ترجمة: رضا زيدان.
يتحدث لورنس كروكر Lawrence Crocker عن اليانصيب، والأفعال المعقولة، والقيم الشاردة outliers الغريبة.
فكر معي في اليوم الأخير الذي ألقيتُ فيه محاضرة عن النظرية الأخلاقية. كنتُ في الفصل الدراسي في الوقت المحدد. ولم أكن على حاسوب مكتبي أُدخل الرقم الفائز في يانصيب عبر الإنترنت. ولذلك لم أحصل على ثروة لأوزعها على أشد المؤسسات الخيرية استحقاقًا. كنتُ أعتقد بسذاجة أنَّ التقائي بفصلي في الوقت المحدد هو الفعل الصحيح. ومع ذلك، فإذا كنتُ نفعيًّا من نوع بينثام-مِل Bentham-Mill الكلاسيكي الذي يرى الأفعال التي تنتج أكبر قدرًأ من المنفعة أخلاقية، أفلن يكون فعلي هذا خطأً أخلاقيًّا؟ إذ إنني لم أتصرف من أجل تحقيق أكبر حصيلة من العواقب الحسنة.
قد يزعجك هذا المثال. فلم أستطع في النهاية الجلوس وإدخال الرقم الفائز في يانصيب الإنترنت. هناك مشكلة صغيرة تتمثل في الاحتمالية.
الخلاصة أنك على حق؛ إذ يجب أن تأخذ النفعية المُرضية في اعتبارها عدم احتمالية الفوز في اليانصيب. ومع ذلك، ما يهمني هنا هو بعض التعريفات المقبولة في الأسس النظرية للنظريات الأخلاقية العواقبية، مثل: النفعية. ترى النظريات العواقبية أنه يجب تقييم أخلاقية الفعل بعواقبه، فأفضل فعل هو الذي يؤدي إلى أفضل العواقب. وفي هذه النظريات عادة ما تُحدَّد ""أفضل العواقب"" بعواقب جميع الأفعال البديلة الممكنة فيزيائيًّا، ومن هنا جاء مثال اليانصيب. لقد رأيتَ صورًا لأشخاص حقيقيين قاموا بهذا الشيء بالذات. لن تمنعني أي قوة من إدخال الأرقام الصحيحة لو حاولت كتابتها فقط على لوحة المفاتيح. ولذلك، فإنَّ إدخال هذا الرقم على حاسوبي المكتبي يبدو أنه رقم من بين عدد (كبير للغاية) من الأرقام، وهو عدد الأفعال البديلة التي كان يمكنني فعلها بدلًا من بدء محاضرتي في الوقت المحدد. ومع ذلك، قد تشك أنَّ مثال اليانصيب خدعة فلسفية. ومع ذلك، أود إقناعك بأنَّ مثال اليانصيب يوضح في الواقع مشكلة حقيقية وعامة وعميقة للعواقبية.
ربما ارتديتَ حذاءك الأيمن أولًا اليوم. كان للبديل المتمثل في أن ترتدي حذاءك الأيسر أولًا بعض العواقب اليسيرة المختلفة، لكنَّ الحس السليم يشير إلى أنَّ هاتين السلسلتين من العواقب كانتا ستندمجان سريعًا لكل الأغراض العملية. يمكن أن نتوقع أنَّ بعض الأزواج الأخرى من البدائل تتباعد على نحو أكبر بكثير، على الأقل لفترة زمنية ما، كأنْ ترتدي حذاءك الأيمن وترمي حذاءك الأيسر في نارٍ متقدة. يبدو أنَّ عددًا قليلًا من بدائل أي فعل عادي سيكون له عواقب مختلفة تمامًا تستمر على المدى الطويل، كإضافة والدة هتلر الزرنيخ إلى الحليب في زجاجة رضيعها. إذا أفسحنا المجال لتخيلنا البدائل الممكنة فيزيائيًّا، فيبدو ألَّا مفر تقريبًا من أن يكون لبعضها عواقب أفضل مما قمنا به بالفعل. ستكون هناك بدائل شبيهة جدًّا بما قمنا به بالفعل، ولهذه البدائل على الأقل عواقب أفضل قليلًا، وأفعال مختلفة جدًّا سيكون لها عواقب أفضل بكثير.
