القائمة الرئيسية

السطحية التي لا تُطاق للعالم الافتراضي

السطحية التي لا تُطاق للعالم الافتراضي
ملخص المقال

تتناول مارينا بنجامين في مقالتها تأثير وسائل التواصل الاجتماعي على الشباب، مُركّزةً على تجربة ابنها المراهق الذي يبدو مُغرقًا في العالم الافتراضي بينما يتلاشى الواقع من حوله. تشير إلى أن معظم المراهقين يمتلكون هواتف ذكية ويستخدمون الإنترنت بشكل دائم، مما يثير تساؤلات حول تأثير ذلك على مزاجهم وتركيزهم.

مارينا بنجامين.

ترجمة: أنطونيوس نادر.

في الضوء الأزرق المنبعث من الشاشة التي تأسر أنظار ابني المراهق في إحدى الليالي، أضاء وجهه كما لو أنه لوحة. يتراقص الضوء والظلال على ملامح وجهه غير المعبرة بطريقة دراماتيكية من الجلاء والقتمة مثل لوحة كياروسكورية تليق بكارافاجيو. بهيئته المشعة هذه، يتمدد جسده بهدوء على الكرسي، ويوحي المشهد بهالة من التركيز الكامل، بيد أنني أعلم في الحقيقة أن تحديقه في الشاشة ليس سوى تركيز سطحي.

يتصفح، ويمرر، ثم يتصفح مرةً أخرى، ويضحك ضحكة ساخرة تارةً، ويعبس تارةً أخرى، ثم يكتب، وينتظر قليلًا، ثم يعود إلى كتابة المزيد. يبدو كما لو أنَّ شيئًا في العالم الافتراضي يمتص جسده إلى عالمٍ افتراضي ليقطن في كوكب خاص به، في حين يتلاشى العالم الحقيقي من حوله بصمت. إذا تمكنا من إبعاده عن الشاشة، فإنَّ هاتفه يُصدِر طنينًاورنينًا يشبه التأنيب، مثلُ حيوان أليف يحتاج إلى مَن يلاحظ وجوده. ليست المرة الأولى التي أتساءل فيها عما إذا كان الإنسان  يُدرَّب على أن يجول في هذا العالم ليعود بعد حين إلى العالم الحقيقي، أو عما إذا كان ابني هو من يخضع لتعليم الآلة. 

وقعت على دراسة لمركز أبحاث بيو عام 2018م تبحث في كيفية استخدام المراهقين لوسائل التواصل الاجتماعي، وقد أظهرت أنَّ 90٪ منهم يمتلكون هاتفًا ذكيًّا، و85٪ لديهم حسابات على موقع يوتيوب، و69٪ يستخدمون تطبيق السناب شات.  وقد صرح النصف تقريبًا، من مئات الشباب الذين استُطلِعَت آرائهم، أنهم يستخدمون الإنترنت بشكل دائمٍ تقريبًا. يبدو أنَّ السؤال عن مقدار الوقت الذي يمضيه أطفالنا أمام الشاشة يوميًّا لم يعد سؤالًا ينبغي طرحه؛ فلقد أصبحت عقولهم  مرتبطة ارتباطًا كاملًا بالشبكة. ربما يكون السؤال الأكثر إثارة للاهتمام هو ما الذي يفعلونه عندما لا يستخدمون الشبكة. ما مزاجهم؟ ما مدى تركيزهم؟ ما نوع المعاناة الانسحابية التي يختبرونها؟ مع العلم أنهم على الأرجح أن يسمون هذه المعاناة قلقًا. تُشعرك كلمة المعاناة أنها أكثر ارتباطاً بالجهاز الحُوفِي من الدماغ أو بالجانب الحيواني، وإن كنت لا أجد شخصيًا هذا التعبير مناسبًا. 

