القائمة الرئيسية

الشخصية ضد السمعة

الشخصية ضد السمعة
ملخص المقال

تتناول المقالة لعبة ""لو خيّروك"" كوسيلة لاستكشاف القيم الشخصية والتفكير الأخلاقي. تقدم اللعبة خيارات صعبة تعكس تفضيلاتنا بين السمعة والشخصية، مما يثير تساؤلات حول ما نعتبره أكثر أهمية في حياتنا.

مايشا تشيري

ترجمة: منار الصلتية

لنلعب لعبة «لو خيّروك». أيهما تختار، التحدث بخمس لغات أم بلغة الحيوانات؟ أيهما تختار، الجري بسرعة أم التحليق ببطء؟ أيهما تختار، أن تكون غنيًّا أم مشهورًا؟ أيهما تختار، السفر عبر الزمن 100 عام في الماضي أم المستقبل؟ أعلم جيدًا أن هذه الأسئلة صعبة؛ وهنا يكمن الحماس في اللعبة! إذ يمكن أن تمنحنا الإجابات لمحةً بسيطةً حول تخيلاتنا وقيمنا، سواء كنّا نلعبها لتمضية الوقت أثناء جائحة عالمية أو لنتمكن من التعرف على زملاء العمل في المؤتمرات المرئية المنعقدة عن بُعد.

وتمثل اللعبة تحديًا أكبر عندما ندخل نطاق مجال الأخلاق. على سبيل المثال، أيهما تختار، أن تمتلك الشخصية أم السمعة؟ هذا السؤال -بالتحديد- مثير للاهتمام وصعب في آن؛ لأنه يبدو أنّه يخيّرنا بين شيئين متعارضين تمامًا؛ بين الجوهر والمظهر، بين ما أعرفه وما يعرفه الآخرون، بين الدائم والمؤقت، وبين الأصلي والمُزيَّن. ومن الناحية الفنية، لا توجد إجابات خاطئة في هذه اللعبة. إنما الأهم من ذلك، ما الذي تكشفه إجاباتنا عن ذواتنا؟ ولمَ علينا أن نهتم بهذا الأمر؟

بينما تخوض في لعبة «لو خيّروك»، ربما تكون إجابتك: «أختار أن أملك السمعة»؛ لأنك تظن أن آراء الآخرين عنك مهمة. على الأقل هذا ما نقله رجل عصابات سابق إلى النسخة المُعدَّلة من شخصية مالكولم إكس في مشهدٍ من حكاية سينمائية تدور حول حياة هذا الناشط في حقوق الإنسان للمخرج الأمريكي سبايك لي عام 1992م. فلقد قامر مالكولم، في ريعان شبابه، لأحد أفراد عصابة يُدعى آرتشي. وفي المرة الوحيدة التي لعب فيها وفاز، راودت الناسَ شكوكٌ بأنه كذب بشأن وضع رقمه الفائز. ومن أجل أن يحافظ فرد العصابة هذا على سمعته، دأب هو وعصابته على مطاردة مالكولم، وطرده في النهاية من حي هارلم. وأوضح آرتشي أثناء زيارة مالكولم له بعد سنوات قائلًا: «كل ما يهمني هو سمعتي». إنّ هذه الإجابة -بكل تأكيد- متوقعة من آرتشي؛ إذ إنّ أحد الأمور المهمة بالنسبة لعمله نظرة الناس له. فهو بحاجة إلى أن يراه الناس على أنه قاسٍ وعنيف ولا يرحم. وأما طبيعته الحقيقية الكامنة في قلبه ليست ذات أهمية مقابل نظرة عالم الإجرام له، ذلك العالم المليء بالأعداء والمحتالين والخونة المحتملين. ويرى -بالفعل- أن السمعة كل ما يهمه. فيعمل جاهدًا على تشكيلها بالشكل المطلوب، حتى لو تطلب الأمر أن يقتل أحد أفراد عصابته.