الأسوأ -كما قلتُ- أنَّ الحس السليم يقول: إنَّ الاختلافات الصغيرة بين أفعالنا تميل إلى إحداث فرق ضئيل -إن وُجد- في العواقب طويلة المدى. ومع ذلك، تمدنا نظرية الفوضى بأسباب وجيهة للاعتقاد بأنَّ الحس السليم مخطئ في هذه النقطة. إنه لَاستنتاج أساسي لنظرية الفوضى، أنَّ الأفعال المتشابهة جدًّا سيكون لها أحيانًا عواقب مختلفة إلى حد كبير على المدى الطويل؛ إذ نحن البشر -إن لم نكن في حد ذاتنا جزئيًّا أنظمة فوضوية- غالبًا ما نُطلق عواقبنا في بيئات فوضوية. و قد يؤدي ارتداؤك حذاءك الأيسر أولًا أحيانًا إلى عواقب مختلفة بشدة على المدى الطويل. كان من الممكن لخمسة وعشرين جيلًا من الناطقين بالإنجليزية، أن يتبادر إلى الذهن هنا فكرة «فقدان مسمار حدوة حصان يؤدي إلى خسارة المملكة for the want of a nail»[1]، أما الآن فهي «تأثير الفراشة""»
قم بربط العدد الهائل من الأمور التي يمكن للبشر فعلها في الظروف العادية مع تأثير الفراشة، ويتحتم تقريبًا أنه من بين العواقب البديلة سيكون هناك بعض القيم الشاردة outliers المتطرفة، عواقب طويلة الأمد أسوأ بكثير أو أفضل بكثير من عواقب الفعل الذي نُفِّذ في الواقع. والفعل الذي يحظى بأفضل عواقب مطلقًا يطلق عليه العواقبيون أحيانًا «الفعل الصائب موضوعيًّا». لكنَّ العواقب المحتملة الأفضل بكثير تمثل إشكالًا لهذا التعريف، وهذا الإشكال سيكبر مع زيادة عدد السكان؛ لأنَّ المستقبل البعيد المكتظ بالسكان سيزيد للغاية من عدد المتأثرين بأي سلسلة عواقبية معينة، بالإضافة إلى التكاثر المرجح لعدد فروع مصب تلك السلاسل. فقد يتحول شيء ما له عواقب سلبية للغاية لجيلنا؛ بسبب عواقب آلاف السنين، ليكون في الحقيقة الفعلَ الصائبَ موضوعيًّا، إن كان هناك شيء من هذا القبيل.
استحالة بلوغ العواقب الحسنة الحد الأقصى.
تسلسلات محظوظة للبدائل
لا يهتم العواقبي المتسق مع مذهبه بتحقيق أفضل العواقب الممكنة لفعل واحد، وإنما بإنتاج أفضل العواقب الممكنة على مدى الحياة. ونحن نسلِّم بأنه عندما ننتقل من الفعل الذي يعظّم العواقب إلى الحد الأقصى في لحظة معينة، إلى سلسلة الأفعال التي تعظّم العواقب إلى الحد الأقصى في ساعة أو يوم أو عقد، فإنَّ المثال المحدد المتعلق باليانصيب يفقد قوته. ليس من الخطأ الواضح للاعب اليانصيب الحصيف، أنَّ التقائي بفصلي الدراسي هو الفعل الصائب؛ إذ كان يمكن أن أفوز باليانصيب في الساعة التي تسبق الفصل، ومع ذلك أذهب إلى الفصل في الوقت المحدد.
قد يحل هذا مفارقة اليانصيب، لكنه يزيد المشكلة العامَّة سوءًا. فعندما نهتم بأفضل العواقب المترتبة على أفعال كثيرة، لا يكون لدينا فقط إمكانية في أوقات مختلفة لاختيار كثير من القيم الشاردة الغريبة المنفصلة، وإنما أيضًا إمكانية وجود تجميعات combinations غريبة من الشوارد. أنت تلعب، وتفوز باليانصيب، ثم تزور نادي قمار، وتربح في لعبة الروليت، ثم تتوجه إلى سباق الخيول، وتربح رهانًا تراكميًّا، ثم تمنح كل أرباحك -كما تظهر على المدى الطويل- المجموعة المثلى من المؤسسات الخيرية. يجب أن يختار ""الصواب الموضوعي"" بمرور الوقت أفضل العواقب لكل تجميعات الأفعال، وكل المجموعات الشاردة من القيم الشاردة وقيم البيانات الداخلية inliers. يتأكد أنَّ إصابة سلسلة الأفعال الصائبة موضوعيًّا ستكون هندسيًّا أقل احتمالية من إصابة فعل صحيح واحد. لذلك تكون إمكانية التصرف تصرفًا صائبًا موضوعيًّا –بمرور الوقت- معدومة عمليًّا.
