بقلم: ميشا شيري.
إحدى التجارب الفكرية الأكثر شيوعًا التي تُستخدَم عند مناقشة مسألة الهوية الشخصية هي «سفينة ثيسيوس»، وهي مفارقة قدمها الفيلسوف والمؤرخ بلوتارخ الذي عاش في القرن الأول الميلادي، وتحكي عن سفينة حققت نجاحات كبيرة في المعركة حتى إنَّ الأثينيين احتفظوا بها كنصب تذكاري. وبمرور السنين، كانت الأجزاء الخشبية للسفينة تتعفن فيستبدلها الأثينيون، وبعد قرن من الزمان حلَّت الأجزاء الجديدة محل جميع أجزاء السفينة،. تثير التجربة السؤال التالي: هل تزال السفينة «المُرمَّمة» هي السفينة الأصلية نفسها؟
ظهرت صيغ مُعدَّلة من هذه التجربة الفكرية بمرور السنين، ففي القرن السابع عشر طرح الفيلسوف توماس هوبز السؤال بالصيغة التالية: إذا استُخدِمت القطع القديمة المُبدَّلة من السفينة لبناء سفينة أخرى، فهل ستكون السفينة التي تم بناؤها من الأجزاء الأصلية هي السفينة الأصلية أم سفينة جديدة؟ كلتا صيغتي السؤال ميتافيزيقية تبحثا فيما إذا كان الشخص يملك هوية بمرور الوقت أم لا، بل وتسألان تحديدًا عن الكيفية التي يمكن بها لأي شيء أن يستمر عبر الزمن. وعلى الرغم من أنَّ الكثيرين لا يزالون يتناولون هذين السؤالين، إلا أنني أود أن أقدم صيغة معدلة للسؤال تُناسب القرن العشرين – وهي صيغة تنتقل من المجال الميتافيزيقي إلى المجال الاجتماعي والسياسي. تنبيه بورود تفاصيل: تتعلق صيغتي بالآثينيين أكثر من السفينة نفسها.
هل غيرت السفينة هوية الأثينيين؟ فإذا كان الأثينيون قد أقاموا نصبًا تذكاريًا للسفينة، فمن الواضح إذن أنهم كانوا يقدِّرون أعمال بحارة السفينة، ويفخرون بما تمكنوا من تحقيقه. لكن على المرء أن يتساءل عما إذا كان الأثينيون يعتقدون أيضًا أنهم «كانوا» ناجحين بقدر نجاح البحارة. وإذا كانوا يعتقدون ذلك، فما الأساس الذي يقوم عليه هذا الاعتقاد؟ وهل تُمثل الانتصارات التي حققتها السفينة انتصارات للأثينيين؟ بعبارة أخرى، ما الذي قاله النصر عن هويتهم كأفراد أثينيين؟ والأكثر من هذا: هل أولئك الذين يقيمون في أثينا اليوم هم الأثينيين أنفسهم الذين فازوا في المعركة ؟
يجب أن أعترف أنَّ صيغتي المعدَّلة تهتم أكثر بأسئلة عن هوية المواطن بشكل عام، التي تعتبر الأسئلة التاريخية عن هوية الأثينيين مجرد أمثلة لها، لكنَّ هذه الأسئلة أبعد ما تكون عن الفضول الفكري المجرد؛ فهي أسئلة ذات أهمية في اللحظة الحاضرةالتي تشهد تزايدًا في اعتناق الهويات القومية، وحفظ الأساطير القومية، وإنكار الوقائع التي تتعارض مع تلك الأساطير ومحاربتها، وانتشار المخاوف بشأن ما تكشفه تلك الوقائع عن المواطنين الأفراد؛ بينما تظل الإجابات على ما يجب ""علينا"" فعله حيال ذلك كله في تغير مستمر. وتوضح الأحداث التي وقعت مؤخرًا في أمريكا الشمالية هذه الجوانب.
ففي الولايات المتحدة مثلًا كانت هناك نقاشات محتدمة حول الماضي العرقي للولايات المتحدة وكيفية تدريسه وتحليله؛ فمن ناحية: كتب صحفيون عن العنصرية المنهجية التي تحدث في قطاع الرعاية الصحية ونظام العدالة الجنائية، وابتكر بعضهم مبادرات تعيننا على رؤية الحاضر من خلال تحليل الماضي ملتمسين في ذلك عمل المؤرخين للمساعدة في هذا المسعى. أحد أكثر تلك المشاريع شعبية هو «مشروع 1619»[1] الذي قادته «نيكول هانا جونز» الصحفية في صحيفة نيويورك تايمز. ومن ناحية أخرى هناك من يعترض على فكرة أن تكون أمريكا بلدًا عنصريًّا، وقد أطلقوا مبادرات لحظر التدريب على مناهضة العنصرية ومنع تدريس تاريخ العبودية وقوانين «جيم كرو» في المدارس العامة. وكان من أهم المبادرات بعيدة الأثر، - ولو على المستوى الفيدرالي فحسب- الأمر التنفيذي الذي أصدره الرئيس السابق ترامب عام 2020م الذي حظر فيه التدريبات على التنوع والدمج على المستوى الفيدرالي بهدف «مكافحة التنميط النوعي والعرقي المسيء والمعادي لأمريكا». ويرى الكثيرون أنَّ هذا الحظر كان حظرًا لأي شيء يعترف بماضي أمريكا العنصري.
