القائمة الرئيسية

تحت سطوة التأثير

تحت سطوة التأثير
ملخص المقال

يتناول المقال فكرة تطور المنظور البصري وتأثيره على التفكير البشري، مستندًا إلى تجارب شخصية وفلسفات مارشال ماكلوهان. يبدأ الكاتب بتوضيح كيف أن إدراك الفتاة للملكة على الصفحة يعكس عدم فهمها للمنظور الخطي، وهو مفهوم يتطلب تدريبًا بصريًا. يتطرق ماكلوهان إلى كيفية تأثير التقنيات الإعلامية، مثل الكتابة والطباعة، على حواس البشر

آندريه داو

ترجمة: أسماء عسيري

قالت ابنتي وأنا أقرأ كتابًا مصورًا: «انظر إلى ملكة الثلج، تبدو أكبر هنا». فقلت لها: «لكنها ليست أصغر هناك، بل أبعد فحسب». نظرت إليّ ابنتي وكأنما جننت؛ إذ كيف أقول إن ملكة الثلج بعيدة وهي ليست ببعيدة، فهي لا تزال على الصفحة على بعد ذراع فقط!

أدركتْ من تفسيراتي العشوائية أني كنتُ أرى القدرة على رؤية الأشياء على ورقة ثنائية الأبعاد أمرًا مسلمًا به، فما المنظور الخطي إلا عادة محتاجة إلى أن تدرب عينيك لتعتادها وتفهمها؛ أي أن تتخيل نفسك في نقطة ثابتة ترى منها أحجام الأشياء في الصورة على نحو تقريبي، وكلما كان الشيء أصغر كان أبعد من هذه النقطة الخيالية، والعكس بالعكس أيضًا؛ فأكثرنا يعرف المنظور الخطي ولا حاجة له بهذا التفسير المفصَّل، أما ابنتي فلا تعرفه وقد عرفت الآن أن كُتُبها المصوَّرة تفتقر غالبًا لهذا الأسلوب، وأن عينيها لم تعتدْ على ذلك بعد.

يروي المنظّر الإعلامي الكندي مارشال ماكلوهان قصة مشابهة في كتابه الملهم «مجرة غوتنبرغ»، إذ يعرض بعض المبشرين في مجتمع ناءٍ فيلمًا عن مكافحة البعوض، وفيه يظهر رجل يقلب الأواني والأوعية التي قد تحوي ماءً راكدًا، ثم يسأل المبشر الجمهور عما شاهدوه، فلا يذكر أحدهم أنه رأى رجلًا؛ بل دجاجة، مع أن الفيلم ليس فيه دجاجة. لاحظ المبشّر بعد أن أعاد الفيلم ببطء دجاجة تظهر في الزاوية العليا في لقطة ثم تختفي، ويفسر ماكلوهان ما حدث بأن عيون المشاهدين الغرة لم تشاهد الفيلم كما تنظر عبر النافذة؛ أي كما نفعل نحن، بل أمعنت في الإطار كله، لقطة بلقطة، ولسرعة الانتقال من مشهد لآخر لم يفهم الجمهور الحكاية، فمشاهدة الفيلم مثلها كمثل المنظور الخطي تحتاج إلى نقطة ثابتة ومستقلة، فعليك أن تركِّز على الشاشة لتفهم الصورة كاملة، أما هذا الجمهور فلم ينفصل عن المشهد، ولم ينظر إلى الشاشة كشيء منفصل «فاتسق معها، واندمج فيها» كما يقول ماكلوهان.

ليس لأن الجمهور لم يكن على دراية بالأفلام فحسب؛ بل لافتقاره كذلك إلى منظور مستقل لأنه جاء من مجتمع شفهي تعوزه تقنيات الكتابة والطباعة. ويرى ماكلوهان أن تقنيات الإعلام ترسم المسار التاريخي للمجتمع؛ لأنها توسّع بعض حواسنا، وهكذا تكون وسيطًا بيننا وبين العالم (وهنا يتبع ماكلوهان مقولة توما الأكويني الشهيرة: «لا شيء يدخلخطأ! اسم الملف غير معين. العقل دون أن يعبر الحواس أولًا»). حريٌّ بنا أن نقول كذلك إن هذا «التوسع» لا يضاف إلى غيره، فالمقصد ليس ببساطة أن تقنية حديثة معينة تحسّن حاسة السمع مثلًا دون المساس بالحواس الأخرى؛ بل إنّ كل اختراع يغير التوازن الدقيق في «اقتصاد توازن الحواس البشرية»كما يسميه ماكلوهان، فتَوسّع حاسة يبلّد سائر الحواس.

ويقول ماكلوهان إنّ المجتمعات الغربية أعلتْ من شأن البصر مقارنة ببقية الحواس، وإنّ إعادة تنظيم الحواس قد غيّرت طريقة تفكير الغربيين. ففي المجتمعات الأمية حيث الكلام هو وسيلة التواصل الرئيسة، تنخرط كل الحواس في عملية التواصل؛ لأن الكلام «مُجسّد»، وتعيش هذه الشعوب في حيّز صوتي تحكمه الكلمة المنطوقة المُشبَعة بالعاطفة التي لا حدود لها ولا اتجاه ولا أفق؛ ما أدى إلى ترابط هذه المجتمعات الشفهية وانسجامها في القرى والقبائل.

