القائمة الرئيسية

نحنُ صُنَّاع المعنى

نحنُ صُنَّاع المعنى
ملخص المقال

يستعرض الكاتب كيف بنى معنى حياته من تجارب وعلاقات متنوعة، مشيرًا إلى أهمية النسيان كجزء من الهوية. يسلط الضوء على فكرة أن المعنى ليس شيئًا مكتسبًا أو مدفونًا، بل هو عمل مستمر يتطلب الوعي والجهد.

المؤلف: تيم كامبل.

ترجمة: محمد السعيد.

مثل طائر تعريشة يجمع عُصيات وريشًا وأزرِّة وعيدان صغيرة؛ ليقيم عشه الأزرق، أقمتُ حياةً ذات معنى من الأشياء التي تُحيط لي. وسنة إثر سنة جمعت أسبابًا للوجود. في مراهقتي وعشرينياتي صادقتُ أعز الأصدقاء، ووثَّقت العُرى -الشخصية والسياسية والثقافية- على أكواب القهوة وكؤوس البيرة. وشيئًا فشيئًا صارت اهتماماتي مسيرة مهنية مُجدية وعدد من الهوايات المعقولة. في ثلاثينياتي أحببتُ، وبنيتُ أسرة أنارت لي عالمي منذ ذلك الحين. في أربعينياتي، أحاول ألا أنسى شيئًا. مع أنَّ حياتي لم تفتقر إلى بعض الاكتئاب والشرود، إلا أنني لم أشعر يومًا أني على شفا هاوية الذي لا معنى له؛ فالعبرة ليست في العثور على المعنى، بل في العثور على معنى كافٍ ومفهوم وأصيل.

في عام 1957م كتب الفيلسوف الإنجليزي ريتشارد ميرڤن هير مقالة عن القيم يحكي فيها قصة طالب سويسري بلغ الثامنة عشر من عمره أقام في بيته في مدينة أوكسفورد وبعد أسبوع من مبيته صار الشاب الحيوي كئيبًا صموتًا، يقضي معظم وقته في التدخين داخل حجرته، وفي ليلة من الليالي -بعدما عاد الشاب من نزهة استمرت ثلاث ساعات على ضفاف نهر التيمز- بلغ القلق لدى هير وزوجته مبلغًا عظيمًا، فأقعداه، وسألاه عما اعتراه من هموم؛ فأفصح حينئذٍ أنه فرغ من قراءة رواية الغريب لألبير كامو؛ فعكف على التفكير بالاعتراف المهيب لبطلها ميرسو؛ حينما انتظر إعدامه لجريرة القتل بلا داع ولا ندم، وكأنه لا أهمية لشيء.

ناصح هير صديقه السويسري عاجز الشعور بتحليل عبارة «لا أهمية لشيء» تحليلًا فاحصًا. أن تهتم ليس فعلًا يُقدِم عليه شخص، أو شيء، أو إجراءٌ أو نشاطٌ، حتى لو دلت الكلمة على فعل في اللغة، بل حالة يشعر بها الأشخاص تجاه بعضهم أو تجاه الأشياء (تأمل الفرق بين «زوجتي مهمة» و«زوجتي تُثرثر»). أن أقول: ""إنَّ شيئًا ما مهم، اعتراف بأنه عزيز علي، وله معنى في نفسي. أما هوية القائل، فتكاد لا تُذكر؛ فعندما يقول ميرسو: «لا أهمية لشيء»، يجب أن ننسب له هذا القول وحده؛ ففي واقع الأمر، الذي لا أهمية له الذي  توسَّل به ميرسو  لا يشترط أن تكون عزاء للآخرين أيضًا.

