ينبغي عليها أن تستجيب بطريقة مُنسجمة إزاء عالَم مُتنافر. عليها إيجاد طريقة تصالحيّة في التعامل مع الموقف. إن شعورها بالضغينة هو إشارة في محلّها إلى تعرُّضها لظلمٍ. لكن الخطوة الآتية ليست تتمثّل في التصلّب والتصرُّف بحسب الغيرة، وإنما في معالجة المشكلة بنظرة غايتها الانسجام.

 ربّما ما تزال هذه النصيحة بالنسبة لنا، نحن الغربيّين المحدثين، تبدو مربكة؛ إذ لو أننا تعرّضنا لظلم فينبغي وجود عدالة. لكن هذه الفكرة مألوفة في كثير من الثقافات. تُعلّم البوذية، على سبيل المثال، أنّ كل الوجدانات تُسبّب المعاناة –لا الوجدانات السلبيّة وحدها؛ إذ إنها تجعلنا نتشبّث بالزائل من الأمور، وبالتالي فإنها تحول دون حقيقة أن كل الأشياء مُتغيرة. إن إرادة الانسجام لن تتنكّر للحاجة إلى العدالة. لكنها سوف تضبط فهمنا لِما تتألّف العدالة منه. فبدلًا من عدالة المواجهة، التي تضادّ وتشجب وتتصارع، سيجعلنا الانسجام نتناغم في شكل من العدالة التصالحيّة، التي ترى الآخرين وتسمعهم. تنبع هذه العدالة من المقدّمة التي تقول إننا في ارتباط، وإن علينا أن نسلك بما يصون علاقتنا. ليست الخطوة الأولى هي قطع العلاقة، كما يفعل الإلغاء، وإنما الحلّ الأخير.

 أحسب أن المماثلة بالموسيقى (وهي مماثلة فيثاغوريّة للغاية) التي يتضمّنها استعمالي لكلمة «التناغم» هي مماثلة ملائمة عند الحديث حول الانسجام. تنطوي الموسيقى الجيّدة على التنظيم الدقيق لعنصرَيْ التوافق والتنافر بطرائق تعبيريّة؛ فالتنافر الشديد يزعج الأذن، كما أن الكثير من التوافق يخلق موسيقى مملّة. في مقالة حديثة تحمل عنوان «الحساء، والانسجام، والاختلاف» (2020)، حيث يُبدي ديفيد وونج معرفة بالطّهي أكثر من صناعة الموسيقى، يُماثل الانسجام بإعداد الحساء؛ إذ يجب الموازنة بين النكهات المختلفة بما يخلق كُلًا مُنسجمًا من المكونات المُتباينة. يدافع وونج عن تأويل للانسجام يسمح بوجود الخلافات في مقابل القناعات الأكثر تقليديّة، التي تزعم  أن الكونفوشيوسيّة تستلزم الاتفاق، وإخضاع مصالح الفرد إلى مصالح الجماعة. تقول نظريّة وونج بأن الانسجام بوسعه أن يحوي استعمالًا بنّاءً للاختلاف، كما نجد في الحساء أو الموسيقى؛ يحدث ذلك بواسطة الفهم المشترك، وعندما تلتفّ المصالح المتباينة حول قيم مشتركة. كذلك بشأن التفاهُم، كما نجد حينما تؤدّي إرادة الإبقاء على العلاقات بالطرفَيْنِ المتنافرَيْنِ إلى حلّ تعارض عميق.

