القائمة الرئيسية

التحديق في الظِلال

التحديق في الظِلال
ملخص المقال

يتناول ديفيد سايمون أودربرغ في نصه قضايا الحقيقة والفلسفة في سياق أزمة كوفيد-19، مشيرًا إلى أن البحث عن الحقيقة بات معقدًا في عصر المعلومات المضللة. يستعرض تجربة الفلاسفة في السعي للحصول على إجابات، ويستذكر حديثًا مع صديق فيلسوف، حيث يعبّر عن رغبته في الحصول على إجابات موثوقة بدلاً من الاستمرار في طرح الأسئلة.

ديفيد سايمون أودربرغ

ترجمة: مروان الرشيد

شغل الفلاسفة الشاغل يكمن في إيجاد الحقيقة، وإنْ كان لا يبدو شائعًا في هذا العصر أن نقول هذا. ولا شك في زيادة سؤال بيلاطس الساخر -«ما هو الحق؟»- من حالة الغضب التي كان عليها. وقد حصر برتراند راسل مهمة الفلاسفة في طرح الأسئلة، والرغبة في السير في سبيل البحث عن الإجابات، أما عملية التوصل ذاتها إلى الإجابة، فمتعتها أقل. ولقد كنت صديقًا لفيلسوف أمريكي لامع شهير، لكنه قد رحل الآن عن عالمنا، أجاب عندما سألته عن معنى الفلسفة عنده قائلًا: إن الفلسفة سلسلة من أحاجي الكلمات المتقاطعة؛ وإن كنت ماهرًا أو قد حالفك الحظ في حلِّ إحداها، عندها تُلقي الجريدة وتنتقل إلى الأحجية التالية. إذن، يكمن الأمر كله في إلغاز الأحاجي، لا في حلها. وأقول –وفي نفسي شيء من الخجل- إني لم أعد أقدِّره منذ ذلك الحين.

لا شك أني بوصفي فيلسوفًا لا أريد أن أُعطَى الإجابات بلا جهد أكثر مما أريد أن أَجْهد بلا أمل في الحصول على الإجابات. فأنا أحب الأمرين كليهما: البحث والاكتشاف. ولكن إن كان عليَّ أن أتنازل عن أحدهما، فسأختار التخلّي عن البحث. فأنا لم أدخل مجال الفلسفة لأجل الألغاز، وإنما أريد الإجابات، ولا أزال. وأنا ربما أكون قد توصلت خلال مسيرتي المهنية إلى إجابة أو إجابتين، لكني أعرف آخرين مِمَّن قد توصَّلوا إلى العديد من الإجابات، وإعجابي بهم لا ينقطع لهذا السبب.  

وهذا ما يجعل الوضع القائم للحقيقة -بمعناها العام- مُثبِّطًا للعزيمة. ولست أتحدث هنا عن الضجيج الدائر حول «الأخبار المزيفة» و«المعلومات الزائفة» و«مجتمع ما بعد الحقيقة»، وهلمَّ جرًّا. ما يهمني بالأحرى هو وضع الحقيقة في عصر كوفيد-19. قولوا عني ساذجًا، ولكني اعتقدت أننا سنستوعب بسرعة ماهية الوباء؛ من حيث الخطر، والشدة، والآثار العالمية والمحلية، واللقاحات، والعلاجات، وما شابه. ولكن ها نحن، بعد مرور سنة تقريبًا، نشعر كما لو أننا في كهف أفلاطون، نُحدِّق في الظِلال الراقصة؛ ولا يظهر أن هناك سجينًا على وشك الإفلات والتطلُّع إلى الشمس (ولا شك أننا نعني بهذا ذلك السجين الوارد في أمثولة أفلاطون؛ الذي يفر من الكهف ليرى شمس الحقيقة والخير، ويعود إلى الكهف ليُبصِّر أصحابه المساجين، فيُقتَل في الحال. وهذا درس لنا جميعًا).

تحمل المشكلة في جزء منها طابعًا سياسيًّا، ولا شك أن الدليل «يُحوَّر»، ويُؤول ويعاد تأويله؛ ليُناسب الأجندات. والانتشار الواسع للمعلومات، في عصر الشبكات الاجتماعية والإنترنت، مشكلة معروفة للجميع. وثمة قلة قليلة من الناس، دع عنك الخبراء الجادّين، يعبرون عن آراء واثقة -ودقيقة- إزاء حالة الجائحة. وهناك وجهة نظر واثقة، على نحو غير معتاد، قد عبَّر عنها الأستاذ مايكل ليفيت، الذي تنبأ في نهاية يوليو 2020 بيقين أن «كوفيد-19 في الولايات المتحدة سينتهي في غضون أربعة أسابيع، ولن تتجاوز وفياته المُبلَّغ عنها [هكذا وردت] 170,000». ولقد ظهر أنه مخطئ للغاية، فظهر أمام عشرات الآلاف من المُشاهدين ليقول -بلا مسحة من خجل- إن «التنبؤ لم يكن بالنجاعة الذي تمنيتها». إذن لماذا يُجرى معه حوار أصلًا حول توقّعه الخاطئ؟ أحد أسباب ذلك كائن في أن ليفيت فائز بجائزة نوبل في مجال ليس له علاقة إطلاقًا بعلم الأوبئة.

