مقابلة مع: البروفيسور نايف الروضان، فيلسوف أعصاب
أجراها: زان بواغ
ترجمة: أنطونيوس نادر
زان بواغ: ""عندما نحدق في سماء الليل، وننظر إلى هذاه الرحابة، وهذا الظلام، نرى بريقًا من الضوء يشع من مكانٍ آخر، وحين نفكر في كل ما هو موجود، كل ما في الفضاء، يصعب علينا فهمه. فما الفضاء؟ وهل هو بلا حدود؟
البروفيسور نايف الروضان: ""الإجابة المختصرة على هذا السؤال أنه ليس لدينا أي فكرة. وما أظننا سنتطلبه وما أظن وجود الكثير من المناقشات حوله في الأدب هو اكتشاف قوانين فيزيائية جديدة تجعلنا قادرين على فهم هذه الأفكار شديدة التعقيد. أرى أن الكون المُكتشف -حتى الآن- مخيفًا، والطبيعة الدقيقة لما نجهله عن الكون تفوق استيعابنا الحالي. على الأرجح أن الفضاء لا حدود له؛ تشير كثير من النظريات إلى توسع الفضاء بمعدلات مختلفة، إلا أنَّ السؤال هو: إلامَ يتوسع؟
أحدث تلسكوب هابل ثورةً في مجال استكشاف الفضاء، وما سيكون أكثر أهميةً مقراب جيمس ويب عند إطلاقه هذا العام؛ فسنكون قادرين على رؤية ما هو أبعد وعلى تحصيل مزيدٍ من الأفكار؛ ولكن ما زال أمامنا طريق طويل لنقطعه قبل أن يكون لدينا فهم أولي لطبيعة الفضاء الخارجي، ومن ثَمَّ فهم ما يذهلنا... وأنا أرى أنَّ ما يذهلني هو ما إذا كانت هناك كواكب شبيهة بالأرض أم لا، وما إذا كانت هذه الكواكب تحتوي أو لا تحتوي على كائنات بيولوجية قد تشبهنا أو قد تكون مختلفة تمامًا عمَّا نتخيله.
الظاهر أن كوننا بمفردنا في هذا العالم أو أن حياتنا قد تكون هي الحياة الوحيدة الموجودة في الكون هو درب من دروب الخيال؛ فإذا كان الكون لا حدود له أبدًا، فإن الاحتمالات تشير أكثر إلى عدم وجودنا بمفردنا في الكون
أظنُّ أنه من المستحيل أن نكون بمفردنا. وقد قدَّرت وكالة ناسا وبعض علماء الأحياء الفلكيين أنه قد يكون هناك ملايين من الكواكب الشبيهة بالأرض على الأقل في مجرتنا، وأن ثمة أشياء كثيرة؛ لنكتشفها؛ حيث وجد المستكشفون الأكسجين والماء، وهما من ضروريات الحياة كما نعلم. هناك أيضًا دليل على أنَّ الكائنات الحية الأخرى يمكنها أن تحيا حياةً كاملةً على الهيدروجين أو منتجات الهيدروجين، أو أنها قد يلزمها للحياة متطلبات أخرى مختلفة تمامًا وغير معروفة. يُرجَح بشكلٍ كبير وجود أشكال متنوعة من الحياة هناك، فقد تكون تلك الكائنات مختلفة عنا تمامًا، لكنَّ هذا لا يعني أنها أقل ذكاءً أو أقل قدرةً؛ هذه كلها تكهنات، لكنني أرى أنه لا بأس من التفكير وفقًا لهذه المنطلقات؛ إذ الكون شاسع وطبيعته غير محدودة.
أحد عوامل استكشاف الفضاء فكرة وجود شيء آخر مختلف. الآن لدينا تكنولوجيا تسمح لنا أن نسافر مسافات شاسعة. وثمة خطط لاستعمار القمر بحلول عام 2024م، لإرسال بشر إلى المريخ في العشرين سنة قادمة. فلماذا نوسع وصولنا إلى ما وراء حدود الأرض؟
الدوافع وراء ذلك متشعبة. فقد دعا لورد ريس العالم الفلكي الملكي في كامبريدج وكذلك ستيفن هوكينغ قبل وفاته إلى أنه من مصلحة جنسنا البشري -على المدى الطويل- اكتشاف عوالم أخرى صالحة للسكن. وذلك لضمان بقائنا إذا ما حلَّت بالأرض كارثة أو نزلت نازلة، سواء كان ذلك في شكل براكين عملاقة أو مذنبات أو أي شيء آخر؛ كما أننا في حاجة إلى الانتشار للحفاظ على مكانتنا في الكون. هذه وجهة نظر مثيرة للاهتمام للغاية، وأنا أؤيدها؛ لأنني أجدنا شديدي الضعف، وها هي التقديرات تشير إلى أنَّ 97٪ من جميع الأنواع التي كانت موجودة على الأرض قد انقرضت، وربما لن يختلف مصير البشرية عنها.
