القائمة الرئيسية

المثيرات الإدراكية الحسية

المثيرات الإدراكية الحسية
ملخص المقال

لويز أنتوني هي أستاذة فلسفة في جامعة ماساتشوستس في أمهرست، حيث تسعى لفهم التبرير التجريبي من منظور نفسي واقعي. تتميز بإسهاماتها في مجالات الإبستمولوجيا الطبيعية والفلسفة النسوية، وقد شاركت في تحرير كتب مهمة مثل ""ذهن يخص المرء وحده"". خلال حديثها مع زان بواغ، تناولت تأثير الفلسفة على علم الإدراك.

الضيف: لويز أنتوني

المحاور: زان بواغ

ترجمة: جوزف بوشرعه

أستاذة الفلسفة في جامعة ماساتشوستس في أمرست. درست الفلسفة في جامعة سيراكيوز وفي جامعة لندن، ونالت شهادة الدكتوراة من جامعة هارفـارد. كما شاركتْ في تحرير كتاب «تشومسكي ونقاده». إنّ أنتوني مهتمّةٌ بـ«الإبستمولوجيا الطّبيعانيّة» وتسعى حاليًّا إلى وضع تفسير مسألة التبرير التجريبي من منطلق نفسي واقعي. كذلك تعمل أنتوني في مجال الفلسفة النسوية حيث شاركت شارلوت ويت في تحرير كتاب «ذهن يخص المرء وحده: مقالات نسوية عن العقل والموضوعية»، كما حلّت أنتوني ضيفةً على البرنامج الإذاعيّ «حوار فلسفيّ» «Philosophy Talk»، ونشرت مقالات في «نيويورك تايمز». لويز هي نائبة رئيس القسم الشرقي للرابطة الأمريكية الفلسفية، وكانت رئيسة مجمع الفلسفة وعلم النفس.

زان بواغ: أودّ التطرّق معك إلى عَملك بصفتك فيلسوفةً للذهن. طبعًا ليس هذا الأمر الوحيد الذي قُمت به، لكنّني أودّ أن أتعرّف على التّرابط القائم بين فلسفة الذّهن وعلم الإدراك. هل تعملينَ مع علماء الإدراك؟

لويز أنطوني: أنا لا أقوم بذاتي بأيّ بحثٍ أصيلٍ في مجال علم الإدراك. لقد تعرّفت على الفلسفة في السّبعينيات حينما كنت لا أزال في جامعة هارفارد ما بين عامي 1975 و1980، وهي المرحلة التي شهدت الثورة الإدراكيّة والتي قادها أفرادٌ في معهد ماساتشوستس للتّكنولوجيا (MIT)، وعلى وجه التحديد، نعوم تشومسكي، بالإضافة إلى جـيري فودور في مجال الفلسفة. كنت أقضي وقتًا في المعهد حيث التحقت بدورات تدريبية، وحضرت فيه ندوات بعدد الندوات التي حضرتها في هارفـارد. والحقّ أنّ قسم الفلسفة في هارفـارد في ذلك الوقت كان معاديًا تمامًا لعلم الإدراك، فقد كان قسمًا فلسفيًا ذا طابع «فيتغنشتايني جديد» يعادي علم الإدراك في العديد من نواحيه. وكان هيلاري بوتنام المُشرف الرسمي عليّ، ولكنْ بعد طرحه تصوّرًا وظيفيًا للذهن وتطبيعه للفكرة القائلة بأنّ بعض العلوم الشّبيهة بعلم النّفس لا يمكن اختزالها إلى العلوم البيولوجـية، ولذا، ناصر بوتنام الفكرة التي مفادها هذا النّوع من العلوم يمكن تحقيقه في أنواعٍ متعدّدةٍ ومختلفةٍ من الموادّ. الأذهان الوحيدة التي نعرفها هي تلك الأذهان الموجودة في الأدمغة، إنّما يمكن تصور أن توجد أذهانٌ مُتجسدة في أنواعٍ أخرى من الأنظمة الفيزيائيّة. وقد أخذ جـيري فودور هذه الفكرة وبنى عليها وطورها، بينما تخلّى بوتنام عن الفكرة القائلة بأنّه يجب على فلسفة الذّهن أنْ تكون مرتبطةً بعلم الإدراك. وهكذا كنت في وسط موقفٍ معادٍ، وهو باعتقادي كان محفّزًا ومثمرًا للغاية.

لقد كنت في قلب هذه الثّورة الإدراكيّة؛ إذْ حدث أنْ تأسّست جمعيّة الفلسفة وعلم النّفس في ذلك الوقت نفسه الذي كنت فيه مُلتحقة بكلّيّة الدّراسات العليا، ثمّ أصبحتُ، في النهاية، رئيسة لتلك الجمعيّة. وهنا، ثمّة ضَربٌ من سُخرية القدر: فقد كنت تلميذة ويلارد فـان أورمن كواين الذي قال إننا نحتاج إلى «طبعنة» الإبستمولوجيا (نظريّة المعرفة)، وتمثّلت الفكرة بالشّروع في طرح سؤال كيف نتوصّل إلى النّظريّات التي نتوصّل إليها انطلاقًا من المُعطيات المتوفّرة لدينا. وبدا هذا الأمر وكأنّه دعوةٌ لي إلى الدّخول في مجال علم الإدراك، ولكنها لم تكن كذلك في نظر كواين!

لقد كانت جمعيّة الفلسفة وعلم النّفس رائعةً لأنّها جمعيّةٌ متداخلة المجالات تحاول أنْ تجمع علماء النفس مع علماء اللسانيات؛ إذْ كان عدد المُتخصّصينَ بعلم الحاسوب أكبر من عدد المتخصّصين بالإيكولوجيا أو العلوم البيئية في تلك الأيّام، وفيما أصبح الكلام حول امتلاك الكائنات لأذهان أمرًا مقبولًا، بدأ النّاس بالقول «حسنًا، يبدو أنّ لدى الحيوانات أذهانًا أيضًا». وهكذا بفعل سقوط النموذج السّلوكي انطلقت دراسة العقول الحيوانيّة، وظهرت أبحاثٌ شيّقةٌ حول بنية هذه العقول.

