دي بي سي بيير.
ترجمة: نورة آل طالب.
أحضر د. فلاديمير يزدوفسكي في نهاية أكتوبر عام 1957م إلى منزله كلبةً هجينةً ضالَّة؛ لتلعب مع أبنائه. كانت كلبةً هادئة الطباع من سلالة مختلطة قد عُثر عليها في شوارع موسكو، وقد كُلِّف يزدوفسكي بإعدادها للعمل المتخصص مع كلبتين ضالتين أُخرتين. ويبدو أنَّ اختيار الكلاب الضالة كان لجلادتها وقدرتها على احتمال الظروف القاسية، وعلى الإناث منها خاصة؛ لأنها لا ترفع سيقانها للتبول كالذكور؛ فلا تسببب عبئًا في بيئة العمل. وقد قال يزدوفسكي بعدها عن قراره بإحضارها إلى المنزل: «أردتُ أن أفعل شيئًا لطيفًا للكلبة». كان اسمها «كودريفاكا»، ومعناه: الصغيرة ذات الشعر الأجعد، إلى أن ذهبت إلى برنامج إذاعي روسي، ونبحت فيه؛ بعد ذلك، صار الجميع يدعوها: «لايكا» أي: النبَّاحة. قيل: إنها كانت هادئة وجذَّابة.
انطلقت لايكا في يوم الأحد الثالث من نوفمبر عام 1957م على قمة صاروخ باليستي مُعدَّل نحو الفضاء، وقد أُرسلت وحدها مع إمدادات من الأكسجين والغذاء الهلامي تكفي سبعة أيام، وكانت قادرة على الجلوس والوقوف والاستلقاء، لكنها لم تكن قادرة على الدوران.
هناك تقارير تُفيد بأنَّ طبيبة خرقت الإجراءات المتبعة، وأطعمت الكلبة سرًّا قبل الإطلاق. لكن مع تلك الوجبة أو دونها، أصبحت لايكا -كلبة شوارع موسكو الضالة- أول مخلوق أرضي يصعد الفضاء. نبض قلب نوعان بيولوجيان، -أحدهما عاقل، والآخر غير عاقل- في الفضاء. تُظهر الصور وجود بعض السحب العالية فوق ألوان الشفق مع انطلاق الصاروخ إلى الظلام.
وقد أرسلنا السلاحف، والكلاب، والقردة، والذباب، والفئران، والأسماك، والبشر منذ ذلك الوقت إلى الفضاء لأجل الإجابة عن سؤال واحد: من نحن؟ قبل ذلك كنا نسبح، وننزلق، ونزحف، ونستلقي، ونجلس، ونمشي بطريقة أو بأخرى، منذ 800 مليون سنة تحت هذه السماء السوداء نفسها، ويبدو أنه كلما أطلنا النظر لأعلى، تضاءل يقيننا بماهية مكاننا وبمغزى وجودنا، بل أصبحنا الآن أقل يقينًا مما كنا عليه عندما كنا نرتعش في المستنقعات.
مُحفِّز الذكاء: كلما بحثنا ازداد علمنا؛ وكلما علِمنا انكشف لنا جهلنا، وربما نكون قد وجدنا في الفضاء خصمًا. كل ما يمكننا التصريح به -بعد 300 ألف سنة بصفتنا جنسًا بشريًّا عاقلًا- أنَّ في الفضاء بضعة أماكن يمكننا الوصول إليها، أما كل تلك الأماكن التي نراها فستقضي علينا إن ذهبنا إليها. لكني أقول: إننا حصلنا الآن على امتياز في تلمُّس علامة واضحة واحدة من الفضاء، أو مبدء إرشاديّ أو فكرة موحدة أو وسيلة أو أي شيء واقعي وعملي. ليس المزيد من الرياضيات النظرية، وإنما شيء يمكننا تطبيقه كأشخاص عند محاولة فهم ما يجري في الواقع. وما إرسال كلاب إلى الفضاء ولعب الجولف على سطح القمر، إلا محاولات للإشارة إلى أننا انتقلنا إلى خارج الكوكب.
ولكن ثمة تعقيدات تنشأ من القيام بما هو أكثر من ذلك، بل إنها تنشأ من طرح مزيد من التساؤلات، ناهيك عن إظهار بعض الأفكار الموحدة.