أظنَّ أنَّ انقراضنا عن هذا الكوكب أمر وارد في مرحلةٍ ما، وذلك لأسباب عدة.
الدافع الآخر -بالطبع- هو روح الاستكشاف والابتكار والمنافسة العالمية على الهيمنة والاقتصاد والموارد والقوة. وإني لأوافق الرئيس جونسون على ما قاله في عام 1966م: «إنَّ من يتحكم في الفضاء هو الذي سيملك زمام الأمور في الشؤون العالمية».
ما إن تكن لديك القوة، حتى يكون لديك صراع. وهذه إحدى القضايا التي سنواجهها مع محاولات استعمار المريخ. أعلم أنك كتبت أنه بموجب معاهدة الفضاء الخارجي لعام 1967م، فإنَّ المريخ ملكٌ للجميع، ولا يمكن لأحد أن يمتلك جرمًا سماويًّا. إذن ما القضايا التي سنواجهها أثناء تسابق الدول والشركات والأفراد لإنشاء هذه المستعمرات، سواء كانت على القمر أو على المريخ، أو على كويكبات يُسعى للتنقيب فيها؟ ما نوع هذه المشكلات؟
أعتقد -كما ذكرت آنفًا- أنَّ معاهدة 1967م تحظر تملُّك أي جرم سماوي، لكن لم يكن أحد - ممن شارك في صياغة تلك المعاهدة - يتصور أنَّ قضايا الفضاء ستصير مشكلة في سنوات حياتهم القادمة؛ إذ كانت هذه المسائل مستبعدةً. ثمة تردد كبير للقوى الفضائية الكبرى من أجل الحوار والتفاوض حول وضع مدونة لقواعد السلوك بشأن الفضاء؛ لأنَّ بعض هذه القوى لديه تفوق تكنولوجي متطور يدفعها إلى التراجع عن المشاركة في مثل هذه النقاشات، وهذا ما أراه قصر نظر.
الجواب عن سؤالك هو أننا سنواجه كثيرًا من المشاكل؛ فسنواجه منافسةً، وربما صراعًا أيضًا؛ وإن كانت القوى الفضائية الأربعة الكبرى - الولايات المتحدة، والصين، وروسيا، والاتحاد الأوروبي - ترى أنَّ الفضاء كبير جدًّا حتى إنَّ التزاحم والوقوع في المشاكل والصراعات سيكون ضئيلًا في هذه المرحلة؛ لذا فإنهم يريدون تعظيم مكاسبهم في الوقت الحالي وعدم الالتزام بأي معاهدات أو أطر قانونية؛ وبعد ذلك، عندما يلحق الناس بهم، سيقولون: «حسنًا، سنجلس الآن ونتفاوض». وأظن أن هذا هو النهج المعتمد.
فكلما احتل البشر منطقة جديدة، ازداد احتمال المخاطر الذي ينطوي عليه هذا الفعل التوسعي، وإنه ليتعذر تحديد طريقة تعامل أي دولة مع مستعمرة مستقبلية على القمر أو المريخ أو كويكبٍ ما، لكن من السهل تخيل أنَّ بعض الصعوبات التي واجهها المستكشفون في تاريخ البشرية، قد تتكرر في المستقبل.
ويكمن أحد أجزاء القضية في عدم وجود وضع قانوني واضح حول استعمار الفضاء والأنشطة المسموح بها والأخرى المحظورة. عندما اكتُشِفت منطقة جديدة في الماضي، تنافست الدول على تلك المساحة - بدلًا من الموافقة على تقسيمها بين بعضهم بعضًا بطريقة عادلة - فهل سيتغير هذا مع المريخ أو الأجرام السماوية الأخرى؟ هل سيكون لكل أمة على وجه الأرض الحق في استملاك أرض في الفضاء، أم أنَّ الملكية ستكون فقط مُحدَّدة للدول التي تتمتع بقوة علمية واقتصادية؟ هذه الأسئلة، لا يمكن الإجابة عليها على المدى القصير، ولكن يتعين علينا الإجابة عنها، بل تحديد الإجابات التي يجب أن تكون قبل حدوث الاستعمار البشري للأجرام السماوية، فضلًا عن تحديد شكل الحكم الرائد الذي ستعتمده الدول أو الجماعات.
