القائمة الرئيسية

من أين أتينا ؟

من أين أتينا ؟
ملخص المقال

في مقابلة مع غونثر هاسينغر، مدير قسم العلوم في مركز علم الفلك الفضائي الأوروبي، يتحدث عن مفهوم الفضاء وأبعاده، موضحًا أنه يمكن أن يكون غير محدود، ولكن من المحتمل أيضًا أن يكون له حدود. يشرح أن ما نعتبره ""نهاية الكون"" هو مجرد أفق بصري، حيث يمتد الفضاء إلى ما هو أبعد مما يمكن رؤيته. كما يتناول تاريخ تكوّن النظام الشمسي، مشيرًا إلى أن الاصطدامات بين المجرات، مثل مجرة القوس القزمة ومجرة درب التبانة، قد ساهمت في ذلك.

مقابلة مع: غونثر هاسينغر، مدير قسم العلوم ورئيس مركز علم الفلك الفضائي الأوروبي.

أجراها: زان بواغ.

ترجمة: أنطونيوس نادر.

زان بواغ: أعلم أنك  كثيرًا ما حدقت عميقًا في الفضاء في الملعب الـذي تمرست فيه، وأنك تعيش وتتنفس فكرة «الفضاء».  ولأنك متخصص في علم الفلك الفضائي ما تعريفك للفضاء؟ وإلى أي مدى يمتد؟ وهل لا حدود له/ وهل له حدود؟

غونثر هاسينغر: يشبه الفضاء -إلى حدٍّ ما- ذلك الانطباع العام الذي يختبره رواد الفضاء حين يغادرون الأرض، ثم يرونها كرةً زرقاء صغيرة تسبح في كون شاسع كالمحيط، لكن لأني عالم فيزياء فلكي -أي: عالم فضاء- لدي بالطبع منظور أكبر حول فكرة الفضاء. في الواقع إنَّ نظامنا الشمسي كله هو مجرد نظام واحد من بين  كثير من الأنظمة الشمسية. وكذلك مجرتنا  كلها تُعد مجرةً واحدةً من بين مجرات عديدة. وفقًا لهذا المنظور يمكنك -من حيث المبدأ- أن تتخيل أنَّ الفضاء لا نهائي. ومع ذلك من المحتمل جدًّا أن يكون الفضاء محدودًا، لكنه بالتأكيد أكبر من أي شيء يمكن أن نتخيله. والنقطة الأساسية -في هذا المقام- أنَّ هناك ما يُسمَّى الأفق، فعندما تسأل: ماذا يوجد في نهاية الكون أو نهاية الفضاء؟ يتبين لك ذلك؛ أنَّ النهاية -كما نراها- ليست سوى خداع بصري؛ فالفضاء يمتد إلى أبعد من المكان الذي يمكننا رؤيته  كثيرًا/ جدًّا .

يمكنك أن تقارن هذه المسألة بمثل وقوفك على الساحل ناظرًا إلى الأفق ظانًّا أن الأرض تنتهي هناك -تمامًا في ذلك الأفق- لكنك تعلم جيدًا أنه عندما ترى السفن قادمة من تلك النقطة، فإنها تبحر من مكان ما وراء هذا الأفق. وعندما تذهب إلى تلك النقطة البعيدة ترى أفقًا آخر، وهكذا دواليك. المسألة عينها تنطبق على كوننا، ولذا ما نظنه الآن أنه حدود الفضاء حيث تتوهج الموجات الصغرى هو مجرد أفق. وإذا كنا قادرين على الطيران إلى تلك النقطة، فسيمتد الكون أمامنا مليارات من المساحة.

من حيث المبدأ، إذا أخذت الأرض  كلها وغرست فيها إبرة، فإنَّ رأس الإبرة هي تقريبًا ما نراه من كوننا الحالي، وهناك الكثير من أجزاء الكون التي لا يمكننا رؤيتها. يعود السبب إلى أنَّ عمر الكون محدود، ومن ثم لم يكن للضوء الوقت الكافي للسفر إلينا من تلك الأجزاء البعيدة، وليس الأمر أنَّ ثمة نهاية ما، وإنما المسألة تكمن في عدم توفر أي معلومات؛ لأنَّ الضوء لا يصل إلينا من هناك.

من أجل فهم أفضل يجب على المرء أولًا أن يساعد الناس على فهم طبيعة الكون من خلال المنظورات الضخمة. أعني -على سبيل المثال- الوقت الذي يستغرقه الضوء للسفر إلينا؛ فمن المعروف أنَّ ضوء الشمس يستغرق ثماني دقائق، بينما يستغرق ساعات ليصل إلينا عابرًا من النظام الشمسي الخارجي -ولنقل: من كوكب المشتري أو زحل- ومن النجم التالي بعد الشمس يستغرق أربع سنوات. أمَّا من مركز المجرة، فيستغرق 30 ألف عام. في حين لا يصل إلينا الضوء القادم من المجرة التالية إلا بعد نحو 170 ألف سنة ضوئية، ومن المجرة الأكبر التالية مليون سنة ضوئية. وهكذا دواليك... حين تحاول أن تفهم الفضاء، فأنت حقًّا تعتمد على الوقت الذي يستغرقه الضوء للوصول إليك، بيد أنك تصل إلى مسافة؛ حيث يستغرق هذا الأخير وقتًا يتخطى عمر الكون، لذا  قد نقول: إنَّ هذا الضوء لن يصلنا أبدًا.