لا يرتاح الناس عند التطرّق إلى مسألة الأذهان الحيوانيّة لأنّ ذلك قد يدفعنا إلى الإقرار بأنّنا حيواناتٌ أيضًا. أعتقد أنّ لدى البشر صعوبةً في الإقرار بأنّنا قد نكون تمامًا كمثل الحيوانات الأخرى. ويبدو أنّنا قد وضعنا أنفسنا في الجزء العلوي من شجرة الكائنات، لذا تبدو فكرة وجود أذهان أخرى فكرةً غير مستساغةٍ لدى بعض الناس. ولكنْ، ألم تناقشي فكرة وجود أذهان أخرى في السبعينيات؟

بلى، حتمًا. إنّ الأبحاث التي تجري حول الثدييات العليا هي أبحاثٌ شيّقةٌ جدًّا، كما أنّها معقدة تتطلّب الدقة، كحال علماء النّفس أمثال لوري سانتوس في جامعة ييل إلى جانب بعض الأشخاص العاملين في مركز «يركس لدراسة الثدييات العليا». يمتلك الناس حيوانات أليفة وينسبون لها حالات قصدية «Intentional states»، ولا أعتقد أنّهم مُخطئون في فعلهم هذا. كان لدينا كلبةً اسمها فريا، وهي لم تكن أذكى كلبةٍ في العَالَم، ولكن حدث مرّةً أنّه كان لديها خطّةً واضحةً. فقد أخذها زوجي لتقضي حاجتها في الصّباح الباكر حيث رأت كعكةً في الشّارع، ربّما رماها أحدهم من نافذة سيّارته، ثمّ حاولت أكلها، فأمسكها زوجي، ومنعها من القيام بذلك.

لم أكن أعلم بحدوث ذلك. أمّا فريا فقضت معظم النّهار تحسب كيف يمكنها الخروج للحصول على هذه الكعكة. باستطاعتك، تقريبًا، رؤية حركاتها وتصوّر تفكيرها كالتالي: «حسنًا. عليّ أن أخرج. كيف يمكننا الخروج؟ عليّ أن أجلب الطّوق. كيف يمكننا جلب الطّوق؟ عليّ بلوغ أحد الأشخاص. فأيّ شخص عليّ بلوغه؟ حسنًا، إنّها لويز. عليّ الوصول إليها كي تأخذني...» أنت تعرف مقصدي. إنّ الميل الطّبيعيّ هو التّأويل، إذ لا يُمكننا ألا ننسب إلى بعض الثدييّات على أقل تقدير، كمثل الثدييّات التي نتفاعل معها يوميًّا، حالات قصديّةً وتخطيطٍ مدروسٍ، كما يصعب عليك تفسير سلوكها إن لم تنسب لها تلك الصفات الذهنية.

إنّني حاليًّا أعيش في الأدغال في أستراليا محاطًا بالأبوسومات والكنغر الصغير، وتمامًا مِثل كلبتك، فإن المعدة هي التي تتحكّم بهذه الحيوانات. أعتقد أنّهم يخطّطون للهجوم على سياج الشّجيرات الجديد الذي وضعته، ولكنّهم يطوفون حوله حيث يلحظون وجوده ماثلًا أمامهم، فتقول مَعدة كل منهم: «مهلًا، أحتاج إلى أنْ آكل هذا الشّيء»؛ إذ ليس لديهم خطّة مدروسة لإزالة سياجي المُحكم نَصبه بأكمله. وربّما ينطبق الأمر نفسه على حالة كلبتك، أي لم يكن سوى الجوع الذي دفعها إلى الخروج.

لا أعتقد أنّ الأمرَ الجوهري هنا مرتبطٌ بالهدف النّهائيّ، لأنّني قد أشعر بالجوع حوالي السّاعة الخامسة عصرًا، أليس كذلك؟ إنّه حافزٌ بيولوجيٌّ أو حيويٌ. والأجدر أنّه مرتبطٌ بالقدرات التي يمكنني استعمالها لتحقيق ذلك الهدف. فالبشر إلى جانب العديد من الحيوانات الأخرى، يتمتعون بهذه القدرة الإدراكيّة. إذ باستطاعتنا تمثيل أهدافنا ذهنيًا، كما يمكننا تمثيل ذهنيًا الوسائل الممكنة لتحقيق تلك الأهداف، ونستطيع أيضًا الاختيار مِن بينها. لذا، لا يتعلّق الأمر بالهدف النهائي. لنضرب مثلًا بممارسة الجنس: كيف يمكنني تنظيم الأشياء لممارسته الليلة؟ إن الهدف يُحدَد من الناحية البيولوجـية، لكن الوسائل خاضعة إلى حسابات مختلفة.

كذلك ليس الأمر مرتبطًا بسؤال من أين يأتي الهدف؟ بل بسؤال ما هي الخيارات المتاحة لتحقيق الهدف؟ فلو أخذنا البعوض مثلًا؛ فلا أظنّ أنّها ستقوم بعمليّةٍ حسابيّةٍ، أي لا أظنّ أنّها تقول: «أوه، ثمة حفل عشاء. على الأرجح سيكون هناك بعض الوجبات تُقدَم هُناك». ثمّة عنصرٌ ثابتٌ مادّيًّا في هذا الموضوع، أعتقد أنّه رائحة التعرّق أو ما شابهها التي تثير في البعوض آليّةً تسمح لهم بتحقيق هدفها، ولكنْ لا يتدخّل الإدراك في العمليّة. وأعتقد أنّ الاختلاف متمثّلٌ فيما إذا كان ثمّة شيءٌ إدراكيٌّ يتوسّط ما بين الهدف والسّلوك الذي يسعى الكائن إلى تحقيقه أم لا.

