القائمة الرئيسية

الحياة العامة، جون ديوي وتكنولوجيا الإعلام.

الحياة العامة، جون ديوي وتكنولوجيا الإعلام.
ملخص المقال

تتناول المقالة تأثير تكنولوجيا المعلومات على الفضاء العام والخاص

سبتمبر 28, 2024

ملخص: تتناول المقالة تأثير تقنية المعلومات على الفضاء العام والخاص، مستندة إلى أفكار فلاسفة مثل جون ديوي ويورغن هابرماس. يؤكد النص على أن تقنيات الاتصالات الحديثة تدمج بين الخاص والعام وأنها تؤثر على الديمقراطية والمجتمع بطرق لم يكن يتوقعها الفلاسفة. تتناول المقالة أيضًا مسائل أخلاقيات الإنترنت والاستخدام المزدوج للتقنية.

ترجمة: رضا زيدان.

يستخدم هانز لينك  وأولريش أرنسوالد تمييز جون ديوي بين الحياة العامة والخاصة للنظر في بعض الآثار المترتبة على تكنولوجيا المعلومات.

جون ديوي (1859- 1952)

لقد ظهر المفهوم الفلسفي الأول للعمومي public وللحياة العامة public life في مقابل الحياة الخاصة private life، في أول مجتمع للمواطنين الأحرار، أثينا القديمة الديمقراطية. ركّز عملا أفلاطون ""الجمهورية Republic"" و""رجل الدولة والقوانين Statesman and Laws"" على معايير ""الخاص"" و""العام"" والاختلافات التي بينهما. و اهتم شيشرون –بعد ذلك في روما- بشدة بمفهوم res publica (""الأمور العامة"") من ترجمته لـ ""جمهورية"" أفلاطون لتسليط الضوء على التطابق بين صنع القرار بوعي وفقًا لإرادة الفرد وبين قوانين دولة المدينة. وحاول شيشرون تأكيد الجوانب العائلية للبشر (فكرة رب الأسرة)، و الجوانب العامة أيضًا. ويبدو أنَّ شيشرون هو أول مروج لما يمكن تسميته homo publicus (""الرجل العام"") الذي استخلصه من فكرة أفلاطون عن المواطن المولود حرًّا كما عبَّر عنها أفلاطون في ""الجمهورية"".

 لا يمكن معادلة الديمقراطية الأثينية بالديمقراطية الحديثة بسهولة؛ إذ لم يطوّر الأثينيون في أي مرحلة مؤسسات مشابهة لتلك التي نعتبرها اليوم ديمقراطية، ولم تمتد الحقوق الديمقراطية لتشمل كل السكان؛ فلم تكن ديمقراطية شعبية حقيقية. ولم يكن للنساء، ولا للفقراء ولا للشباب ولا للعبيد ولا للأجانب، إشراك في صنع القرار السياسي. ومع ذلك، فقد سَمَحَ هذا الشكل المبكر للديمقراطية بنوع فعال من المواطنة لأولئك الذين لديهم حقوق سياسية كمواطنين أحرار، ومن ثم شكّل مجالًا عامًّا مبكرًا. ينصب تركيز الديمقراطية اليوم  أصلًا على مصطلح ""الحرية""،  أمَّا في العصر الأثيني فكان التركيز الضمني أكثر بكثير على الفكرة الوظيفية لـ ""المساواة"" (رغم أنها للمواطنين الأحرار فقط)، وذلك بالمعاني الخاصة لـ isonomia (مساواة الحقوق السياسية)، وisegoria (حق متساوٍ في الكلام)، وiskratia (حق متساوٍ في التصويت).