ثمة مقال على موقع وكالة الفضاء الأوروبية بعنوان: «ربما تسبب الاصطدام بين المجرات في تكوين النظام الشمسي»، ويشير المقال إلى أنَّ تكوّن الشمس والنظام الشمسي والظهور المتتابع للحياة على الأرض، ربما كان نتيجة الاصطدام الذي حصل بين مجرتنا درب التبانة ومجرة أصغر تسمى القوس. هل يمكنك الاستطراد في هذه السردية المحتملة لنظامنا الشمسي؟

في الواقع إننا ندين في كل الأبحاث في هذا المجال للقمر الاصطناعي «غايا»؛ إذ تصدر نحو ثلاث أوراق بحثية يوميًّا تتناول هذا الموضوع؛ لذا فإننا نشهد اليوم موجة من المنافسة أو ردود الفعل بين علماء الفلك. لقد منحنا القمر الاصطناعي «غايا» حقًّا رؤًى مذهلةً عن تاريخ المجرة.  خاصة أنه استطاع التنبؤ: كيف نشأت مجرة درب التبانة؟ من حيث المبدأ عن طريق الاصطدامات مع المجرات الأخرى. انطلاقًا من هنا تمكنَّا من تحديد اصطدام كبير حصل قبل نحو 10 مليارات سنة، وهو ما يقرب ضعف عمر شمسنا. حصل هذا الاصطدام قبل حدوث الاصطدام الذي أشرتَ إليه في سؤالك؛ إذ إن مجرةً كبيرةً اصطدمت بمجرة درب التبانة، وهزت محورها  كله، وجعلت النجوم تتذبذب  تذبذبًا سريعًا.

إنها مجرة قزمة مذهلة يطلق عليها مجرة القوس القزمة. وسُمِّيت هكذا؛ لأنها تُرى في مركز المجرة في اتجاه كوكبة القوس، ولكن من خلال بيانات القمر الاصطناعي غايا تمكن علماء الفلك من التعمق في تاريخ هذه المجرة القزمة، واكتشفوا أنها تدور حول مجرة درب التبانة في محور أو مدار كبير. وبين الحين والآخر تدخل في مدار درب التبانة؛ فتُسبب نوعًا من الاهتزاز البيئي الذي يؤدي إلى تكوين نجم جديد.

ما استطاع القمر الاصطناعي غايا فعله هو قياس مقدار تشكل النجوم كدالة زمنية مبينًا أنَّ ثمة ذُرًى مميزة في تاريخ تشكل النجوم. لذلك يتكون قدرٌ هائل من النجوم في بعض الأحيان، ويقل عددها في حين آخر. ولقد اتضح أنَّ ذُرى تكوين النجوم هذه تتوافق مباشرةً توافقًا أيًّا كان سبيل (نوع) توافقها- مع مدار مجرة القوس القزمة. وتبين أنه كلما دخلت المجرة القزمة مدار مجرتنا، فإنَّ ذلك يُطلق موجات جديدة من تكون النجوم. يحصل الآن هذا الاصطدام،  وقد حصل أول مرة قبل نحو 507 مليار سنة، وهو ما استطعنا تحديده. ربما كان هذا هو التفاعل الأول لتلك المجرة مع مجرتنا. وجديرٌ بالذكر أنَّ هذا الحدث يتفق بالضبط مع الوقت الذي تكوَّن فيه النظام الشمسي. ومع ذلك ليس لدينا دليل دقيق يؤكد هذا الاستنتاج؛ لذلك لا يمكننا القول حقًّا: ""إنَّ مجرة القوس القزمة هي المسبب لهذا الحدث، لكن ما توصلنا إليه صدفة جديرة بالملاحظة أنه من المحتمل جدًّا أن تكون ملاحظتنا في محلها؛ لأننا نرى أنَّ اصطدام هذه المجرات يؤدي إلى تكوينات نجمية؛ لذا من المحتمل جدًّا أنَّ اصطدامًا ما تسبب أيضًا في تكوين نظامنا الشمسي.

في مقابلة قلت: ""إنَّ ما اكتسبناه من التعمق بالفضاء حقًّا يرتبط أساسًا بتاريخ مجرة درب التبانة. إنك تعود بنا إلى الوراء مليارات السنين، تمامًا مثل علماء الآثار. لقد تعلمت الكثير عن تاريخ المجرة، ويمكنك التكهُّن بما حدث، لكن هل يمكنك التنبؤ بمستقبل مجرتنا؟

نعم، هذا أيضًا موضوع مثير جدًّا للاهتمام. وفي الحقيقة كل هذه القضايا مرتبطة  ارتباطًا أساسيًّا بحوادث الاصطدام بين المجرات، فعندما يحصل اصطدام، فإنَّ المجرات تغيُّر شكلها وتتطور، أي: تنمو أو يتبدل مظهرها. وثمة حدث مثير للاهتمام سيحصل، ولكن بعد نحو خمس مليارات سنة؛ لذا من المبكر الحديث عن كون عمر الشمس والأرض سينتهي. والحدث الذي أشير إليه هو اصطدام درب التبانة وسديم أندروميدا. وسديم أندروميدا هو مجرة رائعة يمكنك رؤيتها بالعين المجردة أو بالمنظار في كوكبة المرأة المسلسلة من نصف الكرة الشمالي.

لقد اتضح أنَّ مجرة درب التبانة وأندروميدا تقتربان من بعضهما في حين تتباعد معظم المجرات الأخرى، وقد تمكن القمر الاصطناعي غايا من رسم خريطة دقيقة لحركة المجرات، وجدير بالذكر أنَّ ثمة مجرة ثالثة تشترك في هذا التفاعل تُسمى «إم 33». يتبع غايا حركة هذه المجرات الثلاثة، وقد استطاع  من زمن قريب التنبؤ بدقة بأنَّ المجرة الثالثة لن تصطدم بأي من المجرتين، وهذا الأمر يترك المجال مفتوحًا أمام سديم أندروميدا للاندماج بدرب التبانة، وتجدر الإشارة إلى أنَّ القمر الاصطناعي يمكنه التنبؤ بموعد حدوث ذلك بدقة. 

