القانون والكلمة: دراسة تداوليَّة
موجز المقال
لم تعد ""نظرية أفعال الكلام العامة"" غريبة عن التداول الأكاديمي العربي، ولا أعمال المساهمين فيها، سواءً تعلّق الأمر بمؤسِّسها، الفيلسوف البريطاني جون لانشاو أوستين John L. Austin، أو بتلامذته الذين طوّروها بعده، وعلى رأسهم الفيلسوف الأميركي جون روجرز سيرل John R. Searle. كما لا يجهل القارئ العربي إسهام هذه النظرية في الحقل الفلسفي المعاصر، خاصةً في المنعطف الثاني، في ما يُعرف بـ""المنعطف اللغوي"" في فلسفة اللغة، الذي بدأ مع فلاسفة اللغة العادية، وفي مقدّمتهم لودفيج فتجنشتين المتأخر Ludwig Wittgenstein. بدأت هذه الانعطافة بشعارٍ رفعه الفيلسوف النمساوي ، في قوله: ""لا تسأل عن المعنى، بل اسأل عن الاستعمال"". (وكانت تلك كلماته الثوريّة التي حطَّم بها صرحه الفلسفي الأوّل، الذي اختزل وظيفة اللغة في وصف وقائع العالم)، ذلك أنّ وظائف اللغة لا تحصى، وأنّ الكلمات لا تأخذ معانيها إلا في سياقات استعمالها. وقد توجَّت نظرية أفعال الكلام هذه الانعطافة بالقول: ""لا تقصر نظرك على القول، بل تابعه لترى الفعل""، ذلك أنّ الكلمات ليست مجرد أدوات للإخبار أو حوامل للمعاني، وإنما هي بمثابة أفعال، مثلها مثل بقية الأفعال الاجتماعية.
يسلم هذا المقال بإحاطة القارئ العربي بنظرية ""أفعال الكلام العامة""، والإلمام بجذورها الفلسفية والمنطقية، وتأثيراتها في الحقل الفلسفي المعاصر، بالوقوف عند بعدها الإجرائي، أعني مدى راهنيّتها وقيمتها العملية في الواقع. وإذ لا ينازع منازع في البُعد العملي لكل كلام، فقد اختار هذا البحث استجلاء روح النظرية في واحدٍ من المجالات الاجتماعية فقط، ألا وهو المجال القانوني. فابتغى بيان وجوه التداخل بين فعل الكلام والفعل القانوني، وإبراز قيمة النظرية بالنسبة إلى المُمارسة القانونية من جهة، وحدود هذه النظرية وما يمكن أن تستفيده من الحقل القانوني من جهةٍ أخرى.
الكلمات المفتاحيَّة
فعل الكلام، الفعل القانوني، القصديّة، الإنجاز، التعاقد.
""وقتلته بالقول لا بمُهنديّ *** و الحربُ أحرَى أن تكون مقَالا"". - معروف الرصافي
المقدمة
من المسلّمات الخاطئة، والمنتشرة مع ذلك بيننا، تلك التي تميّز منطقيًا بين نظام الكلام ونظام الفعل، معتبرة الأخير جزءًا من العالم، له أسبابه ونتائجه الملموسة، بينما الأوّل جزء من نظام الحُكم والمعرفة، يحمل مضامين معينة، ويمثّل حالات الأشياء في العالم. غير أنّ مصداقية هذه المسلمة قد تلاشت تدريجيًا، وثبت الخطأ فيها ما إن ظهرت ""نظرية أفعال الكلام العامة Speech Acts Theory""، في صورتها الأولى مع جون لانشاو أوستين John L. Austin، كما في تطوّرها -لاحقًا- مع فلاسفة آخرين، أبرزهم جون روجرز سيرل John R. Searle،[1] حيث تأكد أن نظام التفاعل الاجتماعي نسق لا يكتمل إلا بحضور عنصر الكلام بما هو فعل أيضًا. فكانت المسلمة الأساسية في هذه النظرية أنَّنا عندما نتكلَّم ننجز أفعالاً معينة، لا تقلّ قيمة وفاعلية عن أيّ فعل إنساني آخر، نغير بها العالم ونفعل في الغير.[2]
وكان منطلق هذه النظرية هو التمييز التقليدي في اللغة بين الجُمل الخبرية والجُمل الإنشائية، غير أنها واجهت ""الوهم الوصفي التمثيلي""، رافضة اختزاله وظيفةَ اللغة في الإخبار أو الإثبات فحسب، لتؤكد بالمقابل أن طاقة العبارات لا تستنفد في التعبير عن أفكار، أو وصف مشاعر وحالات نفسية، أو تمثيل أشياء من العالم الخارجي، وإنما تتجاوز ذلك لتكُون نوعًا من الفعل الاجتماعي، نؤثر به في الغير، ونحوّل من خلاله الوقائع. ليست العبارات تقريرية فحسب، وإنما هي إنجازية أيضًا. وكما لا تقبل اختزال وظيفتها في ""التمثيل""، ترفض تقييمها بحديّ الصدق والكذب فقط، إذ لا يوجد منها ما هو صادق أو كاذب، بل ما هو ناجح أو فاشل؛ فقد أتوسل باللغة للاستفهام أو الطلب أو الأمر أو الشتم أو الدعاء، وهو ما قد أنجح فيه أو أفشل، لا أصدق فيه أو أكذب. لذلك، ميّزت النظرية بين اللغة واستعمالاتها وأفعالها، أيّ بين الجملة من حيث هي بناء لغويّ، والقول الذي استعمل هذا البناء، والفعل المنجز بهذا القول.
وإذ كشفت النظرية ضعف ""الوهم الوصفي التمثيلي""، اعتبرت الوحدة الدنيا للتواصل الإنساني ليست هي الجملة، وإنما هي الفعل. فميّز أوستين في البداية بين نوعين من العبارات، أوّلها، تقريرية، وهي العبارات الخبرية الوصفية التي تقرّر حالات الأشياء الموجودة في العالم، وثانيها، العبارات الإنجازيّة، وهي التي تنتج وقائع وتتضمن أفعالا تبدّل شيئًا من العالم القائم. بيد أن الفيلسوف البريطاني قد تخلّى عن هذا التمييز لاحقًا؛ إذ وجده هشًّا، ما دام الإنجاز يحضر في كل قول تقريري، كما يحضر التقرير في كل قول إنجازي، فاستبدل هذا التمييز بمفهومٍ يجمع طرفيه معًا، هو ""فعل الكلام Speech Act""، وحدَّد له أربع سِمات جوهرية:
1- فعل الكلام نشاط يهدف إلى التأثير في الغير وتحويل الواقع أو تثبيته.
2- فعل الكلام من طبيعة قصديّة، يجسّد قصد صاحبه، فكان نجاحه مشروطًا بالتعرّف على هذا القصد.[3]
3- فعل الكلام من طبيعة مواضعاتية، يستلزم نجاحه إلمامًا تامًا بمواضعات اللغة المُستعملة.[4]
4- فعل الكلام من طبيعة سياقية، يقتضي نجاحه مراعاة سياق القول.
صحيح أنّ فاعلية الكلام وقوته تتجلّيان في النظام الاجتماعي كلّه،[5] إلا أنهما تبرزان بشكلٍ أكبر وأخصّ في أحد مجالاته، ألا وهو ""المجال القانوني"". فالأخير حقل اجتماعي تأخذ فيه الكلمات مكانة خاصة، حيث تكون لها نتائج تجعل الفاعلين الاجتماعيين ملتزمين مباشرة في البُعد المادي لممارساتهم، وفيه نفهم أكثر أنّ الكلمة فعل مادي، لا يقلّ فاعلية عن غيره من الأفعال الإنسانية.[6]
وعلاوةً على كونها الفضاء الذي تتجسّد فيه آثار الكلام، فتُرى رأي العين، فإن المُمارسة القانونية في ذلك المجال الذي يشهد أكثر على أنّ سُلطة الكلمة (لا الحقيقة) هي التي تضع القانون وتصنع الحقّ والواجب.[7] لذلك لم يفت أوستين الانتباه إلى أنّ هذه المُمارسة هي التربة الأخصب لنظريته، والدالة الأفصح على مبادئها وصنافاتها، فأشاد برجال القانون وممارسيه، معتبرًا إيّاهم أقدر الناس على فهمها، بدءًا من دعوى استغراق الفعل لمدى القول كلّه.
تقتسم نظرية أفعال الكلام مع الممارسة القانونية مبادئها، وتسري في عروق صنافاتها دماؤُها. طمح هذا المقال إلى بيان الروح المشتركة بينهما، لذا سيقف عند وجوه التداخل بين فعل الكلام والفعل القانوني، وسيحاول بيان قيمة النظرية بالنسبة إلى الممارسة القانونية من جهة، كما سيبيّن حدود هذه النظرية، وما يمكن أن تستفيده من الحقل القانوني من جهةٍ أخرى. لذلك قد يكون الرهان متجسّدًا في السؤال الآتي: هل يمكننا تقديم نظرية أفعال الكلام بحدود ومفاهيم وأمثلة قانونية؟ وإذا تأكد الجواب بالإيجاب، فذلك دليل على قيمة النظرية في المُمارسة القانونية، وفائدتها منها على حدٍّ سواء.
1- وجوه الارتباط بين النظرية والمُمارسة القانونية، وقيمة التفكير في هذا الارتباط
من الناحية التاريخية، لم يخل فكر أوستين يومًا من النزعة القانونية، حتى قبل إلقاء محاضراته المشهورة، المُجتمعة لاحقًا في كتاب: ""كيف ننجز الأشياء بالكلمات؟"". ولا يشهد على ذلك تغلغل الفكر القانوني في أعمال الرجل فحسب، وإنما أيضًا تصريحه بأن رجال القانون، ممارسين كانوا أو مفكرين، هُم أكثر الناس قدرة على فهم نظرية الإنجازيات بشكلٍ خاص، ونظرية أفعال الكلام عمومًا. ويمكننا رد هذا الأمر إلى قناعةٍ مركبة، ربما كانت وراء هذا الافتتان بالممارسة والفكر القانونيين:
أ- قناعة بأن القانون هو المجال الأنسب لانطباق النظرية، والأرضية الأخصب لتجلّي دعوى أننا ""عندما نتكلّم لا نتلفظ بعباراتٍ فقط، وإنما ننجز أعمالاً معينة، مؤثرين في الأشخاص ومغيرين الوقائع"".
ب- قناعة بأن القانون يؤدي وظيفته من خلال أفعال الكلام، بل إنّ وظيفيته مشروطة بإنجازية عباراته.
ج- قناعة بأن رجال القانون وممارسيه أعلم الناس بظروف إنجاز أفعال الكلام، وعوامل نجاحها وفشلها.
غير أنّ إشادة أوستين برجال القانون، وقدرتَهم أكثر من غيرهم على استيعاب نظرية أفعال الكلام، لم تكن كافية لجذب انتباههم إلى قيمتها إلاّ نسبيًا، فبقي الاهتمام بها محصورًا بين المفكرين في الممارسة القانونية، دون ممارسيّ القانون أنفسهم. والحال أنها مهما بدت مبتذلة، يبقى اللقاء بينها وفلسفة القانون وممارسته واضحًا، وذلك على عدة مستويات، عمدتها أنّ الخطاب القانوني على وعيّ تام بطابعه الإنجازي. لذلك لا تجد مدونة قانونية تخلو من اصطلاح ""الأفعال القانونية""،[8] مستخدمًا للدلالة على الأفعال التي تتمّ في نطاق القانون، سواءً كانت مادية بشكلٍ عام، للدلالة على كل سلوك لا يعدُّه القانون جريمة أو مخالفة، مثل الزواج والبيع والشراء وارتياد المرافق العامة، أو كانت أفعالًا لغويّة بشكلٍ خاص، للدلالة على الأعمال التي تتمّ في نطاق القانون تبعًا لما يمليه، ووسيلتها الأساسية هي الكلمات، مثل العقود والوصايا والمواثيق. فكان التفكير في الخطاب القانوني يشترط النظر إليه بما هو فعل. ففي المجال القانوني ""تقوم الكلمات بكل شيء، أو تكاد تفعل ذلك؛ فهي تبرم زيجات أو تفسخها، وتنقل ممتلكات أو توزعها، وتدين وتسجن، وأحيانًا تقتل، وتخلق أشياء أو وقائع أو تجعلها تختفي دون أن تترك خلفها أثرًا، وأشياء أخرى، ومن يدري""[9]. لذلك كان القانون هو المجال الذي تتجلَّى فيه فاعلية القوة التكلّمية لأفعال الكلام أكثر من أيّ مجال آخر.