بدأت علاقتنا العاطفية بالإنترنت تتشوه في أعقاب سلسلة الفضائح التي اجتاحت الإنترنت، والناتجة عن أساليب الإعلان في فيسبوك، أو التهرُّب الضريبي المستمر لأمازون وممارساتها الشنيعة في المستودعات، أو السلوكيات الاحتكارية لغوغل. أضف إلى ذلك الغضب الذي تسببت به حملات التَّلاعب بـ«القلوب والعقول» كتلك التي شنتها كامبريدج أناليتيكا إبان خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، والانفعالات العدوانية للمتصيدين والعزباء الانتقاميين عبر وسائل التواصل الاجتماعي، والانتشار القوي لنظريات المؤامرة، وعمليات جمع المعلومات السرية المستمرة والمنتشرة في كل مكان بطرقٍ خفية؛ من غير المستغرب أن يدفع كل ذلك كثيرًا من الأشخاص إلى إبعاد أنفسهم (أو أطفالهم) عن الاعتماد على الشبكة، مثل كثير من العائلات التي اختارت العيش خارج الشبكة، وفضَّل أفرادها القراءة في ضوء مصباح الغاز وتدفئة أنفسهم أمام مواقد الحطب. هذا الابتعاد عن التكنولوجيا ليس دليلاً على الرجعية، وإنما هو وسلة حفاظ على وجود يتمتَّع بالاختيار.

لقد أصبح جليًّا أنَّ التكنولوجيا التي وُجِدَت لخدمتنا باتت هي الآمرة الناهية. تلفت جوليا بيل في الانتباه الجذري - وهو مقال بحجم كتاب يدور حول الثقافة الرقمية ويُعد بمثابة دعوة عاجلة لتدارك الوضع الذي وصلنا إليه - الانتباه إلى الخوارزميات المخفية التي تراقبنا خلف الشاشة، والمصممة لاكتشاف أدنى التغيرات في سلوكنا عبر الإنترنت واستغلالها؛ لصالح المُعلنين العازمين على استغلال هذه التغيرات الطفيفة؛ ففي كل مرة يُخيَّل لنا أننا نتصحَّف الإنترنت، هناك من يتصفحنا أيضًا. 

كتبت بيل كتابها قبل انتشار جائحة كورونا. وأصبح لتلك الفكرة، مع ذلك، صدى أكثر انتشارًا الآن بسبب هيمنة الحياة الافتراضية على الحياة الواقعية خلال فترة الإغلاق التام. كيف نرعى أنفسنا وتفاعلاتنا الرقمية عبر الإنترنت؟ كيف نظهر بشخصية مثالية؟ (كما في الحياة العملية، كذلك الحال الآن؛ إذ يتم نقلنا إلى المؤتمرات عبر الفيديو من خلال مواقع التواصل الاجتماعي)، وفي النهاية ما مدى فراغ ذلك -يا لها من علاقة بائسة بين حياتنا الرقمية بالمقارنة مع وجودنا في عالم ثلاثي الأبعاد- فلقد أظهر الإغلاق التام خفايا كل شيء، والأسوأ من ذلك أنه جعلنا قلقين دائمًا وسريعي التأثر. أعجبني، قبل بضعة أسابيع، ملاحظة نقدية ثقافية مفادها أنَّ الإثارة الوحيدة التي حصلنا عليه في الإغلاق التام هي العمل؛ إذ تُنادينا الشاشة مضاءة، فنُلبِّي النداء بإخلاص. 

ثمة العديد من الدراسات المثيرة للاهتمام حول الطريقة التي تحولنا فيها -نحن الفاعلين- إلى سلع في الحياة الرقمية؛ بفضل البرمجيات التي تسترعي انتباهنا دائمًا إلى أماكن أخرى من أجل الاستفادة من إشراكنا فيها. إننا في الواقع نبحر في الوهم الذي اخترناه عندما نجوب الإنترنت؛ في حين أنَّ الخوارزميات لا تكف عن إغرائنا، استنادًا إلى ما تعلمه عن تصرفاتنا وعما نرغب؛ فهي تجذبنا إلى أعماق متاهة الويب من خلال ثقوب كثقوب الأرانب لا نهاية لها. فها هي الساعات تنقضي دون أن ندرك، ونحن نبحر من صفحة إلى أخرى. وهكذا نكون قد أقصينا أنفسنا عن الحياة الواقعية دون أن نلاحظ ذلك. 