البدائل المحظوظة والتعريفات العواقبية
ما يؤسسه كل هذا أنَّ عبارة: ""فعلتْ جيني Jenny الفعل الصائب موضوعيًّا"" التي يُنظر إليها بمنظور تعظيم العواقب الحسنة إلى الحد الأقصى لأي مجموعة set واسعة جدًّا من البدائل، ستكون دائمًا خاطئة. ومع ذلك، هل يمثل هذا مشكلة حقيقية للعواقبية؟ يمكن أن يواسي العواقبيون أنفسَهم بأنَّ أكثر الشغل العملي للعواقبية لا يتحقق بتأكيدات على الصواب الموضوعي أو أفضل العواقب الممكنة، وإنما من خلال عبارات العواقبية التي ترشد للفعل، مثل: ""تصرَّف بأفضل ما يمكنك من أجل تعظيم العواقب الحسنة إلى الحد الأقصى""، وتعبيرات الثناء أو اللوم الأخلاقيين التي تقال لأولئك الذين يفعلون أو يتصرفون وفقًا لهذه المبادئ التوجيهية.
لكن عندما يطرح اليانصيب المحظوظ وامتداداته مشكلة كبيرة، فإنَّ التعريفات تربط الصواب الموضوعي بمبادئ توجيه الفعل. فالصواب الموضوعي هو ما أمرنا أن نستهدفه. إنَّ الطريقة التي وضعها العواقبيون هي -في كثير من الأحيان- وجوب توجيه سلوكنا إلى محاولة فعل الصائب موضوعيًّا ضمن قيود التفكّر المتروي الفعال. وإذا لم نحاول من أجل البديل الأفضل عاقبة، فيمكن عندئذٍ للآخرين أن يلومونا.
ومع ذلك، في ظل استنتاجنا أنَّ الفعل الصواب موضوعيًّا سيكون عادة قيمة شاردة غريبة، فإنَّ المضي قدمًا في هذا الطريق سيكون كارثيًّا؛ إذ سأضيع كل وقتي في إنشاء قائمة جزئية من الاحتمالات الشاردة الغريبة لكل فعل، وستكون إصابة الفعل ذي العواقب الأفضل مطلقًا لها الصعوبة نفسها لإصابة رقم اليانصيب الفائز.
نحن لا نحسّن هذا الوضع بإعادة صياغة التعريف من خلال محاولة الاقتراب اقترابًا معقولًا من الفعل الصائب موضوعيًّا. إنَّ كل البدائل المتشابهة تشابهًا معقولًا لقيمة شاردة غريبة، لا بد أن تكون قيمًا شاردة غريبة جدًّا بحد ذاتها. والأسوأ من ذلك أنَّ الفعل القريب جدًّا من بديل له عواقب رائعة قد لا يكون له عواقب رائعة أبدًا. فإذا كان رقم اليانصيب الفائز هو 1-10-13-19-21-28، فأنت لن تحتفل لأنك أدخلت 1-10-13-19-21-27. مرة أخرى، حيث توجد متغيرات فوضوية –كما هو الحال في الحياة كلها– يمكننا أن نتوقع أن تكون الإخفاقات الوشيكة للفعل الصائب موضوعيًّا اختيارات سيئة في كثير من الأحيان. ومن ثَمَّ فإن العواقبية المعقولة لن تقودنا إلى محاولة تنفيذ الفعل الصائب موضوعيًّا، أو الفعل المشابه قدر الإمكان لتلك العاقبة الحسنة الافتراضية.
لذلك يبدو أنَّ الأفعال البديلة المحظوظة تطرح مشكلة للطريقة التي حدد بها العواقبيون المعظمون للعواقب بعض المفاهيم الأساسية، وكذا للطريقة التي صاغ بها بعض العواقبيين الأقل نزوعًا تنظيرَ نظامهم الأخلاقي. أريد -قبل محاولة حل المشكة من خلال تحسين التعريفات- أن أظهر عيبًا أخطر في الصيغ القياسية، وأنطلق من العواقب الأفضل لكل البدائل التي لدى الفاعل. إنَّ أي حل للغز البدائل المحظوظة لا بد أن يستوعب هذه المشكلة الأساسية أيضًا.