عندما نتحدث عن قوة القانون، تتجلَّى تلك القوة في عبارته، ولعلَّ ذلك هو المعنى الذي أراده جاك دريدا بقوله إنّ ""العدالة والقانون يتضمنان قوة إنجازيّة منذ انبثاقهما، أعني في اللحظة المنشئة للقانون والمؤسسة العدالة.""[10] ولا يرجع ذلك إلى الطابع الإنجازي للخطاب القانوني فحسب، وإنما أيضًا إلى استغراقه مجال الحياة الاجتماعية جلّه، فحقّ لنا القول إنّ الحديث عن شروط هذا الخطاب حديث عن شروط الحياة العامة بكل مكوناتها. فهو يسمّي الوقائع القانونية، ويعطي للأشياء صفة الشرعية القانونية أو يسحبها منها، ويعين المؤسسات والأشخاص والأفعال القانونية، ويحدد أشكال النشاط الاقتصادي، ويضع أُسس الحياة الأسرية، ويبني نظام العلاقات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والتربوية وغيرها. لنقل إن فعل الكلام القانوني عنصر جوهري في نظام العلاقات الاجتماعية. ولنأخذ شاهدًا على ذلك، فهل من وسيلة لتحقّق فعل الزواج غير الكلام؟ الحال أنه ""ينعقد الزواج بإيجابٍ من أحد المتعاقدين وقبول الآخر، بألفاظٍ تفيد معنى الزواج لغةً أو عُرفًا""[11]. وبالمقابل، ""يقع التعبير عن الطلاق باللفظ المفهم له وبالكتابة، ويقع من العاجز عنهما بإشارته الدالة على قصده""[12]. بينما ""تنعقد الوصية بما يدل عليها من عبارةٍ أو كتابةٍ أو بالإشارة المفهمة إذا كان الموصي عاجزًا عنهما""[13].
وإذ تتضح فاعلية الكلام في الأفعال الثلاثة المذكورة أعلاه، دون حاجة إلى بيان، شاهدة على أنّ وظيفية الخطاب القانوني مشروطة بإنجازية عباراته، يمكننا إضافة مثال آخر، مبينين من خلاله قيمة القوة التكلّمية للفعل القانوني، ويتعلق الأمر بفعل التسمية، سواء تسمية الأشخاص أو الأشياء أو الوقائع أو المؤسسات أو التسمية في مناصب معينة، أو غيرها، وهي كلها أفعال اجتماعية قانونية. فقد لا ينازع أحد في أن التسمية بالمعنى التداولي نوع من أفعال الكلام؛ فأن تسمّي هي أن تقول، ولكنها أكثر من مجرد القول، إنها ربط واقعي بين علامة لغوية اعتباطية وبين شخص أو شيء أو فعل. ولكنها ليست مجرد إسناد حملي لدال موجود مقدمًا، بل هي إجراء عملي، أو خلق موضوع مادي أو معنوي. إنها إيجاد شيء جديد من خلال فعل القول. وهكذا، فإن تسمية ""الأشياء أو الأشخاص أو الأفعال، أو إسناد محمولات قانونية لها، هو بمثابة خلق قانونيّ لتلك الأشياء (ليس له علاقة بوجودها المادي)، لأنّ بدون هذه التسميات، لن يكون لها وجود في العالم القانوني؛ ستكون لا شيء بالنسبة للقانون""[14].
وبالرغم من أني أستبق أحداث المقال، أتساءل: هل يوجد قانون غير معبّر عنه؟ أيّ هل يوجد قانون بدون فعل كلام؟ وهل نطيع القوانين لأنها عادلة، أم فقط لأنها قوانين مكتوبة ومعبّر عنها في مدونات الدولة؟ أليس ما يسمّى بسحر القانون آتٍ من عبارته التي تجعل منه قانونًا بالفعل؟ قبل ظهور نظرية أفعال الكلام، كان مونتاني Montaigne، قد ذهب إلى ""أنّ القوانين لا تحافظ على مصداقيتها لأنها عادلة، وإنما لأنها قوانين: إنه الأساس الخفيّ لسُلطتها، وليس لها من أساس غيره [...] وكل من يطيعها لأنها عادلة، فهو لا يطيعها كما ينبغي أن يفعل بشكلٍ صحيح""[15]. يمكننا بيان وجوه الترابط بين النظرية والممارسة القانونية، والوقوف على الروح المشتركة بينهما بطرقٍ عدة، منها طريق المفهوم، إذ لا يخطئ الناظر الروحَ القانونية لكثير من المفاهيم القائمة عليها نظرية أفعال الكلام العامة، منها مفاهيم: ""القصد""، و""الإجراء""، و""التسلم الآمن""، و""الأفعال الحُكمية""، و""الأفعال التنفيذية""، ثمّ ""الأفعال الإلزامية"".. وغيرها. فلننظر في هذه المفاهيم، مبينين وجوه الترابط بين النظرية والحقل القانوني:
أ- تأخذ القصديّة مكانة خاصة في نظرية أفعال الكلام، لا لوجود تجانس بين بنية أفعال الكلام وبنية الحالات القصديّة فحسب، وإنما لأن القصدية هي بمثابة الأساس بالنسبة لتلك النظرية. فهي نظرية قصدانية، سواء في مرحلتها الأولى مع أوستين، أو في تطورها مع فلاسفة آخرين مثل سيرل وفاندرفيكن.. وغيرهما، إذ اعتُبر فعل الكلام فعلاً قصديًا، لا تفهم طبيعته ولا معناه ما لم يُنظر إليه بوصفه تحقّقًا وتجسّدًا لنيّةٍ معينة تحركه. لذلك ذهب سيرل إلى أنه لا توجد هوة بين سيرورة تشكّل القصد وسيرورة تشكّل فعل الكلام، وإنما هي واحدة، لأن الكلام مجرد قصد أصبح متجسّدًا وقابلاً للقياس.[16]
إنّ القصد، أو النيّة، هو الذي يعطي الكلام معنى. ومع أنّ الأخير يتغير بتغير الظروف السياقية، بين معنى حرفي كما في أفعال الكلام المباشرة، ومعنى تداولي أو مجازي كما في أفعال الكلام غير المباشرة، إلا أن فعل الكلام لا ينجح ما لم يُنظر إليه باعتباره تجسّدًا لقصد صاحبه، وما لم يلتقط المخاطَب المعنى القصدي الخاص الذي أراده مخاطِبه. لذلك اجتهدت النظرية في تحديد الشروط والقواعد اللازم أخذها للإمساك الآمن بالمعنى القصدي للمتكلّم.[17]
ومع أنّ نظرية أفعال الكلام قد تناولت القصد بصيغة العموم، عندما اعتبرته جوهر فعل الكلام إلى جانب المواضعة، إلا أنّ القواعد التي اشترطتها لنجاحه، وربطَها المسؤوليةَ بالقصدِ، والقصدَ بالحرية، كلها عوامل تجعل فعل الكلام يتطابق مع مفهوم النية أو القصد كما يحضر في الممارسة القانونية. ففي القانون المدني، قانون الالتزامات والعقود مثلاً، لا يصحّ العقد ولا يكتسب الشرعية ما لم يتوفر قصد التعاقد المشترك بين الأطراف المتعاقدة، وهو المعروف بـ onimus contrahendi، أيّ قصد التعاقد داخل نطاق القانون، والاستعداد لتحمل نتائج الفعل. فـ ""لا محلّ للمسؤولية المدنية إذا فعل شخص بغير قصد الإضرار ما كان له الحقّ في فعله.""[18] وفي القانون الجنائي أيضًا، يحضر القصد كعنصر حاسم في النظر إلى الجريمة. ورغم صعوبة تحديد ذلك القصد والتحقق منه بدقة، إلا أن امتلاك أدلة ترجح قصد الجرم أو عدمه تكون حاسمة في الحكم القضائي المرتبط بالقضية، فـ""الجنايات أو الجنح لا يُعاقب عليها إلاّ إذا اُرتكبت عمدًا""[19]. ولو تأكّد القاضي مثلاً أني لست الشخص الذي نشر خطابًا مكتوبًا بخطّ يدي، أتهم فيه شخصًا بالسرقة والرشوة.. وغيرهما، وإنما قد سرقه شخص منّي ونشره، ففي هذه الحالة يبرّئني من تهمة القذف في حقّ ذلك الشخص. أمّا إذا تأكد أني قصدت نشر تلك الورقة، أو شجعت من فعل ذلك، فالحالة تلك أكون مستحقًا للعقاب. والفرق بين الحالتين هو قصد الفعل أو عدمه فقط.
وقد وسعت المُمارسة القانونية من مجال مفهوم القصد، متجاوزة معنى النيّة وحده، لتتحدث عن حسن النيّة وصدقها. فلا يكتفي القانون بجعل القصد ركنًا من أركان المسؤولية المدنية أو الجنائية فحسب، وإنما يتشبث به حتى لو حضرت في الفعل أخطاء أو مخالفات قانونية، أو ترتبت عنه نتائج غير مشروعة. وهكذا، فمن يقدِم على فعل بقصد معين، ونتجت عنه أشياء أخرى لم يقصدها، خاصة إذا اتضح أن للفاعل مصلحة مشروعة في الفعل، ففي تلك الحالة لا تعتبر النتائج غير المقصودة مخالَفة، ولا يتحمّل مسؤوليتها الفاعل، شريطة التيقن من اتخاذه الحذر اللازم من الوقوع في الخطأ. أمَّا إذا أقدم على الفعل بتهور، فإنه يتحمّل نتائجه كاملة، مقصودة كانت أو غير مقصودة. فـ""مَن يعطي [مثلاً]، بحسن نيّة ومن غير خطأ جسيم أو تهوّر بالغ من جانبه، بيانات وهو يجهل عدم صحتها، لا يتحمّل أيّة مسؤولية تجاه الشخص الذي أُعطيت له: إذا كانت له أو لمَن تلقى البيانات مصلحة مشروعة في الحصول عليها.[أو] إذا وجب عليه، بسبب معاملاته أو بمقتضى التزام قانوني، أن ينقل البيانات التي وصلت إلى عمله"".[20]
ب- تتجلَّى النبرة القانونية لنظرية أفعال الكلام في تعريفها لفعل الكلام ذاته، وتحديدها لخصائصه الجوهرية. وإذ بينا أنه فعل قصدي، نضيف أنه فعل تداولي مواضعاتي، يحتاج إنجازه مراعاة وضعيات الكلام ومواضعاته، الضمنية والصريحة، التي تحكم وظيفيته. ولنجاح هذا الفعل، يجب التقيد بقواعد اللغة المسطورة، التي تسمح لنا باستعمال العبارات واستثمارها لإنجاز أفعال كلام محددة، كما يجب الالتزام بأعراف الكلام، والإلمام بسياقه وظروف تنفيذه، ومعرفة الأشخاص اللازم حضورهم لذلك.. وغيرها من العناصر المتحكمة في معنى القول، والموجهة للفعل المرتبط به. لذلك أكّد سيرل تكرارًا على التوازي بين قصدية الكلام وطبيعته المواضعاتية، فربط معنى القول بشبكة الحالات القصدية من جهة intentional network،[21] وخلفية التأويل الثقافية من جهةٍ أخرى The back ground،[22] ذلك أنّ ""معنى الجُملة في الأخير هو بالكامل مسألة أعراف اللغة""[23]. وهذا من مبادئ التشريع القانوني، الذي يقضي بضرورة ""فهم الألفاظ المستعملة حسب معناها الحقيقي ومدلولها المُعتاد في مكان إبرام العقد، إلا إذا ثبت أنه قصد استعمالها في معنى خاص. وإذا كان للفظ معنى اصطلاحي، افترض أنّه استعمل فيه""[24].