تتمسك شركات التكنولوجيا بأموال الإعلانات، لذلك تعمل جادَّة لإبقائنا مرتبطين بشبكة الإنترنت لأطول مدة ممكنة. و تلعب هذه الشركات، بفضل خبرتها الواسعة بحالاتنا النفسية؛ حيث تمنحنا تلك التفاعلات من قبيل «الإعجاب» و«القلوب الحمراء المتوهجة» و«اقتراحات الأصدقاء الجدد»، فضلاً عن تحديثات تلقائية وإشعارات مستمرة. تلك الأخيرة لا تتوقف عن إصدار أصوات تشبه تلك الأصوات المألوفة في عالم المقامرة التي تعمل أيضًا على جذب انتباه المستخدم إلى المكان. حددت نتاشا داو شول على سبيل المثال في كتابها (تصميم الإدمان) أنَّ ثمة تأثيرًا يشبه التخدير التقني يخضع له المرء الذي يقامر أو يدمن القمار. تقول: ""إنَّ لاعبي ماكينات القمار بشكلٍ خاص يبدون شغفًا «بتلقائية الماكينات»،  وإن شئت فقل: يصبحون سلبيين حتى إنهم يتحدون بالآلة اتحادًا مطلقًا. لا يحدث هذا النوع من الانجراف بسبب شحذ التركيز والانتباه، بل على العكس إنه اغتراب عميق حتى إنك لا تعود مُتصلًا بالعالم.

ولكن هل من قبيل الصدفة أو عن قصد حوَّل رواد الفضاء السيبراني المدينة الفاضلة المتخيلة إلى فضاء سلطوي في غضون عشرين عامًا فقط، يترأسه كهنوت صغير من عمالقة التكنولوجيا الذين حولوا مستخدمي الويب إلى مُنتجات لجمع البيانات؟ كان الفضاء السيبراني في الأصل حيزًا جديدًا وغير مأهول، وقابلًا للتمدد بلا حدود، وحرًّا وغيرَ منظم. كان هدف هذه المساحة السيبرانية هدفًا مثاليًّا يأبى الحدود كلما انبسطت أمامنا جبهة جديدة (الأمريكيتان، والفضاء الخارجي والفضاء الرقمي)؛ إنها أحلام مجتمع يرغب بالتواصل والتعاون، لا التنافس. ولكن يبدو أنَّ فساد العالم الافتراضي كان مزروعًا في جينات الإنترنت منذ البداية. إذ لا يمكن، في نهاية المطاف -وبخلاف أي جبهة جغرافية جديدة-  إصلاح الفضاء السيبراني لأنه يفتقر للمادية والأبعاد. في الفضاء الرقمي لا يوجد «هنا» ولا «هناك»، لا ماضٍ، ولا حاضر، ولا مستقبل. يشبه الفضاء الرقمي، في جوانب عديدة، ساحة العقل. والعقول –كالقلوب- يسهل استعمارها.

عندما بدأت أفكر وأقرأ وأكتب عن الثقافة الرقمية، تراجعت تدريجيًّا عن استخدام وسائل التواصل الاجتماعي. كما خالجني شعور بالارتياح الشديد عندما علمت أنَّ أحد أبنائي المراهقين يلغي حساباته على مواقع التواصل الاجتماعي دوريًا كلما غمره الضغط النفسي. تركيزي أفضل الآن، وتفاعلي مع العالم لم يعد بافلوفيًّا. أتعلم في الفضاء الحقيقي أنَّ الزمن يعود سمة محسوسة.

مقالات ذات صلة