إذن هل تقصدين أنّ تصرف البعوضة رد فعل، أما تصرف الكلب استباقي؟

أجل، الكلب لديه إدراك. وما أعنيه هو أنه إذا كنت ستموت من الجوع أو إن كنت ظمآن، فعلى الأرجح ثمّة مُثيراتٌ إدراكيّةٌ حسّيّةٌ محدّدةٌ ستدفعك إلى التصرف على نحوٍ محدّدٍ. ولكنْ بالنسبة لمُعظمنا، في مُعظم حياتنا، تخضع احتياجاتنا البيولوجية لقدر من الوساطة الإدراكيّة التي سنَفي بها بتلك الاحتياجات. أحيانًا، نختار ألّا نأكل. وهذا الأمر لا يحصل عندي غالبًا، لكنّ بعض النّاس يُضربون عن الطّعام، وبعضهم الآخر يتبع حمية غذائية. وحتى في حالة التنفّس: ثمّة العديد من العمليّات البيولوجـية الأساسيّة التي يمكننا التحكّم بها إراديًّا، أو على أقل تقدير، يمكننا التحكّم بها إلى حدٍّ معيّنٍ. لذا، فيما يخصّ إمكانيّة وجود توسّطٍ إدراكيٍّ، أعتقد أنّه على الأرجح أمر شائع في الطبيعة، كما أظنّ أنّه متجذر في سلسلة تطوّر السّلالات (إنْ أردت اعتبار الأشياء على نحوٍ هرمي).

عندما تواصلتُ معكِ مسبقًا، كُنتِ تتحدثين عن مسألة التّمييز بين التعريف العلميّ لمصطلحي «الإدراك الحسي» و«أن تدرك حسّيًّا» وبين التّأويلات اليوميّة لهما. إذ يُقدّم كلّ تأويلٍ منطلقًا مختلفًا للإجابة على الأسئلة. لذا، إن كنت تعاينين الأمر من وجهة نظر علمية فما هو الإدراك الحسي؟ وكيف نتلقّى المعلومات من العَالَم الخارجيّ؟

أعتقد أنّ السّؤال العلميّ المطروح هو التالي: «كيف يُولّد تفاعلنا مع محيطنا معلوماتٍ يمكنها أن تكون مندمجةً إدراكيًّا في حالاتنا الإدراكيّة الأخرى؟» عند بعض الكائنات الحيّة، يرتبط الإدراك الحسي ارتباطًا وثيقًا بالسّلوك. وثمّة جوانبٌ من الإدراك الحسي عند البشر نسمّيها «المستجيبات» حيث تنطبق عليها تلك الحالة. أمّا أنظمتنا الإدراكيّة الحسّيّة الأخرى كالبصر [فلا ينطبق عليها ذلك تمامًا] فأعتقد أنّه على الأرجح النّظام الإدراكيّ الحسّيّ الأكثر وضوحًا عندنا، وربّما قد يليه السّمع. ثمّة كمٌّ غنيٌّ من الأبحاث في موضوع البصر حيث تكون المشكلة الأساسيّة القائمة هي أنّ المُثير الحسي لا يشكل إلى حد كبير التمثيلَ الذهني الذي نُكونه في النهاية. نحن نعلم ما هو التّفاعل الفيزيائيّ في العين؛ إذ نعلم أنّ النّور ينعكس على شبكيّتنا، فشبكيّة العين هي شبكةٌ ذات بُعدين. وبناءً على أنماط التّنشيط، ومن هذه الشّبكة ذات البُعدين، فإننا نُكوّن تمثيلًا ذهنيًا للبيئة التي تُعَد غنية للغاية.

أحد الأسباب أن المثير الحسي لا يشكل التمثيل الذهني من جميع جوانبه هو أن التمثيل الذهني ثلاثي الأبعاد؛ ولهذا، نكون على درايةٍ بشَيئين؛ إذ نعرف أنّه يجب أنْ توجد عمليّةٌ تضيف غنًى إلى المعلومات المُدخلة التي نملكها لتمكّننا من تمثيل الأشياء في ثلاثة أبعادٍ أمامنا. وما أقصده هو أنّ تجربتنا البصرية على ظاهرها تفيد بأنّ العَالَم قائمٌ في ثلاثة أبعاد، إذْ نملك عددًا من الآليات المُميّزة لمعرفة كيف تكون الأشياء منظّمةً في ثلاثة أبعادٍ، وإحداها هو «التباين البصريّ»، وهي آلية تشير إلى إنّ المعلومات المدخلة إلى عيننا اليسرى تختلف قليلاً عن المعلومات المدخلة إلى عيننا اليمنى. وثمّة آليّاتٌ حاسوبيّةٌ تستطيع أنْ تحسبَ التّباين القائم بين هذه الصّور، وتطلعنا على أثر هذا الأمر على موضع وجود الأشياء في المكان ثلاثي الأبعاد. لكنّ ذلك لا ينجح إلاّ على مسافة تتراوح بين العشرين إلى الأربعين قدمًا تقريبًا، حسب ما أذكر.

جانبٌ معتبر من إدراكنا الحسي للعمق ليس سوى مسألة حسابية تقوم على أساس ما يسميه بعض منظري الإدراك الحسي «الافتراضات الخفيّة»؛ إذْ يبدو أنّنا مصمّمون فطريًّا على القيام باستدلالاتٍ محدّدةٍ انطلاقًا من أنماطٍ محدّدةٍ من المُدخلات. فعلى سبيل المثال، إذا رأينا صفًا من الأشجار، فالصورةٍ مرسومةٍ على شبكيّة العين ستبدو فيها صفوف الأشجار وكأنّها تلامس الأفق، وستبدو أعاليها أصغر تدريجيًّا فيما تقرب من مركز المجال البصري. إنّنا مصممّون فطريًّا إلى اعتبار ذلك مؤشّرًا على العمق.

وهذا أمرٌ لا يعتمد على أن لدينا عينينِ. استمع إلى هذه القصّة الطريفة: كانت لدينا قطّةً لمدّةٍ من الزّمن حيث بدا أنّ لديها سرطانًا في إحدى عينيها مما حتّم علينا إجراء عملية جراحية لاقتلاعها. سألت الطّبيب البيطريّ: «يا إلهي كانت القطّة تقفز وتثب، ألن تُحدث هذه العمليّة تغييرًا مفصليًّا على قدرتها في أن تكون قطّةً»؟ فأجاب طبيب عيون الكلاب والقطط: «أعتقد أنّ التّباين البصريّ هو أمرٌ مبالغٌ في تقدير أهمّيّته، ولا أعتقد أنّ القطط أو الكلاب أو غيرها تعتمد اعتمادًا كبيرًا عليه. أظنّ إنْ وجد تفسير تكيّفيّ تطوّريّ حول سبب امتلاكنا عينين فسيشير إلى الزّيادة؛ لذا عندما يتمّ وخزك في عين واحدة فأنتِ لا زلتِ تملكين عينًا أخرى». والحقّ أنّ القطة في خلال أربع إلى ستّ ساعاتٍ من إجراء العمليّة شرعت في القفز والوثب. أي تتصرّف وكأنّ كلّ شيءٍ كان في أحسن أحواله.