هناك الكثير من القضايا التي يمكن طرحها عند الحديث عن إنشاء المدينة الفاضلة، أو إمكانية خلقنا لمكانٍ مثالي في بقعةٍ أخرى. وغالبًا ما يكون ذلك لتجنُّب التعامل مع المشكلات الكثيرة التي قد نواجهها على الأرض. هل البحث عن يوتوبيا -في مكانٍ آخر- هو مجرد وسيلة للتخلص من كل ذلك؟ هل سنتمكن من إنشاء عالمٍ أفضل إذا ما عثرنا على عالٍم آخر؟
نعم. أظنُّ أنَّ هذا مشروع حالم؛ ومع ذلك، أميل إلى الاعتقاد إلى أنَّ كل ما سنفعله في مكان آخر سيكون امتدادًا لنجاحاتنا وإخفاقاتنا هنا على الأرض.
فنحن ما نحن عليه -كما كتبت سابقًا-...«أنانيون عاطفيون وغير مبالين»؛ ويحكم البوصلة الأخلاقية لأغلبنا في أغلب الوقت ما أسمّيه «المصلحة الذاتية العاطفية المُدرَكة». يُعد الإدراك أمرًا بالغ الأهمية في هذا الصدد؛ لأننا يمكن أن ندرك الأشياء إدراكًا خاطئًا، ثمَّ نقوض مصلحتنا الذاتية المرجوّة. أرى أننا -في شكلنا البيولوجي الحالي- لسنا بالضرورة كائنات متعاونة.
يتعاون معظمنا غالبًا؛ لأجل مصلحتنا الذاتية العاطفية على المدى القصير، ولعل المجتمعات الخاضعة للمُساءلة قد نجحت إلى حدٍ ما أكثر من غيرها، بسبب أنها أنشأت مؤسسات شفافة ومستقلة وخاضعة للمساءلة تجعل طبيعتنا البشرية الضعيفة وغير الحصينة مطمئنةً تجاه مخاطر الحالة الهوبزية للطبيعة. إن العقل والأخلاق والتفكُّر للأسف ليست مسائل واسعة الانتشار كما نرغب في أن تكون، كما أنَّ أكثرنا لا يعمل وفقها، على الأقل، في كثيرٍ من الأوقات.
كان فكر هوبز -بالطبع- نِتَاج الحرب الأهلية الإنجليزية، لكنَّ كل ما قاله كان صحيحًا، وينطبق على أي مكان حتى اليوم حيث تهيمن الأناركية وحالة الطبيعة.
ولعل السبب الوحيد الذي يجعل أكثرنا لا يُقِرُّ بالتصور الهوبزي للعالم اليوم، هو وجود المؤسسات المسؤولة التي تبقينا متحضرين تجاه بعضنا، فضلًا عن القوانين التي تحكم تفاعلاتنا.
كانت الأديان، تاريخيًّا وقبل مفهوم الدولة ذات الحدود الواضحة، هي التي تفعل ذلك بناءً على أساس مُخصَّص لذلك وقابل للانتشار. ولكن، باتت القواعد والمؤسسات - الآن سواء أكانت دينية أم غير دينية- هي التي تدير النزوع البشري نحو المنافسة والصراع، وذلك بطريقة أكثر تنظيمًا وخضوعًا للمُساءلة.
لذا؛ أرى أنَّ هناك الكثير من التحديات السياسية والاقتصادية والفلسفية؛ لأن هناك تحديات يفرضها السفر إلى الفضاء، سنجد حلولًا، بيد أنَّ هذه الحلول ذاتها ستثير بعد ذلك تحديات أخرى، لا أظننا مستعدين للتعامل معها.
تكمن القضية -إلى حدٍ كبير- في كون الانتقال إلى الفضاء الخارجي لن يُصْلِحَ كثيرًا من المشكلات الأساسية التي نواجهها على الأرض. ولست أرى أنَّ أنشطة معظم الدول في الفضاء الخارجي هي محاولةٌ لخلق مجتمع جديد أو عالم جديد، بل هي محاولة لتوسيع الممارسات الحالية للهيمنة والمصالح الوطنية في المناطق الجديدة.
يُرجَح أن نسمع عن المريخ الأمريكي والمريخ الصيني والمريخ الروسي وما إلى ذلك أكثر من ترجيح وجود مجتمع يوتيوبي يخلو من الشواغل أو النواقص الأرضية. هذه إحدى مشكلات النشاط في الفضاء الخارجي الحالي. إذ نفتقر إلى الأطر القانونية القابلة للتنفيذ التي تمنع نشوب صراع دولي على الأرض، لذلك فإنَّ كل أسباب الصراع واردة ومتوقعة في الفضاء أيضًا.
