ترجمة: آية علي
مارينا بنيامين
قال مارشال ماكلوهان في كتاب «مجرّة غوتنبرغ» -وهو عمل مُبهر قدّم لنا العبارة الفذّة «الوسيلة هي الرسالة»- إنّ قِطَع الطباعة المتحركة[1] كانت السبب الأساسي في تشكيل ثقافةٍ استعبدها استبداد الصورة. وأوضح ماكلوهان أنّ العلامات الموجودة على الصفحة المطبوعة تتمتّع بمنطقٍ مرئيّ، ليس فقط لكونها لا تمحى، بل لأنها قابلة للتكرار، ومقروءة، ومتجانسة. وبسموّها فوق الأمور العارضة والذاتية المرتبطة بالمنظور؛ أيْ وجهة النظر، تشدد تلك العلامات على أن المعلومات التي تُبصرها العين تحمل أهمّية قصوى، أو أن الرؤية هي عين اليقين.
هذه حجة قوية، ويبدو للوهلة الأولى أنها تسري كذلك على نشأة المعرفة العلمية التي تختبر ادعاءاتها بالصّحة بعرضها على الأدلة الدامغة للظواهر الملحوظة. لكن المرء لا يحتاج إلى البحث كثيرا للعثور على مختلف أنواع المعتقدات الراسخة التي تزدهر في ظل الغياب التام لمثل هذه الأدلة؛ ولا سيّما المعتقدات الدينية. في الحقيقة، يمكنك القول إن أجمل ما في الرب أنه ليس بحاجة لأن يكون موجودًا كي يصدّقه الناس. بل -وفي هذه الحالة- أجمل ما في أي شخص، نظرا لأنه يمكن لأولئك الذين لم يتمتعوا بالمظهر التقليدي للجمال أن يكونوا جميلين في عين الرائي. ولمزيد من التوضيح، نرى الناس يؤمنون في العادة بالأشباح والعفاريت، وبالعوالم الأسطورية المفقودة، أو نظريات المؤامرة الغريبة، أو بالزعم القائل بأن الأرض مسطحة؛ وهذا ليس بسبب الأدلة التي يمكن ملاحظتها، بل على الرغم من وجودها.
في عام 1917، اصطحبتْ فتاةٌ تبلغ من العمر ستة عشر عامًا تدعى إلسي رايت ابنة عمها فرانسيس البالغة من العمر تسع سنوات واختفت داخل حديقة يوركشاير التابعة للعائلة، بعد أن استعارت كاميرا والدها، وهي كاميرا بلوحة مربعة من نوع «ميدج». كان والدها آرثر مصورًا هاويًا متحمسًا ولديه غُرفة تحميض خاصّة. وعندما عادت الفتاتان من رحلتهن الاستكشافية «الناجحة»، طبع والدها الصور التي التقطنها، والتي تُظهر فرانسيس جالسة خلف شجيرة صغيرة، تُشاهد فرقة من الجنيات الراقصة. أعقب ذلك صورة ثانية كانت لإلسي هذه المرة، حيث تُظهرها جالسة على العشب وأصابعها ممدودة تلامس اليد الصغيرة لعفريت. وبّخ آرثر الفتاتين على مزاحهما ورفض إعارتهما كاميرته مرة أخرى، لكن والدة إلسي كانت تعتقد بأن المخلوقات حقيقية.
بعد أن أخذت بولي رايت، والدة إلسي، الصور لاجتماعٍ للجمعية الثيوصوفية، لفتت هذه الصور انتباه إدوارد جاردنر، أحد رواد الحركة الروحانية، والذي تعجّب من جهود الفتيات «لتجسيد» هذه الكائنات الطيفية «بكثافة كافية تسمح بتسجيل صورهم على لوحة تصوير». أتت موافقة أثقل وزنًا على «جنيات كوتنجلي» من الروحاني البارز آرثر كونان دويل، والذي كان توّاقًا للكشف عن «مشاهدات» موثوقة للجنيات.
عندما فحص الفنيون في كوداك الصور واستبعدوا حدوث أي تزييف، انطلق جاردنر إلى كوتنجلي حاملاً كاميرتين كهدايا للفتاتين، وتوسّل إليهن لالتقاط المزيد من الصور. وهكذا، وجدت الفتاتان أنهما ملزمتان بالتقاط المزيد من الصور، فالتقطتا ثلاث صور خرافية أخرى نشرها كونان دويل في مجلة «ذا ستراند»، على أمل جذب الجمهور إلى رؤيته للأمور. إلا أن إلسي اعترفت بأن جنيات كوتنجلي قد تكون من نسج خيالها، وبالتالي تمكنت من الإشارة إلى أنها وبطريقة ما، قد صوّرت أفكارها الخاصة. لاحقا في أوائل الثمانينيات، وعندما أجرى الصحفي أوستن ميتشل (الذي أصبح فيما بعد عضوًا في البرلمان) مقابلة مع إلسي لتلفزيون يوركشاير، قالت: «الشخص العاقل لا يرى الجنيات».