ج- إذا نظرت في محاضرات أوستين، واقفًا عند القواعد التي اشترطها لنجاح فعل الكلام، قد يراودك انطباع بأنها شروط نجاحه قانونيًا، فلا تجده يفكر في التعهّد بشكلٍ عام، وإنما في الشروط التي تجعل منه تعهّدًا قانونيًا. كما أنّ الناظر في مشروع الأمثَلة idealization project، الذي باشره سيرل، يلمس أنّ نموذج هذا المشروع كان هو فعل الكلام القانوني. وكما اجتهد الفيلسوفان في تحديد شروط نجاح فعل الكلام، جدَّا في تحديد أسباب فشله أو ""شقائه""، إذا أمعنّا النظر في هذه الأسباب، أمسكنا بشاهد آخر على التقارب الكبير بين نظرية أفعال الكلام وروح الممارسة القانونية. ولبيان ذلك، أستدعي مثالاً مشتركًا بينهما هو فعل الوعد، الذي يعرف عمومًا بكونه التزامًا إراديًا بالقيام بفعل أو الامتناع عنه، تكون فيه مصلحة للموعود له، يمكن أن يصدر عن شخص أو جهة، كما يمكن أن يكون متبادلاً بين شخصين أو جهتين أو أكثر. وفي الحالة الأخيرة، وبحضور شروطٍ معينة (يحددها القانون وقد حددتها النظرية أيضًا)، يتحوّل من مجرد وعد مشترك إلى تعاقد، بما هو فعل كلام محدِث لأثرٍ قانوني، بقوة إلزامية. فننتقل من الوعد بالمعنى العام، إلى التعاقد القانوني، بما هو توافق إرادتين أو أكثر على إنشاء رابطة قانونية أو تعديلها أو إنهائها، يصبح بمقتضاه المتعاقدون ملزمين بالقيام بفعل أو الامتناع عنه، لصالح بعضهم. غير أنّ هذا الفعل معرّض للفشل و""الشقاء""، مثلما يحتمل النجاح و""السعادة""، وذلك تبعًا لتوفر مجموعة شروط وأسباب أو غيابها، يمكننا ذكر أهمّها في ما يأتي، مركِّزين على تلك التي تصل النظرية بالممارسة القانونية:
1- يفشل فعل التعاقد، أو يكون ناقصًا، إذا كان غير مقصود، أو حدث تحت الضغط أو الإكراه، أو كان ضارًا لأحد المتعاقدين، أو لم تكن لهما مصلحة فيه، أو لم يبديا رغبتهما فيه، أو لم يفهما المقصد الحقيقي منه بحيث كان ضربًا من الخداع، وهي الأسباب التي تجتمع لتعادل ما يسمَّى في الممارسة القانونية بعيوب الرضا vices de consentement، المُبطلة للأثر القانوني، بحيث تسقط العقد المنجز في حضور أحد تلك النواقص، كما تسقط الإلزام المترتب عنه. فإذا لم يكن الرضا متبادلاً، أو قدم بالخطأ، أو انتزع بالقوة أو بالتدليس أو غير ذلك، فهو يكون باطلاً، ويحقّ للشخص المتضرر من ذلك العقد اللجوء إلى العدالة لإبطال مفعوله، بضمانة القانون القاضي بأنه ""يكون قابلًا لإبطال الرضا الصادر عن خطأ أو الناتج عن تدليس، أو المنتزع بإكراه""[25].
2- يفشل فعل التعاقد، أو يكون ناقصًا، إذا لم تتوفر فيه مجموعة من الشروط المؤسساتية والمواضعاتية،[26] تشكل في مجموعها مطالب الاعتراف القانوني بالفعل. فالمؤسسة إطار يجمع المتخاطبين، بقوانينها وأعرافها والعلاقات التي تفرضها عليهم، بحيث لا ينال الفعل حظه من النجاح إلا إذا استوفى القواعد التي تمليها عليه تلك المؤسسة. وهكذا يحتاج عقد البيع إلى موثق يحترم قانون الالتزامات والعقود ويضمِّنه إيّاها، كما يحتاج قولي: ""أعلنكما زوجًا وزوجة"" إلى مؤسسةٍ ينعقد باسمها الزواج، تشير إليها وضعيتي أنا باعتباري قاضيًا (تابعًا لمحكمة الأسرة مثلًا)، كما أنّ القول: ""أعلن عن افتتاح الجلسة"" ليس من حقّ أحد غير الذي يرأسها، أو من يعطيه قانون المؤسسة ذلك الحقّ.[27]
3- يفشل فعل الكلام، أو يكون ناقصًا، إذا لم يستوفي شروطه التحضيرية، بتعبير سيرل، التي تحدد للمخاطِب ما ينبغي أن يفترضه عند الكلام، وفي سياق للقول محدد؛ أعني وعيه برغبات المخاطَب ومصالحه وقدراته وعلاقته به. فلا بد أن يفترض المتكلّم، عندما يقدم على فعل تكلّمي معين، أن مجموعة من القضايا المؤسسة لسياق القول صادقة. وهكذا، يتطلب الأمر مثلًا اعتقادَ المتكلّم أن المستمع قادر على تحقيق الفعل المأمور به، كما يتطلب امتلاك المتكلم سُلطة على مخاطبه أو وجود علاقة تراتبية لصالحه. بينما يقتضي الالتماس أن المخاطب قادر على تحقيق الفعل الملتمس، لكن من دون وجود سلطة لصالحه. و يفترض الوعد أن المستمع له رغبة في إنجاز الفعل الموعود به. وتستلزم الإدانة أن الفعل المدان جريمة، وأن المخاطَب يعرف ذلك. ويمكن للمتكلّم أن ينجح أحيانًا في إنجاز الفعل حتى إن كان بعض تلك الافتراضات خاطئًا، لكن هذا الإنجاز يكون ناقصًا من وجهة نظر منطقية، لأن السياق لم يكن مناسبًا لمثل ذلك الفعل. إذ يمكن لشخصٍ أن ""يقدم شهادة كاذبة"" ضد شخص آخر في المحكمة بهدف النيل منه، وينجح في ذلك، بحيث يحكم القاضي على المشهود ضده بحكمٍ قاسٍ نتيجة تلك الشهادة ""الكاذبة"" non sincère، غير أن فعله التكلّمي هذا يكون ناقصًا Défectueux، لأنّه لا يعتقد في صدق ما يشهد به، ولذلك يعاقبه القانون إذا ثبت أنّ شهادته زور.
4- أمَّا إذا استوفى المخاطَب شروط نجاح فعل الكلام، فذلك نصف الطريق فحسب، يبقى للمخاطِب إكماله، باستيعاب قول مخاطبه والإمساك بمضمونه القضوي. وهذا ما يعبّر عنه أوستين بالقول إنّ هذا الفعل لا يَسعَد إلا إذا تسلَّمه المخاطَب تسلَّمًا آمنًا secure uptake.[28] ولأن أوستين استعار هذا المفهوم من الحقل القانوني، لم يجد عليه شاهدًا أوضح من مثال الأمر القضائي بالحضور (الاستدعاء)، بما هو جزء من المسطرة المدنية. معلوم أنّ الشخص لا يتحمّل مسؤولية هذا الاستدعاء ما لم يتسلمه، وما لم يكن قادرًا على فهم ما فيه فهمًا تامًا، لذلك ""ترفق بالاستدعاء شهادة يبين فيها من سلم له الاستدعاء وفي أيّ تاريخ، ويجب أن توقع هذه الشهادة من الطرف أو من الشخص الذي تسلمها في موطنه""[29].
ولربط هذه النقطة بسابقتها (المتعلَّقة بمكانة القصدية في النظرية والقانون)، نشير إلى أن نجاح فعل الكلام لا يكفيه التقاط المخاطَب المعنى القصدي للقول، وإنما يجب أن يلتقطه بأمان، فيفهم نفس القصد الذي أراده مخاطِبه. والنتيجة، أنه ليس كل ما يُفهم يتحمّل المخاطِب مسؤوليته، ولكن ما أراد قوله فقط، أيّ قصده. فلا بد أن يصل المعنى المقصود بأمان، دون غيره من المعاني التي يمكن أن يفهمها المخاطَب، خلال التأويل. فلا يكون الأمر أمرًا ما لم يفهمه المخاطَب على أنّه كذلك، وليس التماسًا مثلاً. ولا تنجح الهبة أيضًا إن لم يفهم الموهوب له أنها هبة، وليست قرضًا، وفي ذلك تلعب مقومات السياق دورًا حاسمًا. لذلك، حين قراءة العقد مثلًا، تكون القاعدة هي: ""إذا كانت ألفاظ العقد صريحة، امتنع البحث عن قصد صاحبها""[30]. أمّا إذا كان ""للتأويل موجب، يجب البحث عن قصد المتعاقدين، دون الوقوف عند المعنى الحرفي للألفاظ، ولا عند تركيب الجُمل""[31].
يحضر مطلب تسلم المضمون القضوي، إذن، كركن أساسي في الممارسة القانونية كما في نظرية أفعال الكلام. وباستثناء القانون ذاته، الذي تكتفي الدولة بنشره في جريدتها الرسمية، وبلغتها الرسمية التي يفهمها كل مواطن،[32] لكونه غير موجه إلى مخاطَب محدد تجريبيًا،[33] فإن بقية أفعال الكلام القانونية موجهة إلى مخاطبين محددين، كما هو حال الاستدعاءات والإشعارات والأحكام القضائية والمراسلات الإدارية.. وغيرها، لذلك كان تسلمها الآمن مطلبًا ضروريًا لنجاحها. هنا تتضح قيمة تجاوز النظرية لمطلب ""الفهم""، المشترك بين كل أفعال الكلام، إلى مطلب ""التسلم""، بالمعنى الخاص الذي يأخذه في المجال القانوني. ولا يحضر التسلم في هذا المجال باعتباره شرطًا لنجاح فعل الكلام وحسب، وإنما لإكسابه الشرعية القانونية أيضًا، وفي ذلك دلالة على أن النظرية أخذت خصوصية فعل الكلام القانوني بعين الاعتبار.
5- خلال المحاضرة الأولى، وبشكلٍ يوحي بأن أوستين كان يصوغ نظريته وهو يفكر في المُمارسة القانونية أكثر من غيرها، بل ويعتبرها نموذجًا لهذه النظرية، تردد الرجل في الاختيار بين لفظي performative و operative، لوصف تلك الأقوال التي لا تكتفي بوصف حالة الأشياء، وإنما هي أفعال تنتج وقائع. ومعلوم أن الأخير لفظ قانوني خالص، وقد استخدمه في مكانٍ آخر لتوضيح دلالة ما يعنيه بكلمة ""إنجازي""، وفي ذلك استشهد باستخدام رجال القانون للكلمة: ""عندما يتحدث رجال القانون عن الوسائل الشرعية، يميزون بين المقدمة preamble التي تتلى فيها ظروف المعاملة، وبين الجزء الإجرائي operative، الذي ينجز في الواقع الفعلَ القانوني الشرعي، والذي هو الهدف من وسيلة الإنجاز. فكلمة ""إجرائي"" إذن قريبة جدًا من المعنى الذي نسعى إلى توضيحه""[34].
