أوليفر بيركمان.
لا أظنُّها مصادفة في هذه اللحظة من التاريخ؛ حيث يتعاظم عدم اليقين كل يوم تتزايد فيه شعبيةُ نشاط كان مهملًا قبل ذلك باعتباره مضجرًا: الترتيب. همت بالمبادرة ملكة التنظيم اليابانية ماري كوندو بإبرازها أهمية تحويل مساحتك الخاصة إلى مكان بهيج. ومن ثمَّ أضاف جوردان بيترسون لمحة جدية إلى الموضوع (وكثير من الخلاف)، بيد أنه ركز على نصيحة يتجلى بها أسلوب كوندو؛ إذ حثَّ القراء على ترتيب غرف نومهم، وذلك للمحافظة على بعض النظام في المكان من حولهم بدلًا من مطاردة أفكار «تغيير العالم» بلا طائل. ويقدم كتاب «رتب فراشك»، لمؤلفه المتقاعد من البحرية الأمريكية الأدميرال أتش ماكرافن الذي يحل الآن ضمن أفضل الكتب مبيعًا، حالة مماثلة تتمثل في الحفاظ على نظافة وترتيب ما حولك. فمن البدايات اليسيرة تنمو نتائج هائلة.
لا شك أنَّ الرغبة في فرض النظام على الحيز المادي مسلمة إنسانية ورغبة أولية تجلت في عدد من أساطير الخلق، وكانت بلا شك وقودًا لكل شيء بداية من الثورة الزراعية حتى الاستعمار والحرب. لكنَّ الحماسة الشعبية للتدبير المنزلي تحديدًا- تنحسر وتتدفق مع تغير الأزمن؛ حيث كان سمة محورية ضمن «ثقافة المرأة الحقيقية» في القرن التاسع عشر التي سعت إلى إبراز العناية بالمنزل؛ لكونها أسمى فضائل الأنثى (ومن ثم ساهمت بشكل غير مقصود في استهلال الحركة النسوية كرد فعل). في حين يظهر هوس الترتيب اليوم كَرَدِّ فعل تجاه الشعور المتفشي بالإجهاد وانعدام الأمان الذي بلغ أوجه بقدوم كوفيد-19.
شهدت السنة الماضية بروز «التنظيم في ظل الوباء» حتى إنَّ محافظ مدينة طوكيو جنَّد كوندو لتشجيع المواطنين على قضاء الوقت في الترتيب أثناء الحجر المنزلي. يتمثل التبرير الظاهري لتوجهات كهذه في كون حتمية قضاء كثير من الوقت في المنزل تحض على تجميله، لكن يتلخص الدافع العميق حتمًا بأنَّ ترتَّب الأشياء حولك -بينما تحس بالتخبط إزاء قوى التاريخ- يضفي إحساسًا بـ«فعالية الذات»، أي: الشعور بالقدرة على إضفاء تأثير ملموس على الأشياء، وهو ما يعد مطلبًا أساسيًّا للعافية.
تعد المنافع المتأصلة في الترتيب والنظافة راسخة في الدراسات والحكايات. تكتب غريتشين روبين في كتابها: «نظام خارجي، وسلام داخلي»: «عندما أكون محاطة بالفوضى، أشعر بالقلق والاضطراب. وعندما أقوم بترتيب الفوضى، أتفاجأ دائمًا بالطاقة المختلفة والبهجة التي أكتسبها.بالإضافة إلى أنه يمكنني إيجاد مفاتيحي». يظهر أنَّ إزالة الفوضى الخارجية تُبدِّد العوائق النفسية؛ تقتبس روبين صديقة أخبرتها: «قمت أخيرًا بتنظيف الثلاجة، وأدركت أنَّ بإمكاني تغيير وظيفتي». يطرح بيترسون، في كتابه الأفضل مبيعًا «اثنتا عشرة قاعدة للحياة»، سؤالًا يسيرًا خادعًا للخروج من الروتين: «هل هناك شيء في حالة فوضوية في حياتك تستطيع تقويمه وتنوي فعله؟». قد يكون أمرًا ماديًا. قم به، ثم أعده، وأعده تارة فأخرى... لا يهم؛ إن كانت المهام المتضمنَة ضئيلة بشكل محرج؛ إذ يفوق هذا الأسلوب في سبيل السيطرة على الحياة، أي خطط أعظم تبقى في طي الخيال. لكنَّ هذا المفهوم يحمل بعض الخطر أيضًا؛ حيث إنَّ الرغبة في مزيد من النظام قد تنقلب بسهولة شديدة إلى وهم كمالي بإمكان تحقيق نظام تام والإلمام بكل شيء والإحساس بالتحكم المطلق بالفوضى والحياة.