يمكنك أن تتخيل أنك عالم فضاء خلال خمسة مليارات سنة تشاهد مجرةً قادمةً نحوك، حيث تمتلئ السماء فجأةً بمجرة حلزونية ضخمة جميلة،  ثم بعد مدة ترى النجوم تتذبذب بفعل اصطدام المجرتين، ولا يشكل ذلك خطرًا على الكواكب، فهي ستستمر في الوجود، لكنَّ شكل مجرتنا سيتغير بالكامل. ستصبح مجرةً إهليلجية كرةً مستديرةً كبيرةً من النجوم. سيُغير ذلك بيئتنا تمامًا، وستبدو السماء مختلفةً عما كنا نعرفه.

أنت ترى أنَّ الكون يتطور، ويتغير دومًا/ تغيرًا مطردًا، ولكنَّ  الأشخاص العاديين الذين يجلسون هنا، ولديهم مخاوفهم وأفكارهم اليومية، فإنَّهم ينظرون إلى النجوم، ويرون شيئًا يبدو ثابتًا لا يتحرك. ندرك دورة الفصول ومرور السنوات، لكنَّ هذه الفكرة التي مفادها أنَّ الكون يتغير تغيرًا مطردًا مسألة ربما  يعجب لها أكثرنا. 

كان هذا هو الاعتقاد لردح من الزمنحتى إنَّ آينشتاين نفسه قبل نحو مئة عام كان مقتنعًا بأنَّ الكون ساكن؛ لذا تخلص من كل أفكاره التي أشارت إلى أنَّ ثمة حركات وتغيُّرات في الكون، لكن بعد أن اكتشف علماء الفلك أنَّ التغير أصل الوجود، وأنَّ المجرات تبتعد عن بعضها، اعترف أنَّ هذا كان أكبر خطأ فادح في حياته. وبالتأكيد لم يكن آينشتاين مدركًا بأن قوانينه التي وضعها ستتنبأ بتغيُّر الكون.

أعتقد أنَّ ذلك مرتبط بحقيقة أننا نحاول دائمًا –لأننا بشر/ كبشر- أن نحكم على كل شيء وفقًا لمقاييسنا وخبراتنا؛ لذلك نحكم كل على قضايا الزمن بالسنوات، وهذا منظور يمكن أن نتخطاه، ولعل هذا هو السبب في أنَّ تغير السنوات -كما حدث مؤخرًا- مسألة مهمة جدًّا. 

عادةَ ما تُقاس الأحجام بالأمتار؛ لأنَّ هذه الوحدة القياسية هي  أكثر الوحدات استعمالًا، وهذا يصح عند الحكم على الكون الضخم والكون الدقيق. ولكن  ما إن تصل إلى الأشياء المتناهية الصغر حتى تحتاج مجهرًا، وفجأة ترى عالمًا رائعًا جديدًا لا يشبه عالمنا. المنطق نفسه ينطبق عندما نحاول الخروج إلى الفضاء لاستكشاف مسافات أكبر فأكبر؛ إذ إننا ندرك في تلك الرحلات الاستكشافية أنَّ ثمةً شيئًا غير مألوف على المستوى البشري؛ فالمقاييس الزمنية لن تتغير -أعني: أنه ليس عليك سوى أن تضع نفسك في إطار زمني مختلف قليلًا- تمامًا مثل أولئك الذين يحفرون في الأرض لدراسة تاريخها. عندها ستتوصل فجأةً إلى مقاييس زمنية تقيس مليارات السنين، وسوف ترى الجبال تتغير، وليس السماء فقط. وحين تنظر إلى الأرض نفسها، سترى أنَّ جبال الألب لا تزال تتكون، لكن وفقًا لمقاييس زمنية تتخطى إدراك البشر. 

هذا هو غرور المنظور المتمحور حول الإنسان.

نعملقد كتبتَ كتابًا مثيرًا للاهتمام بعنوان: «رحلة علم الفلك غير المحدودة: دليل لفهم الكون»، تتناول فيه كل الموضوعات والاتجاهات التي تساعدنا في فهم كيف تكوَّن الكون. في هذا الصدد ثمة نقطةٌ واحدةٌ تهمني تستحضر كل أنواع الأفكار الخيالية، ألا وهي فكرة المادة المظلمة والثقوب السوداء. في كتابك تتطرق إلى هذه الأشياء في الفضاء. ما هي؟ وكيف تختلف عن بعضها ؟ وما تأثيرها في الكون؟ 

هذا سؤال يتناول موضوعًا مهمًّا للغاية؛ لأنني أسعى مؤخرًا إلى فهم ما إذا كانت الثقوب السوداء والمادة المظلمة هما في الواقع الشيء نفسه. أعني أنه لا يوجد في كتابي أي ذكر عن ذلك، ولكنَّ هذه الفكرة تزداد روعةً؛ حيث إنه في الواقع قد تكون المادة المظلمة جزءًا من تكوُّن الثقوب السوداء البدائي، وهذا سوف يغلق دائرة النقاش  زمنًا طويلًا.