ذلك الجانب الأخير من الانسجام هو ما تهدده ثقافة الإلغاء تهديدًا مباشرًا؛ فعندما يتوقّف الطرفان عن التفاهم، تهدّد كذلك إمكانية الفهم المشترك، وتصير اختلافات الطرفَيْنِ سببًا للشقاق بدلًا من أن تكون اختلافات بنّاءة. أجل، عندما ينفصل الناس عن بعضهم البعض بدلًا من التشارك فإنهم يقفون بذلك إلى جانب قيمهم الخاصّة، لكنهم لا يقفون إلى جانب قيمة العلاقة. إنهم بذلك يستعملون العدالة التي تجرح بدلًا من العدالة التي تُبرّئ الجرحَ (بالرغم من أن شاميرا إبراهيم، في مقال «دفاع عن ثقافة الإلغاء» (2019)، قد ذهبت إلى أن الإلغاء يمكن أن يؤدّي في بعض الأحيان إلى تثقيف واعتذار حقيقيّيْنِ). ومن المفارقة أن قوة الإلغاء تتأتّى جزئيًّا من قيمة العلاقة. ترجع قوّة الإلغاء إلى أنه يقوم بنبذ أحدهم، ويشعر كثيرون بهذا النوع من المقاطعة شعورًا بالغًا، كما حدث لي.

بين أنا ونحن

إن الإلغاء كما يتمّ تطبيقه الآن، لا سيّما عندما يكون حلًّا أوليَّا وليس ملاذًا أخيرًا، لهو أحد نتاجات النزعة الفردية، وربّما امتداد ضروريّ لها. تفهم النزعة الفردية المصلحة الذاتيّة بصورة ضيّقة للغاية، بوصفها مقصورة على مصالح الشخص بمفرده؛ إنها مبدأ وظيفيّ أساسيّ للنظام الرأسماليّ والديمقراطية الليبرالية على حدّ معرفتنا بهما. كما يتّصل الإلغاء بكليهما؛ إذ قد تتعلَّق الإلغاءات العامّة بمنع المُلغَى من الانتفاع من آرائه، كما أن الظاهرة وصفت أيضًا بأنها سيرورة دمقرطة، نظرًا لأنها تسمح للعاديّين ممارسة السلطة على ذوي النفوذ.

  لقد وهبتنا الفرديّة الكثير من النعم، لكن ربّما يجدر بنا النظر في حدودها كذلك. كتبت الدكتورة فيولا ف. كوردوفا Dr Viola F. Cordova-وهي أول فيلسوفة أمريكيّة من السكّان الأصليّين تحصل على درجة الدكتوراه في الفلسفة– في «الأخلاق: النحن والأنا» (2004) عن التباين بين أخلاقيات «الأنا»، وأخلاقيّات «النحن». في ظلّ أخلاق الأنا يكون الفرد «الوحدة الأوليّة للتفاوض». تظلّ الأخلاق متعلّقة بكيفيّة التوافق مع بعضنا البعض، ولكن أخلاق الأنا تُصادر على أن نقطة البدء تمثّل في قيم الفرد ومصالحه. تندرج معظم النظريّات الأخلاقيّة الغربيّة ضمن هذه الفئة بما أنها تقوم على نزعة فرديّة. أمَّا في ظلّ أخلاقيّات النحن، فعلى النقيض من ذلك، تكون للعلاقة الأولويّة. حيث يُقدَّر الأفراد بالطبع، ولكنهم يكونون كذلك بوصفهم أجزاءً في كلٍّ واحدٍ. عندما تندلع الخلافات (على الرغم من أن كوردوفا لا تستعمل هذه المصطلحات) فإن التركيز يكون منصبًّا حول إعادة الانسجام من خلال الاتفاق. يحدث ذلك بواسطة الاعتراف بقيمة جميع الأفراد، وابتغاء التوفيق فيما بين مصالحهم. تُشير كوردوفا إلى أن أخلاق النحن تنطوي على نوع من المساواة الجذرية –وهو ما تتجاهله الكيانات في أغلب نظريّات الأخلاق الغربيّة– بما فيها الأطفال والطبيعة، إذ يعتبران متساويان، ويولى إليهما اعتبارًا مساويًا في حال نشوب خلافات. أمَّا تصور وونج عن التفاهم فهو ينطوي على جوانب مختلفة؛ فثمة الانفتاح المعرفيّ، وإرادة تقليل الضرر الواقع على الآخرين، بينما يتصرّف الفرد بمقتضى قيمه الخاصّة، وإرادة تسوية الخلاف.