يسمح القانون بوظيفية بعض الكلمات الإجرائية، بما هي ""شروط تمكين enacting clause""،[35] مثلما تسمح مواضعات اللغة بالإيحاءات والتضمينات وغيرها من أفعال الكلام غير المباشرة. ويتعلق الأمر ببعض العبارات النمطية، قد لا يكون لها تركيب سليم، ولا دلالة، ولا مضمون قضوي حرفي واضح، ولكنها ضرورية الاستخدام، لدلالتها على المصدر المعبّر عنه، وحملها سُلطته وسيادته. إنها عبارات بقوة إنجازية خاصة، تساعد على فرض القانون، لكونها تأمر بالطاعة، وترتدي زي الهيبة، وتضمن الالتزام بما يتلوها، من حقوق وواجبات. وقد استمد أوستين هذا المفهوم التقني إذن من الحقل القانوني.
6- تراجع أوستين عن التمييز بين التقريري والإنجازي، عقب اقتناعه بحضور كل واحد منهما في الثاني، فركَّب المقولتين في أخرى ثالثة هي ""فعل الكلام""، لم تخل من انتصار للطابع الإنجازي للكلام. غير أنه لم يجد مجالا يشهد بهذا الطابع أكثر من المجال القانوني، سواءً في المعاملات القانونية، أو خلال البحث القضائي. ففي الأولى مثلاً، يحضر العقد كعنصر أساسي لتحديد الواجبات والحقوق، باعتباره ""شريعة المتعاقدين"". غير أنّ قراءته أحيانًا تكون محلَّ خلاف، فيلزم حينئذ تغليب البعد الإجرائي العملي، الذي ينتج عنه أثر للمتعاقدين، على البُعد التقريري غير ذي أثر، فـ""إذا أمكن حمل عبارة أو بند على معنيين، كان حمله على المعنى الذي يعطيه بعض الأثر أولى من حمله على المعنى الذي يجرده عن كل أثر""[36]. وهذا هو المبدأ الذي يوجه القاضي في بحثه عن وسائل الإثبات؛ معلوم أن الشهود عيون المحكمة، وأن الشهادة إنجازية مهما كانت تقريرية، إلا أن القاضي يفضل الشهادة الأكثر إنجازية، فيفضل مثلاً الاعتراف بالفعل على شهادة الشاهد (فهو ""سيد الأدلة"")، كما يفضل شهادة من شهد الواقعة على شهادة من رُوي له فقط، فيميل دائمًا إلى أفعال الكلام التي يطغى فيها الإنجاز على التقرير. لذلك يرتب القانون وسائل الإثبات بهذا الشكل:
""1- إقرار الخصم. 2- الحجّة الكتابية. 3- شهادة الشهود. 4- القرينة. 5- اليمين والنكول عنها""[37]. وقد انتبه أوستين إلى هذا التناسب بين المعايير القانونية للشهادة وتمييزه بين التقريري والإنجازي (قبل التراجع عنه)، فضرب المثل بقانون الشهادة الأميركي، حيث ""ُتقبل شهادة الشاهد ويعتد بها كدليل، إن كان ما يدلي به من قولٍ ذا طبيعة إنجازية من النوع الذي نتحدث عنه: إذ لا يُنظر إلى قوله كمجرد تقرير لحالة شيء معين، كما هو الشأن بالنسبة للإشاعة، فلا يقبل كبينة، وإنما ينظر إليه بما هو فعل قام به. وهذا يتطابق تمامًا مع نظرتنا إلى الإنجازيات، من أوّل وهلة""[38].
ورغم تراجعه عن التمييز بين التقرير والإنجاز، وتعويضه بمفهوم ""فعل الكلام""، لم تتوقف عودته المستمرة إلى القانون، للنهل من أمثلته، لكونه يضع فعل الكلام في نفس مقام الفعل المادي، اعترافًا بطبيعته الإنجازية. وهذا ما دأب عليه سيرل من بعده، لذلك أمكننا استعارة عباراته قائلين إنّ المحكمة تفضل فعل الكلام التوجيهي[39] Directives، في الشهادة على فعل الكلام التقريري Representatives[40]، كما تفضل فعل الكلام الإلزامي[41] Commissives على أفعال الكلام التعبيرية[42] Expressives والتصريحية[43] Declaratives.
7- يتجلَّى الفكر القانوني في نظرية أفعال الكلام من خلال التصنيف الذي انتهى إليه أوستين لأفعال الكلام، والذي تحكَّمت فيه مقولات قانونية خالصة. وبحسب أهدافها التكلُّمية، عدّد أوستين خمس فئات من أفعال الكلام، وهي:
1- أفعال حُكمية Verdictives، تتمثّل في إصدار حكم فاصل لصالح طرفٍ معين أو ضده، مثل قرار المحكمة ""زيد بريء"".
2- أفعال تنفيذية Exercitives، وتكمن في ممارسة حقّ، أو مزاولة سُلطة، أو توكيد نفوذ، مثل قول الموصيّ: ""أُوصي بمالي لعمر"".
3- أفعال إلزامية Commissives، تتمثّل في تعهد المتكلّم بالقيام بفعل أو الامتناع عنه، مثل قول الشخص أمام القاضي: ""أتعهد برد المال إلى صاحبه"".
4- أفعال سلوكية Behabitives، تعبّر عن المواقف الخاصة بسلوكٍ قام به شخص معين، أو هو على وشك القيام به، مثل قولي: ""أُدين مواقف أحمد""، أو ""أعتذر"".
5- أفعال تفسيرية Expositives، وتخدم لعرض تصوّر، أو إيصال حُجة، أو توضيح معنى، مثل قولي: ""أقصد القانون المدني، لا الطبيعي"".[44]
وباختصار، فإن الفعل الحُكمي هو إعلان حكم، والفعل التوكيدي هو توكيد نفوذ أو ممارسة سُلطة، والفعل الإلزامي هو اتخاذ تعهّد أو إعلان عن قصد، والفعل السلوكي هو اتخاذ موقف، والفعل التفسيري هو تقديم أدلة وحُجج. وكما يتضح من هذا التصنيف، فمن أصل خمس فئات عامة تختزل كل أفعال الكلام، احتكمت الفئات الثلاث الأولى إلى تصوّر قانوني خالص، كما أن التمييز بينها كان بحدود قانونية محضة، وهو ما لم يغب عن الفئتين الأخريين. وإذا أخذنا في الاعتبار أن هذا التصنيف ورد في نهاية التحليل، حقّ لنا القول إن طغيان النبرة القانونية الحقوقية على مقولاته لم يكن اعتباطيًا، بقدر ما كان نتيجة اقتناع الفيلسوف بقيمة القول القانوني في بناء نماذجٍ لأفعال الكلام. [45]
2- البنية الإنجازية للخطاب القانوني: قيمة النظرية
أ- لا تتجلَّى فاعلية الكلام في الالتزامات التعاقدية فحسب، وإنما تمتد إلى قول المشرع ذاته، لتتجسد في القاعدة القانونية، كما في الأحكام القضائية، وغيرها من تطبيقات هذه القاعدة. وإذا كنَّا نقر بصعوبة تصوّر القانون (سواء بوصفه فرضًا، أو حكمًا، أو ما يتصل بهما أو يخضع لهما من علاقاتٍ ومعاملات.. وغيرها) ما لم نتصوّره في عباراتٍ معينة، وصِيغ لغوية محددة، فإننا ندرك أيضًا أن ما يوحّد عباراته هو بنيتها الإنجازية الخلاقة. ولئن كان كل استعمال اللغة يشهد على صعوبة الحفاظ على التمييز بين التقرير والإنجاز فيها، ويثبت أن كل عبارة تقريرية تنجز أشياء معينة أكثر من وصفها لأخرى، بل وأن للوصف قوة إنجازية، فإن استعمالها في المجال القانوني يوضح ذلك بشكلٍ أجلى. ففي هذا المجال يستغرق البُعد التداولي كل المستوى الدلالي للعبارات، كما يستنفذ الخلق كل وظيفتها.
لنعد إلى المُشكل الفلسفي التاريخي، ونتساءل: هل يصف القانون حقوقًا وواجبات أم يضعها؟ هل يعرِّف وقائع وأفعال، أم يخلقها؟ لو قلت إنه يصفها فقط، فما الفائدة منه؟ سيكون من باب تحصيل الحاصل؟ الحال أن لغة القانون تعرف بطابعها المعياري التوجيهي، فهي تحدد الحقّ والواجب، كما تعين السلوك الممنوع، فتضع معايير الفعل الشرعي وتعين عواقب انتهاكها. لنقل إن فعل الكلام القانوني يخلق حقوقًا وواجبات،[46] سواءً قصدنا بهذا الفعل:
1- قول المشرع ذاته، الذي يحدد ""أفعال الإنسان التي يعدُّها جرائم، بسبب ما تحدثه من اضطرابٍ اجتماعي، ويوجب زجر مرتكبيها بعقوباتٍ أو تدابير وقائية""[47].
2- تطبيق القانون في المعاملات، بحيث يحدد ما يشرع تداوله فيها، فيقضي مثلاً بأن ""الأشياء والأفعال والحقوق المعنوية الداخلة في دائرة التعامل تصلح وحدها لأن تكون محلاًّ للالتزام، ويدخل في دائرة التعامل جميع الأشياء التي لا يحرم القانون صراحة بشأنها""[48].
3- تنفيذ القانون في الأحكام القضائية، بحيث تبرئ العبارات الشخص أو تدينه، وتسجنه أو تقتله، وهي التي أعطت القاضي الحقّ في إصدار الأحكام (التسمية في المنصب، وأداء القسم… إلخ)، ويمكنها تجريده منه. صحيح أنّ المجال القانوني مجال واسع جدًا، تتعدد فيه التشريعات والوقائع والأفعال، كما أن اللغة القانونية متعددة الوظائف، غير أنّ هذا التعدد لا يعدم إمكانية وجود خيط ناظم يوحّد هذا المجال، ويسِم كل عناصره، ألا وهو البنية الإنجازية للغة القانون، بآثارها الجمَّة في الإنسان والواقع.
ب- مع أنّ الكلمة سِحر القانون، وسيف رجاله القاطع، إلا أنّ فعل الكلام القانوني فعل خاص، بصفات تميّزه عن غيره، وشروط لا يحضر إلاّ بها. أعني أنه ليس كل فعل كلام تترتب عنه نتائج قانونية، وتتولد عنه حقوق وواجبات ملزمة، وفي ذلك لا يحضر دور الظروف التداولية والسياقية فحسب، وإنما تضاف إليها شروط أخرى، ليس لنا طريق لمعرفتها أفضل من النظر في مشروع ""الأمثَلة"" كما اقترحه سيرل، فتتضح بذلك قيمة النظرية في الممارسة القانونية. في سبيل بناء نظرية فلسفية وعلمية دقيقة موضوعها فعل الكلام، وبغرض بناء نموذج نظري لهذا الفعل، يكون هو موضوع النظرية. مرّت الأخيرة بمرحلتين، بقدر ما تعبِّران عن طورين أساسيين في بنائها، تشيران إلى اختيارين منهجيين مختلفين رغم اتصالهما: أوّلهما، تناول ""مجموع أفعال الكلام في مجموع وضعيات الكلام""[49]. وثانيهما، انتقاء حالات محددة من أفعال الكلام، في صورتها المثالية الجدية والعادية، وتركيز التحليل عليها، بوصفها نماذج عامة لأفعال الكلام، لتعمّم بعد ذلك نتائج التحليل على بقية أفعال الكلام، من خلال الصنافات التي اقترحتها النظرية. وهذا هو مشروع الأمثَلة Idealization، الذي باشره الفيلسوف الأميركي،[50] معتبرًا أنّه بدون تجريد ولا أمثَلة، لا توجد إمكانية تنظيم ولا بناء نظري. لذلك أخذ نماذج لفعل الكلام (مثل الوعد والتأكيد والإحالة) في حالاتها الجدية والعادية، وقدّم قواعدها وشروط نجاحها، بعيدًا عن الحالات التي تستخدم فيها استخدامًا مشوَّشًا وغير جديّ.