عموميٌّ ما بعد ديمقراطي ؟

من المثير للدهشة أنَّ هذا التركيز على المساواة الوظيفية الديمقراطية للمواطنين يبرز في المنشورات المعاصرة عن الديمقراطية الحديثة، وأشهر مثال على ذلك نجده في الكتاب الرائد لعالِم الاجتماع السياسي كولين كراوتش ""ما بعد الديمقراطية Post-Democracy"" (2004). إنَّ الشاغل الرئيس لكراوتش هو قوة الشركات متعددة الجنسيات، ومجموعات الضغط واللوبي التي تجعل مصالحها الاقتصادية في مستوى أعلى من الرفاهة العامة ومصالح الدولة. ينعم رجال الأعمال بسهولة الوصول إلى السياسيين، وغالبًا ما يكونون في قلب عملية صنع السياسات، بينما يتضاءل تأثير الجمهور أكثر من أي وقت مضى. ووفقًا لكراوتش، فإنَّ التوجه نحو مجتمع تُقلَّص فيه سلطة جميع مؤسسات الديمقراطية يعني أنَّ المؤسسات ستصبح مجرد قشور رسمية إلى حد كبير، وسوف تُتَّخذ القرارات الحقيقية خارج المؤسسات والعمليات الديمقراطية. ويخمّن كراوتش أنَّ وضعنا يمر بمرحلة انتقالية نحو مجتمع ""ما بعد ديمقراطي""؛ إذ لم تعد القرارات الرئيسية تُتَّخذ في الساحة الديمقراطية، وإنما في الدوائر الصغيرة لنخبة صانعي القرار التي انتقت نفسها بنفسها والتي ينحدر  أساس أعضائها من طبقة سياسية اقتصادية متمتعة بامتياز، ولم  يعودوا شرعيين بالانتخابات الحرة.

تنظر هذه المناقشة مرة أخرى –كما  حدث في أثينا القديمة– في الظروف الاجتماعية الضرورية لديمقراطية فاعلة لمواطنين متساوين. ولذلك، فإنَّ هذا الاهتمام المعاصر قريب  قربًا مدهشًا من اهتمامات الديمقراطية الأثينية الكلاسيكية. فمسألة كيفية حماية الديمقراطية بعملياتها التشاورية بصرامة في المجال العام، ومسألة كيفية الحفاظ على ثقافة سياسية عامة صحية، كانتا  حقًّا من المسائل الملحة آنذاك. تعيدنا هذه المناقشة أيضًا إلى سؤالنا العام عن العمومي: ما المعايير التي تحدد ""الرجل العام""؟ أو  الأَوْلَى أن نسأل: ما معايير تمييز الوظائف العامة ووجهات النظر المتعلقة بالإجراءات باعتبارها متميزة عن السلوكيات والأفعال الخاصة؟ في الواقع، يبدو أنَّ الاختلاف الحقيقي بين مجال الحياة الخاصة ومجال الحياة العامة، محلُّ جدل طويل تعتمد نتيجته على بعض الافتراضات الفلسفية عميقة الجذور  التي لا تتعلق بمنهجيتنا فقط، وإنما أيضًا بالأسس المفاهيمية للحياة الاجتماعية العامة والحياة الفردية.

أفكار حديثة حول العمومي

 نشر يورغن هابرماس في ألمانيا عام 1962م أول عمل رئيس له بعنوان: ""التحول الهيكلي في المجال العام: تحقيق في فئة من المجتمع البرجوازي The Structural Transformation of the Public Sphere: An Inquiry into a Category of Bourgeois Society"". وتُعتبر الآن أطروحة ""التأهيل habilitation"" هذه بمثابة الركن البارز لتطوير الدراسات الإعلامية المتعلقة بـ ""العمومي"". لقد حاول هابرماس فهم ظروف العمل الضرورية للديمقراطية.  ويرى أنَّ كلمة ""العمومي public"" هي agora اليونانية [ساحة السوق]، أي: ساحة التجمع القديمة التي كان يلتقي فيها الأفراد بالشخصيات الحكومية، وحيث يمكن للناس إجراء مجادلات نقدية حول الشؤون العامة. وخلص إلى أنَّ الجمهور النابض بالحياة هو أفضل ضمان في الديمقراطية لإبقاء السلطات في حدودها.

أصرّ هابرماس أيضًا بحق على أنَّ دول الرفاهة الديمقراطية الحديثة يجب أن تكون على دراية بأسسها المعيارية وأن تحترمها كمقدمات للمبادئ. أي:  ما دامت الديمقراطية الليبرالية تستطيع ضمان استمرار ثقافي لمبادئ الدساتير الليبرالية الحديثة، فيمكنها أن تتوقع حقًا أن تجد دعمًا كافيًا داخل المجتمع. وتحقيق ذلك يتطلب أولًا أن تعترف الديمقراطيات الليبرالية بالحاجة إلى جمهور سياسي فاعل. ومن ثم يجب أن يُنظر إلى الجمهور بعين الاعتبار، ويجب أن تحميه الطبقات الحاكمة.