الإفلاس المفاهيمي لـ «كل البدائل».
تتمثل المشكلة فيما يلي: مجموعة «كل البدائل""»المستخدمة عادة في التعريفات العواقبية الأساسية، هي -عند الفحص الدقيق- اعتباطية اعتباطًا يجعل المفهوم يبطل نفسه تمامًا.
أريد -قبل مناقشة هذه النقطة- أن أنظر في صحة فكرة عواقب الأفعال غير المنجَزة. عادة ما يفترض المنظّرون العواقبيون بسهولة أنَّ السلسلة العواقبية لفعل غير منجَز التي تمتد من اللحظة التي لم يُنفَّذ فيها هذا الفعل إلى المستقبل غير المحدود، هي إمكانية متسقة ميتافيزيقيًّا. لكن لماذا ينبغي لنا أن نعتقد ذلك؟
دعونا نشق طريقنا إلى المشكلة المهمة بالفعل، وهي أنه لا لحظة فريدة مرتبطة بفعل لم يُنفَّذ أبدًا. فكِّر في مسألة ذات أهمية أكبر، وهي سلامة القصد الميتافيزيقية للفقرة الأولى من الخطاب الافتتاحي الثاني لجون كينيدي John F. Kennedy، استنادًا إلى افتراض وجود بديل لضغط الزناد الفعلي يتمثل في انحراف فوهة البندقية إلى اليمين بثُمن درجة. وإن اعتبرنا هذا الافتراض فإنه لا تنحصر المشكلة في أنه لا يمكننا أن نثق من احتمال وجود هذا الخطاب من قبل أو محتواه المحتمل، بل المشكلة الحقيقة ألَّا سبب وجيهًا جدًّا لافتراض أنَّ هذا الواقع المضاد الممتد يشير إلى أي شيء على الإطلاق، أو على الأقل إلى أي شيء محدد.
إن كان جون كينيدي لينجو من الموت لو انحرفت الطلقة جزءًا من الدرجة
أجد طريقة واحدة لإنقاذ العواقبية بنسختها التقليدية من هذه المشكلة. إنها حيلة ملحمية بشكل ما: افترض أولًا صحة الحتمية الفيزيائية، وثانيًا: حدد «بديلًا» ليكون حالة state لعالَم ممكن محدَّدة تمامًا. ومن ثم يجب أن تولّد قوانين الفيزياء مجموعة فريدة من العواقب (المضادة للواقع). أقوم هنا بقمع شكّي في أنَّ «حالات العالَم المضادة للواقع» هي نفسها معيبة ميتافيزيقيًّا، وأتجاهل قلقي من أنه حتى لو كانت حالات العالم المضادة للواقع موجودة في بعض النواحي، فقد لا يكون ذلك سياقًا يمكن تطبيق القانون الفيزيائي فيه. وسأواصل جَدَلًا أيضًا تجاهل الشاغل المتعلق بحقيقة أنَّ عدم الأفعال مرتبط بعدم وجود أوقات فريدة.
إذا كنتَ على استعداد لأن تصحبني في هذا المستوى من الغفلة الفلسفية، فسيكون لديك شيء من الأمل في التعريفات العواقبية التقليدية. الوضع في الواقع أقل كآبة قليلًا مما توقعتُه. إنَّ الحتمية ليست مطلوبة طلبًا صارمًا؛ إذ إنَّ عدم تحديد النوع الاحتمالي الذي تفضله ميكانيكا الكموم الحالية سيفي بالغرض. وحينئذٍ يمكن أن يكون هناك مجموع «المنفعة المتوقعة» [2] لكل فروع العواقب المحتملة كمًّا لبديل معين (كلمة ""المتوقعة"" هنا تعني فقط «التطلع إلى المستقبل». فالمجموع قد يوجد فقط في ""الفضاء الميتافيزيقي""، خارج نطاق إدراكنا تمامًا). ومع ذلك، لن يكون هناك هذا المجموع لعدم التحديد الفيزيائي الذي قد لا تحكمه الاحتمالية. لذلك على سبيل المثال، فكرة أنَّ القرارات البشرية ""غير محتَّمة"" جذريًّا لا يمكن أن تتعايش مع العواقبية وفقًا لتعريفها التقليدي. تبيَّن -على أي حال- أنَّ هذا الإنقاذ المقيَّد جدًّا لمفهوم ""العواقب"" يضغط بقوة على فكرة ""البدائل"" التي سننتقل إليها الآن.