ويحدث التشويش في الخطاب parasitic speech عندما لا يستعمل الكلام فيه استعمالاً عاديًا، وتنعدم الجدية فيه عندما لا يقصد بفعل الكلام إنجازه كما تحدد ذلك شروطه الخاصة. فيحضر التشويش وعدم الجدية، مثلاً، عند استعمال الكلام استعمالًا مجازيًا، كما في الخطاب الشِّعري، أو عندما يستخدم للتخييل أو التصنع، كما في خطاب القصة المتخيّلة والخطاب المسرحي، أو عندما يُقتبس، كما في الاستشهاد، أو عندما يوظف في أفعال الكلام غير المباشرة، كما في السخرية والتهكم. ولنضرب على ذلك مثلاً بفعل الوعد، فنتساءل: ما هو الوعد الجديّ والعادي، والنموذج المثالي الذي يمكن أن تصنف بقية أفعال الكلام انطلاقًا من النظر فيه؟
يكون استعمال الكلام عاديًّا، ويكون الوعد حينها جديًّا serious، عندما يكون فعل الكلام صادق النية sincère. وليس الصدق هنا خاصية ما يتطابق مع موضوعه، كما في العبارات التقريرية، وإنما هو تطابق القصد مع ذاته. وحتى يتحقّق هذا التطابق، اقترح سيرل ثمانية شروط في فعل الوعد، ركَّز فيها على حالةٍ واحدة من حالاته، عدَّها أصلًا منطقيًا لهذا الفعل، اشتُق منها كل استعمال آخر له، وسمَّاها ""مركز فعل الوعد"".[51] فلننظر فيها، مخمِّنين النموذج الذي وجهه في تسطيرها، فلربما كان هذا المركز والأصل المنطقي هو ""الوعد القانوني"".
أوّلاً- أن تكون شروط الانطلاق والوصول العادية متوفرة: ويغطي لفظ ""الانطلاق"" هنا مجموع الشروط التي تمكِّن من تكلم لغة بشكلٍ مفهوم، بينما يشير لفظ ""الوصول"" إلى الشروط المتحكمة في الفهم. من هذه الشروط مثلاً أن المتخاطبين يعرفان اللغة التي يستخدمانها، ويستطيعان التواصل بها دون أن يعوقهما عائق، وأنهما بصدد تواصل جديّ، لا يلعبان أو يمزحان مثلاً.
ثانيًا- أن يعبِّر المتكلّم عن وعده باستخدام عبارة خاصة بفعل الوعد، تعزله عن غيره من أفعال الكلام. ويسمّي سيرل هذين الشرطين بشرطي المضمون القضوي.
ثالثًا- أن يسند المتكلّم إلى نفسه، في التعبير عن وعده، فعلاً مستقبليًا هو موضوع هذا الوعد. فلا يمكنني مثلاً أن أعِد بفعلٍ معين في الماضي، أو أعِد بشيء أنا أنجزه الآن،[52] أو أشترط للوفاءِ بوعدي شرطًا متحقّقًا بالفعل[53].
رابعًا- أن تكون للمخاطَب رغبة في إنجاز الفعل من طرف مخاطِبه، وأن يدرك الأخير هذه الرغبة. فالوعد التزام بفعلٍ لصالح الشخص الموعود له، لن يكون وعدًا إذا لم يرغب في موضوعه الموعودُ له، كما لن يكون كذلك إذا لم يعتقد الواعد أنّ مخاطبه يرغب في تحقّقه[54].
خامسًا- أن يكون للمتكلّم قصد إنجاز الفعل المستقبلي الموعود به، ويعلمَ (يقصد) أنّ التلفظ بالوعد سيجعله مسؤولاً عن قصده إنجازَ ذلك الفعل. وهذا هو شرط صدق النية Condition de sincérité،[55] بدونه يكون الوعد وعد عرقوب.
سادسًا- أن يدرك (يقصد) المتكلّم أن التلفظ بالوعد يُلزمه إنجازَ الفعل الموعود به، وهذا هو الشرط الجوهري.
سابعًا- أن يقصد المتكلّم إعلامَ مخاطِبه أن التلفظ بالوعد يُلزمه تنفيذَ الفعل الموعود به.[56]
ثامنًا -تكون القواعد الدلالية في اللغة التي يتكلّمها المتكلّم والمستمع هي نفسها المستعملة حرفيًا وصدقًا في العبارة، إذا وفقط إذا توفرت الشروط السبعة السابقة.[57]
يكون الوعد عاديًا وجدِّيًا إذا استُخدِم فقط بهذه الشروط. أمَّا إذا ورد في خطاب بغيرها مجتمعة، أو في غياب أحدها، إما أن يكون حينئذ ناقصًا، أو مشوشًا، فلا يُعتبر وعدًا حقيقيًا. وهكذا، يخرج هذا الفعل عن استعماله العادي الجديّ (المثالي) عندما يعد شخص غيره على الخشبة، في عرض مسرحي، إذ يقول: ""إنّي اتخذتك زوجة لي، وأعدك بأن أكرِّس كل حياتي لك""، فترد هي قائلة: ""وأنا أيضًا، قبلت بك زوجًا، وأعدك أني سأعيش معك ما حييت"". فإن هذا الحوار، بما تضمنه من وعود، لا يجعل الممثل يطالب زميلته، بعد الانتهاء من العرض المسرحي، بالقيام بالواجبات الزوجية، ملتزمة بالوعد الذي قدّمته خلال العرض المسرحي، ولا هي ستعاتبه حينها إن تركها وانصرف إلى حاله، دون أن يؤدي واجب الزوجية عليه. ذلك أنّ قوليهما لم يستوفيا الشروط الثلاثة قبل الأخير، فنال منهما التشويش وعدم الجديّة. كما يخرج الوعد عن استخدامه العادي إلى المشوش، إذا لم يستوف الشرط الرابع؛ فلو خاطب القاضي متَّهَما آمرًا إيّاه برد ما عليه من دين: ""إن لم تردَّ لفلان مستحقاته المالية في الوقت المحدد، أعدك بالسجن""، ولو اتهمت شخصًا بسرقة محفظتي، فسأله القاضي عن ذلك، وردَّ: ""لم أسرقها، أعدك بأنني لم أفعل""، يصعب تأويل القول الأوّل على أنه وعد، لأنه أقرب في صيغته إلى التهديد، أمَّا الثاني، فأقرب إلى الإنكار. ففي الحالة الأولى غاب الشرط الرابع، أمّا في الثانية، فغاب الثالث.
يقول المشرع المغربي إنّ ""مجرد الوعد لا ينشئ التزامًا. والمقصود هو الوعد المجرد عن شروطه""[58]. أليس ""الوعد المجرد عن شروطه"" هو الذي وصفه سيرل بالوعد الناقص؟ ثمّ أليست تلك التي ذكرناها أعلاه من أهمّ الشروط؟
الحال أنّ نموذج ما سمَّاه سيرل ""مركز فعل الوعد"" هو الوعد القانوني، فهو الوعد الكامل، العادي والجدي، والأصل المنطقي لبقية الوعود. كما أنّ الشروط الثمانية لهذا ""الأصل"" تجد تجسيدها الأكمل في الوعد القانوني. صحيح أنّ المشرع يضيف أخرى، مثل أن يكون الموعود به شيئًا أو فعلاً أو حقًا معنويًا داخلاً في دائرة التعامل ولا يمنعه القانون،[59] إلا أن تلك الشروط تُشتق منطقيًا من المذكورة أعلاه. فهذا الشرط مثلاً يشتق منطقيًا من الشرط الخامس، الذي يربط المسؤولية بالقصد. أليست أكبر نقيصة يمكن أن تمسّ التعهد القانوني هي غياب صدق النية؟ ثمّ أليس ذلك ما دفع سيرل ليصف شرط صدق النية بالشرط الجوهري لفعل الوعد؟
يشهد هذا التحليل إذن على التوازي بين الشروط التي يفرضها القانون المدني حتى يكون تعهّد معين صالحًا قانونيًا، فتترتب عنه حقوق وواجبات، وبين القواعد والشروط التي توجه نجاح فعل الكلام وتضمن كماله. ويتضح هذا التوازي أكثر حين النظر في العقود، حيث أهمية القصد ونية الالتزام داخل النطاق القانوني. وهو ما يتيح لنا تأكيد القول إن سيرل عندما أقدم على مشروع ""الأمثَلة""، باحثًا عن نماذج لأفعال الكلام في صورها المثالية الخالية من كل حالات الشذوذ والنواقص والتشويش، كان نموذجه في ذلك هو فعل الكلام القانوني. وهكذا، بقدر ما يمكننا فهم ""نموذج فعل الوعد"" من فهم فعالية الأفعال القانونية بالنسبة لنظرية لأفعال الكلام، فهو يمكننا من فهم قيمة هذه النظرية بالنسبة للممارسة القانونية.
3- فعل الكلام القانوني: حدود نموذج فعل الكلام
يأخذ المثال أهمية خاصة في نظرية أفعال الكلام. ولأنها نظرية تداولية تهتم باستعمالات الكلام في سياق التداول اليومي، في مختلف مجالات الحياة الاجتماعية، فقد كان المثال أهم وسيلة لربطها بالتداول، بل هو عمادها. فنهل مؤسِّسُها من كل الأمثلة المتداولة بين الناس، في كل مناحي الحياة، لإيضاح عناصر نظريته والاستدلال عليها، سواء تعلق الأمر بمفاهيمها، أو صنافاتها، أو قواعد ومبادئ التمييز بين أفعال الكلام، أو شروط نجاحها، أو أسباب فشلها، أو غير ذلك. غير أنّ هذه الأمثلة قد توزعت بين فئتين عامتين: أمثلة لأفعال كلام شفوية، وأخرى لأفعال كلام مكتوبة. وبينما توزعت الأمثلة الشفوية على كامل مناحي الحياة اليومية، لتشمل الوعود، والتحديات المتبادلة، والمراهنات، والشتائم، والنكت، والأقوال المأثورة، والعبارات المتكررة على ألسن الناس، والاقتباسات من مختلف المجالات، فقد اختصت أفعال الكلام المكتوبة عمومًا بنوع خاص من أفعال الكلام، هو الفعل القانوني. فمعظم أمثلة فعل الكلام المكتوب مستمدة من المجال القانوني، كالعقد، أو الوصية، أو الأمر القضائي، أو الوثائق الرسمية، أو الإعلانات الموضوعة على سكّة القطار، أو علامات التشوير الطرقي، ونادرًا ما تجد فيها قولاً مثل ""النهاية""، الذي يوضع في آخر صفحة من رواية معينة. وإذ أشرنا سابقًا إلى أنّ اهتمام أوستين بهذا النمط من الأفعال راجع إلى تأثره بالفكر القانوني، وإعجابه الخاص بأفكار هيربرت ليونيل أدولفوس هارت Herbert L. A. Hart،[60] نضيف هنا أن ذلك كان نتيجة وعي بخاصية في القول الإنجازي القانوني، تجعل منه نموذجًا لفعل الكلام، خاصة المكتوب منه. وهذه فرضية أقوى من مجرد القول إن اهتمام الرجل بالقانون راجع إلى كونه خصبًا بأمثلة أفعال الكلام المكتوبة، وإن كانت هذه فرضية وجيهة أيضًا، تبين بدورها قيمة المجال القانون بالنسبة للنظرية. فلنقف عند الفرضية الأولى، فرضية ""فعل كلام نموذجه قول مكتوب""، و""فعل كلام مكتوب نموذجه قول قانوني""، ولنتساءل: ما قيمة القول القانوني بالنسبة لأفعال الكلام عامة، والأفعال المكتوبة خاصة؟
يشهد فعل الكلام القانوني على أن القوة التكلّمية للقول المكتوب تزيد عن قوة القول الشفوي،[61] وقد بيّنا أعلاه أن الحُجة الكتابية تأتي مباشرة بعد الاعتراف، في ترتيب وسائل الإثبات، فهي أقوى دليل بعد ""سيد الأدلة"". وتزيد قوة الكلمات المكتوبة ببقائها مكتوبة في الأثر، بينما تقلّ قوة الكلمات الشفوية، لأن حاملها ضعيف سرعان ما ينتهي، فتتلاشى معه قوتها. وهذا ما يفيده القول اللاتيني المأثور Verba Volant, Scripta Manent[62]، الصادر من مجال الالتزامات والعقود. فالقوة القانونية لعقدٍ معين تقوم على حامله الكتابي، لا الشفوي. ويسري ذلك على باقي مناحي المجال القانوني، فيشترط الزواج مثلاً عقدًا مكتوبًا حتى يكون شرعيًا، إذ ""تعتبر وثيقة عقد الزواج الوسيلة المقبولة لإثبات الزواج""،[63] مثلما أن الوعد بالبيع يكون ذا قوة إنجازية أكبر عندما أكتبه بالمعايير التي يفرضها على قانون الالتزامات والعقود، وليس عندما أقدمه للمشتري شفويًا، وجهًا لوجه. هنا تتضح مزية القول القانوني بالنسبة للنظرية، كونه يمددها إلى أفعال الكلام المكتوبة، فلا تقتصر على الشفوية فقط، والمُستمدة من مجال الحياة اليومية العامة.