وقد بدأ انتقال التركيز على حاسة البصر مع اختراع الكتابة؛ إذْ تجسِّد أنظمة الكتابة كلها الكلام بصريًا. وبخلاف الكلمة المنطوقة، فإن الكلمة المكتوبة مقيدة وخطية ومنظمة ومهيكلة، ومزايا الكتابة هذه يغذيها اختراع الأبجدية الصوتية، كالأبجدية اللاتينية التي تفصل تمامًا بين الشكل والصوت والمعنى. ويقارن ماكلوهان بين الحروف الأبجدية وبين الرموز الدلالية كالمستعملة في اللغة الصينية، حيث يقرأ هذا الرمز الدلالي كشكل -أي رسم أو بناء كامل- وكأنه لحن مستقل «له عالمه الخاص»، أما الحروف الأبجدية فلا تجسِّد الأفكار ولا الكلمات ولا الصور؛ بل الأصوات التي لا معنى لها في ذاتها.

بيد أن الكتابة في أول صورها امتازت بشيء من الحسية مع تركيزها على الصورة المرئية، ويتجلى هذا في الاهتمام بفن الخط في أنظمة الكتابة الأيديوغرافية؛ إذْ يقال إن خطوط الريشة تنم عن شخصية الخطاط، وحتى في الأنظمة الأبجدية كانت الحروف معبرة، كما في المخطوطات المزخرفة التي أبدع الرهبان خطّها.

وقد تغير كل هذا في مطبعة غوتنبرغ، فحسية الحروف وتفردها في عصر المخطوطة أزالتها حاجة المطبعة للتوحيد والتجانس. ويرى ماكلوهان أن هذا قد أخل بتوازن الحواس كثيرًا وميز البصر وفصله عن سائر الحواس. وقد سهلت الطباعة التأثير، فبعد أن كان مقتصرًا على القادة أصحاب الكاريزما في كلماتهم المنطوقة، أو منحصرًا في مخطوطات يصعب فهمها، فبالطباعة أزيل الطابع الشخصي عن التأثير، وفُرّق بين الكاتب والمكتوب، ثم إن القراءة الفردية وحيازة الكتب قد عززت الشعور بالفردانية.

خطأ! اسم الملف غير معين.ما علاقة هذا كله بالمنظور الخطي؟ يزعم ماكلوهان أن النقطة الثابتة المطلوبة لفهم المنظور ظهرت بالتزامن مع ظهور الفرد قارئ المطبوعات، بل إنها ناجمة عنه، وما الرؤية إلا إحساس تثيره المسافات. وقد كوّنت هذه الأولوية التي منحتها المجتمعات الغربية للرؤية مسافاتٍ جديدة، ومنها المسافات بين الأفراد المستقلين، وبين هؤلاء الأفراد وما ينظرون إليه. ولذا فالجمهور الأمي الذي شاهد فيلم المبشر لم يكن معتادًا على أعراف الفيلم فحسب، بل ولم تهيئه ثقافة الطباعة على مدى قرون لأن يرى نفسه عينًا طافية في الفضاء.

إن عواقب ثقافة الطباعة لا تقتصر على رؤية المنظور الخطي، فهي تعوّد العيون الخارجية والداخلية، أو بالأحرى تنشئ العين الداخلية وتحول التفكير إلى شكل يتحكم فيه البصر، فأصبح الفكر الغربي جراء تأثير الطباعة فكرًا خطيًا ومتخصصًا، وكما كانت إعادة الإنتاج هي السمة المميزة للمطبعة، فإن التحقق من نتائج الأبحاث بإعادة نشرها صار أساس النهج العلمي، وباختصار فإن ثقافة الطباعة أنتجت التفكير الذي نسميه اليوم بالعقلانية.

وقد حاول ماكلوهان جاهدًا في كتابه «مجرة غوتنبرغ» أن يتحاشى الأحكام الأخلاقية البسيطة (والعنصرية غالبًا) حول التغير التقني بصفته «تقدمًا»، ورغم إشادته ببعض إنجازات ثقافة الطباعة -كتحريرها الأفراد من الترابط القمعي في القرى- إلا أنه كان واضحًا بما ألحقته بتوازن الحواس البشرية من تشوُّهات مكلِّفة؛ فكان بذلك كالشعراء الرومانسيين في قلقه من فقدان الإدراك الحسي الموحد لصالح ما ذمّه الشاعر وليام بليك باعتباره «رؤية موحَّدة ورقاد نيوتن». واليوم تجلت العواقب الوخيمة للرؤية الموحدة في العقلانية الغربية، فخذ مثلًا فصل البشرية عن البيئة، فحين لم تعد البشرية متصلة بالبيئة بأحاسيسها الجسدية؛ أصبحت تنظر إلى البيئة وتتحكم بها عن بعد، كما يقول بليك:

منطق الإنسان شبحٌ

إن نأى عن الخيال

وانكفأ على نفسه كالفولاذ

فيأخذ القانون والأخلاق

ليدمر الخيال.

 

 

 

مقالات ذات صلة