تكتب أنه في حين يُعد الفضاء الخارجي من المشاعات العالمية، فإنَّ التطوير الأخير للقوى الكبرى في العالم للأقمار الصناعية المُسلَّحة ومضادات الأقمار الصناعية، يشير إلى اعتراف متزايد بأنَّ الفضاء قد يصبح أكثر من مجرد ساحة معركة يخوضها القليل من رواد الأعمال النشطون في هذا المجال. ما أكبرُ تهديد – تراه - لحقوق الملكية في الفضاء؟ وهل ثمة حل لهذه المسألة؟
الإجابة المختصرة: هي أنه لا يوجد الآن حل معقول أو قابل للتنفيذ. لطالما كان يُنظر إلى الفضاء الخارجي على أنه من المشاعات العالمية إلى أن طُوّرت القدرات التكنولوجية المُعقَّدة التي زادت من مطامع الدول.
أنشأت كثير من الدول قوات فضائية خلال العام الماضي، وأعلن الناتو أنَّ الفضاء مجال حرب محتمل. كانت هذه الإشارة الأولى إلى صراع محتمل في الفضاء حتى من خلال مَن يملكون قوات فضائية؛ وإن لم تصرح هذه الدول بالهدف من إنشاء هذه القوات، ولم تشر إلى احتمال خوض حرب هناك، مع العلم أنَّ ذلك كان أمرًا مفروغًا منه ضِمنيًّا. لذا؛ أعتقد أنَّ الفضاء لم يَعُدْ مشاعًا عالميًّا بالمعنى الحقيقي أو الوظيفي.
يتمثل التهديد الأكبر، على المدى الطويل، في فكرة أن دولة ما تطالب بقطعة من الأرض، ثم تستخدم جيشها للدفاع عنها؛ ولكن على المدى القصير، يكمن الخطر في أن الفضاء يزداد ازدحامًا بالحطام الفضائي وتنامي العسكرة؛ حيث تملك الدول أقمارًا صناعية مسلحة، وتستخدمها في الفضاء و/أو على الأرض ضد بعضها البعض. إنَّ الجهود الجماعية، لذلك، مُلِّحة لوقف تنامي عسكرة الفضاء الخارجي وإزالة الخردة في مدارات الأرض الناتجة عن ازدياد الحطام الفضائي. وسيتطلب ذلك موارد مالية وتكنولوجية هائلة ينبغي على الجميع الإسهام فيها.
تصبح البشرية أكثر اعتمادًا على نحو لا رجعة فيه على الفضاء في تحديد مسألة السلام والحرب، ولتلبية احتياجاتنا وأنشطتنا اليومية، بدءًا بالسفر التجاري ووصولًا إلى الهواتف المحمولة والإنترنت وما إلى ذلك... ومن ثَمَّ فإن أي تعطيل خطير للأنشطة المدارية سيكون ضارًّا لنا جميعًا، وقد يعيد التقدم البشري الذي أحرزناه عقودًا طويلةً إلى الوراء.
قُنِّنت ملكية الممتلكات في الفضاء الخارجي بموجب معاهدة عام 1967م؛ ولكن على الأرجح أنَّ الدول القوية لن تلتزم بها. فستبذل هذه الدول كل ما يمكنها؛ لئلا تمتثل للقواعد؛ لذلك، أعتقد أننا في حالة من الفوضى التي قد تزداد في ظل غياب الأطر التنظيمية الجديدة.
تقول: ""إن الفضاء يزداد أهميته لنا على الأرض من نواحٍ كثيرة، وأنَّ الفضاء هو أحد الأصول الحاسمة للدولة الحديثة، ومحور التحديات التي ستواجهها. فكيف يرتبط الأمن السيبراني وأمن الفضاء؟
حسنًا، إنَّ كل هذه الأحداث بعيدة؛ فلا يمكن الوصول إلى الأصول الفضائية إلا بالإنترنت، وهذه هي الطريقة الوحيدة. إنَّ الأمن السيبراني وأمن الفضاء، لذلك، مرتبطان بحكم التعريف. تكمن المشكلة في أنَّ أي مسافة تتعلق بالاتصال قابلة للاختراق، ويمكن الاستحواذ والتشويش عليها، فضلًا عن انتحالها وتطبيق العديد من الوسائل لاختراقها. ويُحتمَل أن يؤدي هذا الأمر إلى تأزيم الأمور، وقد يؤدي عن غير قصد إلى حدوث سوء فهم أو صراع بين قوى الفضاء.