نعيش في ثقافة للقانون المكتوب، قائم على دستور مسطور وقوانين مدونة، ويصعب الزعم فيه أن القولين الشفوي والمكتوب بنفس القيمة والقوة الإنجازية. غير أن فعل الكتابة يأخذ طابعًا خاصًا في المجال القانوني الحقوقي، إذ يُعرف باستعمال لغة خاصة، واتصال وإحالة دائمين على النصوص المرجعية، وعودة واستشارة مستمرتين إلى الوثائق. غير أن أهم سِمات ثلاث لفعل الكلام المكتوب في هذا المجال هي:
1- بينما يتصل القول الشفوي مباشرة بصاحبه، فهو لسان حاله، ويتحمل مسؤوليته هو وحده، فإن القول المكتوب يسمح بتدخل عناصر أخرى إلى جانب صاحبه، فتزيد قوته الإنجازية بزيادة الذوات المشاركة فيه[64].
2- بالقول المكتوب يصير فعل الكلام رسميًا، فتزيد قوته كلما كان مضمنًا في ورقةٍ رسمية، و""الورقة الرسمية هي التي يتلقاها الموظفون العموميون الذين لهم صلاحية التوثيق في مكان تحرير العقد، وذلك في الشكل الذي يحدده القانون"". [65]
3- بالقول المكتوب يصير فعل الكلام مضمونًا، فالفعل المكتوب مخصوص بقوة إنجازية قانونية أكبر، لأنه يضمن حقوق من يوجه إليهم القول؛ فالوعد المكتوب يجعل الواعد ملزمًا بالوفاء بوعده، ويكسب الموعود له حقّ المطالبة بالوفاء به. هكذا، ترجع القيمة الإنجازية المضافة التي يستمدها الفعل المكتوب من القول القانوني إلى أمرين هامّين اثنين، وهما سِمتان يفتقدهما القول الشفوي. أوّلهما، أن قوة الفعل المكتوب تزيد بزيادة عدد الذوات المتدخلة في إنجازه، إذ لا يكفي في فعل الوصية مثلاً إعلانها بكتابتها، وإنما يجب أن ترافق هذا الفعل علامات للمصادقة من طرف مُمثليّ سُلطة الدولة، كالطوابع والخواتم والإمضاءات، بما يجعله يكتسب الشرعية القانونية اللازمة لإنجازيته، إذ ""يشترط في صحة الوصية أن يصدر بها إشهاد عدليّ أو إشهاد أية جهة رسمية مكلَّفة بالتوثيق أو يحرّرها المُوصي بخطّ يده مع إمضائه""[66]. وهذه العناصر لازمة للقانون ذاته، إذ لا يكفي أن يُنشر، وإنما يجب أن ترافقه علامات مكتوبة مختلفة تربطه بأشخاصٍ معنويين كثيرين بما يجعله رسميًا، إذ تسبق مواده توقيع رئيس الدولة أو الجهة الرسمية المخوّل لها ذلك التوقيع. وثانيهما، أن الفعل المكتوب يبقى في الزمان والمكان، وهذه أيضًا سِمة للقانون. ففي مقابل القول الشفوي، المقيد بلحظة الإنجاز ومكانه الخاصين (قول الزوج ""نعم"" خلال مراسيم عقد الزواج وفي المكان المخصص له، و قول القاضي ""يُبرّأ المتهم"" في المحكمة خلال النطق بالحكم)، حيث يستهلك الفعل قوته الإنجازية خلال التلفظ به (ما لم يعقب ذلك تثبيت مضمونه في ورقةٍ رسمية)، ترافق القول المكتوب عوامل تجعل هذه القوة تستمر في الزمان والمكان. لذلك فالفعل المكتوب وُضع ليبقى ويدوم، وليخدم عند الحاجة. هو يقدم قوة يمكنها أن تظهر في كل وقت وفي كل مكان، لأنه يعدِّل المعايير المعتادة لظرفية الكلام. ومن ثمّ، تعطي الكتابة للقول الإنجازي فضاءً زمانيًا ومكانيًا للعيش والبقاء[67].
4- بقدر ما يمكِّن القول القانوني النظرية من الامتداد إلى فعل الكلام المكتوب، فإنه يمددها أكثر لتركِّز على الأفعال التكليمية.[68] نعلم أن أوستين أجَّل تحليل هذه الأخيرة، وركَّز اهتمامه على الأفعال التكلمية، وقد اقتفي أثره في ذلك سيرل، فآثرا النظر في ما يفعله المتكلّم بقوله، في لحظة القول، أمَّا الآثار التي يتركها هذا الفعل في سلوكات الغير ومشاعره وغيرها، فلم تأخذ من تحليليهما إلّا القليل، فكانت الصنافات التي انتهيا إليها معًا خاصة بالأفعال التكلمية فقط. والحال أن إهمال البُعد التكليمي نقيصة في تحليل فعل الكلام، لأن النتيجة هي التي تبرّر غالبًا قرار القيام به. لهذا قلنا إن الالتزام المكتوب، بما هو فعل اجتماعي، لا يخلق إلزامات وحسب، وإنما يتيح إمكانية المطالبة بالحقّ، بحيث يخدم باعتباره حُجة، ويبرر اللجوء إلى السُلطة القضائية للمطالبة بالتنفيذ، أيّ النتائج. بتعبير أوضح، بينما يمكن للالتزام الشفوي أن يتم دون أن يوفى به، فلا ينتج أثرًا، يضمن الالتزام المكتوب الأثر من خلال التوقيعات وباقي العلامات المكتوبة المرافقة له. لذلك كان البعدان التكلّمي والتكليمي يتصلان في فعل الكلام المكتوب، بالإضافة إلى الفعل الخطي أو الحرفي. هذا بينما يمكن أن تنفصل الأبعاد الثلاثة في الفعل الشفوي، فينشق الفعل الصوتي (والكلامي عمومًا) عن الفعل التكلمي وعن الفعل التكليمي. صحيح أننا نقول حينها إنّ الفعل ناقص، لكن لا شيء يضمن اتصالها جميعها. أمَّا الكتابة فتضمن هذا الاتصال، من خلال عناصرها الخاصة التي ذكرناها سابقًا.
5- بقدر ما يمكِّن القولُ القانوني النظريةَ من الامتداد إلى الفعل التكليمي، فهو يساعدها على توسيع نموذج ""فعل الكتابة""، ليشمل باقي مناحي الحياة، بما يميزه من سِمات، وأهمّها: انصراف الكاتب ليترك مكانه للموقِّعين، وبقاء الأثر المكتوب في الزمان والمكان، وجعل قوته مفتوحة على الممكن والطلب، واعتماد كتابة صيغة بأيدٍ كثيرة ولا ترجع إلى ذاتٍ واحدة، والاستناد إلى الحوامل والوثائق والإمضاءات. وهذه في الحقيقة أهم خصائص ما سمّاها جاك دريدا Jacques Derrida ""كتابة عامة""، إن أخذناها في الاعتبار مكنتنا من إعادة تعريف للكتابة بشكلٍ مخالف لذلك الذي قدّمه كل من أوستين وسيرل لفعل الكلام.[69] وقد اتضح هذا من خلال محاولة الفيلسوف الفرنسي تفكيك نظرية أفعال الكلام عند أوستين، وما أعقب ذلك من تفاعل بينه وبين سيرل. [70]
6- إن وعي أوستين بكل ما سبق جعله يتخذ من العبارات القانونية نماذج لأفعل الكلام عامة، والأفعال المكتوبة خاصة، من حيث أنها أفعال كلام مؤسساتية. وهذا ما يزكّي فرضية أن اتجاه أوستين إلى المجال القانوني لم يكن راجعًا إلى كونه خزانًا لأمثلة نوع من أفعال الكلام فحسب، وإنما لكون هذا المجال يمد المحلل بصنافات دقيقة؛ فالأمثلة القانونية، أو الأقوال الإنجازية القانونية، أو أفعال الكلام القانونية الإنجازية، ""أقوال إنجازية مصاغة بوضوح ودقة كبيرين، وهذا ما يغيب عن [عبارات اللغة العادية الملازمة] للحياة اليومية""،[71] بل تلك نماذج تساعد على التفكير في فعل الكلام في شكله الكامل، بما يمكن من وضع صنافات عامة لأفعال الكلام، وهي غاية أوستين. لذلك كانت النتيجة أن المقولات القانونية قد تحكّمت في تصنيفه لأفعال الكلام، وقد بيّنا سابقًا أنّ من أصل خمس فئات، اتسمَّت ثلاث منها بصبغةٍ قانونية خالصة، هن الأفعال الحُكمية والتنفيذية ثمّ الإلزامية، بينما طغت النبرة القانونية على الفئتين الأخريين، كما كان التمييز بين هذه الفئات بحدود قانونية محضة، واستشهاد عليها بأمثلة قانونية بحثة، وفي ذلك تأكيد على قناعة الفيلسوف بقيمة القول القانوني في بناء نماذج لأفعال الكلام.
الخاتمة
لئن اُدعِي لأوستين أنه قام بثورةٍ في الحقلين الفلسفي واللساني، فإن لهذا الادعاء ما يبرّره؛ إذ لم يسهم في تجديد فلسفة اللغة والمنطق فحسب، وإنما لكونه أعاد تنظيم منطق اللغة الطبيعية على ضوء الدراسات اللسانية والفلسفية المعاصرة. وليس ما يدهش في هذه النظرية هو جدة مصطلحها وأصالة منهجها فحسب، وإنما أيضًا كونها قطعت مع الاعتقاد الذي كان سائدًا، والذي حصر وظيفة اللغة في الوصف أو الخبر والإنشاء، لتجد للغة وظيفة أعمّ، هي إنجاز أفعال اجتماعية معينة، لا تقلّ قيمة عن بقية الأفعال الإنسانية. وليس لهذه النظرية من شاهد يشهد بقيمتها أفصح من المُمارسة القانونية، ففيها تجد تجسيدها كما تنهل منها نماذجها وأمثلتها، وقد أفادت منها الكثير، كما لا أنه ليس يوجد ما يبين حدود هذه النظرية أوضح من تلك المُمارسة، فلا زال ممكنًا أن تفيد منها الكثير.