كما رأينا للتو، من سُبُل منح شيء من الأمل في أن يكون للبدائل عواقب قابلة للتحديد، أن نفكر في كل بديل على أنه حالة معينة ممكنة للعالَم في لحظة زمنية ما. الحد الأقصى من التحديد في الواقع هو رأي الأغلبية بين أولئك الذين نظروا بعمق في مسألة البدائل. ومع ذلك، فإنَّ هذا يستدعي السؤال المتعلق بمدى حريتنا في أن نكون في ظل حالات العالَم هذه المضادة للواقع. ويكون السؤال ملحًا إلحاحًا خاصًّا عندما يتعلق الأمر بالتعامل مع ما هو في دماغ الشخص الذي يقوم بفعل ما.
كنتُ جالسًا الليلة الماضية على مقعد البيانو الخاص بي. ربما أكون قد عزفتُ العلامة الموسيقية الأولى للنشيد الوطني لدولة ليختنشتاين. وإذا لم أفعل، فبالتأكيد كان يمكنني عزف تلك العلامة، بصرف النظر عمَّا يمكن أن تكون عليه. هل كنت أستطيع عزف النشيد كله؟ هل كان ذلك أحد البدائل؟
حسنًا، أنا لا أعرف أوبن آم جونغين راين Oben am jungen Rhein [3]، ولا ريب أنني لستُ عازف بيانو جيدًا بما يكفي لعزف هذا النشيد حتى وإن كنتُ أمتلك لوحة العلامات الموسيقية، وعمومًا لستُ ذلك العازف المتمكن. لذلك هناك سياق واضح أَنْ لمْ أكن أستطيع عزف النشيد فيه حتى لو أردتُ ذلك. ورغم ذلك، هناك أيضًا سياق كان يمكن أن أعزف فيه النشيد. الخلاصة: للبيانو الخاص بي مفاتيحه الكاملة، ولم يكن هناك مناهض لدولة ليختنشتاين يتربص بي ليفجر رأسي عند الميزان الموسيقي الثالث. ربما أستطيع عزف المقطوعة مع الموسيقى التي أمامي وكثير من التدريب. وإذا كان الأمر كذلك، فهناك حالة ممكنة في دماغي من شأنها أن تؤدي إلى عزفي ذلك النشيد الوطني.
لم تكن تلك الحالة المفترضة لدماغي هي حالته الليلة الماضية. لكن حينئذٍ، لا فعلَ بديلًا -مهما كان غريبًا أو مبتذلًا- له حالة دماغية فعلية مقابلة، وإلا فسيكون هو الفعل الذي نُفِّذ، وليس بديلًا له. ومع ذلك، ما قدر الانحراف عما هو موجود أصلًا في رأس منفِّذ الفعل الذي لا بد أن نسمح به عند التفكير في الإمكانات البديلة؟ هل نحتاج أيضًا إلى تعديل حالة العالَم خارج دماغ منفذ الفعل لتتوافق مع إمكانية حدوث هذه الحالة الدماغية؟ هل كنتُ أستطيع عزف ما يمكن أن يكون في الواقع العلامات الثلاثة الأولى للمقطوعة، لكن ليس الموازين الثلاثة الأولى؟ هل كان أحد البدائل التي أمامي أن أقفز إلى خلف مقعد البيانو؟ هل من المناسب أن تتضمن سيناريوهات القفز الأكثر وضوحًا إجباري بالسلاح على أن أقوم بحيلة ما، أو أن أقوم بها مقابل مبلغ مالي كبير؟ (الظاهر أنه لم يكن أي منهما قريبًا من مكان البيانو الخاص بي الليلة الماضية). لا إجابات غير اعتباطية على مثل هذه الأسئلة. أقر أنه لا يمكننا رسم خط غير تعسفي بين الإمكانات «التي يجب تضمينها"" والإمكانات ""التي يجب استبعادها» من أوصاف الحالة الفعلية التي قد ننظر فيها.