العبرة من هذه القصّة هي أنّه لدينا العديد من آليات الإدراك الحسيّ للعمق، وأنّنا نستعملها كلّها. وهذا سبيل من السبل التي نضيف فيها معلومات إلى المعطيات الإدراكيّة الحسيّة الأولية، والتي تكون في هذه الحالة التّعرّض للإشعاع؛ أي أنماط الضوء الملقاة على شبكيّة أعيننا. هكذا يحاول علم الرؤية بوصفه تخصّصًا علميًّا، الإجابة عن هذه الأسئلة، مثل: ما الذي نعرفه عن المعطيات المُدخلة؟ باستطاعتنا عادةً اكتشاف ذلك، وأعتقد أنّنا نعلم هذا الأمر في حالة الحواسّ كلّها. فما الذي نتوصّل إلى معرفته في نهاية الأمر؟ وما هو نوع الحوسبة الذي نملكه، أو ما هي أنواع المعلومات المضافة التي نملكها لكي نفترضها في محاولة تفسير كيف ننتقل من الأشياء المُدخلة إلى التّجربة الإدراكيّة الحسّيّة التي نتوصّل إليها في نهاية الأمر؟

حسنًا، لا يمكننا الوثوق تمامًا بما نراه. ومن إحدى الأمثلة على هذا هي أنّ القمر يبدو في الأفق أكبر ممّا هو عليه في السّماء فوق رؤوسنا. ثمّة العديد من الأوهام البصرية؛ مثل «وهم مولر لاير البصري»؛ إذ على الرّغم من أنّنا ندرك معلومات بصرية حسيًا فنحن لا نستطيع دائمًا الوثوق بما نراه. فهل نحن نرى الأشياء على ما هي عليه أم هذا الأمر ليس سوى تأويلٍ لما يجري من حولنا؟ وإلى أيّ مدى يمكننا التسليم بإدراكنا للعالم؟

ثمّة جدالٌ قائمٌ في علم البصر حول مدى الانعزال المعلوماتي للعمليّات الإدراكيّة الحسّيّة -لأي حاسة- عن الأمور الأخرى. وعلى وجه الخصوص: هل هي معزولة معلوماتيًّا أو محجوبة عن المعلومات الخلفيّة التي نملكها؟ رغم أنّني لست عَالَمة بصرٍ فالموقف الذي أناصره في هذه المسألة -بناءً على اطّلاعي وقراءاتي في الموضوع وفي المسائل الفلسفيّة المرتبطة به- يفيد بأنّني مقتنعةٌ بأنّ العمليّات الحسّيّة تلقائيّةٌ ومعزولةٌ. فَعلى سبيل المثال، البصر؛ هذا البصر سيُولد قرارًا حول مسألة ما تبدو عليه الأشياء. ثمّ يُمرّر ذلك القرار إلى مستوى إدراكي أعلى حيث يستطيع هذا المستوى التّسليم به أو رفضه. يستطيع الإدراك الأعلى القول: «حسنًا، أنت تخبرني بأنّه ثمّة فيلٌ هناك، لكنّنا في ماساتشوستس ولا أعتقد حقًّا أنّه ثمّة فِيلةٌ فيها. أعتقد أنّك ترى شيئًا آخر». بيد أنّ البصر يقول: «إنّني اُخبرك فحسب بما يبدو عليه الأمر. إذ يبدو وكأنّه فيلٌ. إنّ التّسليم به أو رفضه فهو شأنك، ولكنْ هذا ما أخبرك به».

وأعتقد أن هذا التصور مقنعٌ من منظور نظرية المعرفة (الإبستمولوجيا)، ذلك المنظور الذي يتعلّق بمفاهيمنا باعتقاداتنا المبرَّرة حول العَالَم الخارجي. إنّ وظيفة كلّ الحواس هي إبلاغنا بما يبدو عليه الأمر على نحو مستقل عن بعضها، وذلك بناءً على المعطيات التي تمتلكها الحاسة. ولذا، إنّ إحدى الأمثلة التي ذكرتها، أي «وهم مولر لاير البصري»، أو غيره من الأوهام البصرية، فأظنّ بأنّها توفّر عددًا كبيرًا من الدلائل على هذا التصور العام للعلاقة القائمة بين الإدراك الحسي والإدراك عمومًا؛ لأنّ البصر في حالة «وهم مولر لاير البصري» يقول: «لا تبدو لي هذه الخطوط متساوية. أعلم أنّك قد قِستها. إنني لا أخبرك إلا بما تبدو عليه» ثمّ يردّ عليه الإدراك: «حسنًا، إنّك مخطئٌ». أمّا الأمر المثير للاهتمام في هذه المسألة فهو أنّ الوهم البصريّ لا يختفي عندما يقوم الإدراك بتصحيحه، وهو أمرٌ أكّد عليه جـيري فودور وكذلك علماء البصر.

ثمّة أمورٌ أخرى. لديّ موقفٌ منفردٌ تجاه نظرية المعرفة فيما يخص الإدراك الحسي. أعتقد أنّ وظيفة الإدراك الحسي هي الإتيان بالعَالَم الخارجيّ إلى الذّهن، وأظنّ أنّ ما يقوم به الإدراك الحسي هو تكوين سِجل موثوقٍ به عن العَالَم الخارجيّ. ومن ثَم، يُمكنه فَحسب تقديم سجل موثوق به عن العَالَم الخارجي من وجهة نظره، إنْ جاز القول. إذن يستطيع البصر إخبارك بما تبدو عليه الأشياء فحسب، حيث سيقوم بتجميع الظّروف المختلفة والمتباعدة التي تتشابه مع بعضها بعضًا. لذا، إذا كانت كلبتي مستلقيةً على العُشب وتولّد نمطًا بصريًّا معيّنًا، فإن ذلك النمط البصري قد يصعب تمييزه بصريًّا عن النمط الغريب للظلال على العشب. وسيقول البصر «هذا هو النّمط البصريّ للكلبة»، ولكنّني لا أعلم إذا كانت الكلبة موجودةً هناك أم لا؛ إذ لا أستطيع الفصل في الموضوع، بل جُلّ ما يمكنني فعله هو أن أعلمك بما تبدو عليه الأمور. وقد يكون النّمط البصريّ للكلبة إمّا الكلبةَ ذاتها، أو لربما هذا النمط من الظّلال. إذن ليس التّمييز بين الأشياء وظيفة الإدراك الحسي بل إنّه وظيفة الإدراك.