على سبيل المثال: تُظهر حساباتنا -بصفتنا مخلوقات علمية- أنَّ نسبة الجزء المرئي من الكون تبلغ خمسة بالمئة فقط، لكننا نعتقد أنَّ هذا الجزء يمكن أن يحتوي على حوالي تريليوني مجرة. ما فعلناه بعدئذ - بوصفنا مخلوقات اجتماعية طموحة - هو أن نبحث وندرس جزءًا منها سواء وحدنا أو في مجموعات صغيرة، إلى حدِّ ظهور بيانات صحفية عن الفضاء بعدد النجوم السابحة فيه. وقد أدى ذلك إلى أن يتحول حقل الفضاء من كونه مجالاً أسطوريًّا إلى كونه مجالاً مُذهلًا للعقل، مثل: جولة الملاهي؛ حيث نذهب للشعور بالرهبة، وحيث تكون العائدات موارد تمويلية للمالك. فمشكلتنا في السعي إلى فكرة موحدة تكمن في العبارات المجازية «مليارات ومليارات» أو «صخور وغازات» أو «أمواج وحُفر»، وهي -بلا شك- نواح قيمة من مسعى بالغ الإثارة، ولكنها ليست حقلًا غنيًّا للتدبُّر في الأفكار المحيرة.
ومع ذلك، فأنا ممتن لما لدينا؛ لأنه ثمّةَ تعقيد آخر يواجهه العلم كذلك، وهو أنَّ هذا الكون قد لا يكون واحدًا فقط؛ إذ يبدو أنَّ احتمالات كوننا جزءًا من أكوان متعددة قد زادت منذ رحيل لايكا إلى الفضاء. وإذا كان هذا هو الحال، فلا يوجد ما يشير إلى أنَّ الأكوان الأخرى ستشاركنا قوانيننا، وهذا يجعل كل أجزاء الوجود مجهولة لدينا -باستثناء جزء واحد متناهٍ الصغر- استنادًا إلى عدد الأكوان التي تصفها بعض النماذج بأنها ذات عدد لا متناهٍ، وهذا يعني أيضًا أنَّ على سؤالنا أن ينصب على مستوى وجودي واضح قبل مسائل الفيزياء كلها؛ ليكون ذا جدوى في نموذجَي الكون الواحد والأكوان المتعددة على حدٍّ سواء.
يجب أن يكون سؤالنا بهذه البساطة: «اخْتَزِلْ في اسم واحد أو صفة واحدة الطبيعة التي تصف وجودنا أفضل وصف». وإذا كان الجواب مثمرًا في الكون الواحد (universe) والكون المتعدد (multiverse) على حدٍّ سواء، فلربما نكون قد توصَّلنا لشيءٍ ما، وإن لم نصل إلى شيء، فعلى الأقل لم يتضرر أي كلب جرّاء استكشاف ذلك.
لكن ثمة تعقيد آخر: من وجهة نظر العصر الحالي، يجب أن يكون هناك احتمال أنَّ الفضاء كله - حتى القريب نسبيًّا - سيظل بعيدًا عن وصولنا المادي للأبد. تتفاوت الحسابات فيما يخص قُطر مجرتنا، ولكن يُعتقد بأننا نبعد عن المركز بحوالي 27 ألف سنة ضوئية، من بروكلين المورقة إلى وسط مدينة منهاتن. تساوي السنة الضوئية 9.46 تريليون كيلو مترًا، ويُمكن لأسرع مركبة فضائية حديثة - تسافر تقريبًا بسرعة 700,000 كيلو مترر في الساعة - أن تقطع سنة ضوئية فيما يزيد عن 1,500 سنة أرضية؛ فالرحلة من حيِّنا إلى مركز مجرتنا سوف تستغرق - حسب تقديري - أكثر من 42 مليون سنة. وعندما نحصل على مركبة فضائية تسافر بسرعة الضوء، يمكننا حينها تقليل هذه المدة إلى 27 ألف سنة.
نجد أنَّ هذه الأرقام نظرية من جهة أخرى؛ فالمشكلة الحقيقية المحيطة بهذا التعقيد هي أنَّ الفضاء –في المستقبل القريب- لا يمكن أن يتواجد سوى في أذهاننا، والأذهان تميل إلى صوغ الأمور بالصورة التي تريدها. فإن كنَّا ذات يوم نتبع العلامات الفلكية، فإننا الآن نتبع النظريات حتى الأفكار الأناوية (solipsistic) التي تشكك في وجود شيء خارج عقل الإنسان.