إنَّ هذه المسامير تغلق التابوت على جثة التعاريف التقليدية للعواقبية التي تعرّفها بـ «العواقب الأفضل للأفعال البديلة». لا يقتصر الأمر على ضرورة جعل هذه التعريفات أدق، بإضافة بنود حول المعلومات والاحتمالات تُعنى باليانصيب المحظوظ وما شابه. ومعنى ذلك أنَّ التعريفات التقليدية معيبة عيبًا ميؤوسًا منه ميتافيزيقيًّا بسبب اعتمادها على «العواقب الأفضل» و «كل البدائل».
استعداد لعزف النشيد الوطني لليختنشتاين أم لا؟
اقتراح
لذلك دعونا نحاول حل المشكلة. تذكر أنَّ وظيفة التعاريف العواقبية المعيبة للفعل الصائب أخلاقيًّا هي ربط نموذج البحث عن العواقب الأفضل (النموذج المثالي) بمبادئ العمل، أي: عناصر النظرية المتمثلة في توجيه الفعل والثناء واللوم. لقد حاول منظّرو ""الفعل الصائب موضوعيًّا"" تقديم مفهوم «الأفضل عواقبيًّا» بأسلوب صارم وموضوعي، أي: ليس متعلقًا بهشاشة الميل الفردي والظروف والجهل. لكنَّنا نعتقد -بناءً على الأسباب التي لدينا الآن- أنَّ هذا محكوم عليه بالفشل.
تتمثل الخطوة الأولى للاتجاه الصحيح في إدراك أنَّ برامج تعظيم العواقب إلى أقصى حد لا تتطلب نموذجًا تعظيميًّا إلى أقصى حد يمكن تحديده. إنَّ أيَّ ادعاء متعلق بالعدد الأقصى المطلق للنقاط التي يمكن أن يسجلها فريق من فرق الرابطة الوطنية لكرة السلة NBA في الزمن القانوني، سيعتمد على افتراضات عديدة جدًّا واعتباطية جدًّا، بحيث لا بد أن تكون غير معقولة. ومع ذلك، فالمدرب الذي يطلب من لاعبيه تسجيل أكبر عدد ممكن من النقاط لا يقول هراءً. وبالمثل، فإنَّ تحقيق أفضل العواقب لا ينبغي فهمه على أنه الاقتراب قدر المستطاع من العالَم المثالي عواقبيًّا، فالمسألة تتعلق بالسعي لتحقيق ما هو أفضل دائمًا ضمن القيود العملية التي تتولد هي نفسها بنموذج فعل هو أفضل دائمًا.
نستطيع –كتقريب أَوَّلِي- من خلال قطع جميع الارتباطات التعريفية بالعواقب الأفضل بين كل البدائل، تحديدَ مبادئ العمل لتعظيم العواقبية إلى الحد الأقصى وفقًا للخطوط التالية:
أولًا: قم بتوجيه فعلك من خلال النظر في كثير من العواقب البديلة الواعدة الجديرة بالنظر في ضوء أهمية القرار والوقت والموارد المتاحة، واختر البديل الذي له أفضل العواقب المتوقعة توقعًا معقولًا، وذلك في ضوء القيود نفسها.
ثانيًا: امدح أولئك الذين يوجهون أفعالهم على هذا النحو، ولُمْ من لا يقومون بذلك.
ما زال لدينا مفهوم العواقب الأفضل باستخدام هذه المبادئ، لكن يمكن الآن فهمه على أنه ليس أكثر غرابة من التصرف الفائز في مقارنة تقديرات العواقب لبعض التصرفات المرشحة؛ إذ إنَّ هذا التصرف يمكن التعامل معه. لا تتمتع البدائل بالتحديد الكامل حسب مفهوم المنظّرين، بل هي أنواع البدائل التي نفكر فيها بالفعل. فمثلًا، ربما أفكّر في التقاط فنجان قهوة في الطريق، ومن ثم أتأخر عن محاضرتي دقيقة واحدة. لا شك أنَّ هناك الملايين من الطرق المختلفة قليلًا لحصولي على تلك القهوة؛ فالطرق غير الغريبة التي جمعتهًا في ذلك البديل الواحد (يمكنك -إن شئت- التفكير في بديل لهذه الأغراض على أنه مجموعة من الأفعال المحددة تمامًا، لكني أنصح بعدم التفكير في الأمر على أنه مجموعة من هذه الأفعال بالمعنى التقني. للمجموعات Sets عضوية محدَّدة، أما البديل فغامض عند الحواف، كما هو معتاد في موضوعات حياتنا الذهنية).