ولكن عندما يتعلق الأمر بالإدراك الحسي، فإن البصر لا يعمل منفردًا، أليس كذلك؟

ما أعتقد به هو أن البصر يعمل وحده، والسّمع يعمل وحده، أمّا الإدراك فعليه أنّ يحلّ الأمور كلّها.

والأمر على هذا النّحو لأننا نملك هذا السطح البيني الإدراكيّ. لو كنت واقفةً بالقرب منك، وأُحرّك إصبعي باتّجاه عينيك، ستكون على يقينٍ تامٍّ بأنّني لن أقوم بوخزهما، ورغم ذلك ستَطرف عينك. إنّه ارتباطٌ فِطريٌّ يربط ما بين نمطٍ محدّدٍ من الإدراك الحسي البصريّ وبين سلوكٍ معيّنٍ. إنّه رد فعل. ولكنْ لا يكون الإدراك الحسي رد فعل في معظم الأحيان التي يعمل فيها في حياتنا الإدراكيّة. إذ يمرّ الإدراك الحسي عبر الإدراك، أيّ يمرّ عبر اعتبار لما يكون صحيحًا فعليًّا.

إذا كانت الرؤية تعمل بمفردها حينما يتعلق الأمر بالإدراك الحسي، فما هو الحال عند المكفوفين؟ ما الذي يحدث لإدراكهم للعالم؟

لديهم حواس أخرى. إنني لست ملمّةً بِقدر كبير عن حاسّة السّمع، ولكنْها تعكس أيضًا بنًى موضوعية قائمة في العَالَم. إنّ تردّدات الضوء التي تؤثّر على شبكيّة العين قصيرةٌ نسبيًّا مقارنةً بتردّدات الصّوت التي تؤثّر على الأذن. ويعني ذلك -من وجه معين- أنّ البصر يستطيع أن يقوم بتمييزاتٍ أكثر دقّةً من السّمع.

ولا بدّ للكائن العضويّ أنْ يتعامل مع المعلومات التي يقدر أن يتحصل عليها من العَالَم. بيد أنّني لا أعرف حدود ذلك. أظنّ أنّه سؤالٌ تجريبيٌّ محضٌ: ما كمّ المعلومات التي يُمكن استحصالها من العَالَم عبر حاسة واحدة أو أكثر من حاسة؟ توجد بحوث لافتة للنظر حول تحديد الموقع من خلال الصدى عند المكفوفي. إذ يعتمد المكفوفون على عصيّهم ليتوصّلوا إلى معلوماتٍ حول الهيئة المادّيّة لمحيطهم. وثمّة حالةٌ من إحدى هذه الحالات عُرضت على البرنامج الإذاعي «هذه الحياة الأمريكية» حيث كان المكفوف في هذه القصّة شخصًا بارعًا جدًّا في استخدام المعلومات الصّوتيّة لمعرفة هيئة مُحيطه. فقد كان ضعيف البصر في صغره غير أنّه أُجبر على إجراء عمليّةٍ لانتزاع عينيه بسبب مرضٍ معيّنٍ. ولست متيقّنةً في أي سنّ أُجريت عليه هذه العمليّة، كما لا أعلم ما إذا أدتْ هذه التّجربة البصريّة المبكرة دورًا في كونه قادرًا على تحديد الموقع من خلال الصّدى. وثمّة سؤالٌ واحدٌ يدور في الأفق وهو: إلى أيّ مدى تكون فيه قشرة الدّماغ البصريّة -التي هي جزءٌ من الدّماغ المسؤول عن تحليل المُدخلات البصريّة- معتمدةً على التّجارب النّمطيّة المبكرة؟ لقد أُجريت اختباراتٌ مُروعة على الهررة قامت على قطع التّرابطات القائمة بين قشرة دماغهم البصريّة وبين أعينهم، وتأثرتْ قدرة هذه الحيوانات في توجيه أنفسها مادّيًّا حتّى من خلال لمس محيطها.

يبدو وكأنّ مراكز الحوسبة في الدماغ المسؤولة عن التّعامل مع المُدخلات الحسّيّة قد تحتاج إلى أنواعٍ محدّدةٍ من المُدخلات بوصفها عاملاً مسبّبًا، وذلك لتطوير آليات حاسوبية بهدف التّعامل مع التأثير الحسي. فهذا الفرد المشار إليه لم يكن مكفوفًا منذ ولادته، فقد كان لديه بعض المُدخلات البصرية، وهو عنصرٌ قد يغيّر في المعادلة كلها. لكنه طوّر إلى حد كبير القدرة على تحديد المواقع من خلال الصّدى. أعتقد أنّه درّب أشخاصًا بالغينَ مكفوفين على استعمال هذه القدرة. وبالطبع، ثمّة معلومات لا تستطيع التّوصّل إليها؛ أي لا يمكنك التوصل إلى معلومات حول المسطحات من خلال الموجات الصوتية المرتدة، كما لا يمكنك التوصل إلى معلومات حول الألوان من هذه الموجات، ولكنْ يبدو وكأنّه ثمّة بنًى من قشرة الدّماغ مصمّمةٌ لتلقّي المُدخلات التي يمكنها تكوين أنماطٍ محدّدةٍ.

توجد كذلك أبحاث مثيرة للاهتمام حول «التعويض الحسي»، وفي هذه الأبحاث أنّك تأخذ -مثلًا- عضوًا كاللسان الذي يملك عددًا من المستشعرات وتربطه بمستشعر ضوئي يمرّر إلى اللسان أنماطًا من الإشعاعات. ويتمكّن المكفوفون بعد مدّة من تعلّم بناء نماذج دقيقة ومفيدة عن محيطهم المادّي، ويصل بهم الأمر إلى الكلام عما تظهر عليه التجربة البصرية. لم أتمعّن في دراسة هذه المسألة، وثمّة فلاسفةٌ آخرون قد اطّلعوا عليها، ودرسوها عن كثبٍ، ومنهم الفيلسوف جوناثان كوهين.