اسمح لي أن أبدأ حديثي عن الثقوب السوداء. كان كارل شوارزشيلد أول من افترض وجود هذه الثقوب، و وإذا كان آينشتاين لم يعترف بوجودها، فإنَّ كارل شوارزشيلد -الذي حلَّ معادلة هذا الأخير- كان أول من توصل إلى استنتاج مفاده أنه ينبغي أن يكون هناك نوع من الأشياء المضغوطة جدًّا والكثيفة  حتى إنها لا تسمح للضوء بالخروج أو النفاذ.  قبل أكثر من مئة عام تكهَّنَ جون ميشيل وبيير سيمون لابلاس بوجود نجوم مظلمة التي لضخامتها تبتلع ضوءها. يمكنك تصور هذه الفكرة حين تنظر إلى الشمس؛ فأنت تعلم أنه عندما ترى نجمًا خلف الشمس، فإنه ينحني قليلًا عن طريق الجاذبية إلى الداخل. كان هذا هو توقع آينشتاين؛ أنَّ النجوم خلف الشمس يجب أن تنجذب إلى الداخل بمجال الجاذبية،  حتى إذا مر شعاع ضوئي على سطح الشمس انحني قليلًا. 

هذا ما يسمى بتأثير عدسة الجاذبية؛ فإنه وفقًا لجاذبية الشمس لا يستغرق الضوء سوى مقدار ضئيل من الوقت لينحني. إذا قمنا بتجربة فكرية تقوم على تصغير قطر الشمس بمقدار ضعفين، سيؤدي ذلك إلى تقليص حجمها إلى النصف، ولكننا نكون قد احتفظنا بالكتلة. وفقًا لهذه التجربة فإنَّ الضوء سينحني ضعفين مقارنةً مع الشمس في حالتها الطبيعية. بالفعل ثمة نجوم أصغر من الشمس وأثقل وزنًا، ومعها ينحني الضوء تمامًا. يمكنك أن تستمر في تطبق هذه التجربة الفكرية إلى أن تصل إلى قطر يكون فيه الضوء منحنيًا من حيث المبدأ مقدار 360 درجة. لذا، فإنَّ كل شعاع ضوئي يمر عبر هذا النجم ينحني حوله ويلازمه.

وهكذا نتوصل إلى استنتاج -سبق وأن توصل إليه شوارزشيلد- مفاده أنه إذا قلصت حجم الشمس إلى قطر ثلاث كيلومترات، أي: حولتها إلى حجم مدينة صغيرة، عندها ستصبح الشمس ثقبًا أسودًا. الثقب الأسود -بهذا المعنى- ليس شيئًا مميًزًا، ولا شيئًا سرياليًّا، إنه مجرد جسم مضغوط جدًّا وثقيل جدًّا حتى إنه يسمح للضوء بالدوران حوله دون أن ينفذ إلى مكان أخر. إذا حاولنا تطبيق الشيء نفسه على كوكب الأرض -أعلم أنه شيء جنوني- ولكن إذا قلصنا حجم الأرض حتى يصل قطرها إلى سنتيمتر واحد، فستصبح الأرض ثقبًا أسودًا أيضًا.

من حيث المبدأ، يمكن أن يكون هناك ثقوب سوداء كوكبية صغيرة، لكنها بحجم كرة تنس أو كرة طاولة. إذا ضغطت مركز المجرة بما تحتويه من مليارات النجوم، بحيث جعلت قطرها يصل تقريبًا إلى نصف قطر مدار كوكب عطارد؛ فإنَّ تلك المجرة ستصبح ثقبًا أسودًا.

هكذا، ولمدة قرن تقريبًا، كانت الثقوب السوداء مجرد تكهنات للمنظرين ورؤى من نسج الخيال، لكن خلال الستينيات حصلت الاكتشافات الأولى لأجسام رائعة جدًّا تشع كثيرًا من الأشعة السينية أو الراديوية، وهي ذات طبيعة متغيرة  جدًّا، وأدرك الناس أنه من المحتمل جدًّا أن تكون هذه الأجسام ثقوبًا سوداء تتراكم فيها مادة من أجسام أخرى، بحيث نتمكن من رؤيتها. عندما تسقط هذه الأشياء في مثل هذا الثقوب السوداء تسخن وتبدو كأنها أجسام تُطلق صرختها الأخيرة على شكل إشعاع كهرومغناطيسي أو أشعة سينية أو أشعة ما تحت الحمراء أو راديوية.

بهذه الطريقة اكتشفنا وجود الثقوب السوداء. في العام الماضي مُنحت جائزة نوبل لرينهارد جينزل وأندريا غيز؛ لتمكنهما من قياس كتلة الثقب الأسود في مركز المجرة، حيث يمكنك رؤية النجوم، وهي تدور حول هذا الشيء، لكن لا يوجد شيء، ولا شيء مرئي. وقد تمكنا من تحديد ثقب أسود لها أربعة ملايين الكتلة الشمسية.

لقد كنت مفتونًا بالثقوب السوداء طوال مسيرتي المهنية؛ لأنها تُصدر بواعث أشعة سينية عالية جدًّا؛ لذا فهي تُرَى بوضوح في هذا النوع من الأشعة. عندما يكون لديك تلسكوب للأشعة السينية وتوجهه إلى السماء؛ فإنك ترى مليارات من الثقوب السوداء في كل مكان.