يُعَد عمل هابرماس- من نواحٍ عديدة دراسة واضحة لأصول الرأي العام في المجتمعات الديمقراطية وطبيعته وتطوره، رغم أنَّ هابرماس بطبيعة الحال لم يتوقع التغيرات التي تحدث في الوقت الحاضر في صورة ما يُسمَّى بـ ""الثورة الرقمية"".

وقع في الآونة الأخيرة في مقاربة فلسفية إلى حد ما، أن تناول فولكر غيرهارد Volker Gerhardt موضوع الحياة العامة في عمله Öffentlichkeit: Die politische Form des Bewusstseins (""العمومي: الشكل السياسي للوعي، 2012م).  يبدأ الكتاب من اليونان القديمة إلى التاريخ السياسي الغربي حتى الآن، ويتعامل هذا الكتاب رفيع الثقافة إلى حد ما مع مستوى جديد من الذيوع publicness (أو ""العلنية publicity""). يتبنى غيرهارد صياغة شيشرون للرجل العام قائلًا: «في ظل ظروف [أي عندما تكون جزءًا من] الجمهور، يكون أي إنسان [الدازاين] مثالًا نموذجيًّا». (p. 534) إذا كان لنا أن نتفق بأي شكل مع غيرهارد في أنَّ ""العمومي"" لا يتحقق إلا من خلال التنظيم السياسي، وأنَّ معنى العمومي السياسي هو المشاركة (بمعنى التمثيل، وكذا التوافق مع النظام السياسي بقواعده). وإذا استطعنا أن نتفق مع حديث فتغنشتاين المتأخر عن المعنى الاجتماعي المتجذر للكلمات وشكل الوعي، فإنَّ الرسوخ السياسي والأهمية السياسية للعمومي هما اللذان يشكّلان ""العمومي"" ويعرّفانه، وليس تعريف العمومي هو ما يشكّل الرسوخ السياسي والأهمية السياسية. ومع ذلك، ليس هدفنا هنا رسم مسار تطور مفهوم العمومي والعلنية في تاريخ الفلسفة الاجتماعية والسياسية الغربية، وإنما نهدف إلى إثارة بعض القضايا من خلال فلسفة أكثر انغماسًا في الواقع، وهي البراغماتية الأمريكية، وفقًا لأعظم ممثليها، جون ديوي (1859- 1952).

""الجمهور"" لديوي

تناول ديوي في سلسلة محاضرات شهيرة نُشرت عام 1927م بعنوان: ""الجمهور ومشكلاته The Public and its Problems"" بعض المشكلات المفاهيمية المتعلقة بالمجتمع الديمقراطي في ضوء تكنولوجيا الاتصال والإعلام الجديدة التي تمثّلت في ذلك الوقت في حركة البث الإذاعي الدولي، وكذا الاتصال بالتلغراف والهواتف. وبسبب عدم ثقة ديوي في المفاهيم المجردة العامة، مثل: ""الدولة""، و ""الجمهور""، و ""الأفكار المطلقة"" وما إلى ذلك؛ انطلق من الاقتناع الأساسي بأنَّ الأفراد  وحدهم هم من يتصرفون، لا المجموعات ولا ""الجمهور بشكل عام""؛ إذ إنَّ «[الاختلاف] بين الأشخاص في طبيعتهم الخاصة والتمثيلية الرسمية» هو ما يؤدي إلى الفعل العمومي، لكنَّ المجموعات تعمل من خلال الأفراد فقط في ما يسمى بأفعالهم ""العامة"". يُعدّ هذا الفهم للفعل أمرًا مركزيًّا لمفهوم ديوي عن ""الجمهور""، إذ يقول: «إنَّ هذا الجمهور يُنظَّم ويصير فعالًا بالممثلين الذين يهتمون؛   بمصالحه الاستثنائية بالطرق التي يُقصَد بها تنظيم الأعمال المشتركة للأفراد والجماعات؛ فهم أوصياء على العُرف ومشرّعين ومسؤولين تنفيذيين وقضاة إلخ. ثم يضيف التجمع إلى نفسه تنظيمًا سياسيًّا، ويظهر شيء قد يكون هو الحكومة، فالجمهور دولة سياسية». (p. 35) الاختلاف في الحقيقة بين التفاعل المباشر أو التواصل وجهًا لوجه بين الناس، والعواقب الممتدة غير المباشرة للأفعال، هو الذي يحدد الطابع العمومي للأفعال، ومن ثم يحدد المؤسسات العامة وما شابهها، فالأفعال العامة لها عواقب ممتدة.