لطيفٌ أنّكِ تطرقي لهذا الجانب لأنّي كنت أودّ أنْ أسألك عن نظريّة موريس ميرلوبونتي في الإدراك الحسي المُجسّد؛ إذ تؤوّل أجسامنا العَالَم بطرقٍ مختلفةٍ؛ فنحن نفهم العَالَم من خلال أجسامنا. فكيف تؤثّر الشّيخوخة على إدراكنا للعَالَم أو فهمنا له؟

أظنّ أنّ هذا الاستعمال الشّائع والعادّي لمصطلح الإدراك الحسي يتوضّح على ضوء ما نَمر به من تجارب. وتبعًا لهذا المعنى المتداول، ثمّة الكثير من العوامل التي تتدخّل فيما ندركه حسيًا. ولا بدّ من الأخذ بعين الاعتبار عُنصرين مهمّين هما: التّركيز والاهتمام. فأنا أبلغ سبعًا وستّين عامًا من العمر، وأعاني من مشاكلَ في العظام، وأستخدم النظارات ذات عدسات تصحيحية، كما أهوى التنزّه سيرًا في الطّبيعة، لكنّني أضطرّ إلى إحناء رأسي بحيث تساعدني العدسات على معرفة الدّرب الذي أسلكه في حال كنت سأتعثّر بجذع شجرة، أو بصخرة، أو ما شابه ذلك.

إذن حتمًا، ثمّة تكيّفاتٌ ينبغي علينا القيام بها لأجل علاقتنا الحسّيّة التي تغيرتْ مع العَالَم، كما ثمّة تكيّفاتٌ علينا اتّخاذها بناءً على سلوك عضلاتنا. إنّني موسيقيّةٌ هاويةٌ، أعزف على آلة المزمار والبيكولو، ورغم التهاب وتر إصبعي بالإضافة إلى الالتهاب المفصليّ في إبهامي، فإنني لم أرَ أنّ مستواي في العزف قد تدهور. ولكنّني أحبّ التنزّه في الطّبيعة وقد أصبحت حركاتي الجسديّة سيّئةً جدًّا. فالآن أتنبّه إلى أمور لم أكن أتنبّه إليها سابقًا. كنت أمرّ في الغابات كالمحراث، أمّا الآن فإنّني حذرةٌ جدًّا بشأن المكان الذي تطأ فيه قدماي، وأجد نفسي أخطّط كيف سأنزل عن هذا الجزء شديد الانحدار. هكذا يمكننا توجيه الإدراك الحسي، وتحديدًا يمكننا توجيهه على ضوء أهدافنا. وهذا ليس سوى عامل واحد نستطيع التحكم فيه.

أمّا من العوامل التي لا يمكننا التحكّم فيها فهو ما إذا كانت المسارات العضليّة الإدراكيّة الحسّيّة التي طوّرناها عندما كنّا صغارًا في السنّ لا تزال سليمة. وعلى جانب الحديث الشخصي مرة أخرى، لقد كانت لديّ حركاتٍ رشيقةً ما كنت أظنّ أنّني سأفكّر مرارًا فيها قبل فعلها، إذ أجد نفسي محدودة الخيارات بشأنها، وعليّ أن أخطّط للقيام بها. ثمّة تفاعلٌ قائمٌ ما بين المسارات العضليّة الإدراكيّة الحسّيّة التي طوّرها الإنسان وبين ما يحدث حينما تبدأ هذه المسارات بالاهتراء أو التّغيّر. أعتقد بأنّه ثمّة مسارات تظهر بوصفها وسيطةً إدراكيًّا. وبالعودة إلى الكلام عن الموسيقى، عندما كنت أتعلّم أوّل مرّةٍ العزف على المزمار كنت أنظر إلى النّوتة الموسيقيّة وأقول: «حسنًا، إنّها نغمة «D» ما يعني أنّني سأستعمل هذا الإصبع، وهذا الإصبع، أو هذا الإصبع .... ولا يعني أنّني سأستعمل إصبعي الصّغير ولا إبهامي».

إنّ تفكيري في طريقة عزف هذه النّوتة الموسيقيّة أصبح تفكيرًا واعيًا، وبعد مدّة، أصبح الأمر تلقائيًّا. ولم يعد هناك أيّ توسّط واعٍ وإدراكيٍّ في عزف معظم النّوتات الموسيقيّة. إذ أرى فحسب ما هو مطبوعٌ على الصّفحة، ثمّ أحرّك أصابعي بانتظامٍ، وهذا ما يسمى «تعويد العملية العضلية الحسية»، ومن الواضح أنّه ثمّة توسّطٌ إدراكيٌّ في مرحلةٍ معيّنةٍ ثمّ يصبح الأمر تلقائيًّا إلى درجة أنّك لا تحتاج إلى التّفكير فيه. وأظنّ أنّ هذا الأمر على الأرجح مشمول في السّلوكيّات الجسديّة كلّها التي نكتسبها. وعلى الأرجح ثمّة الكثير من الأعمال الرّوتينيّة التي تبدو وكأنّها فِطريّةٌ؛ كممارسة المشي عند معظم البشر.

أتساءل، هل يشمل «التعويد» تشكيل الثّقافة والنوع الاجتماعي (الجندر) لحياتنا. إنّ سلوكنا، ونظرتنا إلى أنفسنا، وتفاعلنا مع الآخرين هي أمورٌ تشكّلها ثقافةٌ محدّدةٌ نشأنا فيها، ومن ضمنها أدوار النوع الاجتماعي التي قد تلحقها كل ثقافة بنا. كما نملك أجسامًا مختلفةً في فترات معينة في حياتنا. أظنّ أنّهما على الأرجح متشابهان جدًّا في بداية العمر، ولكن ثمّة طورٌ في الوسط حيث يكونان فيه مختلفين ويؤدّيان وظائف مختلفة. وأحيانًا عندما تصادفينَ شيئًا مثل الولادة، أو الرّضاعة، فهذه أمورٌ لا يستطيع القيام بها إلاّ جسمٌ واحدٌ. لذا كيف تستطيع الثّقافة والنوع الاجتماعي تحديد إدراكنا للعَالَم؟ وأودّ أن أشير أنّني مجدّدًا أتكلّم مجازيًّا لا علميًّا.