قائمة المصادر والمراجع المُعتمدة في البحث
المصادر والمراجع الأجنبية
1- John L. Austin, How to do things with words, Oxford, Oxford University Press, 1962.
2- John L. Austin: Philosophical Papers, Oxford, Oxford University Press, 1979.
1- John R. Searle, les actes de langage, Essai de philosophie du langage, Paris, Hermann, 1972
2- John R. Searle, Reiterating the differences, a reply to Derrida, Glyph, n°1, Johns Hopkins University Press, Baltimore, 1977, ]pp. 198-208[.
3- John R. Searle, the construction of social reality, London, Penguin Books, 1996,
4- John R. Searle, «A Taxonomy of illocutionary acts», in : Language, Mind, and Knowledge, Minnesota studies in the philosophy of science, vol. 7, Keith Gunderson, University of Minnesota Press, 1975, [pp.344-369].
5- Grzegorczyk, Christophe, « L' impact de la théorie des actes de langage dans le monde juridique : essai de bilan», In : Paule Amselek, Théorie des actes de langage, Ethique et droit, Paris, Presses Universitaires de France, 1986.
6- Fraenkel, Beatrice , « Actes écrits, actes oraux : la performativité à l’épreuve de l’écriture », Études de communication [En ligne], 29 | 2006, mis en ligne le 20 novembre 2014, consulté le 02 août 2015. URL : http://edc.revues.org/369.
7-Bronislow Malinowski, «The problem of meaning in primitive languages, Supplement 1», in: C. K. Ogden and I. A. Richards (Eds.), The meaning of meaning, London, Routledge and Kegan Paul, 1923, ]pp. 296-336 [.
8-Frédéric Nietzsche, La Généalogie de la Morale, Traduit par Henri Albert, Troisième édition, Paris, Société du Mercure De France, 1900.
9- Jacques Derrida, Force de loi, le fondement mystique de l’autorité, Paris, Galilée, 1994.
10- Jacques Derrida, De la Grammatologie, Paris, Les éditions de Minuit, 1967.
11- Maurice Merleau-Ponty, Phénoménologie de la perception, Paris, Gallimard, 1945.
12- Montaigne, Essais, Livre III, chapitre 13, « De l’expérience », Traduction en français moderne du texte de l’édition de 1595, par Guy de Pernon, 2014, ]numlivres.fr[http // http://guydepernon.com/site_4/PUBLIC-NUMLIVRES/ESSAIS/III-trad.pdf.consulté le 20/05/2019.
المصادر والمراجع العربية
1- «مدونة الأسرة»، المملكة المغربية، صيغة محينة بتاريخ 25 يناير 2016.
2- «قانون الالتزامات والعقود»، المملكة المغربية، ظهير 9 رمضان 1331 (12 أغسطس 1913)، صيغة محينة بتاريخ 18 فبراير 2016.
3- «مجموعة القانون الجنائي»، المملكة المغربية، صيغة محينة بتاريخ 12 مارس 2018.
4- «قانون المسطرة المدنية»، المملكة المغربية، صيغة محينة بتاريخ 26 أكتوبر 2011.
5- جون سيرل، اللغة والعقل المجتمع، الفلسفة في العالم الواقعي، ترجمة: سعيد الغانمي، الدار البيضاء، المركز الثقافي العربي، 2006.
__________
[1] - قبل أوستين وسيرل، كان مالينوفسكي من ذي قبل قد تحدث عن نوع من الأفعال التي لا يمكن القيام بها إلاّ من خلال الكلام، وهي تهمّ كل مناحي الحياة الاجتماعية، ولكن بعضها يحتاج لإنجازه إلى أن يتمّ في وضعيته العادية، في طقوس خاصة، مصحوبًا بأفعالٍ وممارسات مادية. بل ذهب إلى قولٍ هو المسلمة الأساسية التي قامت عليها نظرية أفعال الكلام، وهي أنّ ""الكلام، في وظيفته البدئية، يعتبر نوعًا من الفعل، لا مجرد تصديق على الفكر""، انظر:
Bronislaw Malinowski, « The problem of meaning in primitive languages», Supplement 1, in: C. K. Ogden and I. A. Richards (Eds.), The meaning of meaning, London, Routledge and Kegan Paul, 1923 , p. 296.
[2] - John Langshaw Austin, How to do things with words , Oxford, Oxford University Press, 1962, p.5.
[3] -John R. Searle, les actes de langage, Essai de philosophie du langage, Paris, Hermann, 1972, p. 86.
[4] -Ibid. p. 86.
[5] - لكلّ فعل كلام طبيعة اجتماعية، وبما أنه نوع من العلاقة بين متفاعلين في وضعياتٍ اجتماعية وحجاجية محددة، فإنه لا يكفي التحليل الدلالي والتركيبي للكلام، وإنما ينبغي أن يحضر بدرجةٍ أولى التحليل التداولي، ذلك أن البُعد السياقي كما سنرى هو الذي يتحكم في العبارات ويوجه مضامينها القضوية، فأنت لا تستطيع تناول العبارة أو فهمها ما لم تأخذ في الاعتبار مكانة المتكلمين، ووضعيات الكلام، وغيرها من الظروف السياقية والتداولية المحيطة بالتفاعل الكلامي.
[6] - تبعًا لهذا المبدأ فقط نفهم قول المشرع المغربي مثلاً: ""يعتبر مشاركًا في الجناية أو الجنحة من لم يساهم مباشرة في تنفيذها ولكنه أتى أحد الأفعال الآتية: 1- أمر بارتكاب الفعل أو حرض على ارتكابه..."" (الفصل 129 من القانون الجنائي المغربي).
[7] - في ""جينيالوجيا الأخلاق""، ربط نيتشه مختلف أفعال الكلام بأفعال السُلطة والسيادة، بحيث تعبر الكلمات في نظره عن هيمنة من لهم الغلبة في المجتمع حتى قبل تشريع القوانين، فما زالت اللغة منذ نشأتها دالة على سيادتهم. وقد عبّر عن ذلك قائلاً إنّ ""قانون السيادة الذي تُمنح بمقتضاه الأسماء يصل إلى حدٍّ يمكن اعتباره أصل الكلام ذاته، بما هو فعل من أفعال السُلطة، صادر عن أولئك السادة المهيمنون. لقد قالوا: ""هذا الشيء هو كذا""، فألصقوا بموضوع أو فعل لفظًا معينًا، وبذلك فقد تملّكوا هذا الشيء أو الفعل، إن صحّ تعبيرنا""، انظر:
Frédéric Nietzsche, La Généalogie de la Morale, Traduit par Henri Albert, Troisième édition, Paris, Société du Mercure De France, 1900, pp. 31-32.
[8] - ويعرف الفعل القانوني بشكلٍ عام بكونه اتجاه الإرادة إلى إحداث أثر قانوني، سواءً كان هذا الأثر هو إنشاء حقّ من الحقوق أو نقله أو تعديله أو إنهاؤه.
[9] - Christophe Grzegorczyk, «L' impact de la théorie des actes de langage dans le monde juridique : essai de bilan». In : Paule Amselek, Théorie des actes de langage, Ethique et droit, Paris, Presses Universitaires de France, 1986, pp. 186-187.
[10] - Jacques Derrida, Force de loi, le fondement mystique de l’autorité, Paris, Galilée, 1994, p. 32.
[11] - «مدونة الأسرة المغربية»، المملكة المغربية، صيغة محينة بتاريخ 25 يناير 2016، المادة 10.
[12] -نفس المرجع، المادة 73.
[13] - نفس المرجع، المادة 295.
[14] - Christophe Grzegorczyk, « L' impact de la théorie des actes de langage dans le monde juridique : essai de bilan » , op. cit., p. 186.
[15]- Montaigne, Essais, Livre III, chapitre 13, « De l’expérience », Traduction en français moderne du texte de l’édition de 1595, par Guy de Pernon, 2014, ] numlivres.fr[ p. 358-359. http // http://guydepernon.com/site_4/PUBLIC-NUMLIVRES/ESSAIS/III-trad.pdf.consulté le 20/05/2019.
[16] - John R. Searle, « Reiterating the differences, a reply to Derrida», Glyph, N° 1, 1977 (Baltimore, Johns Hopkins University Press), p. 202.
وهذا في الحقيقة مجرد تخصيص للمشكلة الفلسفية التاريخية المتعلقة بالعلاقة بين اللغة والفكر. ومن التصوّرات التي أفرزها التفكير في هذه المشكلة قول ميرلوبونتي مثلاً إن ""الكلام ليس علامة للفكر، إذا كنّا نقصد هنا بالعلامة ظاهرة تعلن عن ظاهرة أخرى، كما يعلن الدخان عن النار. إنما الكلام والفكر لا يقبلان بهذه العلاقة الخارجية إلا إذا كانا موضوعين منفصلين. والواقع أن كلاًّ منهما متضمن في الآخر: إذ يستشف المعنى من الكلام، بينما الكلام هو الوجود الخارجي للمعنى"". انظر:
Maurice Merleau-Ponty, Phénoménologie de la perception, Paris, Gallimard, 1945, p.211.
[17] - وفي غير هذه الحالة، حتى إذا لم يفشل في بعض الحالات كليًّا، فتنتج عنه آثار لم يقصدها صاحبه، فإنه يكون فعلاً ناقصًا، ومن ثمَّة قد لا يتحمل المتكلّم مسؤولية تلك النتائج التي لم يقصدها. ذلك أنّ المسؤولية مشروطة بالحريّة، وهذه مشروطة بالقصد؛ فإذا كان فعل الكلام فعلاً قصديًّا يعبّر عن نية صاحبه، فإن هذه النية تعبّر عن ضربٍ من ضروب حريته. وهو ما يعني أن الحديث عن القصديّة يستدعي ربطه بالحرية الإنسانية.
[18] - «قانون الالتزامات والعقود»، المملكة المغربية، ظهير 9 رمضان 1331 (12 أغسطس 1913)، صيغة محينة بتاريخ 18 فبراير 2016، الفصل 94.
[19] - «مجموعة القانون الجنائي»، المملكة المغربية، صيغة محينة بتاريخ 12 مارس 2018، الفصل 133.
[20] - «قانون الالتزامات والعقود المغربي»، مرجع سابق، الفصل 82,
[21] - عندما أقدم على فعلٍ معين، بقصد معين، يكون هذا القصد موضوع وعيي الحالي والحاضر، إلا أنه يرتبط بحالاتٍ قصدية أخرى، لا يمكن عدّها. فلو تفاخرت بكون أخي حاصل على شهادة الدكتوراة في الفلسفة، يكون لدي قصد التفاخر، ولكن هذا مرتبط بحالاتٍ قصدية أخرى، بدءًا من كون شهادة الدكتوراة مدعاة للفخر، وأنّ الحصول عليها يسبقه مسار دراسي طويل، وشواهد دراسية وجامعية عدة، وأنّ الحصول على كل شهادة يمر بامتحانات.. وغيرها.
[22] - ذلك أنّ وظيفية المعنى بشكلٍ خاص، والقصدية بشكلٍ عام، تكون ممكنة فقط إذا توفرت خلفية للتأويل ذات طبيعة ما قبل-قصدية pre-intentional يشترك فيها صاحب الخطاب ومتلقيه. وتعني الخلفية هنا مجموع القدرات والمهارات والمعارف والمعتقدات والرغبات التي تكوِّن مرجعية ما قبل-قصدية لجماعة معينة، بدونها لا يكون أيّ معنى ممكنًا، وفي غياب ضوئها يتعذر تأويل أيّ خطاب، فلا يفهم. إذ لا تكفي الكلمات والجُمل في ذاتها، وانطلاقًا من مجرد دلالاتها الحرفية أو حتى الدلالات القصدية، لا تكفي لتوليد تأويل معين. والسبب أنّ نفس المعنى اللساني يقبل تأويلات مختلفة بحسب المقتضيات والمعارف والاعتقادات والافتراضات والتمثلات المشتركة التي تتدخل حين التأويل.