لن يكون التعمق في الفضاء أمرًا سهلًا بالنسبة لنا، فأنت تقول: ""إننا سنضطر إلى تغيير بنيتنا البيولوجية. وأنَّ هناك تأثيرات فسيولوجية سلبية طويلة المدى يسببها الوجود في الفضاء: العظام تصبح هشةً، ويصعب النوم والأكل، والعضلات تُصاب بالضمور. فهل من الممكن أن يزدهر البشر في الفضاء الخارجي؟
إنَّ المشكلات الصحية التي تصاحب السفر إلى الفضاء موثقة جيدًا، وستحتاج إلى معالجة إذا كان البشر سيقضون فترات طويلة في الفضاء الخارجي أو في الفضاء العميق في مستعمرة فضائية ما. حقيقة الأمر أننا لا نستطيع التنبؤ بجميع المشكلات التي سيواجهها رواد الفضاء وحتى إذا رأينا بالفعل سلسلة من المشكلات، بدءًا من القلق والاكتئاب إلى التدهور المعرفي وضعف البصر والتغيرات الكروموسومية وداء الإشعاع وهشاشة العظام وما يشبه ذلك.
ستكون هناك محاولة لإيجاد حل مع كل مشكلة. وسيكون ذلك على الأرجح من خلال تعزيز التكنولوجيا الحيوية التي سيكون لها آثارها الجانبية الخاصة التي قد لا نكون قادرين على التنبؤ بها، إضافةً إلى الاهتمامات الأخلاقية والمعنوية المعروفة المتعلقة بمبدأي الإنصاف والأصالة، فضلًا عن مبدأ الجدارة الذي سبق أن تناولناه. تكيف البشر، مع ذلك، بمرور الوقت في معظم المواقف الصعبة التي وجدوا أنفسهم فيها. والفرق أنه كان لديهم وقت طويل -آلاف السنين- وهو ما لا نملكه في خطط الفضاء الحالية؛ فعلى الأرجح أننا لن نتمكن من البقاء على قيد الحياة لفترة طويلة في الفضاء الخارجي إلا بوجود التعزيزات الجزيئية المناسبة، وذلك؛ لأننا لن نعيش في الفضاء العميق في شكلنا البيولوجي الحالي.
ماذا عن الفضاء السيبراني؟ هل يمكننا الازدهار في الحياة على الإنترنت؟
لسنا مبرمَجين، من وجهة نظر البيولوجيا العصبية، على أن نكون وحدنا. ولا أن نعيش حياةً عن بعد. ولقد كتبت بالفعل مقالاً قبل بضعة أشهر عندما بدأت جائحة كوفيد-19 بعنوان: «فلسفة العزلة الاجتماعية العصبية».
إن العزلة الاجتماعية أمر مزعج للعقل البشري. وذلك بسبب الخوف، لأنه محفز مركزي لشعورنا بالرفاهية والأمان، بالإضافة إلى التعلُّق والشعور بالانتماء. سننجح وسنحيا، لكن ديناميكياتنا النفسية ستعاني. فقد نحيا ونعمل، بيد أننا لن نكون سعداء. لقد تصاعدت، على سبيل المثال، وتيرة الاكتئاب والقلق، والأمراض العقلية الأخرى في معظم المجتمعات خلال الجائحة الحالية.
نفعل ذلك بحكم الضرورة، ولكن ليست هذه هي الطريقة التي نرغب في أن نعمل بها. سنتكيف الآن وسنتعامل مع الأمر بدافع الضرورة، لكن ديناميكياتنا النفسية ستتضرر.
هل سنتمكن من فهم اتساع الفضاء الخارجي وقياسه؟
ليس في الوقت القريب؛ إذ يتطلب هذا الأمر رؤى تكنولوجية أكبر مما نمتلكه الآن، وسيستدعي أيضًا نماذج علمية مختلفة قد تتضمن قوانين فيزيائية جديدة لفهم التعقيدات الهائلة للمكان ومجال الزمكان. يصعب التنبؤ بالوقت الذي قد نستغرقه لفهم ذلك أو معرفة الشكل المستقبلي ما بعد الإنساني أو التجاوزي الذي سنتخذه. تعقيد الكون المستكشف حتى الآن عسير، وسيكون الجزء المجهول من الكون معقدًا تعقيدًا لا يوصف، بل يفوق الفهم والاستيعاب.