حسنًا، أعتقد وجود توسّط إدراكيّ هائل. أظنّ أنّ إحدى الطّرق الأساسيّة التي تشكّل من خلالها أدوار النوع الاجتماعي التّجربة الجسديّة هي التّركيز، أي ما تتنبّه إليه، وما تتوخّاه، وما تكون مهتمًّا بشأنه. وأيضًا عندما أتحدّث بشأن النوع الاجتماعي في هذا السّياق أعني أجسام الجنس الأنثويّ في أغلب الأحيان. ولا أفترض أننّي أعلم ما هي تجربة الأفراد المتحوّلين جنسيًّا، لكنّني أعرف كوني نشأت أنثى متوافقة الجنس ومتغايرة التوجّه الجنسيّ أنّ الوعي بشأن الحياض، والوعي بعوائق الحمل، أمورٌ خطرت على ذهني طيلة سنّ البلوغ وأوائل سنّ الرّشد، وهي لا تزال تراودني فيما أتقدّم في السنّ، بَيد أنّني أصبحت أكثر تحكّمًا بخياراتي.

لا أعلم ظاهريًا ما يكون عليه الشّعور في أن ينشأ المرء ذكرًا متوافق الجنس. ولا أظنّ بأنّ هذا النّوع من التّنشئة يُعد مهمًا، كما لا أظنّ أنّه أمرٌ أساسيٌّ فلسفيًّا، لأنّه ليس سوى جزء من الحقيقة العامّة بأنّ الآراء التي يأتي بها المرء ستبين المعطيات التي تغذتْ بها. وسيكون لدى الأجساد المختلفة معطياتٍ داخلةً مختلفةً، وهذا ما سيتفاعل مع الحالات الإدراكيّة لتلك الأجسام بطرقٍ مختلفةٍ. إنّ الرّجال المراهقين متغايري التّوجّه الجنسيّ سيقلقون بشأن الحمل على نحوٍ مختلفٍ عن النّساء المراهقات متغايرات التّوجّه الجنسيّ. ولا أعتقد أنّها مسألةٌ مهمّةٌ من ناحية النظرية المعرفية، لأنّني أظنّ بأن المسألة ليست سوى مراجعة للمعلومات الدّاخلة والاهتمامات والاعتقادات التي يملكها الإنسان.

لقد ذكرتِ أنّك لا تستطيعين معرفة ما هو شعورك في أن تكوني ذكرًا متوافق الجنس. لقد تأمل توماس نيغل في مسألة ما هو شعور الإنسان في أن يكون خفّاشًا، أي حتّى في حال كسبنا قدرات الخفافيش، واعتمدنا على تحديد الموقع من خلال الصّدى، وما إلى ذلك، فنحن لن نختبر سوى سلوكيّات الخفّاش؛ وعليه، لا يمكننا معرفة ما هو الشّعور في أن نكون خفافيشَ. وأتساءل ما إذا يمكن أنْ تنطبق هذه الحالة على مسألة الأذهان الأخرى كلّها، أي ما إذا كنّا قادرين يومًا على معرفة ما هو الشّعور في أن تضع نفسك مكان شخصٍ آخر؟

لطالما واجهت مشكلةً مع مقال نيغل لأنّني لست متأكّدةً تمامًا من النّتيجة التي يُفترض أنْ يخلص إليها. حتمًا لا يمكنني أن أعرف ما هو الشّعور في أن أكون خفّاشًا، حتّى لو أصبحت متكيّفةً على تحديد الموقع من خلال الصّدى؛ لأنّ استخدامي لهذه القدرة سيولّد حالاتٍ ذهنيّةٍ تتفاعل مع الحالات الذهنية الأخرى التي لا يملكها الخفّاش، أو التي تكون مختلفةً عن الحالات الذهنية لدى الخفّاش، أو قد تكون هذه القدرة ضعيفةً عندي، إذ لست معتادةً على الانتباه إلى الفوارق في الموجات الصّوتيّة المختلفة التي أتلقّاها خلافًا لما عليه الحال عند الخفّاش. وأظنّ أنّ ما يقوم به مقال نيغل هو إثارة سؤال عام حول مسألة الإتيان بأيّة مقارنة ذات مضمون في مسألة التجارب الذاتية. وبالمناسبة، أختلف مع زوجي اختلافًا كبيرًا في هذه المسألة.

ولكنّني أعتقد أنّ الطّريقة الوحيدة التي يمكننا من خلالها مقارنة تجارب الكائنات، ما بين الذوات، فهي عبر درجة تشابه ظروفهم ودرجة تشابه الأدوات الحسّيّة والإدراكيّة التي يستعملونها لاستيعاب تلك التّجارب. وعلى الأرجح أعتقد أنّنا لا نعرف كيف يكون عليه الشّعور، ولن نعرف ذلك مطلقًا. إذ لا أظنّ أنّ المكفوفين الذي يعتمدون على تحديد المواقع من خلال الصّدى يعرفون شعور أن يكونوا خفَافيشَ، لأنّني لا أعتقد أنّ هذه القدرة التي يستخدمونها متجذّرةٌ في حياتهم الإدراكيّة والعصبيّة العضليّة خلافًا لما هو عليه الحال عند الخفّاش. ولكن أرى بأنّك إذا قلت: «حسنًا، لا يمكننا معرفة ما هو الشّعور في أن نكون خُفّاشًا» فأعتقد أنّ هذا الأمر سيودي بك إلى اتّجاهٍ شكوكيٍّ حيث سيتوجّب عليك القول: «هل يمكنني أن أعرف ما هو الشّعور في أنْ أَمُر بأيّة تجربةٍ أخرى تكون مشتركةً مع أيّ شخص آخر؟».