يستدرك هير ويقول: ""إنه لربما ينعدم الاهتمام عند بعض الناس، لكنهم مع ذلك، أقلية هائلة؛ فالبشر بطبعهم «كائنات تُقدِّر القيم»؛ إذ إنهم يؤثرون الاهتمام بالأشياء. لم يكُن صديق هير هو ميرسو نفسه -وإن توافقا في تأثُّرهما بالعدمية- بل كان يأخذ ويعطي مع الحياة: «لم تكن مشكلته العثور على شيءٍ يهتم به، بل أن يجد طريقةً ما يرتب بها أولوياته». وهذا تحدٍّ أزلي لكل منا: أن نُغربل رغباتنا المتفاوتة، ونعزل ما نبتغي أن نجدد حياتنا بها، وأن نبذل الجهد في اتباع هذا الدرب الذي رسمناه.

المعنى إذن فطريٌّ ومحتوم؛ فهو قصة وخلاصة الأشياء التي اهتممنا بها. ومع هذا، فإننا نبعده ونُقصيه، فنخوض في الأحاديث التي تتناول البحث عن معنى الحياة، كأنَّ المعنى كنز مدفون وحياتنا تفتقر إليه حتى يملأها، وهذا قد يستغرق سنوات طوال أو حياة كاملة. علاوة على هذا تبدو الإشارة إلى معنى الحياة أنَّ الوجود الإنساني ذو معنى عالميّ فريد. أقول: ""إنَّ هذا موروث ديني لبث حتى مع زماننا الذي ينضح بالعلمانية؛ إذ تحكي لنا الأديان قصص تكوين مختلفة لكنها في الأخير تُجمِع على سببية الكون، وأنَّ المعنى ينزل من السماء حتى يملأ كل إنسان، أو كل مؤمن على الأقل. لكل دين أنموذج معنى، فعندما نمحو الله وكل ما هو مقدس من المعادلة، يصير معنى الحياة غير متسق ولا مفهوم"".

من الأنسب أن أتحدث عن بناء حياة سهلة المنال مليئة بالمعنى. المعنى شيء نصقله، يومًا فيومًا، كالبيت الذي نصممه ونبنيه ونرممه، عملٌ قيد التنفيذ للأبد. تضع إيميلي أصفهاني سميث في كتابها: ""قوة المعنى"" أربع ركائز له: الانتماء، والغاية، والسرد، والتعالي. كلما اقتربنا إلى عائلاتنا وأصدقائنا والمجتمع (الانتماء)، حفزتنا الأهداف الإيجابية ذات المدى البعيد (الغاية)، وأجدنا نسج الحكايات من خيوط حياتنا (السرد)، وصرفنا جل طاقتنا في شيء أكبر منا (التعالي)؛ وحينئذٍ تصبح حياتنا مليئة بالمعنى.

نجدُ طمأنة في هذه الحقيقة، وهي متعددة الأوجه حول المعنى. ربما تتفاجئ  بأنَّ حياتك تزهو بالمعنى، عندما ترى المعنى يوميًّا حتى في صغائر الأمور، كالعلاقات والمساعي التي تُهذِّب أيامك وتهيكلها. إن كنت ترغم نفسك على قيم عالية لا تجرؤ أن تُلزم غيرك بها، فإنك تقلل من قيمة كونك طيبًا (أو لا بأس بك) كصديق، أو شريك، أو أب، أو ابن، أو أخ، أو جار. وبالمثل، ربما تقلل من شأن العمل الذي لم تكرَّم أو تُجازى فيه بإحسان، سواءً أكان مدفوعًا أم لا، وتهمل سمات بذل الجهد والسعي والمشاركة والتعاون. اعلم حينها أنك تبخس حقَّ نفسك.

لا أقول: ""إنَّ المعنى سهل المنال، بل يتطلب سعيًا حثيثًا وتعاونًا جماعيًّا؛ إذ إنه وليد الاحتياجات النفسية والاجتماعية. أجرى عالم النفس ويليام ديمن وفريقه بحثًا استخدم فيه مفهوم الغاية على نحو يشابه مفهوم سميث آنف الذكر، فحاور وعاين مئات الأمريكيين الذين تتراوح أعمارهم بين الثانية عشر والثانية والعشرين فيما يهتمون به. فوجئ ديمن بالنتيجة؛ إِذْ وَجَدَ أنَّ خُمس الشباب الأمريكيين لهم أهداف وطموحات خصصوا لها وقتًا من حياتهم، ورُبعهم حالم باكتشافات كبرى، ولكن يفتقر لروح المبادرة والتخطيط العملي، وأمَّا ثلثهم فهواة، لكن غير ملتزمين بما يهوونه، وأما الربع الأخير فمنكفئون على أنفسهم، وليس لهم أي طموح في حياتهم.