استوحى ديوي في تفكيره في هذه المنطقة من تشاؤمية والتر ليبمان Walter Lippmann بشأن إمكانية التعامل مع الأسس الفلسفية السياسية لتقاسم الآراء العامة بكل أنواعها، أي: لإيجاد الأسس الفلسفية لسياسة تعددية. يدرك ديوي جيدًا أنَّ هناك الكثير -بل «الكثير جدًّا من الجماهير- وانشغالًا كبيرًا جدًّا بمواردنا الحالية، ولا بد من التعامل مع كل هؤلاء الجماهير. إنَّ مشكلة الجمهور المنظَّم ديمقراطيًّا هي في أساسها وطبيعتها مشكلة فكرية، حتى إنَّ الشؤون السياسية للعصور الماضية ليس فيها نظيرًا لها». (p. 17) ومع ذلك، فإنَّ «العواقب غير المباشرة والممتدة والدائمة والخطيرة للسلوك المشترك والتفاعلي تستدعي وجود الجمهور الذي له مصلحة مشتركة في التحكم في هذه العواقب». (p. 126) يتولَّد الجمهور المنظَّم ديمقراطيًّا أيضًا من خلال تكنولوجيا الاتصال الجديدة آنذاك، والتأثير الممتد المذهل العابر للقارات، حتى) التواصل الفوري بالهاتف، أو التلغراف، أو وسائل الإعلام، مثل: الراديو. يقول: «أسهمت القوة البخارية والكهرباء في تغيير الظروف الذي يرتبط به الناس معًا إسهامًا أكبر من أي إسهام أثر به المؤثرون على العلاقات الإنسانية قبل عصرنا». (p. 141) ومن ثَمَّ «لدينا أدوات اتصال مادية لم تكن موجودة من قبل قط». (p. 142) وقد خلقت «تجمعًا Society عظيمًا» للتواصل، لكنها لم تخلق «مجتمعًا community». (p. 98) في الواقع -كما يذكر ديوي- «وسّع عصر الآلة نطاق النتائج غير المباشرة على نحو كبير ومضاعف ومكثف ومعقد، وشكّلت مثل هذه الاتحادات الفاعلة الهائلة على أساس غير شخصي وليس مجتمعيًّا، حيث إنَّ الجمهور الناتج لا يستطيع تحديد نفسه وتمييزه». (p. 126) لقد حدث تحول كبير في الاتصال، وكذا في وسائل التأثير غير المباشر، ولكن «لم يحدث شيء عظيم مناظر في الأفكار والمُثُل» (المرجع نفسه).  ويرى ديوي أنَّ ""التجمع العظيم"" لا يمكنه تحويل نفسه إلى ""مجتمع عظيم"" أكثر عدلًا ومساواة دون تغيير جوهري في الأفكار والمفاهيم. ب أضف إلى ذلك أنَّ مَن بيده كل المعاملات والسلوكيات والاتصالات التي ابتلعتها الأداتية هم الخبراء و/أو جميع أنواع الفاعلين العموميين، أي: أصحاب المناصب العامة أو الفاعلون السياسيّون، ومن ثم يتصرف ""الجمهور"" فقط من خلال ""أشخاص محدَّدين"" هم السياسيون الذين «يمثلون جمهورًا ما». (p. 75) ويكتب ديوي بشكل عام: «يبدو أننا نقترب من حالة الحكومة من خلال مروجي الرأي المسمّين الفاعلين السياسيين». (p. 169) وهكذا تخيل ديوي نوعًا من ""التكنوقراطية"" للتقنيات التواصلية الجديدة التي تقدم «تحولًا كبيرًا في المجتمع» حتى يكون آلة اجتماعية يديرها الفاعلون السياسيون، وخلق شبكة من النتائج غير المباشرة والممتدة للتصرفات، وذلك دون علاقات إنسانية وثيقة تعتمد على الاحتكاك وجهًا لوجه، أو أي توجه نحو المجموعات المحلية، أو مجتمع الجوار. لذلك، فإنَّ الهيكل العام لصنع القرار في العمليات الديمقراطية والسياسية يميل إلى أن يصبح مجردًا ومنفصلًا عن أي أساس عملي في التفاعل البشري المباشر الذي يعتمد على العلاقات التقليدية والمعلومات المنقولة اجتماعيًّا. ومع ذلك -كما يؤكد ديوي صراحةً- «يجب على المجتمع دائمًا أن يحافظ على علاقات الاحتكاك وجهًا لوجه» (p. 211)، و «يجب أن تبدأ الديمقراطية من البيت، وبيتها هو مجتمع الجوار» (p. 213)، و «ما لم يكن بالإمكان استعادة الحياة المجتمعية المحلية، فلن يستطيع الجمهور حل المشكلة الأكثر إلحاحًا  حلًّا مناسبًا، ألا وهي إيجاد هويته وتحديدها». (p. 216)