 إن أخلاق النحن لا تلغي الناس. فمتى كانت العلاقة القيّمة العظمى كان التآزر المسلك الأوّل. النشدان بدلًا من الشجب. إن الإلغاء طريقة في مناصرة القيم، وهو فعل مُعبّر قويّ. لكنه فرديّ من حيث إنه يضع تلك القيم في مقدمة العلاقة. إن الإلغاء على وجه الدقّة علامة على أن مجموعة من الناس (ربّما شخص واحد) لم يعد يريد الوجود في علاقة مع شخص آخر. الأمر أشبه كما لو أن الجَزَر قد قرَّر أن يهجر الحساء لأنه لم يعد يتحمَّل العيش مع طعم البصل. لكن إذا حدث ذلك سيضيع الحساء هباءً، وهو ما لا يمكن قبوله إذا ما أردنا الغذاء البدنيّ والروحيّ الذي توفره وجبة جيّدة.

  ماذا نخسر حينما نلغي أحدًا؟ يتمثّل أحد اعتراضات ناقدين ثقافة الإلغاء –لعلّ أبرزهم كان باراك أوباما– في القول بأن الإلغاء يصرّ على نوع من النقاوة الأخلاقية التي يتعذّر تحقيقها. إذ إن معظم الشخصيّات المعروفة في التاريخ كانت تفتقر إلى الكمال الأخلاقيّ، بالضبط كحال معظمنا. وإذا قصّرنا نظرتنا على زمرة من أشهر الفلاسفة في تاريخ الفلسفة الغربيّة، فماذا عن أرسطو، أو ديفيد هيوم، أو إمانويل كانط، أو مارتن هايدجر؟ فقد كانوا جميعًا عنصريّين أو متحيّزين جنسيًّا، أو كليهما بشكل واضح (بل وأكثر من ذلك). إلا أن لديهم جميعًا أفكار فلسفيّة هامّة، نشأ عنها الكثير من الخير في مجتمعنا ومؤسّساتنا كما نرى. إن تجاهل هذه الأفكار سيضعف الفلسفة إلى حدّ كبير، ويُعتِم واقع تاريخ الفكر الأوروبّيّ. وكما جادل فيكتور أبونديز غويرا Victor Abundez-Guerra (في مقال «كيف نتعامل مع عنصريّة كانط – داخل وخارج الفصل؟ 2020) وغيره الكثيرون، بالقول إننا لا يسعنا أن نستخرج الصالح من أفكارهم وأن نترك الطالح منها تحت أيّ مبدأ. وهم يضيفون إلى ذلك القول بأننا لا ينبغي أن نلغي هؤلاء؛ إذ تجمعنا علاقة بهم، سواء شئنا أم أبينا.

  إننا إذا أخذنا في اعتبارنا قيم العلاقة، والانسجام، لكان علينا، عوضًا عن الإلغاء، أن نجهد من أجل أن نستعيد الانسجامَ عن طريق الاستفادة من التّنافر الذي مردّه إلى النقص الأخلاقيّ. يجدر بنا أن نُبيّن الكيفيّة التي تتشابك بها الأفكار الصالحة عند الناس مع أفكارهم الطالحة، وأن نتفكر طويلًا في القيم التي نشاطرها معهم، وأن نوفّق فيما بين اختلافاتنا معهم، ذلكم هو تعلُّم العيش مع الناس، ونحن معترفين بتعارضاتنا العميقة معهم. فليس بوسعنا أن نلغي أولئك الفلاسفة بأيّ وسيلة كانت، سواء شئنا أم أبينا؛ إن تراثهم الفكريّ قد جعل المُجتمع الأوروبّيّ على ما هو عليه، ولن نتجاهلهم أو نتغاضى عنهم؛ لذا، علينا أن نواجه عيوبهم، وأن نحاول أن نصنع الانسجامَ من أفكارهم، تمامًا بالضبط كما نعود، في الموسيقى التوناليّة الغربيّة، إلى  حال التوافق [مستقرّ المقام] مهما كانت رحلتنا من العرض إلى الكودا مُتنافرة.