كان هذا جانبًا واحدًا من القصة. دعنا الآن نتحدث سريعًا عن المادة المظلمة. في البداية تُعد المادة المظلمة شيئًا مختلفًا تمامًا؛ إذ إنها تُرى من خلال حقيقة أنَّ النجوم في مجرتنا -وكذلك المجرات المجتمعة في عناقيد- تتحرك أسرع جدًّا مما هو مفترض. إذا أخذنا كل نجوم مجرتنا معًا، وقسنا حجمها، ثم راقبنا مدى سرعة تحركها، فإنَّ كتلة النجوم -رغم حجمها- لا تكفي لمنع النجوم من التحرُّك بعيدًا. ثمة قوة الطرد المركزي وقوة الجاذبية، وهذا يعني أنك إذا حركت شيئًا ما في دائرة سيحاول الاختفاء؛ فإنًّ النجوم تتحرك في مجرتنا أسرع خمس مرات مما هو مفترض. في الثلاثينيات افترض العلماء أنه لا بد من وجود مادة خفية وغير مرئية تحافظ على تماسك المجرات معًا في صورة عناقيد، وسُمَّيتْ هذه المادة غير المرئية بالمادة المظلمة؛ لأنها موجودة  حقًّا -وهي تظهر واضحة نتيجة جاذبيتها- لكنها لا تظهر في الضوء.

لمدة طويلة ولعقود من الزمن كان الناس يحاولون فهم ماهية المادة المظلمة ومما تتكون. نرى أيضًا ظواهر رائعة مثل انعكاس الجاذبية، حيث نرى المجرات خلف العناقيد التي يتم تضخيمها من العدسات حتى نتمكن من قياس كمية المادة المظلمة الموجودة هناك بدقة تامة، وكيف تتوزع، وما إلى ذلك. ولكن لم يتمكن أحد حتى الآن من فهم طبيعتها، أعني طبيعة المادة المظلمة. تتماثل هذه القضية مع الثقوب السوداء؛ لأنَّ هنالك كثير من الإشكاليات عسيرة على الفهم في ظواهر الثقوب أيضًا.

نجد ثقوبًا سوداء في أماكن وفي أوقات ليس من المفترض أن توجد فيها، وفي وقت مبكر جدًّا من الكون لا بد أنه كان هناك ثقوب سوداء ثقيلة جدًّا، وقد وجدنا أيضًا أنواعًا مختلفة منها في أماكن لم يكن من المتوقع أن تُرى فيها. إحدى أحدث التكهنات الرائعة أنه قد يكون لدينا ثقب أسود في نظامنا الشمسي. ومن الممكن أن يكون أحد الكواكب الإضافية المفترضةالذي يُطلق عليه اسم الكوكب X، ثقبًا أسودًا.  أخيرًا يبدو أنَّ اندماج الموجات الثقيلة للثقوب السوداء الضخمة هو جزء آخر من هذا اللغز.

هذان الشيئان -الثقوب السوداء والمادة المظلمة- يرتبطان ببعضهما؛ لأنَّ ثمة نظرية جديدة تفترض أنه في وقت مبكر جدًّا -قبل أن يتشكل في الكون أي شيء- كان ثمة ثقوبٌ سوداء ذات أحجام مختلفة، وتُعد هذه الثقوب السوداء الآن مصدرًا محتملًا للمادة المظلمة، لذلك يمكن أن تكون المادة المظلمة والثقوب السوداء في الحقيقة شيئًا واحدًا.

هل تُعد الثقوب السوداء والمادة المظلمة غراء الكون؟

إنها تربط المجرات بعضها ببعض، وتجمعها في شكل هيكل كبير، لكنها لا تربط أجزاء الكون بعضه ببعض ؛ لأنَّ ثمة قوة أخرى اكتشفناها قبل عقد من الزمن، وهي الطاقة المظلمة، والحق أنَّ الطاقة المظلمة تتقاتل مع المادة المظلمة؛ فحين تندفع الطاقة المظلمة، تتراجع تلك الأخيرة، واتضح أنَّ الطاقة المظلمة أقوى من المادة المظلمة، والكون كله يتوسع أكثر فأكثر. لذا، فإنَّ المجرات تطير كل يوم أسرع مما كانت عليه في اليوم السابق؛ فالمجرات نفسها لا تتوزع ولا تنفصل عن بعضها، والنجوم في المجرات والمجرات في العناقيد لا تنفصل أيضًا، ولكنَّ هيكل الكون واسع النطاق ينمو، والكون نفسه يتمدَّد من حيث المبدأ.

هل هذا التوسع من مسببات الطاقة المظلمة؟

من المحتمل جدًّا، نعم. كنا نتحدث دائمًا عن الانفجار العظيم  بأنه الحدث الوحيد الذي حصل أولًا، ولم بتقدمه أي حدث آخر، لكنَّنا الآن نعلم أنَّ القوة التي تدفع المجرات إلى الخارج لا تزال فاعلة إلى اليوم. بمعنى آخر لا يزال الانفجار الأعظم ناشطًا حتى اليوم، والقوة التي تدفع المجرات بعيدًا عن بعضها لا تزال تعمل على تسريع حركتها. ربما هذا هو سبب الطاقة المظلمة، أو أن الطاقة المظلمة هي سبب تمدُّد الكون.

الآن، سوف ننتقل إلى موضوع آخر، ألا وهو مستقبل علوم الفضاء: إلى أين نتجه؟ وما مجالات التركيز الرئيسية خلال العقود القادمة؟ وأين تعتقد سيتركز نشاط وكالة الفضاء الأوروبية خلال السنوات العشرة أو العشرين القادمة؟

في مرحلة ما قلت مازحًا: إنَّ ثمة سؤالًا واحدًا فقط، وهو: «من أين أتينا؟ وإلى أين سنذهب؟».