أودّ الرجوع إلى مسألة «التّأثير». فَمِن الناحية التاريخية، لطالما وُجد أحدٌ ما يُخبر الآخرين كيف يجب تأويل الأمور، وكيف يجب أن تكون الحياة، وما هو هام، وما هو الصّواب والخطأ، أي يخبرهم أن عليهم أن يعيشوا حياتهم، ومن عليهم أنْ يصبحوا. لكنّنا نمتلك الآن إعلامًا هدّامًا إلى درجة أنّه يؤثّر علينا طوال الوقت. فالإعلام الذي نختار متابعته سيحدّد ما نعتقد بأنّه صائبٌ أو خطأ. وسؤالي هو: إلى أيّ مدى يحدّد الإعلام الذي نستهلكه إدراكنا الحسي للعَالَم؟

ثمّة مُتغيّرٌ هام وهو الإعلام الذي نتابعه. فالعديد من النّاس الذين يناصرون دونالد ترامب يشاهدون قناة فوكس نيوز ويعملون وفقًا لإحدى القواعد الكواينيّة القائلة بإنّك تستطيع اعتناق أيّ معتقدٍ إن كنت مستعدًّا للقيام بتعديلاتٍ ملائمةٍ في نِظامك. ابتكار قِصّةٍ مترابطة حول الأحداث ليس أمرًا صعبًا في حال كنت مستعدًّا لتجاهل الحقائق، وعلى الرّغم من ذلك؛ بمن سأثق بشأن المعطيات حول أعداد عدوى كوفيد ووفيّاته مثلاً؟ أنا لا أقوم بِبُحوث أولية بل لديّ مصادري، إذ أثق بصحيفة «نيويورك تايمز» وبصحيفة «واشنطن بوست». توجد العديد من المنافذ الإعلامية التي سألجأ إليها، وسأحاول جمعها لأرى ما إذا كانت كلّها متّفقةً في معلوماتها، وما إلى ذلك.

لكنّ السّؤال المحوريّ: لمَ أثق بالمصادر التي أثق بها؟ أظنّ بأنّه سؤالٌ يصعب الإجابة عنه على نحوٍ مقنن ومحدد. أعتقد أنّ مفارقة الإنترنت أنه كان يرى باعتباره دافعًا كبيرًا للدّمقرطة، إذ جعل هذه المعلومات كلّها متوفّرةً لدى النّاس، ولكنّها جعلت أيضًا نظريّات المؤامرة الغريبة والمعلومات المضلّلة متاحةً لهم، بالإضافة إلى الكَذب المُحفَّز سياسيًّا وغيره. وبصفتي أستاذةً جامعيّةً يقلقني هذا الموضوع كثيرًا، ولقد تمعّنت في الحاجة إلى ضرورة إدخال أحد المقررات الدراسية في مادّةٍ «نظرية المعرفة العملية» إذ تحدث كلّ هذه الإبستمولوجيا أمام أعيننا ولا يُفترض بنا سوى إرساء أعرافٍ حول تكوين الاعتقاد وما شابهه. حسنًا، ما هي النّصيحة التي ينبغي علينا تقديمها إلى النّاس العاديّين؟

يُترك النّاس ليتّخذوا خياراتهم بأنفسهم. فالذين يعملون ساعاتٍ طويلةً حيث يؤدّون أشق الأعمال الجسدية، والذين خياراتهم محدودة في تربية أولادهم وتنظيف المنزل وتحضير الطّعام، إلخ، هم الأفراد الأكثر تعرّضًا للضّغط. فهم لا يملكون رفاهيّة الوقت لمراجعة السّرديّات المتنافسة بشأن الأخبار. أظنّ أنّ الرأسماليّة المتأخّرة وفّرت شروطًا حيث ثمّة ما يعيق النّاس في أنْ يكونوا على اتصال بمصادر معلومات موثوقة تأخذ مصالحهم بعين الاعتبار. وهذا ما يشكّل مشكلةً هائلةً.

ثمّة سؤالٌ أخيرٌ أودّ طرحه عليك: أتوجد وسيلةٌ تؤثر على إدراكنا للعَالَم؟ هل بإمكاننا تغيير إدراكنا الحسّي للعَالَم؟

أجل، أظنّ أنّنا نستطيع تعلّم أمور حول هشاشتنا المعرفيّة. هناك أبحاثٌ مُحكمةٌ في مجال ما يسمّى «التحيّز الضّمنيّ» حول تأثير أنماط الارتباط المكتسبة على سلوكنا حتّى لو لم تؤثّر على أحكامنا. أعتقد أن ما نعلمه بشأن مسألة تكوين الاعتقاد، والتّكوين السّليم للاعتقاد، يكذّب رؤية معيارية معينة حول تكوين الاعتقاد، وهي ما أسمّيه إبستمولوجيا دراغنت «Dragnet epistemology» تيمّنًا بالمسلسل البوليسي «دراغنت».

أعتقد أنّ المثال الذي يجسّده ذلك البرنامج هو تجسيدٌ لرؤية تجريبية جذرية مفادها أنّك لا تملك سوى مُدخلاتك الحسّيّة. وبناءً على ذلك، لا تقوم بشيءٍ سوى حوسبة هذه المدخلات وتصل بها إلى التّعميمات، ثمّ تختبرها لترى ما إذا كانت صحيحةً، ثمّ تعتقد بها في حال ثبتت صحّتها. وإن ظهرت كاذبةً فستغيّر اعتقادك. إنّها صورةٌ متخيّلةٌ تمامًا لعمل الإدراك البشريّ، فالأمور لا تجري على هذا النّحو. أعتقد أنّ التكيّف مع الحقيقة التي مفادها أن تلك الصّورة الجذّابة والمغلوطة حول تكوين اعتقاداتنا فاشلةٌ هو جزءٌ من نموّنا معرفيًّا. وحينما ينمو المرء يصبح الأمر أكثر تعقيدًا لديه. لا أزال أحتفظ بذلك الأمل اللّيبراليّ وهو إذا جعلنا التّعليم متوفّرًا لدى الجميع، وإذا قدّمنا للنّاس عيشًا كريمًا بمقدارٍ لن يحتاجوا فيه إلى القلق بشأن توفير الوجبة التّالية، ولا نوع المسكن الذي سينتقلون للعيش فيه؛ فسيملكون رفاهية التفرغ الإدراكيّ والعاطفيّ للتّدقيق في الأمور.

 

مقالات ذات صلة