تأثير تكنولوجيا المعلومات على الجمهور

إنَّ فرضية ديوي فيما يتعلق بالتأثير القوي لتكنولوجيا الاتصالات وامتدادها صحيحة أيضًا بالنسبة لمجتمعنا الإعلامي الديناميكي الحديث عالمي النطاق بفضل انتشار اتصالاته الفورية – حتى إنه لم يعد من المعقول التفريق بين الخاص والعام. حتى التمييز المفاهيمي بين ""الخاص"" و""العام"" يتلاشى باستمرار على شبكة الإنترنت. والاختلاف الواضح والصريح بين الاتصال ""المباشر"" و""غير المباشر"" لم يعد موجودًا  اليوم؛ إذ ما المعنى الممكن لكلمة ""الاتصال المباشر"" اليوم في ضوء كل الوسائل العالمية الجديدة للتفاعل الرقمي ونقل المعلومات الفوري، مثل: التلفزة، والاجتماعات الجارية عبر تقنية الفيديو، وبرنامج سكايب Skype، وما إلى ذلك؟ 

ومن ثم ألا نحتاج إلى تحديث مفهومنا لـ ""التفاعل المباشر""، بأنَّ نعدّل المفهوم الجسدي الحقيقي التقليدي للتقابل وجهًا لوجه ليشمل الفورية ""وجهًا لوجه"" المتاحة عبر الإنترنت؟ أمَّ أن برنامج فيس تايم  واجتماعات الفيديو وسكايب ليست تفاعلًا تواصليًّا مباشرًا؟ ضع في اعتبارك أنَّ أيَّ اتصال مرئي تُنقل فيه جميع المعلومات التي تشكّل الاستجابة المباشرة  -كعلامات العواطف والأمزجة والتمايزات الدقيقة للمعاني من كل الأنواع- على نحو فوري بكل الحيوية المتاحة في الحضور الجسدي، أو كلها تقريبًا على الأقل.

علاوة على ذلك، فإنَّ الحوسبة الشاملة -لا سيما في الاتصال الفوري بين أجهزة الكمبيوتر وعمليات اتخاذ القرار التلقائية التي تقوم بها في سوق الأوراق المالية- لها عواقب فورية واستتباعية للغاية، ربما بمعدل مليارات الدولارات في اليوم.  أضف إلى ذلك أنَّ إمكانية التصويت ""الديمقراطي"" الشامل قد تسمح بالاتفاق أو من خلال أزرار ""الإعجاب like""، والتواصل المتزامن بين شعوب معظم الدول، بإجراءات تصويت متنوعة واتفاقيات جماهيرية عامة شبه فورية. هناك عملية شبه تصويتية قوية وَتَوَصُّلٌ إلى توافق في الآراء يحدثان بالفعل على شبكة الإنترنت، تارة على مستوى وطني، وتارة على مستوى دولي. 

