القائمة الرئيسية

الأوهام البصرية الشائعة

الأوهام البصرية الشائعة
ملخص المقال

يتناول توم تشاتفيلد تأثير الأوهام البصرية على إدراكنا، مستشهدًا بوهم مولر لاير الذي يظهر خطين متوازيين بنفس الطول بشكل مختلف. يبرز أن الإدراك الحسي يمكن أن يُخدع، حتى عندما نعلم الحقيقة، مما يشير إلى تعقيد عملية تحويل المعلومات إلى تجربة ومعنى. كما يشير إلى كيفية تأثير مقاطع الفيديو على تصورنا للزمان والحركة، مؤكدًا أن الحقيقة تتجاوز ما تراه العين، وأن إدراكنا يعتمد على سياقات معرفية متعددة.

توم تشاتفيلد

ترجمة: كمال المصري

عندما كنت صغيرًا، كنت مفتونًا بذلك الوهم البصري الذي ربما تكون قد صادفته بنفسك، وهي ذلك الرسم التخطيطي الذي يظهر فيه خطان متوازيان متطابقان، ولكنهما يظهران بطولين مختلفين من خلال إضافة زعنفتين قصيرتين تشبهان الأسهم عند نهايتي كل خط منهما، بحيث يتجه رأسا السهمين في أحد الخطين إلى الداخل بينما يتجه رأسا السهمين في الخط الآخر إلى الخارج.

الأمر المدهش هو صمود هذا الوهم البصري في مواجهة معرفتي الحاسمة بأنها ليست حقيقية، حيث تم بسرعة وبسهولة تصحيح الخطأ الذي وقعت فيه عندما رأيت الرسم التخطيطي لأول مرة، وهو ظني بأنني كنت أنظر إلى خطين بطولين مختلفين. بيد أن إدراكي الحسي لما كنت أنظر إليه لم يتغير بتلك السهولة؛ وكان هذا غريبًا ورائعًا في آن واحد.

ورغم أنني عرفتُ أن الخطين المتوازيين كانا بنفس الطول، وحتى بعد أن تحققت من ذلك مرارًا وتكرارًا باستخدام مسطرة من مقلمتي المدرسية، فإني لم أستطع أنْ أَجْعلَ دماغي يَرى هذه الحقيقةِ؛ فمهما أطلت التحديق، كان الخط الذي يتجه رأسا سهميه إلى الداخل يبدو أطول من الآخر بشكل قاطع. ويظل الأمر كذلك ما لم أُغطِّ مجموعتي الزعانف بأصابعي، حيث يعود الخطين في تلك اللحظة ليكونا مجرد علامتين متطابقتين على قطعة من الورق.

ما لم أكن أعرفه في ذلك الوقت هو أنني كنت أنظر إلى نسخة من الرسم التخطيطي الذي ابتكره عالم الاجتماع الألماني فرانز كارل مولر لاير في عام 1889، لكي يوضح ما أطلق عليه «مفارقة بصرية». والمفارقة المقصودة هي أن الخطين متطابقان وليسا متطابقين في ذات الوقت، فهما متطابقان بشكل واضح ويمكن التحقق من تطابقهما على الصفحة. وفي الوقت نفسه، من ينظر إليهما يتصور أن طوليهما مختلفان بشكل واضح وأنه يمكن التحقق من اختلاف طوليهما أيضًا؛ وهذه الإدراكات الحسية يمكن التلاعب بها بطرق معروفة.

وقد تم إجراء الكثير من الأبحاث لاستقصاء أمثلةمن وهم مولر لاير البصري في المائة والثلاثين عامًا التي انقضت منذ نشرِه ورقته البحثية الأصلية، إذ يؤدي تعديل طول وزاوية الزعانف إلى تغيُّر قوة الوهم البصري (ووجدت الأبحاث أن النسبة المثلى بين أطوال الزعانف والخط اللازمة لإحداث أقصى وهم في الرؤية هي  36% تقريبًا، بينما تقع الزاوية المثلى بين الزعانف والخط بين 40 درجة و 60 درجة). ويبدو أيضًا أن الثقافات المختلفة تختبر هذا الوهم البصري بدرجات متفاوتة، حيث وجدت الأبحاث أن هناك علاقة طردية بين التطور الحضري وقوة الخداع البصري، مما يشير إلى احتمال أن يكون السبب هو تأثر الإدراك الحسي بالعمارة والمناظر الطبيعية. لكن ما يسُرني هنا هو أنه لا يوجد اتفاق نهائي حول كيفية عمل هذا الوهم البصري.

وإلى جانب المتعة الكامنة في الأوهام البصرية ذاتها، فإننا كثيرًا ما نستخدمها لإعطاء درس مفاده أنه لا يمكن الوثوق بالإدراك الحسي البشري؛ لكونه في أحسن أحواله لا يعطينا سوى ملمح سطحي ومحدود عن الواقع. وهذا صحيح بالطبع، لكنه أيضًا غير كافٍ؛ فلا يكفي أن نقول إن الخطين التوأمين في الوهم البصري أعلاه متطابقان «في الواقع» ثم ننهي عبارتنا هنا؛ لأننا بهذا نتجاهل معظم ما يجدر بنا معرفته عن كيفية تحويل المعلومات الحسية إلى خبرة، ثم تحويل الخبرة إلى فهم. ففي نهاية المطاف، هذان الخطان ليسا متطابقين أو متوازيين أو مستقيمين فعلاً بالمعنى الرياضي الدقيق، بل هما مجرد علامتين مرسومتين بالحبر على الورق: إنهما دليل على الافتراضات الشائعة عن التمثيل الذهني والمعنى؛ تلك الافتراضات التي لا تكمن غرابتها في قيود الإدراك الحسي بقدر ما تكمن في مدى قدرتنا على الاستدلال على أساس ذلك الإدراك.

