باتريك ستوكس.
ترجمة: نورة آل طالب.
أنت في عام 1996م أو نحوه تجلس على مكتبك وتفتح حاسوبك المكتبي غير العملي، وبعد أن يبدأ أخيرًا في التشغيل، تنقر على أيقونةٍ ما، وتترقب سماع الأصوات – أصوات آلية غريبة ومضحكة؛ صوت الضغط على الأرقام لطلب الاتصال، يعقبه طنين وأزيز وهسهسة، ثم تصدر بعض الأصوات الكرتونية المجلجلة، يليها هسهسة أكثر، ثم يصمت الخادم الذي يعمل بسرعة 65 كيلو بايت مرةً أخرى، وتجد نفسك في عالم آخر.
قد يكون جسدك قابعًا على كرسي بشكلٍ أخرق، لكنَّ عقلك الآن في مكان مختلف تمامًا، أو على الأقل هكذا رُوِّج لنا. كانت صورة«الفضاء السيبراني» كبُعدٍ منفصل يمكننا الدخول والتواجد فيه كما نريد، عابرين الحدود بين الواقع واللاواقع عبر حواسيبنا، استعارةً مجازيةً سائدة منذ البداية. وترسَّخت سريعًا فكرة الحياة السرية غير المرئية القائمة في مكان إلكتروني آخر، نظرًا لغرابتها وجاذبيتها في آنٍ واحد، ترسخَّا امتد طويلًا أكثر من أي تصوير مجازي سابق عن الإنترنت، مثل: «الطريق السريع للمعلومات» أو «الشبكة العنكبوتية العالمية».
يمكنك، في تلك البقعة الأخرى، أن تكون أي شخص تريده، أو أن تفعل أمورًا لم تكن لتفعلها في العالم الواقعي، أو أن تكوِّن صداقات مع أشخاص غير ماديين كذلك، مُتحرِّرًا من حدود الجغرافيا.
لقد أرست الصور الخيالية للعوالم القائمة على الحاسوب الأساس لهذا المنظور المرتبط بالمكان الذي ينقلنا إليه الإنترنت. وبالرغم من أنَّ مصطلح «الفضاء السيبراني» صِيغَ في الستينيات، إلا أنَّ معناه الحديث يعود إلى رواية ويليام جيبسون (Neuromancer)، المنشورة عام 1984م؛ ففي تلك الرواية وُصِف الفضاء السيبراني بأنه واقع افتراضي و«هلوسة توافقية». قد يبدو فضاء جيبسون السيبراني الغامر مجازًا مبالغًا فيه يصف تفقُّد البريد وتصفُّح مراجعات المنتجات، غير أنَّ بعض بيئات الإنترنت قد حاولت حقًا أن تُجسِّد تعبير «الفضاء» المجازي.
اشترك ملايين الأشخاص في ""عالم الحياة الثانية (Second Life) الافتراضي""، ففي أوائل العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، حيث كانوا يتفاعلون فيما بينهم، ويعملون، ويلعبون، ويكسبون المال، ويدرِّسون، ويلبسون، ويتحابُّون، وينفصلون، ويطيرون كمكافأة إضافية (لا يزال عالم الحياة الثانية موجودًا حتى اليوم، ولكنه بات مهجورًا مقارنةً بأوج مجده). وعلى عكس ألعاب الفيديو لم يكن للعبة الحياة الثانية أي أهداف أو مهمات محددة مسبقًا، بل كانت عبارة عن تجربة غير مقيدة، وهو ما يجعلها أشبه بحياتنا الأولى إن صح القول.
يُشير اسم «الحياة الثانية» إلى الانفصال، كما لو كانت الحيوات قائمة بذاتها، أشياء معدودة يمكن لكل فردٍ منا أن يأخذ منها ما يريد، إن أراد. وهكذا، كان وعدُ الحياة الثانية منوطًا دائمًا بالانفصال عن الحياة «الواقعية» بقدر ما كان منوطًا بالتواصل مع أناس آخرين.