لاحظ كيف نعود إلى الأساطير مرة أخرى من خلال العلم، تمامًا مثلما ينحني الفضاء عبر الزمن. وتقبُّل الفجائية في الاكتشاف –أو التعطش له– يعني أنَّ سؤالنا نشأ بنطاق غير محدود للتفسيرات. وكل ذلك؛ لأننا قد لا نصل إلى الجواب مطلقًا. حتى آينشتاين كان يرى أنَّ الكون سوف يُخفي أسراره في طورٍ ما.
الفضاء: منبع قلق الإنسان وخوفه. قد يكون هذا هو التعقيد الحقيقي. إلى أي حد سيحمينا الخوض في المياه الضحلة للذهول، من الاكتشاف البيِّن الوحيد عن الفضاء: أننا وحيدون تمامًا؟ فقد يكون الذهول هو ما نحتمي به من قلق الاندثار البدائي الذي ينخر في أوصال الجسد. فمثلًا هذه القيمة التقديرية: يبلغ قطر الفضاء المرئي نحو 93 مليار سنة ضوئية، وأي ضوء ينبعث من الأجسام على بعد 20 مليار سنة ضوئية - بينما نقرأ الآن - لن يصلنا خلال عمر كوكبنا. ورغم أنها حقيقة مذهلة (ومفزعة حقًّا)، إلا أنها تعكس خواءً قاحلًا يناقض القهقهات ودخان الحطب والدموع المتناثرة.
تصف تقارير من مركز بايكونور الفضائي أحد أعضاء المشروع، وهو ينحني باكيًا لتقبيل أنف الكلبة لايكا قبل إغلاق الكوُّة صباح يوم رحيلها.
هذا أكثر دلالة على الضحك ودخان الحطب، وربما يكون هذا هو الجزء المفقود في علاقتنا بالفضاء، فمثل تلك الأفعال المدفوعة بالطبيعة البشرية التي نسميها «القلب» هي -إلى حدٍّ بعيد- أكثر حيوية وأكثر تعقيدًا من أي نشاط فيزيائي روتيني يُمكن ملاحظته. قد يكون الكون شاسعًا، ولكننا غير تقليديين بالكامل؛ فمع وجودنا في الفضاء الداخلي والخارجي، ربما تشكِّل عقولنا حدًّا بين الحالتين الداخلية والخارجية. إننا ننظر إلى الداخل والخارج بالحماسة نفسها، وحين ننظر إلى الخارج نواجه المسافات التي تُحذرنا من تفويت قدر كبير من الحياة في الداخل. أمَّا حين ننظر إلى الداخل، فإننا نواجه دوامة من القوى التي تجول في الظلام مثلما تطوف الأجسام بالتأكيد في الفضاء، والتي تدعونا إلى عدم تفويت الحياة في الأعلى وإلى استنشاق النسيم والنظر لأعلى.
ربما يكمُن جوابنا في الموطن الذي يتقاطع فيه محوريْ هاتين الحالتين. لقد رفعنا أبصارنا إلى السماء بما يكفي لندرك أننا نعجز عن الوجود هناك، باستثناء منطقة معتدلة (Goldilocks) في الفراغ وأخرى مُعايَرة بالتمام داخلها.
وينطبق الأمر نفسه لو كنَّا جزءًا من أكوان متعددة: كونٌ واحد من أكوانه -وربما الوحيد- هو هذا الكوكب العجيب المزود/ المُمدّ بوسائل الراحة المنزلية.
لم تدم لايكا -وهي أول كائن حيّ يذهب للفضاء- طويلًا في مهمتها. كان أوليغ غازينكو -أحد العلماء الرواد في المشروع- يراقب السماء، وقال بعد أربعين عامًا - وهو ينظر إلى الأسفل -: «كلما مرَّ الوقت، زاد أسفي عليها».
تظل الحياة - عند نقطة التقاء الداخل والخارج - في عالم أحداثه معلقة بخيط رفيع دائمًا؛ حيث الحياة – في حد ذاتها - غالبًا ما تكون مُعلَّقة بشعرة، ولأنَّ للصدفة دور لا يقل عن دور أي فعلٍ مقصود؛ يأتي من هنا جواب من شأنه أن يجعل أرقام المعادلات أصفارًا، وهو أننا محظوظون على نحو مستحيل، ولعل الحظ يتفوق على الذكاء في نهاية المطاف.