في الوقت الذي أثارت فيه جنيات كوتنجلي ضجة كبيرة في نفوس الجمهور، كان يُنظر إلى التصوير الفوتوغرافي باعتباره عينًا موضوعية ترى كل شيء، على نحو كتاب فوكس تالبوت «قلم الطبيعة»[2]، عينا تصوّر وحسب ما هو موجود في الواقع. غير أن إلسي قلبت هذه الفكرة رأسًا على عقب بإشارتها إلى أنه من خلال بعض العمليات غير الموضحة، قد يكون التصوير الفوتوغرافي قادرًا على تصوير الأوهام. إن بدا هذا مُستبعدا بالنسبة لك، فكّر في التالي: عندما قام جاردنر بزيارة أخيرة إلى كوتينجلي في عام 1921 -بمجرد أن خفّ الاهتمام العام بالجنيات- اصطحب معه الفيلسوف المعروف والكاهن الكاثوليكي عالم السحر والتنجيم جيفري هودسون. في ذلك الوقت، كانتا إلسي وفرانسيس قد سئِمتا من الموضوع برمّته، ولم تشهد أي منهما على رؤية الجنيات ولم يوافقا على التقاط المزيد من الصور. لكن هودسون «رآها في كل مكان». كان هودسون بطلًا من أبطال خوارق الطبيعة. لقد صدّق، فرأى.
عندما أعلنت إلسي أن العقلاء لا يرون الجنيات، كانت تحاول تبرئة نفسها من أي تجاوزات أو أخطاء. لكن لعلها أيضًا هزت كتفيها وقالت إن الناس يرون ما يريدون رؤيته. كان ذلك الدرس الذي تعلمته وهي في سن السادسة عشرة.
إلا أن إلسي كانت مخطئة في عدة جوانب. يرى الأشخاص العقلانيون أشياءً غير الموجودة. ومن الأمثلة على ذلك الهلوسة البصرية التي تصيب أولئك الذين يعانون من الذعر الليلي، والتي تكون حقيقية وواقعيّة للغاية على نحوٍ مخيف. ينطبق الأمر كذلك على الأوهام البصرية المُتراصّة بشكلٍ رأسي، والتي تنشأ عن التشوهات الحرارية للضوء، والمعروفة على نحوٍ أكبر بالسّراب (من المثير للاهتمام أنه يمكننا تصوير الأوهام البصرية الناتجة عن انعكاس الضوء، وذلك لأن نقطة الرصد تتطابق بدقة مع النقطة التي يحدث فيها الانعكاس). لكن حتى عندما لا تكون هناك هلوسات، ستجد استحالة الحفاظ على تركيز بصري ثابت على شيء «موجود» في العالم، كما تظهر بوضوح الوهم البصري «الأرنب والبطة». هناك أيضا اختبارات رورشاخ، والتي تدعو الأشخاص إلى وصف الصور التي يرونها في بقع الحبر، والتي يستعين بها علماء النفس على النفاذ إلى ما يدور بأذهانهم.
يوجد مُصطلح يشير إلى هذه النزعة المستمرة لدى البشر لرؤية الأشكال والرسائل ذات المعنى في الظواهر العشوائية؛ لرؤية «الرجل على سطح القمر» مثلًا أو التعرف على أشكال الحيوانات أو الأشياء المنزلية في السُّحُب. هذا المصطلح هو «الباريدوليا»، وهو تصنيف فرعي من «الاستسقاط أو الأبوفينيا»، والذي يشير إلى النزعة الأشمل لدى الناس لإقامة روابط بين أشياء لا توجد بينها صلة واضحة. يصرّ الذهن البشري، في عبقريّته (أو لعلها: قلقه)، إصرارًا بالغًا على فرض نمطٍ وشكل للعالم، يعملان على خلقه في أثناء عملية فهمه.
وهذا بالمناسبة ما نادى به المؤرخ توماس كون عندما انتقد العلم بسبب مزاعمه التي تقول إنها تتوافق مع الواقع. في كتاب بارز بعنوان «بنية الثورات العلمية»، قال كون إننا نشكّك في مصداقية نظرية علمية ما ونتبنى نظرية أفضل، ليس عندما نلاحظ حقائق أفضل تؤيدها، بل عندما نمر بـ«نقلة نوعية» أو تغيير في إدراكنا يغيّر نظرتنا للعالم. فلا تكتسب الحقائق قيمة إلا داخل النظريات التي تفسّرها.
رغم هذا، قد تكشف الأوهام عن حقائق. انتهيت مؤخرًا من قراءة أنشودة نان شيبرد الغنائية لمرتفعات كيرنجورمز، وعنوانها: «الجبل الحي»، وهي احتفال شعري بالتجربة المُتجسّدة، برؤية الطبيعة، والإحساس بها، والاستماع إليها؛ وليس بإدراكها وفهمها وحسب بل بإساءة فهمها أيضًا. كتبت شيبرد عن الظّواهر الوهمية التي يولدها الضباب وضوء القمر، ومطاردة «الجنية وسحرها»، وهي أخطاء بصرية تسميها «أخطاء سحرية»؛ فضباب خافت حول التلال «يُبرز تدرّجات الارتفاع والمسافة، [لذلك] يُرى على أنّه قريب وبعيد»، و«انعكاس الأرض في المياه الزجاجية يحدّد ملامحها ويوضّحها». بالنسبة لشيبرد، فمثل هذه التعويذات السحرية الخادعة تحمل جمالها الخاص، وهي تكشف، في أحسن الأحوال، عن معرفة خفية من النوع الذي أعرف حق المعرفة أنه سيلاقي استحسان كونان دويل.
[1] قطع الطباعة المتحركة أو الحرف المتحرك moveable type، ويقصد بها نظام وتقنية الطباعة وفن صياغة الحروف الذي يستخدم أجزاءً متحركة لإعادة إنتاج عناصر المستند (عادةً ما تكون الأبجدية الرقمية أو علامات الترقيم) ويُطبع على الورق (النظام المستخدم في طباعة الجرائد، المترجمة).
[2] The Pencil of Nature: كتاب أعدّه ويليام هنري فوكس تالبوت، وكان أول كتاب منشور تجاريًا يتم تصويره بالصور الفوتوغرافية.
