ترجمة: جوزيف بوشرعة
حبّ الكوكب، لوحةٌ بريشة الفنّان فريدريش فرشاد رازميوي، 2022.
هل يستحقّ النّاس محبّتنا لهم؟ لنتمكّن من الإجابة على هذا السّؤال ينبغي علينا أوّلًا أنْ نفهمَ معناه. لذا ما الحبّ؟ يتلاقى الموقف الشّائع من الحبّ مع موقف أفلاطون تلاقيًا تامًّا. ويتمثّل موقف الأخير كما عبّر عنه في محاورتَي فايذون «Phaedo» والمائدة «Symposium» بأنّ حبّ شخصٍ أو شيءٍ هو ضربٌ من الرّغبة. وتحديدًا إنّه رغبةٌ في الجمال. ولكنْ يجب علينا عند رغبتنا في شخصٍ أو شيءٍ محدّدٍ أنْ نرغبَ أيضًا في المحافظة عليهم، وحمايتهم، ورفاهيّتهم العامّة، وأعني بذلك غياب الألم عنده أو عدم هلاكه. ولكنْ إذا أردنا الشّيءَ أو الشّخصَ أنْ يتغيّر، فيعني ذلك أنّنا نريده مختلفًا عمّا هو عليه، وهذا ما يشير إلى أنّنا لا نحبّه، أقّله لا على ما هو عليه. يتوافق هذا التّعريف للحبّ مع الاعتقاد الشّائع وهو إنْ يحبّك أحدٌ ما فعلًا فسيتقبّلك كما أنت ولن يرغبَ في تغييرك. إذن بعد أنْ عرضتُ ما عرضتُه يمكنني صياغة السّؤال السّابق على النّحو الآتي: هل يستحقّ النّاس كلّهم أنْ نرغبَ فيهم على ما هم عليه؟
طبعًا إنّ لفظة «يستحقّ» مصطلحٌ أخلاقيٌّ. إذا شخصٌ (أ) يستحقّ شيئًا (ب)، إذن سيكون صحيحًا أخلاقيّا امتلاك (أ) لــ(ب). لذا كي نجيب على السّؤال الذي طرحناه أعلاه لا بدّ أنْ نعرف أيضًا ما يجب علينا الرّغبة فيه أخلاقيًّا. فيصبح السّؤال: هل الرّغبة في النّاس كلّهم على ما هم عليه محقٌّ أخلاقيًّا؟
إنْ وجب وجود شيءٍ سنسمّيه «حسنًا»، بينما نسمّي ما لا يجب أن يوجد «سيّئًا». لذا يجب أنْ توجد الرّغبة في شيءٍ حسنٍ. وللسّبب عينه لا يجب أنْ توجد الرّغبة في شيءٍ سيّئ ولا أنْ يتمّ التّشجيع على وجودها. وكذلك نلحظ أنّ الحبّ ليس حسنًا دائمًا، لأنّه قد يتحوّل إلى أشياءَ سيّئةٍ؛ لذا الأقوال الشّبيهة بـ«الحبّ هو الحبّ» (التي غالبًا ما نسمعها تتردّد) هي في الواقع خاليةٌ من المعنى لأنّها مستمدّةٌ من افتراض أنّ الحبّ حسنٌ دائمًا، فيما هو ليس كذلك. وعلاوةً على ذلك يمكننا أيضًا أن نلحظَ انطلاقًا ممّا سبق أنّ الحبّ ليس فضيلةً فطريّةً (كما يشاع عنه)، إذ يمكنه أنْ يكون ضارًّا إنْ وُجِّهَ نحو شيءٍ غير مستحقّ، وهو بعيدٌ كلّ البعد عن الحسن.
أسمّي الشّيءَ «كاملًا» إذا كان على ما ينبغي عليه أنْ يكون، أي إنْ كان حسنًا تمامًا؛ لذا إن كان شيءٌ ما ناقصًا فيعني أنّ لديه جانبًا سيّئًا، وهذا ما يشير إلى أنّه يجب عليه أنْ يتغيّرَ وألاّ يكونَ على ما هو عليه. زِد على ذلك أنّ ندرة الكمال عند البشر أمرٌ ذائعٌ معروفٌ، وإنْ بلغ المرء الكمال فينبغي تسميته إلهًا لا إنسانًا؛ لذا لا إنسانَ كاملٌ تمامًا، وتاليًا لدى البشر جميعهم جانبًا سيّئًا.