الصفحة 86:"" لسنا أسلافنا، لكن يمكننا التَعَلّمْ من أخطائهم وَ لْنَقْتَدِ بفضائلهم"".
على أي حال، هذه ليست مجرد نقاشات حول ماضي أمريكا، حيث يكمن في قلبها أسئلة حول الهوية، ومن بين المجموعة المتنوعة من صيغ الأسئلة التي جاءت مع القرن الحادي والعشرين: هل الذين يقيمون في أمريكا اليوم هم الأمريكيين الذين استعبدوا الأفارقة وصوتوا لصالح سن «قوانين جيم كرو» أنفسهم؟ وهل يعكس نظام العبيد السابق في البلاد أي شيء حول هوية الأمريكيين وما يفعلونه اليوم؟ وما معنى الاعتراف بأنَّ الدولة التي تحبها تواصل الانخراط في ممارسات عنصرية؟ وما الذي يخبرنا به هذا عنك كفرد؟ غالبًا ما يؤدي تبني «الهويات المثالية» ببعض المواطنين إلى الإجابة عن هذه الأسئلة إيجابيًّا، وهو ما يحدث غالبًا على حساب الحقيقة وفرص التحسين.
عندما عُثِر على رفات أكثر من 200 طفل من السكان الأصليين في «مدرسة كاملوبس الداخلية الهندية» السابقة في مقاطعة كولومبيا البريطانية بكندا، تحدث جيانغ دوان -وهو مسؤول كبير في بعثة الصين لدى الأمم المتحدة في جنيف- وقال في بيان تلاه في مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة: «إننا نشعر بقلق بالغ إزاء الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان ضد السكان الأصليين في كندا، فإن عدنا للتاريخ فسنجد أنَّ كندا سلبت السكان الأصليين أراضيهم، وقتلتهم، وقضت على ثقافتهم.» وَرَدَّتْ كندا على هذا بإجابة رئيس الوزراء جاستن ترودو التي قال فيها: «في كندا، كان لدينا لجنة للحقيقة والمصالحة، فأين لجنة الحقيقة والمصالحة الصينية؟ وأين الحقيقة في الصين؟» لكنّ هذا لم يكن مجرد نقاش حول حقوق الإنسان، فقد كان يتعلق أيضًا بالهوية. ماذا كانت هوية كندا الحقيقية؟ هذا هو السؤال الذي سعت الصين للإجابة عنه. وماذا كانت هوية الصين الحقيقية؟ هذا هو السؤال الذي كانت كندا تأمل في الإجابة عنه. وكيف يمكن لتاريخ أي من البلدين واستعدادهما للاعتراف به أو عدم استعدادهما لذلك أن يجعل هوية إحداهما مختلفة عن هوية خصيمتها؟
يبرع الفلاسفة في طرح الأسئلة، بينما تكون إجاباتنا على تلك الأسئلة أقل إثارة للإعجاب، لكني أعتقد أنه يمكن القيام بأفضل محاولة للرد على هذه الأسئلة من خلال عرض بعض الحقائق الأساسية.
سجلات التاريخ موجودة، فهي لحظات من الزمن لا يمكن محوها، ومن ثَمَّ لا ينبغي إنكارها، بل يجب الاعتراف بها ووضعها في الاعتبار، ويلزم أن تكون كذلك؛ لأنه يمكن إعادة اختراع الهويات التاريخية في الوقت الحاضر، ولهذا السبب علينا التعامل معها. وإن لم نتعامل معها على هذا النحو، فستستمر في الوجود، وستتكرر الأعمال التي تتولد عنها، لكنَّ الخبر السار هو أنه يمكن إنشاء هويات جديدة أفضل من الهويات السابقة عبر صنع القيمة واتخاذ الإجراءات.
أيًا كانت الدولة أو المقاطعة أو الولاية التي تقيم فيها، يمكنك أنت ورفاقك تحديد الهوية التي ترغبون في المضي قدمًا بها؛ فالانتصارات القومية القديمة لا تكفي لتعريف هويتك؛ فنحن لسنا أسلافنا، لكن يمكننا التعلم من أخطائهم والاقتداء بفضائلهم؛ لنكون أفضل منهم. والمعارك اللفظية حول الحكومة الأسوأ والمواطنة الأدنى هي معارك لا تصنعها سياسة فاضلة، قد تكون أجزاء من تاريخنا القومي فاسدة، ولكن على الرغم من أنه لا يمكن استبدالها يظل بالإمكان دائمًا استبدال القيم والأفعال التي أدت إلى تلك المفاسد.
بدلًا من إحياء ذكرى السفن الخشبية، يمكننا أن نكون نُصُبًا تذكارية تمشي على الأرض، وذلك بأن نعترف بالماضي، ونتعلم منه، ونحسِّن الحاضر، ونتخذ هوية مختلفة لكن مُحسَّنة؛ فالأمر يعود لنا.
(3) وهو مشروع يهدف إلى إعادة صياغة تاريخ البلاد من خلال وضع العبودية وإسهامات الأمريكيين السود في قلب السردية الوطنية للولايات المتحدة.