يسهل، رغم ذلك، كما ناقش علماء اجتماع أمثال: مارغريت جيبسون، وكلاريسا كاردن، وفلاسفة، مثل: ماريا شخيتمان، اختراق الحدود بين الحياتين الأولى والثانية أكثر مما قد نظن؛ حيث تؤثر الحياتان الأولى والثانية في بعضهما البعض بطرقٍ تتراوح من التأثير البسيط (حين لا تستجيب الصورة الرمزية حينما يُعدّ صاحبها القهوة أو يذهب للإجابة عن طارق الباب) إلى التأثير الكارثي (عندما تُسفِر العلاقات الغرامية في الحياة الثانية الافتراضية عن حالات الطلاق في الحياة الواقعية).
حتى إنَّ أناسًا أصبحوا أثرياء بالعملة الحقيقية من خلال تجارتهم في العالم الافتراضي.
إذا كانت الحدود بين الواقعي والافتراضي غير منيعة حتى في تلك العوالم الرقمية، فإنها الآن أكثر قابلية للنفاذ عندما نتأمَّل في الإنترنت كما نعايشه اليوم. لقد كان من السهل النظر إلى الفضاء السيبراني في التسعينيات على أنه مكان مُغاير لمجرد أنه كان يتوجب علينا الانتقال جسديًّا للبوابة التي تنقلنا إلى هناك (الحاسوب المكتبي)، حتى لو كان ذلك «الانتقال» على بعد بضعة أقدام عبر غرفة المعيشة.
كان الفضاء الرقمي مكانًا نذهب إليه، بيد أنَّ الفارق بين الاتصال بالإنترنت (online) والانفصال عنه (offline) بدأ يتلاشى، كما زعم الفلاسفة مؤخرًا كالبروفيسور لوتشيانو فلوريدي؛ فالإنترنت لم يعد مكانًا ننتقل إليه، بل هو شيء نحمله معنا، ونستعين به أينما حللنا، نجده في جيوبنا، وعلى معاصمنا، وجزءًا لا يتجزأ من أحاديثنا المباشرة. وقد صاغ فلوريدي وزملاؤه اسمًا لهذا النموذج الجديد وهو «حياة الإنترنت» (onlife).
إنَّ إعادة النظر في الأمور شيء مثير، ومن السهل الخلوص إلى أنَّ الفضاء السيبراني لم يكن منفصلًا أصلًا في الواقع؛ إذ إننا لم نترك العالم المادي قط، ولم تكن العوالم الافتراضية على الشاشات لدينا أقل جمودًا من المعدات الحاسوبية الثقيلة التي كنا نستخدمها للدخول فيها. كان ينبغي أن نستشف من كل تلك الأصوات المجلجلة أنه لم يكن ثمة سحر خلف الستار، إنما هي آلات مادية بالكامل، ولكنها في غاية الذكاء.
هذا صحيح تمامًا من ناحية مهمة للغاية، غير أنَّ عصر حياة الإنترنت لن يتيح لنا اللجوء للثنائيات البسيطة: التي تتمثل في الواقعي مقابل غير الواقعي، والمادي مقابل غير المادي، وما إلى ذلك؛ بل إنه يدفعنا للشك في قدرتنا على الإجابة عن أسئلة جوهرية كسؤال: أين نحن؟
انسحب، في عام 2020م، عددٌ كبير من العاملين إلى منازلهم مع انتشار جائحة كوفيد-19 عبر الكوكب، وانهارت فجأة وتيرة الزمان والمكان، وإن كاد ذلك ينحصر أثره على فئة كبيرة من موظفي المكاتب، حتى إنَّ التعبير الفرنسي القديم عن الاستياء من العمل الروتيني «مترو، وعمل، ونوم» (Métro, boulot, dodo) لم يعُد مُتداولًا؛ لأنَّ العمل والفراغ، والنوم والاستيقاظ، والدراسة واللعب كلها صارت بين الجدران الأربعة ذاتها. ولم يكن هذا التطور جديدًا تمامًا؛ حيث إنَّ العمل من المنزل كان شائعًا على نحوٍ متزايد قبل كوفيد-19، ولكنَّ الفيروس سرَّع فجأةً وبشدة من وتيرة هذا التوجه.