كنتُ حالمًا في عشرينياتي، وأتساءل ما إن كان ديمن يتوقع أنَّ الشباب سيشقون طريق حياتهم على الفور، لكني أقدر أنَّ هذا السعي مبارك.

يكتب ديمن في كتابه الطريق إلى الغاية: «اتفقت مئات الدراسات أنَّ غاية الحياة لدى الأشخاص تتمثل في الصحة والعافية». والتركيز والعزم والإصرار والمقاومة وطول العمر والرضا كلها مُلازِمة للغاية؛ فالالتزام بالمبادئ وبالناس وبالعمل، يُعزِّز من التمسُّك بالحياة نفسها. وعندما أتأمل حياتي، أرى أنَّ مطبات شبابي لازمت رغبتي في وجود غاية ما؛ إذ شعرتُ حينها بشعور ثقيل من الخذلان والضياع.

إنَّ قمة المعنى في حياتي هذه الأيام أن أساعد ولديَّ في بناء حياة مليئة بالمعنى، وهما بعمر التاسعة والحادية عشر، أي: في بداية درب طويل من الاكتشاف والتجريب. كل ما أحاول فعله أن أُعرِّضَهُم لمُختلف الأنشطة والثقافات والأماكن والأفكار والقضايا، وأن أجيب عن أسئلتهم، وأُرضي فضولهم، وأفرح لفرحهم. ينطفئ حماسهم في بعض الأسابيع،  ثم يتقد وينمو في بعضها. إنني أحثهم على التجريب والخطأ حتى يزدادوا معرفةَ بأنفسهم وبالعالم، حينها سيجدون حتمًا مكانهم المناسب في الحياة، ودائمًا ما أخبرهم أنه لا وجود لمفتاح يكشف سر الحياة، ولا كلمة سر لإدراك معنى الوجود، بل هناك شد وجذب مع الفرص والمعيقات.

أثناء تربيتي لهما، أدركتُ مدى تأثير المجتمع. يتشرَّب الشباب القيم الراسخة في ثقافتهم؛ إذ يشكلونها ويجسدونها. استعملتُ العش والبيت مجازًا لأصف كيف نصنع المعنى، ولكن الاستعارة الأمثل هي مدينة نقطنها ونرممها كلُّنا، كأنما نُحيي بذلك تراث الأسلاف. تتمثل مسؤوليتنا في إنشاء مدينة حاضنة وملهمة تزخر بأدوات المعنى؛ إذ كتب توماس مان في رواية الجبل السحري: «لا يعيش المرء حياته كفرد فقط، بل حياة عصره كذلك... وإن كان لب الحياة من حوله في ذاك الزمان لا يغذي طموحه، وقُدِّر له أن يجدها خاويةً بالية... فلا مفر من أن يكون شخصًا عاجزًا واهنًا».

أخشى أنَّ زماننا هذا -الذي تغشاه الأيديولوجية النيوليبرالية التي جعلت السوق حلًّا لكل مشكلة- قلَّل من شأن السعي وراء المعنى، وعظَّم من شأن المادة والانعزال وعدم المساواة والابتعاد عن الطبيعة، وأخشى أيضًا ألَّا كفافَ لغذاء الطموح. لكننا نستطيع أن ندرأ شر هذه القوى السائدة فنقاتل من أجل ثقافة تُعلي من الترابط على الاستهلاك، والخدمة والبساطة على المنصب والمكانة، والإشراف البيئي على الاستغلال البيئي. بلى، إننا ذوو مِراس، فنحن من نصنع المعنى.

 

مقالات ذات صلة