تحدث في عصرنا -عصر الوسائط المتعددة الإلكترونية- ""ثورات الإنترنت"" التفاعلية والاضطرابات، بل وتزعج الأنظمة السياسية، كما أظهرت ثورات الربيع العربي مؤخرًا، وهذا مجرد مثال. في الواقع يُعتبر الاتصال الإعلامي الجديد وسيطًا قويًّا وأداة قوية التأثير للتغيير المجتمعي والسياسي، ومن ثَمَّ تصاحبه عواقب جذرية أو حتى ثورية. لذلك كان ديوي محقًّا  في تأثير وسائل الاتصال، رغم أنَّ معرفته لا تتجاوز الاتصالات الراديوية والهاتفية، ولم يكن بإمكانه توقع الإمكانات والتأثيرات الممتدة للاتصالات الرقمية والوسائط المتعددة في يومنا هذا. وكان لديه –رغم ذلك- فكرة حقيقية عن القوة الاجتماعية التكوينية لمثل هذه الظواهرالتي تتعلق بتمديد تأثير الناس وسرعة استجابتهم للإجراءات والأحداث، فضلًا عن الطبيعة المتحدِّية لتأثيرات وسائل الإعلام النشطة والخاملة. تتلاءم تفاعلات الوسائط المتعددة الحية التي تنقل العواطف اليوم مع فرضية ديوي بشأن تأثير وسائط الاتصال الإيجابية والسلبية وفعاليتها. لذلك قد ترقى في حاضرنا الضجة القوية على وسائل التواصل الاجتماعي إلى نوع من ""الثورة الإعلامية"" التي يمكن أن تطيح بالديكتاتوريات من ناحية، وتخدم حرية الفرد من ناحية أخرى.

قد يتضح أنَّ الاتصالات الفورية متعددة الوسائط، فهي بمصدرها الكوكبي تُعدّ إيجابية إلى حد كبير، وتعزز الحرية الفردية الاجتماعية وتزيدها. ويبدو رغم ذلك أنه يمكن استخدامها أيضًا في المضايقات، والتصيد الساخر، وجميع أنواع الانتقاص واسعة النطاق، والإهانات الخبثية، بل وفي الخيانة والاحتيال، والتنقيب في البيانات، والتجسس الإلكتروني، وما إلى ذلك. ولا ريب أنَّ هناك اتصالات إلكترونية غير أخلاقية لا على مستوى شخصي فحسب، بل على مستوى أوسع.

تنتشر المناظرات والمجادلات وبث الادعاءات في وسائل الإعلام بالمعنى السلبي، ولا ريب أنَّ هذا يُعدّ عاقبة عمومية -وكلمة عمومي هنا بالمعنى اليومي، أي: الانتشار غير المباشر والواسع النطاق- لفعل تواصلي واعٍ. ويُعدّ أيضًا عاقبة ""عمومية"" بالمعنى الذي قصده ديوي؛ لأنه يتيح التجاوب وصدى التجاوب في جميع أنحاء العالم  تجاوبًا فوريًّا.  وإن كان بعضهم يرى أنَّ الخصوصية تتلاشى على شبكة الإنترنت.  الحق أنه يجب أن تتخذ التصنيفات الأساسية لـ ""الخاص مقابل العام"" شكلًا جديدًا يتكيف مع إمكانات الوسائط الجديدة والتجاوب العالمي المنتشر في كل مكان الذي يُسمَّى: ""التواجد عن بُعْد telepresence"". يمكن أن تعزز تكنولوجيا الاتصال الحديث اتحادًا بين الخاص والعام بالمعنى الذي ذكره ديوي، ومن ثَمَّ تمطس الخط الفاصل بين ""الخاص"" والعام"" بقدر ما تطمس معنى ""المباشر"" و""غير المباشر"". ولذلك، يبدو أنه يجب التخلي عن الافتراضات المسبقة الأساسية لتقسيم ديوي بين القطاعين الخاص والعام. تندمج الخصوصية والعلانية في بعضهما في أيامنا هذه. بعض الناس حريصون  حرصًا على جعل كل أمورهم الخاصة علنية، وعلى نشرها على الإنترنت، حتى إضرارهم البغيض أو سلوكهم الإجرامي، بل يبدو أنَّ هناك توجّهًا نحو جعل العربدة علنية، مثل: حفلات العري والجنس الجماعي، والحال نفسها لجميع أنواع الدعارة الذاتية على شبكة الإنترنت.   