لقد ناقشنا هذا السؤال  حقًّا، ولكن أعتقد أنه لا بد من تجزئة هذا السؤال؛ لأنَّ كل جزء منه له مقاييس مختلفة، وأظنُّ أنَّ هناك ثلاثة اتجاهات في البحث مهمة جدًّا: الاتجاه الأول: علم الكونيات. هذا العلم يجيب عن الأسئلة من مثيل: «من أين أتينا؟ إلى أين نذهب؟»، أو عن الموضوعات مثل الكون بكليته أو المجرات. الاتجاه الثاني: يتناول مستوى النظام الشمسي، ويجيب عن: «كيف تشكَّل النظام الشمسي؟ ومامستقبله؟». وهذا الاتجاه هو ما يُسمى باستكشاف النظام الشمسي ودراسة الكواكب الخارجية. في الواقع قد عثرنا على آلاف الكواكب حول نجوم أخرى، ولذا أعتقد أنَّ دراسة الكواكب الخارجية ستهيمن على اتجاهات الأبحاث خلال العقد القادم.

ثمة اتجاه يوازي أهمية الاتجاهين السابقة، وهو يتعلق بنطاق أصغر، وهو الحياة، والسؤال المثير للاهتمام الذي يحاول أن يجيب عنه: «كيف تشكَّلت الحياة؟ وما مستقبلها؟». لذلك في كل هذه الاتجاهات الثلاث دائمًا ما ننظر إلى الماضي؛ لنحاول فهم المستقبل. أعتقد أنَّ هذه الاتجاهات أو الموضوعات -أي: علم الكونيات والثقوب السوداء والمادة المظلمة والطاقة المظلمة- هي جزء واحد، وأنَّ الكواكب الخارجية تشكل الجزء الآخر، والبحث عن الحياة هو السؤال الثالث الكبير.

إنها ليست أسئلة سهلة الإجابة؛ فلقد اجتمع  كثير من الأفراد والمنظمات للبحث عن إجابات دقيقة، يعتمد الكثير منها على الاستكشاف أو الاستعمار المحتمل للكواكب الأخرى. ماذا يعني هذا للمنظمات الحالية مثل وكالة الفضاء الأوروبية والناسا، أقصد عندما يكون لديك منظمات أصغر وأفراد يتنافسون معك في الحقل ذاته؟

سأجيب عن أسئلتك تباعًا. أولًا: في علوم الفضاء، من الرائع حقًّا أن يكون لديك تنوع؛ إذ إنَّ المنافسة تكون ودية ومثمرة، وهذا يعني أنه كلما زاد عدد الأشخاص الذين يفكرون في الأسئلة الكبيرة، زاد عدد الإجابات التي نحصل عليها.  فمثلًا: تتعاون وكالة ناسا ووكالة الفضاء الأوروبية  تعاونًا ممتازًا. سنطلق هذا العام تلسكوب جيمس ويب الفضائي، وهو أكبر مشروع في علم الفضاء  كله. إنها مهمة استراتيجية أخرى، ولكن إما أن نطلقه معًا، وإما  أن نتشارك المعلومات التي سيتم تحصيلها، وهناك  كثير من البلدان الصغيرة التي تدخل في هذا المجال، وهي تعمل أيضًا في علوم الفضاء.

الصين ليست دولة صغيرة، بل هي قوة صاعدة، ولطالما كانت روسيا كذلك، واليابان أيضًا. لكن عددًا من البلدان، مثل الهند وجنوب إفريقيا والإمارات العربية المتحدة وغيرها، تحاول دخول هذا المجال. أعتقد أنَّ ذلك يرجع جزئيًا أيضًا إلى التفكير الاستراتيجي، على غرار سباق الفضاء في الستينيات. فالفضاء مجال مهم جدًّا، وليس مجرد مجال سلعي، بل أحد الأصول الاستراتيجية. عندما يتعلق الأمر بالشركات الخاصة لا يرتبط الفضاء بمجرد كونه مجالًا للعلم وحسب، بل هو مكون أساسي مهم جدًّا. تتأثر حياتنا اليومية بالفضاء، سواء أكان ذلك في الملاحة أو الاتصالات أو في قضايا حالات الطقس أو تغير المناخ.

كثير من العمليات التجارية عبر الإنترنت تعبر في الفضاء، والتقنيات الكمومية تزداد أهمية يومًا بعد يوم، ومن الواضح أنَّ ثمة أيضًا اهتمامًا قويًا جدًّا بكسب المال من خلال هذا المجال، لذلك عندما نقول: ""إنَّ الشركات الخاصة تحاول الدخول في سباق الفضاء، فدافعها ليس المتعة وحسب، بل تريد حقًّا إنشاء أعمال كبيرة هناك"". أعتقد أنَّ هذا أمر جيد على المدى الطويل؛ لأنه ما إن يرى الناس أنهم قادرون على كسب المال تبدأ المنافسة، وتتحسن الأمور، وتصبح الأشياء أرخص ثمنًا. كما أنَّ المساعي للاستفادة من الفضاء تتنامى؛ فها هو إيلون ماسك، وكذلك جيف بيزوس، يسعيان إلى إطلاق السياحة الفضائية والرحلات إلى القمر أو المريخ، وما إلى ذلك.

ومع ذلك أرى أنَّ السياحة إلى الفضاء لا تزال خطوة سابقة لأوانها؛ فإني لا أعتقد أنك ستكون قادرًا على جني أموال طائلة من السياحة الفضائية حتى الآن، ولكن لا يمكن أن ننكر أنه قبل مئة عام كان الأمر نفسه ينطبق على الطائرات، لذا في مرحلة ما سيكون هناك سياحة إلى الفضاء. ما يقلقنا قليلًا هو وجود المنظومات الفضائية الكبيرة وما إلى ذلك، حيث يصبح الفضاء مزدحمًا  جدًّا. ومن ثم بات هذا يشكل خطرًا؛ لأن الناس يخلفون خردة فضائية، وكلما ازدادت كميتها ازدادت خطورة تحليق مركبات فضائية جديدة.