هذه الرغبة الإلهية في السيطرة المطلقة تقود بعض البشر -في اعتقادي- إلى أن يُصبحوا مستبدين، لكن ترتسم النتيجة الأعم في تحويلنا إلى منظمين مهووسين ومدمني ترتيب. تتلخص مشكلة التبسيط المفرط، وتركيز اهتمامنا على منزل منظم أو علبة ورد نظيفة أو جدول يومي مثالي، في أنها تُفضي إلى حلقة مفرغة، وتجعل العيوب تبدو مثيرة للسخط أكثر من ذي قبل. فإن كنت تسعى إلى منزل نظيف ومنظم للغاية، فإنَّ رؤية أتفه ذرة غبار أو عنصر ما في غير محله تعيق راحة بالك في حين لم تكن تلاحظ ذلك مسبقًا. يواجه منشدو الكمال إشكالات مشابهة في مجالات أخرى أيضًا، إذا نويت الركض كل يوم، فإنَّ ترك يومٍ واحدٍ قد يعطل خططك، بينما لو خططت بتقدير أقل ، فإنَّ اليوم العابر الذي فاتك لن يؤثر.
أستند في حديثي إلى خبرتي، أعني بصفتي مُنظمًا مهووسًا ومدمنَ ترتيبٍ متعافٍ ليس بصفتي دكتاتورًا مُستبدًا (وعلى الرغم: أني لا أطيق التنجيم بوصفي عذراء، إلا أننا البرج الوحيد الذي يُوصف بسمة جاذبة كالشجاعة أو التعاطف بل «النظافة والترتيب»). توصلت تدريجيًّا إلى استيعاب أنَّ تركيزي على النظام الخارجي يمثل حالة سماها سيغموند فرويد «التسامي»، وهي التعبير عن رغبة غير محببة بطريقة مقبولة اجتماعيًّا؛ إذ إنَّ الرغبة المعنية هنا تتجسد في الشعور بالسيطرة على الحياة ذاتها، وعدم القلق تجاه ما يخبئه المستقبل. وفي قرارة نفسي أحسب أن الرغبة التي تسيرنا جميعًا هي التوق إلى ألَّا نموت/ هي كراهية الموت/ الحرص على طول العمر.
ندرك جميعًا -على المُستوى الفكري- ألَّا مهرب من الموت؛ ولذا يُعقِّد المنظمون ومرتبو الفوضى مخاوفنا بشيء فريد ومثالي، إنما يمكن تحقيقه، مثل أسلوب تخزين منزلي مثالي، ورفوف كتب رائعة، ومطبخ تتباهى بمشاركته على مواقع التواصل الاجتماعي.
أن تصبح أبًا هو ترياق جيد لهذا الإجهاد -أو على الأقل هذا ما ساعدني- لقد شعرت سابقًا، حينما كنت أعزب، كما لو كنت دائمًا على شفير تحقيق أتم السيطرة على مُحيطي؛ لذا كان أي فشل في بلوغ ذلك مبعثًا للضيق.
إذا كان ثمة صلصال عالق بين كل شق في أرضية غرفة الجلوس، فستبدو المعركة خاسرة جليًّا، ويصبح صرف النظر أسهل جدًّا، وعندما يتعلق الأمر بالرغبة الملحة المريحة في تنظيم وترتيب الفوضى والتنظيف؛ فإنَّ «صرف النظر» قد يكون ما يحتاجه أغلبنا. ليس ثمة ضرر من بعض التنظيف أبدًا، وإذا كنت مكبلًا بمعنويات منخفضة؛ فإنَّ ترتيب غرفتك أو فراشك يُعَدُّ طريقة مثلى للعودة إلى حياة تتسم بفعالية الذات. لكن إذا كان باعثك للحفاظ على النظام مبنيًّا على رغبتك الملتبسة بإنكار كون العالم أساسًا مضطربًا ومُتقلِّبًا، فإنَّ مآلك خيبة الأمل حتمًا؛ إذ إنَّ الأوبئة والجنون السياسي والانهيارات الاقتصادية ستستمر كما كانت مقابل النوافذ النظيفة جدًّا لمنزلك.
إنَّ البديل لذلك يقتصر في العيش بطمأنينة وفعالية في عالم يعج بعدم الأمان المحتم، وإنجاز الأمور وسط غمرة الفوضى بدلًا من الحاجة إلى إزالتها أولًا، ولا يقتصر سبب ذلك في اتباع نهج واقعي، ولكن لأنَّ ثمة ما يحمله السعي المحموم إلى تطبيق النظام من تجريد الحياة من إبداعها وانفتاحها على الآخر وتلقيها للمُذهلات والعجائب. ويفترض أنَّ ألبرت آينشتاين قال ساخرًا -إلا أنه مؤكَّدًا لم يفعل-: «إذا كان المكتب الفوضوي دالًّا على عقل فوضوي، فما دلالة المكتب الفارغ؟»