  ليس الانسجام قيمة قديمة فحسب، أو قيمة تُقدّسها الثقافات غير الغربيّة؛ إن الكثير من النسويّات المعاصرات، لا سيّما أصحاب مذهب أخلاق الرعاية منهن، نراهم يؤكّدون على قيم العلاقة. وكما أشرت، إنني لم أجد أيّ ذكر لمصطلح «الانسجام» كقيمة في ذاتها، فيما أعلم. إن أحد الأشياء التي يؤكّد عليها أصحاب أخلاق الرعاية هو الاهتمام بالرعاية الذاتيّة. إن الانسجام كقيمة وممارسة يستلزم نتيجة أن جميع الأفراد المعنيين في الموقف، بما فيهم نحن، إنما يستحقون الاعتبار والرعاية – وهو الموقف الذي تعكسه أخلاق النحن عند كوردوفا. لذا، على الرغم من أننا كائنات علائقية في المقام الأول، ونسلك بشكل جيد بالاستناد إلى ذلك التصوّر بشأن ذواتنا، نعمل نسلك إلا أن علاقاتنا، عندما تصبح سامّة فعلًا، ينبغي إنهاؤها. المشكلة الصّعبة هي أن نعرف متى يكون الأمر كذلك؛ متى نتخلى عن علاقة، ونفصل أنفسنا عمّا هو سام بحق؟ بتعبير آخر، متى يكون الإلغاء هو الشيء الصحيح الذي ينبغي فعله؟

لا أعتقد أن بوسعي تقديم إجابة بدئية على ذلك السؤال. وقد لا يستطيع أحد. لكن نأمل أن نعرف ذلك عندما نخوضه. يجب علينا التوفيق فيما بين المشاعر المؤلمة اليومية، والخلافات المتنافرة؛ لا يجب أن نتقبل الكراهية أو الإساءة؛ ثمة طائفة كبيرة من المواقف التي تتوسط هذين، وبرغم ذلك، إلا أن الخطّ الفاصل بين ما يمكن قبوله وما ليس كذلك، مثل كثير من الأشياء الأخرى، خط رماديّ ومُبهم. ربّما ليس ثمة فاصل دقيق، خط أخلاقي يُحدد، بل منطقة رمادية وحسب، ومن ثم يجدر بنا أن نطبق حكمة عملية في كل موقف بذاته.

 إننا اليوم بدلًا من قبول الأشياء التي لا يمكننا تغييرها، فإننا نسعى إلى تغيير أشياء التي لا يمكننا قبولها (في إعادة صوغ عبارة أنجيلا ديفي المُقتبسة من كلمات راينهولد نيبور). إنها طريقة قوية لإحراز تقدم، ويمكن أن تحدث بصورة مُنسجمة أو غير ذلك. ظنّ أن السؤال الأساسي بالنسبة إلى هذه الأوقات العصيبة يتمثل في ما إذا كانت الفردية ستقضي نهائيًّا على أي أمل في الانسجام بين المتنافرات. أم أننا سنتمكن، عوضًا عن ذلك، من وضع قيمة العلاقة فوق كل الاختلافات، وأن نُعيد صوغ خلافاتنا، سواء على النطاق الواسع السياسيّ، أم الضيّق الشخصيّ، بالاستناد إلى القيم المُشتركة، والاتّفاق. إن الإلغاء لهو أداة هامّة بسبب صلته بالديمقراطيّة والسلطة. لكن إذا أصبح إحدى الوسائل الأساسيّة التي نُمارس بها السلطة، فإننا نفسد حساءنا الثقافيّ.

إيريكا ستونستريت أستاذ مساعد في الفلسفة، في كلية سانت بنديكت وجامعة سان جون في ولاية مينيسوتا

 

مقالات ذات صلة