وحدث مع هذا التسارع تجديد في علاقتنا مع المكان؛ إذ أصبحت «الاجتماعات» تُعقد بحكم العادة افتراضيًّا بالكامل. ومثلما نجد أنفسنا ننغمس «داخل» تلك الاجتماعات وخارجها، قد يبدو من الطبيعي أن نتخيل الاجتماع ذاته مكانًا نذهب إليه كما في غرفة الاجتماعات الثلاثية الأبعاد الموجودة في مقار العمل اليومي. بيد أن هذه ستكون طريقة تفكير سيبراني قديمة.
أولاً، النظر إلى الاجتماع الافتراضي على أنه حيِّز منفصل، يغفلُ عن كيفية توفير المساحات التي تتواجد فيها أجسامنا في ذلك الاجتماع؛ فمع تحول أماكن العمل والمدارس والجامعات بالكامل إلى الوجود عن بعد والتعلُّم عبر الإنترنت، وجدنا أنفسنا - على مضض في الأغلب - نطلع أناسًا آخرين على منازلنا، ونطَّلعُ أيضًا على منازلهم.
تخيل فضاءً دائريًّا تحيطه جدران دائرية، وفي تلك الجدران عدد من الأبواب المفتوحة، كل باب منها يقود إلى غرفة في الجانب الآخر، وكلنا نقف في مداخلنا الخاصة، وفي غرفنا في آنٍ، ونشغل حيِّز الرؤية المتبادلة الدائري المشترك هذا. ومن حين لآخر سوف يُلقي أحدهم في الفراغ صورةً أو نصًّا ما، ندركه جميعًا بأعيننا، لكن لا ندركه فيزيائيًّا، ويبقى الفراغ في حدِّ ذاته كذلك؛ بلا خواص أو محتوى يخصه.
هذا اجتماع مرئي؛ فلا عجب أن نشعر جميعًا بالتعب.
هذه العلاقة الجديدة بالمكان تجلب معها إمكانات وفرص جديدة للضرر؛ فأثناء الجائحة تعرَّض كاتب في مجلة ذا نيويوركر للطرد على إثر تصرُّف بذيء بدر منه خلال أحد الاجتماعات الافتراضية للشركة، وقد أشار بعض من دافع عنه صراحةً إلى مكانه، حيث قالوا: ""لقد كان في منزله -على كل حال- لا في مقر عمله؛ وقد كان بمفرده لا مع زملائه"". واتخذ آخرون موقفًا مُعاكسًا تمامًا يُبرِّر قرار فصله: ""بل كان في العمل، وفي حضرة زملائه"". مَن الصائب فيهم؟ الجواب عن هذا السؤال مربك؛ فكلا الفريقين محق؛ لقد كان في العمل حقًّا، ولكنه كان أيضًا في المنزل، وكان بمفرده ، وفي رفقة (مهنية) في ذات الوقت. إنَّ الوجود عن بُعد يُبدد الحيِّز والمكان بطرق ينبغي لنا التعامل معها تعاملًا جادًّا، إن أردنا التصدي لتحدياته الأخلاقية.
إنَّ التغيير الذي طرأ على تجربتنا مع المكان له منافعه أيضًا، من ناحية أخرى؛ ففي الوقت الذي كان فيه الناس مضطرين للابتعاد من أجل الآخرين، سهَّلت تلك التقنيات علينا التواجد في حياة الآخرين. كان الاتصال الإلكتروني - وما زال- يُغير علاقتنا بالمكان والزمان منذ أن أرسل صمويل مورس عبارته «ما فعل الله؟» (What hath God wrough?) في عام 1844 ليفتتح خط التيليغراف بين بالتيمور وواشنطن. لم ننته من هذه التغييرات بعد، وما زلنا نتعلم كيف نتعايش مع هِبة مورس ولعنته: الوجود في مكانين في آنٍ واحد.