وفيما يتصل بالإدراك الحسي، نجد أن التوهم البصري أكثر شيوعًا مما قد نعتقد؛ فأنا مثلًا أنظر من النافذة إلى حديقتي وأرى الأشجار تتمايل مع النسيم فألتقط لها مقطع فيديو بهاتفي. وعندما أشاهده، أرى فروع الأشجار تتمايل مرة أخرى. بيد أن ما أشاهده في الفيديو لا يُعد، من الناحية الفنية، صورة متحركة، بل هو سلسلة من الصور الثابتة التي عندما يتم عرض ثلاثين منها بشكل متتالي في كل ثانية، فإنها تخلق لدى المشاهد وهمًا مقنعًا بالحركة (وذلك بفضل بعض الظواهر التي لا نفهمها على نحو كامل والتي تندرج معًا تحت عنوان «ثبات الرؤية»).

وإذا أبطأتَ سرعة عرض الفيديو، فإن هذا الوهم يزول تدريجيًا ليحل محله إدراكك للفاصل الزمني بين كل لقطتين. واعتمادًا على ما قمتَ بتصويره، تبدأ الأشياء في التباطؤ عند تشغيل الفيديو بسرعة ستة عشر لقطة في الثانية. وأنا إذا ضبطتُ هاتفي على وضع التصوير البطيء، فإنه سيمكنني التصوير بمعدل 120 أو حتى 300 لقطة في الثانية. وعند إعادة عرض هذه الأفلام يتكون لدينا الوهم بأن الوقت يتحرك على نحو أبطأ أربع أو عشر مرات من المعتاد. لكن هذه الخدعة ليست أكثر أو أقل واقعية، في ميكانيكيتها البسيطة، من أي تسجيل آخر. ذلك لأنه أيا كان ما يدركه تصوري عندما أشاهد مقاطع الفيديو، فإن ما يحدث «في الواقع» هو أني كإنسان أنظر إلى سلسلة من وحدات البكسل الكثيفة الساطعة التي تتغير بسرعة على شاشة صغيرة. إن تلك الغرابة المثيرة التي تميز الحركة البطيئة أو المرتعشة هي المسافة الناتجة بين تصوراتي وخبراتي اليومية، وغرابة الوهم البصري تلك هي التي فتّقت عقلي.

كان الفيزيائي ديفيد دويتش قد وصف في كتابه «بداية اللانهاية» الصادر عام 2011، إبّان دراسته في مرحلة الدراسات العليا، تأمله «نيجاتيف» صور من مسْح مرصد بالومار الفلكي للسماء التي تُظهر النجومَ والمجرَّاتِ على هيئة أشكال داكنة باللون الفضي على شرائحَ زجاجية، متجمعة في عناقيد شديدة الدقة لدرجة أن الأمر كان يستلزم استخدام المجاهر لفحصها. وفي لحظة ما، تسبَّب عيب بسيط في الصورة في أن دويتش تخيل لفترة وجيزة أنه اكتشف مجرة جديدة؛ حيث إنّ ذرة من الغبار على عدسة التلسكوب قد بدت لوهلة وكأنها مليارات من النجوم. وتساءل دويتش في ضوء هذا الارتباك، ما الذي كان يحدث بالفعل عندما كان يدقق من خلال عدسة مجهره في لقطة التقطها تلسكوب لضوء عمره مليار عام؟ هل كان ينظر حقًا إلى مجرات تبعد عنا مسافات لا يمكن تصورها، أم إلى بُقَعٍ فضيةٍ على الزجاج؟

وإذا ألقينا نظرة إلى الوراء متأملين موقف دويتش، نجد أنه لم يكن لديه أدنى شك في كون كلا الأمرين صحيح، فقد كتب يقول: «كنتُ بالفعل أنظر إلى تلك المجرات؛ إذ لا تختلف ملاحظةُ المجرات بواسطة نقاطٍ من الفضة عن ملاحظة حديقةٍ بواسطة صورٍ على شبكية العين؛ ففي كل الحالات، قولنا إننا لاحظنا شيئًا على نحوٍ حقيقي يعني أننا ربطنا بدقةٍ بينه وبين شواهدنا (التي تكون دائمًا شواهدَ داخل عقولنا)». ربما كانت عينا دويتش تركزان على الأثار الترابية التي في الصورة، لكن عقله كان يركز على العجائب التي تبعد عنه مسافة نصف الكون. ولأنه مدرب على طريقة مناسبة لفصل الأوهام عن الأوهام البصرية، فقد كان بإمكانه استيعاب كليهما بشكل مؤكد تمامًا مثل أي شيء آخر في عالم الإدراك الحسي.

فكيف يرتبط كل هذا بالخطين المتوازيين والأسهم التي على شكل زعانف ومسطرة الطفل؟ تُخبرنا الأوهام البصرية، كما تُخبرنا مجرة دويتش الوهمية، بشيئين مهمين هما: الإدراك الحسي يعتمد على أوهام معروفة، وأنه في الآن ذاته قادر باستمرار على إعادة صياغة سياق تلك الأوهام في ضوء معارف أخرى. أو يمكن القول إنّ التناقض الذي تجسده الأوهام البصرية المذكورة -وعلى الرغم من بساطتها الظاهرة- يتصف بالكلية بكل ما تحمل الكلمة من معان؛ فما نراه ونعرفه يعمل على الدوام على تجاوز حدود المظاهر.

مقالات ذات صلة