يشعر علماء الفلك بالقلق قليلًا إزاء تأثيرات المنظومات الكبيرة من المركبات الفضائية في السماء، لكني أعتقد أنَّ هذا الأمر يمكن إدارته، بيد أنه يتطلب تشريعًا قانونيًّا فضائيًّا جديدًا وإبرام اتفاقيات دولية حول كيفية التعامل مع قضايا الفضاء. أرغب أن أقول: ""إنَّ المنافسة مثمرة، وهذا شيء جيد؛ نطلق على هذا التشارك أحيانًا اسم «التعاونافسة»؛ لأنه يقع في مكان ما بين التعاون والمنافسة. عند النظر إلى الشركات الخاصة الكبيرة؛ فإنها لا تزال تعمل  اليوم مع وكالة ناسا وكذلك وكالة الفضاء الأوروبية من أجل مناقشة التعاون مع  كثير من الشركات الخاصة الأخرى.

لقد تحدثت سابقًا عن سياحة الفضاء التي يبدو أنها محل تركيز من بعضهذه الوكالات، بينما هناك موضوع يتداول أيضًا، ويتعلق باستعمار الفضاء. ليس من أجل السياحة وحسب، بل للانتقال إلى العيش هناك  حقًّا، سواء أكان ذلك على المريخ أم على القمر؛ إذ من المعروف أنَّ ثمة مساعي لتحقيق أسس العيش المستدام، وليس مجرد إطلاق رحلات سياحية. وكما هو معلوم، فالكثير من المشاكل تعترض الوجود في الفضاء: مشاكل نفسية وقضايا فيزيولوجية. في الواقع ليس من السهل أن يحافظ المرء على اتزانه العقلي والجسدي في عالم آخر، ولكن ربما تكون المشكلة الأكبر تكمن في أنه أينما ذهبنا، فإننا نأخذ معنا ذواتنا. ما مدى احتمالية إعادة تكرار المشكلات عينها التي نواجهها هنا على الأرض؟

لأجل التمكُّن من حصر الإجابة، سأفكك هذا السؤال. أعتقد أنَّ العيش في الفضاء يُعد أولًا مسألة خطيرة؛ فعندما جرت رحلات أبولو شعر الجميع بالحماس والسعادة؛ لأنَّ رواد الفضاء كانوا متجهين إلى القمر، ولم يدرك أحد أنَّ الإشعاع الصادر من الشمس تحديدًا، وكذلك من الفضاء الخارجي، قد يمثل حقًّا خطرًا كبيرًا على الإنسان. لسبب ما كان رواد فضاء رحلة أبولو محظوظين  جدًّا؛ لأنه لم تكن هناك عاصفة مغناطيسية واحدة أو ثوران بركان شمسي في أثناء مهمتهم؛ إذ يكفي أن يكون حظك عاثرًا، وتتعرض لإحدى هذه العواصف الشمسية حتى تصاب بمرض شديد أو ربما تموت. أصبحت مشكلة السلامة من الإشعاعات خلال الرحلات الفضائية قضيةً أكبر  جدًّا مما يدركه الناس. الآن عندما تريد أن تسافر لمسافات طويلة -إلى المريخ مثلًا، أو إذا كنت ترغب في البقاء على القمر لمدة طويلة- فيجب أن يكون لديك ملاجئ، سواء في المركبة الفضائية أو على سطح القمر أو المريخ. 

في الحياة الطبيعية أو على كوكب الأرض، يفكر الناس -على سبيل المثال- في الاحتماء في الكهوف أو في ملاذ تحت الأرض؛ لأنَّ الإشعاع يمكن أن يكون مضرًّا جدًّا، لكن عندما تكون في الفضاء -على متن الصواريخ أو في المركبات الفضائية- فعليك أن توفر ملاذات آمنة؛ حيث يمكن للناس أن يختبئوا في حال حدوث عاصفة كبيرة أو صغيرة، ومن ثم، فلن يكون العيش في الفضاء ممتعًا كما نعتقد.

وهذا أيضًا ما يجعلني أعترف أنَّ السياحة الفضائية لا يزال أمامها طريق طويل؛ لتقطعه، فإذا كنت تنوي حقًّا إنشاء بؤر استيطانية على أي جسم في النظام الشمسي، فعليك حمل كثير من الدروع معك، أو سيتعين عليك الحفر بعمق في الأرض حتى يكون المسكن آمنًا. لدي شعور بأن هذه ليست الجنة التي يبحث عنها الناس حقًّا؛ فسيكون الأمر مشابهًا لاستحداث بؤرة استيطانية في القطب الجنوبي مثلًا، وهو ما يمكننا فعله الآن، وهذا ما نفعله في الحقيقة.

وقد اعتاد هؤلاء الناس على البقاء معًا في أماكن ضيقة جدًّا لمدة نصف عام أو عام، ولكن أظنَّ أن هذا الأمر لن يجذب السائحين أو الأشخاص الذين يبحثون عن متعة مختلفة؛ حتى نتمكن من الانتقال تمامًا إلى كوكب آخر مناسب، سيستغرق ذلك ربما خمسمئة أو ألف عام، ولكن إلى ذلك الحين أرى أنَّ السفر إلى الفضاء سيظل مقصورًا بشكل أساسي على عدد قليل من الأشخاص، وسيبقى مخصصًا للرحلات الاستكشافية أو للبحث عن أشياء محددة ودقيقة  جدًّا.

يشبه هذا الأمر -إلى حد ما- تدريب قائدي الطائرات المقاتلة. أنت بحاجة إلى مهارات خاصة جدًّا، فضلًا عن تدريب نفسي دقيق  جدًّا؛ إذ يخضع القادة عمومًا إلى تدريب حول كيفية التعامل مع أقرانهم في أماكن ضيقة جدًّا، وما إلى ذلك. صدقني، إنها لن تكون رحلة ممتعة.