صحيح أنه من السهل اصطياد حالة واحدة معينة، لكنها تعكس عندي المُشكلة التي يعاني منها علم القرن الحادي والعشرين الرائج؛ فإذا سمحتم لنا بمزج الاستعارات بعضها ببعض للحظة، سنقول إننا نسمع عند اختبار الأمر عمليًّا جعجعةً ولكننا لا نرى طحينًا. فستعلم بعد قضاء نصف ساعة -تستشير حينها «الأستاذ» غوغل؛ حيث الأبحاث المُحكَّمة و«المصادر الموثوقة» المتنوِّعة؛ وما أكثر علماء الحكومات حول العالم- أن: الأقنعة نافعة/غير نافعة، والجائحة ستنتهي/لن تنتهي قريبًا، والحجر نافع/غير نافع، وأصل سارس-كوف-2 يرجع/لا يرجع إلى  مختبر/سوق رطبة/حيوان/مكان آخر، ومناعة القطيع ستفعل فعلها عند نسبة 20/50/60/70/90 وكل ما بينها، وكوفيد يعد/لا يعد مرضًا تنفسيًّا في الأساس، وهو ينتشر/لا ينتشر عبر الأطفال، وهو يضر/لا يضر الأطفال، ونِسَب الإصابة/عدد الحالات/الوفيات – حسن إذن، اختر رقمًا يقع بين جزء من إحدى النسب المئوية وبين أرقام أحادية... وستتضح لك الصورة.

علاوة على ذلك، عندما يتعلَّق الأمر بالحجر وتأثيراته على الحقوق المدنية -في المملكة المتحدة على الأقل- يبدو الأمر وكأن الحكومة تُدار من خلال أحاديث تيد. فأحد أرفع مستشاري الحكومة مستوى مولَع برسم السياسات وفقًا لما تحويه أرفف مكتبات المطارات من كتب تبسيطية. فكتب تشجيعية هنا، وكتب تتناول نهج النُظُم هناك، وأخرى عن التماس الخوف، وغيرها عن النداء إلى الواجب المدني، وعن توجيه الرسائل الواضحة الساطعة، وعن إنقاذ هيئة الخدمات الصحية الوطنية، وعن علم الاقتصاد السلوكي، وعن علم النفس السلوكي، وكذا عن ديناميكيات الفزع العام، وهكذا دواليك.

لستُ الوحيد الذي يشعر كما لو أننا مُشارِكون في تجربة علمية كُبرى، مع قدر ضئيل من التجريب السياسي؛ لرؤية إلى أيِّ مدى يمكن التحكُّم بالناس قبل أن يصبحوا غاضبين جدًّا جدًّا (وهم كذلك بدرجة كبيرة حتى الآن. وهنا تتبادر مدينتِي ملبورن إلى الذهن).

ووفق أعراف علم القرن الحادي والعشرين الرائج، فإني سأُتَّهم بالإجحاف. ومن المرجَّح أن تكون الردود المُعتادة، التي سأُرمَى بها،: «هذا ما كان عليه الأمر منذ الأزل، ماذا أتوقع من العلم؛  أجوبة فورية يقينية وحلولًا عاجلة؟» إن العلم يُصحِّح نفسه بنفسه؛ وكل من نراهم إنما هم خبراء في طريق الاكتشاف، يخطون إلى الأمام، يتخلصون من العلم الرديء ويبقون على الجيِّد، يعترفون بأخطائهم وجهلهم، ويقوون نجاحاتهم ويعززونها. لا أحد أكثر دفاعية من  عالِم يدافع عن تخصصه. في حقيقة الأمر، هذا ليس عادلًا. فليس العالِم من يصير دفاعيًّا؛ فالذين أعرفهم منهم سرعان ما يقرون بجهلهم، وهو تواضع ينعشني دائمًا، وإنما العلموي وهو فيلسوف شعبي في الغالب، وأحيانًا ما يكون فليسوفًا حقيقيًّا، بل إنه يكثر أن يكون عالمًا سابقًا قد تحوَّل إلى مُروِّج يرى في العلم بديلًا علمانيًّا للـ«دين القديم البالي»؛ المعروف أيضًا باسم الخرافة المُضادة للعلم.

إلى أين يقودنا هذا؛ من الناحية الإبستمولوجية؟ إن كنت تعتقد أن علم القرن الحادي والعشرين  الرائج يُبلي بلاءً حسنًا في الجائحة، فلِمَن تستمع؟ عندئذ، يبدو كما لو أنك تُؤمن بالإله، لكنك لا تعلم أي دين هو الدين الصحيح. أوكد لك أنك تعاني من مُشكلة، وجميعنا لديه مُشكلة. وفقًا لتقديري، على الرغم من أن العلم أكبر أثرًا وأعلى صوتًا، وأثرى محتوى، وأعظم تأثيرًا في السياسة من ذي قبل، فإن الدرجة التي صار بها أفضل –حيث ينفذ بنا إلى العديد من إلى الحقائق، ويحل المزيد من المشكلات، ويحقق قدرًا أكبر من اليقين في النظرية والممارسة- «لا ترتقي إلى مستوى الدعاية»، إن صحَّ هذا التعبير. وهذا يعني -لسوء الحظ- أن على كل فرد أن يبذل العناية الواجبة عند تقويم المزاعم العلمية حيال الموقف القائم. وقد تجد خبراء غير مُتحيزين ومتواضعين فكريًّا، وإن وجدتهم فعضَّ عليهم بالنواجذ. وإلَّا فلا بديل عن الاقتراب من المصادر الأولية للمعلومات بقدر ما تستطيع. علِّم نفسك تحليل البيانات، وشيئًا من الإحصاء، وقليلًا من الأحياء. وفوق كل شيء، خذ مُقررًّا أو مُقررين في التفكير النقدي والتحليل المنطقي. فمن سوء الحظ أن قد صار -في الوضع القائم- «كل واحد منا مسؤولًا عن نفسه» إبستمولوجيًّا.

 

مقالات ذات صلة