افترض أنَّ فيلسوفًا أخلاقيًا قد احتجزك. لنسمّه برنارد ويليامز، أو ب.و اختصارًا. افترض الآن أنَّ ب.و مهتم تحديدًا بالكشف عن حدسنا حول الهوية؛ فما نوع التجربة التي سيصممها للكشف عن هذا الحدس؟ ماذا لو قلنا: إنّ التجربة ستتضمن قدرًا من التعذيب؟ فكما لا يخفى، لا شيء قد يوقظ فيلسوفًا أخلاقيًّا من سريره صباحًا كالتعذيب الافتراضي.
يقول لك ب.و: ""سوف أعذبك غدًا"". سيقلقك ذلك لا ريب، فيقول لك ب.و مطمئنًا: «لا تقلق؛ سأمسح من ذاكرتك هذا الإعلان قبل بداية التعذيب». وإذا رأى ب.و أنَّ هذا الجواب لن يهدئ مخاوفك، فإنه يقول: «ولن أكتفي بذلك فحسب؛ بل سأمسح جميع ذكرياتك حتى تلك اللحظة، وسأبدل ذكريات شخص مختلف بذكرياتك. وبهذا يبدو أنَّ تعذيب غدٍ سيكون لشخصٍ آخر».
لسوء حظ ب.و، ما زلتَ غير مقتنع بما يقول؛ فقد تعترض قائلًا: ما وجه الطمأنة في أن يقال لك: ""إنّك لن تعذب غدًا فحسب؛ بل ستذوق قبل التعذيب مباشرةً سلسلة من التشويش الذهني؟ عندئذٍ سيقول ب.و: «أها!» بتلك الطريقة المزعجة التي يتلفظ بها الفلاسفة الأخلاقيون حينما يثبتون فكرة معينة؛ لأن هذا ما فعلته للتو؛ لقد أثبتّ من فكرته - فكرة تجربة التعذيب ومسح الذاكرة - أنَّ حدسًا ما حول الهوية، ومفاده أنَّ الاستمرارية الجسدية لا النفسية هي الفاصل في تحديد الهوية. وهو ما يعني أنك لو ضربت رأسك غدًا، ونسيت كل ما له علاقة بك؛ فإنّك ستكترث اليوم بما سيحدث لجسدك غدًا، وإن كان الذهن يشكل جانبًا من هويتك المستقبلية أكبر من ذاتك المستقبلية.