لا أستطيع أن أتخيل أنَّ العيش في الفضاء سهل، ولكن بما أنه من الصعب جدًّا-في ظل الظروف الحالية- الازدهار في الفضاء الخارجي، ألا يجدر بنا البدء في التعامل مع بعض المشكلات التي نواجهها على الأرض؟

نعم  صحيح. يقول بعض الناس: «لماذا نتعمق في الفضاء في حين ثمة كم هائل من المشكلات هنا على الأرض؟». في رأيي، هذا ليس هو المنظور الحقيقي الذي يجدر اتباعه؛ لأنَّ استكشاف الفضاء أمر مهم جدًّا للأرض.  فمثلًا: جاء علم تغيُّر المناخ كله من مراقبة النجوم واستطلاع كوكب الزهرة وأشياء أخرى من هذا القبيل، كما أنَّ جزءًا كبيرًا من التطور التكنولوجي الذي كان  هامًّا للحفاظ على مجتمعنا، حصل بالتعمق في الفضاء، وخذ مثلًا الأرصاد الجوية أو علوم الاتصال أو الملاحة، فكلها انبثقت في الأصل من البحث الأساسي في الأشياء الممتعة في الفضاء أو تلك الجوانب الأخرى التي ليست على القدر نفسه من الأهمية.

أعتقد أنه يجب أن نتعايش مع كلا الواقعين، لكن علينا أن نوجه كل معرفتنا وانتباهنا إلى حقيقة أساسية، ألا وهي عدم تدمير كوكبنا. أرى أنَّ المسألة الأخيرة أكثر قيمة جدًّا من البحث عن مكان آخر للعيش.

أي اتجاه من اتجاهات الاستكشاف تعتقد أننا سنتعلم أكثر من خلاله عن أنفسنا وموقعنا من هذا الكون؟

أعتقد أنَّ الاستكشاف الروبوتي في النظام الشمسي سيكون مفيدًا جدًّا لمعرفة ما إذا كانت ثمة حياة أو شكل من أشكال سابقة للحياة مما يحملنا إلى معرفة كيف تشكلت الحياة على الأرض، وربما استنباط الحلول التي بإمكاننا تبنيها من أجل الحفاظ على الحياة هنا.

أرى أيضًا أنَّ الاستشعار عن بعد والاستكشاف التلسكوبي سيظلان مهمَّيْنِ جدًّا في هذا المجال. من ناحية أخرى أعتقد أنَّ رحلات الاستكشاف البشرية مهمة جدًّا أيضًا؛ ليس لتجهيز أنفسنا للعيش في الفضاء وحسب، بل لأنَّ كثيرًا من الأشياء التي يرغب المرء في القيام بها واستكشافها شخصيًّا في الفضاء لن يتمكن من القيام بها على الأرض.  فمثلًا: يمكنك إجراء بحث طبي أو تطوير دواء جديد.  اليوم ثمة دواء مرتبط بكوفيد-19 يطير على متن محطة الفضاء الدولية. أعتقد أنَّ رحلات الاستكشاف البشرية ستحافظ على مكانتها في المستقبل؛ فهذا النوع من الاستكشاف يُعد تحديًا كبيرًا حقًّا ومتعةً للمستكشفين، لكنني أظنُّ أنَّ الاستكشاف الروبوتي وكذلك الفيزياء الفلكية وعلم الكونيات ستصبح العلوم الأهم في العقود القادمة.

على المستوى الشخصي وعلى مدى العقود التي كنت تحدق فيها في الكون مراقبًا النجوم، ألم يكن لعملك هذا تأثيرٌ في شخصيتك الآن؟ ألم يغيرك على مدار السنين؟ ما الذي تعلمته عن نفسك خلال هذه السنوات الطويلة من التحديق في الكون؟

لقد تعلمت عن نفسي وبيئتي؛ إذ إنه حين تنظر إلى الأشياء من منظور مختلف، تصبح المشكلات اليومية أقل أهمية. لذلك، قد تعني لك كثيرًا مسألة ما إذا كنت مدينًا للمصرف بأموال أو لا، بيد أنَّ الكون لا يهتم بتلك المسألة؛ ومن ثم فعلينا أن ننظر إلى بعض القرارات والأمور التي نقوم بها نظرة ثاقبة، أي: بصورة كلية. وبمجرد أن تتبنى هذا المنظور الكلي، فإنَّ الكثير من التفاصيل الجوهرية حتى الحروب على الأرض- تصبح أقل أهمية. أرى أنَّ ثمة إمكانات للتعاون بين الدول التي تتقاتل وتتناحر؛ إذ إنَّ هذا التعاون مهم على المستوى العام، وكذلك على الصعيد السياسي.

مثلًا: في الحرب الباردة عملنا نحن –الألمان- مع الروس، وكذلك فعلت الولايات المتحدة. أظنُّ أنَّ هذه التفاعلات البشرية بين الأشخاص الذين يعيشون في أنظمة مختلفة عن بعضها في نهاية المطاف، مهمة  لتحقيق التعايش السلمي، وربما كانت سببًا في سقوط الستار الحديدي دون أي تحركات عسكرية. ولذا أرى أنَّ استشعار الأرض عن بعد، والنظر إلى أحوالنا من مسافة بعيدة هو أمر سهل نسبيًّا لرواد الفضاء وعلماء الكون، وليس من الصعب على سائر البشر تعلُّم ذلك تدريجيًّا.

 

مقالات ذات صلة