من نافل القول أن أسلوب حياة رجل العصابات ليس مثل أسلوب حياة العاملين في المهن الأخرى، لكن عندما نعتقد أن السُّمعة أهم من الشخصية؛ فلن نختلف في ذلك عن رجل العصابات. الشخصية المؤثرة على وسائل التواصل الاجتماعي، والتي تدور حياتها حول تلقي الإعجابات، حريصة على أن يراها الناس وفق قالَب معيّن، على حساب المصداقية، فإنه يلعب اللعبة بالأسلوب ذاته. والشخص الذي يحاول أن يُبهر الجمهور على وسائل الإنترنت بأخلاقه -ينشر عن فضائل معينة دون أن يكون فاضلًا بالأصل- يلعب أيضًا اللعبة نفسها. وعندما يقضي مزيدًا من الوقت في إيهام المتابعين عبر الإنترنت بأنه «واعٍ سياسيًا»، بينما يقضي وقتًا أقل للتأكد من أنه يعيش -بالفعل- حياة واعية ورحيمة؛ فإنه يلعب لعبة آرتشي. وعلى كل حال، لا يجب أن تكون الأمور على هذا النحو؛ أي إذا كانت السُّمعة ضرورية بالنسبة لرجل العصابة؛ فإنها ليست -بالضرورة- مهمة بالنسبة لغيره. لذلك، لدى الشخصية المُؤثِّرة في وسائل الإعلام الاجتماعية والناشط الحقوقي على الإنترنت خيارات أخرى.

في المقابل، قد تُفضِّلُ الشخصية على السمعة، وتقول لنفسك: «لماذا عليّ أن أهتم بما يعتقده الناس عني؟» على الأقل هذه كانت ردة فعل شيرلوك هولمز على جون واتسون في إحدى الحلقات من الموسم الثاني من مسلسل «شيرلوك»؛ مسلسل الجريمة والدراما البريطاني المذاع على بي بي سي. وفيه يحاول عدو شيرلوك، جيم موريارتي، أن يدمّر سمعة شارلوك ومصداقيته من خلال اتهامه بارتكاب الجرائم التي قد حلَّها، ولكن يثق شيرلوك ببراءته ودهائه. وهذه الحقائق بالنسبة له كافية ومهمة دون سواها، لذلك يشعر بالحيرة عندما يقول له واتسون: «لا أريد أن يظن الناس أنك ... مُحتال». ويمكننا أن نتفهم ردة فعل واتسون؛ لأن شيرلوك يعمل محققًا؛ أي إن طبيعة عمله تقتضي أن يسلّم رجال العصابات، مثل آرتشي وغيره من المجرمين، إلى العدالة بحلّه ألغازَ أعقدِ الجرائم. لهذا السبب، تتطلب وظيفته أن يحافظ على ثقة عملائه والمجتمع عامةً؛ بأنّ يؤدي عمله بخالص الصدق والموضوعية. أما إذا فقد هذه الثقة، عندها لن يتمكن من أداء عمله، ولن يوظفه أحد.

حقيقة الأمر هي أن السمعة لها رواج في عالمنا؛ فنحن مثلًا ندعم المشاريع التجارية بناءً على سمعتها (متى كانت آخر مرة زرت فيها مطعمًا تقييمه نجمة واحدة؟) ويضمَن الأشخاص الفرص الوظيفية حسب سمعتهم (متى كانت آخر مرة وظفتَ فيها أحدًا قد أُرسل في حقه خطابات توصية سيئة؟) بالإضافة إلى ذلك، تكوّن لنا السُّمعة صداقات ومعارف دائمة؛ إذ نقيم صداقات مع الآخرين ونحافظ عليها، إلى حدٍّ ما استنادًا لانطباع الناس حولهم. إنّ الشخصية مهمة حقًّا، لكن السُّمعة ضرورية أيضًا.

تظهر المشكلة عندما نسعى حثيثًا وراء رواج السُّمعة بطريقةٍ تُفسدنا أخلاقيًا. ففي الواقع، إذا أصبحت السُّمعة أُولى الأولويات، عندها تنسحب الشخصية الحقة من المشهد. نقضي كل وقتنا في التظاهر بمظهر الصدق الذي لا نتصف به في الواقع، على حساب مفهوم الصدق نفسه. ونستثمر وقتنا في الظهور بسعادة في الإنترنت، بينما نكرِّس وقتًا أقل في تحسين صحتنا النفسية حال نفاد بطاريات هواتفنا.