أمّا الآن فنحن مستعدّون لاستخلاص بعض النّتائج التي قد تبدو مهينةً لدى البعض. لقد ذكرنا أنّه لا ينبغي الرّغبة في الشّيء إلاّ إذا كان حسنًا، لا سيّئًا، ثمّ أضفنا أنّه لا يوجد إنسانٌ حسنٌ تمامًا. ويلزم عن ذلك أنّه لا ينبغي الرّغبة في أي شخصٍ على ما هو عليه، أي لا يجب أنْ نحبَّ أيّ شخصٍ.
يبدو هذا الأمر مأساويًّا. ألا نستحقّ كلّنا أنْ نُحَبّ؟ لن أتسرّعَ مكانكم في استنتاج ذلك.
قال القدّيس أوغسطينوس: «تعلّم ألّا تحبَّ كي تتعلّمَ أنْ تحبَّ.» قد تبدو هذه الجملة مبهمةً ومتناقضةً، لكنّ رسالتها تتطابق مع استنتاجاتنا تمامًا. والحقّ أنّ أوغسطينوس ينصحنا عن التّوقّف عن محبّة النّاس لأنّ لديهم جانبًا طالحًا، كي نشرعَ في محبّة الخير نفسه الحاضر في كلّ شيءٍ. لا يجب على البشر أن يكونوا أوّل موضوعٍ للحبّ، بل الخير نفسه، ويعني هذا أيضًا أنّ الجميع يستحقّ فعلًا نسبةً من الحب؛ لأنّ لدى الجميع نسبةً من الخير فيهم، حتّى لو لم يكونوا كاملينَ. وينطبق هذا الأمر على حبّ الذّات أيضًا، وهو ما لا يجب توجيهه نحو أنفسنا بل نحو الخير الذي نملكه (لذا مصطلح «حبّ الذّات» مضلّلٌ). ويبدو أنّ إكهارت قد توصّل إلى النّتيجة عينها عندما قال: إنّ الله، وهو الكائن الكامل أخلاقيًّا في التّقليد اليهوديّ المسيحيّ، لا يحبّ سوى نفسه. وكما يفيد لاهوت إيكهارت صراحةً أنّ الله نفسه هو الخير كلّه والجمال كلّه. لذا تمّت الإجابة على سؤالنا المطروح آنفًا: أجل، يستحقّ النّاس جميعهم أنْ يُحَبّوا وذلك بقدر ما يكونون خيّرين.
واختصارًا للحجّة المطروحة: الحبُّ ضربٌ من الرَّغبة، بحيث إذا لم ترغب في شيءٍ عليك ألاّ تحبَّه. وكلّ ما يوجد وجوبًا نسمّيه «حسنًا»، لذا يكون الحسن كلّ شيءٍ يتوجّب الرّغبة فيه. ليس البشر كاملين؛ لذا ليسوا خيّرينَ تمامًا، أي لا يجب الرّغبة فيهم أو حبّهم لما هم عليه. ولكنْ لديهم كلّهم حسنًا في داخلهم، لذا ينبغي حبّهم لحبّ الحسن فيهم.
وأودّ الإشارة إلى أنّ هذا الموقف ليس مؤسفًا ولا شنيعًا، وقد لا يحبّذه رومانسيّو عصرنا، لكنّه تقدّميٌّ وعادلٌ حيث يدفع بالنّاس قدمًا كي يكونوا أفضل ممّا هم عليه. وعلى المرء تذكّر أنّ الشّرَّ لا يحبّه الصالحُ إنّما الطّالحُ وذو الأخلاق الفاسدة.
© MATEI TANASĂ 2022
ماتي تاناسا هو تلميذٌ في مدرسة «August Treboniu Laurian National College» في رومانيا. وكان دفاع سقراط لأفلاطون «Apology of Socrates» أوّل كتابٍ أثاره فلسفيًّا، وهو الذي قرأه في أثناء ركوب القطار إلى المدرسة في السّويد.