أخلاقيات الإنترنت

إن مشاكل إساءة استخدام الإنترنت -ووسائل التواصل الاجتماعي خاصة- تشبه بدرجة ما مشاكل تكنولوجيا ""الاستخدام الثنائي dual use"" الأخرى؛ حيث يمكن استخدام هذه التكنولوجيا في  الخير وفي الشر أيضًا، كاستخدامها في تنامي الأسلحة مثلًا. ومع ذلك، لا يكفي مجرد الاعتراف بأنَّ أي نوع تقريبًا من التكنولوجيا يمكن استخدامه لأغراض حسنة أو سيئة. إذ يبرز سؤال آخر: هل يجب أن يتحمَّل التقنيون والخبراء مسؤولية إمكانية استخدام تقنية معينة لأغراض خبيثة من طرفٍ ثالث؟ تشير بعض نظريات الاستخدام الثنائي إلى أنَّ احتمالية أيِّ نوع من الاستخدام الضار يجب أن تثير نقاشًا حول مسؤولية التقنيين والخبراء الممارسين، وتربط ذلك بالوعي بما إذا كانت هذه التكنولوجيا ستسهم في نتائج مستقبلية سلبية. مثل هذا التفكير يؤدي غالبًا إلى موازنة بين الكلفة والفوائد، ومع ذلك، فإنَّ هذا التفكير يغفل عن أنَّ تصنيف شيء ما على أنه استخدام ثنائي قد يعني بعد ذلك في كثير من الأحيان أنَّ التكنولوجيا قد يكون لها استخدام سيئ عمليًّا ، أو حتى إنَّ بعض الاستخدامات السيئة يمكن التفكير فيها نظريًّا. وإذا  صُنِّف كل شيء قد يؤدي إلى الاستخدام السيئ على أنه استخدام ثنائي، فسنصل إلى كمية لا يمكن إدارتها من الأدوات والتقنيات ذات الاستخدام الثنائي، كمية بعيدة كل البعد عن قدراتنا على التحكم. فيمكن -كما نعلم جميعًا- استخدام سكين المطبخ كأداة لقتل شخص ما، تمامًا كما يمكن إساءة استخدام المقص لطعن شخص ما. وبعد، لا أحد يعتبر عمليًّا أنَّ هذين الشيئين أدوات أو تقنيات ذات استخدام ثنائي. لا بد أن يكون هناك شيء إضافي لتصنيف أداة أو تقنية ما على أنها حالة استخدام ثنائي. لذا فإنَّ وصف كل الأشياء والتقنيات بكونها ""ثنائية الاستخدام"" سيكون غير معقول أبدًا،؛ والواقع أنه سيكون من غير المنطقي وضع مثل هذا التمييز غير القابل للاستعمال؛ بسبب كثير من الأشياء أو التقنيات المستخدمة.