في المقابل، لا يكافئنا رواج السمعة دائمًا بما نستحق. لذا، حتى لو أجبنا في اللعبة: «سأختار أن تكون شخصيتي مطابقة لسمعتي»، فهذا لا يتحقق دائمًا؛ حيث إنّ سمعتنا لا تتطابق على الدوام مع شخصياتنا؛ إذ يمكن للناس أن يصدقوا أشياء خاطئة عنّا.

في بداية الحلقة، يوجد نوع من التلميح لما سيقع في أحداث المسلسل لاحقًا، يحذّر واتسون شيرلوك من أن الصحف والجرائد ستنقلب ضدّه، لذا نصحه بتوخي الحذر. ويسأله شيرلوك: «هل يزعجك حقًّا ما يقوله الناس عني؟» فيرد عليه واتسون مكررًا: «ابقَ بعيدًا عن الصحف فقط». ويمكن وصف تحذيره على أنه بُعد نظر؛ إذ يبدو أن ما يخص السُّمعة خارج عن إرادتنا. فبأيدينا نُشكّل شخصيتنا كما نرغب، لكن ليس بأيدينا تشكيل سمعتنا. يمكن أن ينشر الناس إشاعات وأكاذيب بشأنك، وقد يُصدِّق البعض هذه الأقاويل الباطلة، وقد يُسيء بعضهم فهم تصرفاتنا. وبينما يظهر أنّ لنا يدًا في تشكيل شخصيتنا، ففي الجانب الآخر لدينا سيطرة أقل على تشكيل نظرة الناس لنا وتغييرها. يكاد يستحيل أن تتطابق سمعتنا مع شخصياتنا.

ربما تكشف المخاوف حول مسألة السُّمعة شيئًا عن علاقتنا بشخصيتنا. على سبيل المثال، عندما يبدو أن خطة موريارتي تنجح، يلجأ شيرلوك إلى واتسون ويقول، «أنت قلق من أن تَصْدُق ظنونهم عني، لهذا السبب أنت مُستاء بشدّة. ولا يمكنك حتى التفكير في احتمالية أن يكونوا على خطأ، لأنك خائف من أن تتورط أيضًا». بالنسبة لشيرلوك، يبدو أن قلق واتسون بشأن سمعته متأصل في القلق من أن تَكشِف سمعة شيرلوك شيئًا عن شخصية واتسون. ماذا لو كانت تصورات الناس المتعلقة بشيرلوك صائبة، فهل هذا يعني أن واتسون رجل ساذج أو حتى مُخادع؟ قد يشير اهتمامنا بانطباعات الناس عنّا إلى هشاشة مشابهة للشخصية التي نريد أن نكون عليها. هل بإمكانها أن تُعرّي أي ضعف داخلنا أو نقص في شخصيتنا؟ هل يمكن لتصورات الناس أن تكون كالمرآة الدقيقة التي تعكس طبيعة مَن نكون فعلًا؟

لا توجد إجابات خاطئة في لعبة «لو خيّروك». رغم أن هذه النسخة من اللعبة تبحث عن إجاباتنا؛ إلا أن فيها كنزًا أكبر؛ إذ تُفصِح عن قيمنا، وطبيعة شخصياتنا، وما يمكننا الهروب منه وما لا يمكننا تجاهله. كما تخبرنا أيضًا عن الوجهة التي يجب أن نركّز عليها جهودنا، والسبب الذي علينا أن نكيّف توقعاتنا لأجله، ومدى أهمية كل هذه الأمور. لهذا، إنّ هذه اللعبة تستحق التجربة مرارًا وتكرارًا. وفي زمانٍ يبدو فيه أنّ الجميع يراقِبك، والحقيقة تتلاشى، قد نحتاج فعلًا إلى تجربة اللعبة.

مقالات ذات صلة