ذكرتُ أنَّ مبادئ العمل هذه كانت مجرد تقريب أَوَّلِي. أحد أسباب هذا التنبيه أنَّ معدِّل modifier ""المعقولية"" البارز في صياغتي ليس صحيحًا تمامًا. لن يرضى العواقبي المنصف المعظِّم للعواقب بأداء ""معقول""، وإنما سيسعى جاهدًا في الإتيان بأفعال بديلة قد يكون لها عواقب أفضل؛ ليكون أكثر إبداعًا؛ نظرًا لقيود الوقت والموارد. وسيقوم مع مراعاته للقيود العملية بتحليل النتائج بأكبر قدر من الحساسية للبيانات ووضوح التحليل وسلامة الحكم. قد لا نرغب في إلقاء اللوم على شخص ما تفكَّر تفكُّرًا عاقلًا؛ لكنَّ الثناء الخاص يُوجَّه إلى الشخص الذي يعمل على أساس أفضل من مجرد التفكّر بعقل. إنَّ هذا التعديل ضروري للتوافق مع روح العواقبية التعظيمية؛ للقيام بما هو أفضل عواقبيًّا ما استطعنا.
ترجمة الصورة من أعلى إلى أسفل:
- هذا الرجل يقول: ""إنَّ أخلاقية فعلٍ ما يجب تحديدها من خلال عواقبه، أي: كل الأفعال البديلة الممكنة فيزيائيًّا.
- ماذا؟! وإذا لم يكن هذا صعبًا صعوبة كافية، ففكِّرْ في نظرية الفوضى؛ فبعض هذه البدائل قد يكون لها نتائج مؤثرة تأثيرًا شديدًا.
- كيف يكون الحال إذا كان على المرء أن يمضي قدمًا في إطار عمل واسع للغاية كهذا قد يكون غير قابل للمعرفة لكل قرار؟
- مهلًا. الفراشة ترفرف بأجنحتها أيضًا.
- أظنَّ أنَّ على المرء أن يقوم ما أمكنه بما هو أفضل بالمعلومات التي لديه.
- حلِّق بحماس مثل وغد عديم الضمير. الجرأة.
أستنتج مما سبق أنه رغم تناقض العواقبية التعظيمية مع أنواع أخرى من النظريات الأخلاقية، إلا أنَّ هذه العواقبية يمكن الإبقاء عليها، فهي قابلة للإبقاء رغم عدم وجود شيء مثل مجموعة بدائل الفاعل. ومع ذلك، إن وُجدت هذه المجموعة، فسيكون من الجنون البحث عن عضو المجموعة الذي يمثل العاقبة الأفضل، أو تقريبه الأَوَّلِيّ، و رغم أنَّ هذه المجموعة من شأنها –حال وجودها- أن تجعل جميع التأكيدات الإيجابية القائلة: «إنَّ شخصًا ما قد قام بالفعل الصائب موضوعيًّا» كاذبة. كل ما نحتاج إليه لإنقاذ العواقبية هو التخلي عن فكرة المعيار الموضوعي بصرامة للفعل الصائب ومفهومه الأساسي المتمثل في «العواقب الأفضل لجميع البدائل»، وإرضاء أنفسنا بمبادئ توجيه الفعل والثناء واللوم القائمة بذاتها.
د. لورنس كروكر Lawrence Crocker 2014م.
درَس لورنس كروكر الفلسفة في جامعتي ييل وهافارد، ودرّس في جامعة واشنطن قبل أن يكون محاميَا، ودرَّس مؤخرًا الفلسفة في كلية دارتموث Dartmouth في نيوهامبشير New Hampshire حيث أصبح اليوم أستاذًا زائرًا.
[1] مَثَل شهير يشير إلى أنَّ الأفعال أو الإغفالات غير المهمة قد تؤدي إلى عواقب عظيمة، ومعناه الحرفي أنَّ حدوة حصان قد تتسبب في خسارة المعركة، ومن ثم تتسبب في خسارة المملكة، وهذا بعمليات تراكمية طويلة جدًّا بطبيعة الحال. (المترجم).
[3] النشيد الوطني لدولة ليختنشتاين (المترجم).