تتفاقم مشكلة تصنيف الاستخدام الثنائي هذه بالحقيقة المتمثلة في عدم وجود تعريف مقبول عمومًا لـ ""الاستخدام الثنائي"" حتى الآن. إذ -وفقًا لجون فورج John Forge في عمله ""ملاحظة حول تعريف ""الاستخدام الثنائي""""- «قد تكون إحدى صعوبات تقديم تعريف عملي للاستخدام الثنائي هي استعمال المصطلح لوصف أنواع مختلفة ولا صلة واضحة لها  من الأشياء، والتقنيات، والبحوث، والتجارب، والمنتجات أو المصنوعات». (Science and Engineering Ethics, Vol.16, 2010, p.112) علاوة على ذلك، قد يشوه مفهوم الاستخدام الثنائي الواقع المختبَر بطريقة ما؛ إذ لا تأخذ الاستعارة في الاعتبار حقيقة أنه يمكن أن يكون هناك استخدامات متعددة لا استخدامين فقط، وهذا يجعل مشكلة ""الاستخدام الحسن أو السيئ"" برمتها أشد تعقيدًا. على أي حال، عندما يتعلق الأمر بإساءة استخدام الإنترنت أو وسائل التواصل الاجتماعي، فربما يكون التصنيف ""قانونيًّا"" أو ""إجراميًّا"" أكثر فائدة. وكما يقول هانز يورغ إني Hans-Jörg Ehni في عمله: ""الاستخدام الثنائي والمسؤولية الأخلاقية للعلماء Dual Use and the Ethical Responsibility of Scientists"": «يمكن أن تكون التطبيقات قانونية أو إجرامية مثل تعاطي المنشطات في الألعاب الرياضية، أو الهجمات الإرهابية المحتملة، باستخدام كائنات حية مُمرضة معدَّلة. هذا الأخير نوع من الاستخدام الثنائي الذي يتطلب تنظيمًا قانونيًّا صارمًا». (Archivum Immunologiae et Therapiae Experimentalis, Vol. 56, 2008, p.148) يمكن أيضًا تجاوز التقسيم ""قانوني مقابل إجرامي"" والتقسيم ""ضار مقابل حسن"" بتقديم متضادين آخرين: «مقصود intended مقابل غير مقصود». (راجع Ehni, p.147) ومع ذلك، قد لا يكون هذا التمييز مفيدًا إفادة خاصة مثل التمييز ""قانوني-إجرامي""؛ نظرًا لأنَّ السؤال الأساسي هو كيفية تعريف الاستخدام الثنائي من أجل تحديد معايير ما ينتمي له و/أو معاقبة من يسيء استخدام التكنولوجيا. قد يؤدي تفكرنا أيضًا إلى المطالبة بمبادرات تعليمية، أو قواعد سلوكية ومبادرات سياسية التي ينبغي أن تسهّل معًا تنفيذ مختلف الإجراءات المضادة للاستخدام السيئ على نطاق واسع.

النكتة المهمة بشكل عام هي أنه على النحو السابق ليس الإنترنت هو الذي يسبب الضرر، ولا وسائل التواصل الاجتماعي، وإنما استعمالهما. للتكنولوجيا الجديدة وجهان من نواح كثيرة، فهي توفر فرصًا جذابة ومزيدًا من الحرية للفرد، ويمكن استخدامها أيضًا لأغراض إجرامية وللحد من حرية الفرد  بالتنقيب في البيانات، والتجسس الإلكتروني غير المسبوق، والمضايقات، والتصيد الساخر، وكل أنواع اغتيالات الشخصيات واسعة النطاق. لكن  أقول مرة أخرى: حقيقة أن تقنية جديدة مثل الإنترنت يمكن إساءة استخدامها لأغراض إجرامية أو غير أخلاقية عمومًا ليست مشكلة أخلاقية في حد ذاتها. (راجع Ehni, p.148) ومع ذلك، يحق –دون أدنى شك- للهيئات التنظيمية الوطنية أو الدولية حماية مواطنيها أو عملائها من الضرر الآتي من الإنترنت، لا سيما إساءة استخدام وسائل التواصل الاجتماعي.

إنَّ طمس الفرق بين ""العام"" و""الخاص"" بالمعنى الذي قصده ديوي سوف يَثبُت أنه يخلق عملية موزانة صعبة للمنظِّمين في المستقبل القريب. يبدو أنَّ مزيجًا من مدونات قواعد السلوك الأخلاقية الطوعية والمبادرات التعليمية، فضلًا عن التنظيم القانوني الصارم عندما يتعلق الأمر بالأنشطة الإجرامية، هو استراتيجية مبررة وقابلة للتطبيق. استراتيجية يجب أن تسمح لديناميكيات الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي بالتوسع توسعًا مناسبًا.

هانز لينك أستاذ فخري في معهد كارلسروه للتكنولوجيا Karlsruhe Institute of Technology (KIT)، وهو الرئيس السابق للمعهد الدولي للفلسفة International Institute of Philosophy (أكاديمية عالمية للفلاسفة).
أولريش أرنسوالد (محاضر) بدرجة أستاذ مشارك Privatdozent في KIT.

 

مقالات ذات صلة