[23]- جون سيرل، اللغة والعقل المجتمع، الفلسفة في العالم الواقعي، ترجمة سعيد الغانمي (الدار البيضاء، المركز الثقافي العربي، 2006)، ص 206.
[24] - «قانون الالتزامات والعقود المغربي»، مرجع سابق، الفصل 466.
[25] - «قانون الالتزامات والعقود المغربي»، مرجع سابق، الفصل 39.
[26] - فعل الكلام نوع من الواقعة الاجتماعية التي تحدث داخل مؤسسات اجتماعية خاصة، لذلك كان نجاحه يستلزم شروطا بعضها مواضعات اجتماعية تقتضي مؤسسات خارج لغوية، وبعضها الآخر قواعد لغوية يجب أن يحترمها الفعل، ويسمّيها سيرل القواعد التأسيسية. ومن الاختلافات الموجودة بين الأفعال التكلّمية (التي حددها سيرل في صنافته)، اختلافات بين الأفعال التي تتطلب مؤسسات فوق لغوية لإنجازها، وأعراف تشرط نجاحها، وتلك التي لا تتطلب هذه المؤسسات أو الأعراف. وغالبًا ما يكون العُرف وضعية أو منزلة معينة من طرف المتكلّم والمستمع داخل هذه المؤسسة التي ينجز فيها الفعل. انظر:
John R. Searle, the construction of social reality, London, Penguin Books, 1996, p. 28.
[27] - John R. Searle, «A Taxonomy of illocutionary acts», in : Language, Mind, and Knowledge, Minnesota studies in the philosophy of science, vol. 7, Keith Gunderson, University of Minnesota Press, pp. 349-350.
[28] - John L. Austin, How to do things with words, op. cit., p. 116.
[29] - «قانون المسطرة المدنية»، المملكة المغربية، صيغة محينة بتاريخ 26 أكتوبر 2011، الفصل 39.
[30] - «قانون الالتزامات والعقود المغربي»، مرجع سابق، الفصل 461. وهذا في الحقيقة تحصيل حاصل لمبدأ القصدية، لا يعني تجاهل القصد، وإنما يفيد أن القصد يكون ظاهرًا واضحًا ولا يحتاج إلى جهد تأويلي.
[31] - نفس المرجع، الفصل 462.
[32] - من أجل نجاح فعل الكلام، وعلاوة على مجموعة أخرى من الشروط، اشترط سيرل أن يكون المتخاطبان يتكلمان نفس اللغة، وقادرين على التواصل والتفاهم بها دون أن يعوقهما عائق.
[33] - دون اشتراط تسلمه الآمن من طرف كل مواطن، لأن ذلك غير ممكن واقعيًا، إذ لا يمكن أن توزع الدولة كل قانون شرعته على كل مواطن، وإنما يكفي في هذه الحالة توفر شرط قابلية الفهم، بحيث تكون القوانين مكتوبة بلغةٍ يفهمها كل مواطنيّ الدولة الموجهة إليهم دون اشتراط تسلمهم إيّاها، ويبقى على كل واحد منهم البحث عنها، دون أن يعتذر بجهلها. وهذا مبدأ ضروري لوظيفية القوانين، بدونه لن نعرف إلى أيّ مدى يمكن التغاضي عن الجهل، بل سيكون ذلك مشجعًا ودافعًا إلى انتهاك القوانين في أغلب الحالات.
[34]- John L. Austin, Philosophical Papers, Oxford, Oxford University Press, 1979, p. 236;
وهو ما ذهب إليه أيضًا في:
John L. Austin, How to do things with words, op. cit., p. 7.
[35] - تترجم أيضًا بـ""حكم التمكين""، بما يدل على طابعها الإجرائي الفاعل.
[36] - «قانون الالتزامات والعقود المغربي»، مرجع سابق، الفصل 465.
[37] - نفس المرجع، الفصل 404.
[38] - John L. Austin, How to do things with words, op. cit., p. 13.
[39] - يكمن الهدف التكلّمي لهذه الأفعال في كونها محاولة بدرجات مختلفة القوة من قبل المتكلّم لحثّ المخاطب على فعل معين.
[40] - تهدف هذه الأفعال إلى تعهد المتكلم بدرجات مختلفة بكون شيء ما حقيقة واقعة، وتعهده بصدق القضية المعبر عنها. وتقبل هذه الفئة من الأفعال التصديق والتكذيب.
[41] - هي أفعال تكلّمية تعمل على إلزام المتكلم بمسلك مستقبلي معين للفعل.
[42] - الهدف التكلّمي لهذه الفئة هو التعبير عن حالة نفسية، ويجب أن تستوفي شرط صدق النية.
[43] - تحدث هذه الفئة تغييرا في الواقع أو الأشياء المشار إليها، بمقتضى أن التقرير قد أنجز بنجاح.
[44] - John L. Austin, How to do things with words, op. cit., pp.150-160.
[45] -Ibid., p. 150.
[46] - تتماهى القاعدة التأسيسية، كما تحدث عنها سيرل، مع الوظيفة التشريعية للقانون، كما تتطابق مع تنفيذ القاعدة القانونية في المعاملات. وقد سُميت تأسيسية، لأنه بتطبيقها ننجز أعمالاً وننشئ وقائع جديدة. وهي تقابل القواعد المعيارية، والتي تحكم أنواع من السلوك القائمة والموجودة مسبقًا، وفي استقلال عن هذه القواعد. لذلك كانت القواعد التأسيسية شروطًا لإنجاز أفعال الكلام. إنها مثل قواعد لعبة الشطرنج، إن احترمناها، كنّا نلعب لعبة الشطرنج وقد ننجح في هذه اللعبة، وإن لم نتبعها، لا نفشل فقط في اللعبة، وإنما لا نكون نمارس لعبة الشطرنج أصلاً. والسبب أن قواعد اللعبة تخلق اللعبة ذاتها. بفضل هذه القاعدة يخلق القانون أشياء معينة، حقوقًا وواجبات ومعايير للسلوك، وبفضلها تنجح مختلف أفعال الكلام القانونية الأخرى. وهكذا، فإن إعلانا للزواج مثلاً، بقول الزوج: ""أقبل هذه المرأة زوجة لي""، لا يكفي لنجاح فعل الزواج باعتباره واقعة اجتماعية، وإنما يقتضي مكانًا محددًا وموعدًا مضروبًا، وأن يتمّ بين يدي شخص مؤهل للإشهاد، أهلية اجتماعية وقانونية. وهي مجموعة شروط لا يتحقَّق فعل الزواج إلا بها، من حيث أنها قواعد تخلق ذلك الفعل. ويكون الفعل فاشلاً أو خائبًا، إن لم يتحقَّق بعض هذه القواعد، كعدم احترام مواضعة من المواضعات الاجتماعية، أو عدم الأهلية القانونية، أو غياب القصد، أو الخطأ في صياغة القول صياغة دقيقة. وهو ما يبين الطابع المواضعاتي للكلام عند سيرل.
[47] - «مجموعة القانون الجنائي»، المملكة المغربية، صيغة محينة بتاريخ 12 مارس 2018، المادة الأولى.
[48] - «قانون الالتزامات والعقود المغربي»، مرجع سابق، الفصل 57.
[49] -John L. Austin, How to do things with words, op. cit., p. 147.
[50] - كان غرض سيرل من هذا المشروع هو تنظيم استعمالات الكلام، وتجاوز حالات الخلط التي خلفتها تحليلات مثل تلك التي أنجزها فتجنشتين وغيره من فلاسفة اللغة، والتي انتهت إلى طابع الاشتراك في المفاهيم، القاضي بعدم إمكانية تحديد لعبة الكلام أو استعمالات اللغة. لذلك، وبعد مراجعته لتحليلات أوستين لأفعال الكلام، وبعد وضعه لصنافة جديدة للأفعال التكلمية، قرّر أن النتيجة الأهمّ التي يمكن استخلاصها من هذه العملية هي أن اعتقاد فتجنشتين وفلاسفة آخرون معه في وجود عدد غير محدود ولا نهائي من ألعاب الكلام أو استعمالات اللغة هو اعتقاد خاطئ، قائم على وهم، لا على تحليل دقيق لأفعال الكلام. انظر:
John R. Searle, A taxonomy of illocutionary acts, op. cit., p. 369.
[51] - John R. Searle, Les actes de langages, op. cit., p. 97.
[52] - هذان في الواقع شرطان عند سيرل، الثالث والخامس، جمعتهما لوثاقة الصلة بينهما إلى حدود التطابق.
[53] - يقضي، مثلاً، الفصل 107 من قانون الالتزامات والعقود المغربي بأن ""الشرط تعبير عن الإرادة يعلق على أمرٍ مستقبلي وغير محقق الوقوع"".
[54] - ويسمّي سيرل هذين الشرطين الأخيرين بالشرطين التحضيريين.
[55] - وهذه في الحقيقة إعادة صياغة لمفارقة جورج إدوارد مور المشهورة، ""أعدك بالقيام بالشيء، ولكني في الحقيقة لا أنوي القيام بهذا الشيء""، وهي أكبر نقيصة يمكن أن تمسّ الوعد بشكلٍ عام، والوعد القانوني بشكلٍ خاص، لذلك وصف سيرل هذا أيضًا بالشرط الجوهري.
[56] - يقضي الفصل 18 من قانون الالتزامات والعقود المغربي مثلاً أنّ ""الالتزامات الصادرة من طرفٍ واحد تلزم من صدرت منه بمجرد وصولها إلى علم الملتزم له"".
[57]- John R. Searle, Les actes de langage, op. cit., pp. 98-104.
[58] - «قانون الالتزامات والعقود المغربي»، مرجع سابق، الفصل 14.
[59] - يقضي الفصل 57 من قانون الالتزامات والعقود المغربي مثلاًً أنّ ""الأشياء والأفعال والحقوق المعنوية الداخلة في دائرة التعامل تصلح وحدها لأن تكون محلاًّ للالتزام، ويدخل في دائرة التعامل جميع الأشياء التي لا يحرم القانون صراحة بشأنها"".
[60] - وهو محامي وفيلسوف أميركي معاصر (1907-1992)، صاحب كتاب: ""مفهوم القانون The Concept of Law""، المشهور بين المشتغلين بفلسفة القانون.
[61] -للقول المكتوب خصوصيته، فالمتكلّمون ولحظة القول، والمكان، ووضعية الكلام، كلها عناصر لا تلازمه وليس لها تأثير قبلي، وإنما هو قادر على التحرر منها والتوظيف في وضعيات مختلفة، وأمام متكلمين كثر. فالشروط الاجتماعية لإنتاج القول المكتوب غير حاضرة، ولكنه مع ذلك يحمل معه كل العلامات الضرورية لفهمه، في فضاءٍ اجتماعي معين، وظرف زماني ومكاني خاص.
[62] - وهو في الأصل عبارة من خطاب ألقاه سيناتور في البرلمان الروماني القديم، اسمه كايوس تيتوس Caius Titus.
[63] - «مدونة الأسرة المغربية»، مرجع سابق، المادة 16. ولا يختلف الأمر بالنسبة للقانون الجنائي، الذي يعاقب على التهديد بالجريمة مثلاً ما أن يكتب، ودون حاجة إلى وسيلة إثبات أخرى، لذلك يقضي الفصل 425 من «القانون الجنائي المغربي» أنّ ""من هدد بارتكاب جناية ضد الأشخاص أو الأموال، وذلك بكتابة موقع عليها أو بدون توقيع أو صورة أو رمز أو علامة، يعاقب بالحبس"".
[64] - القول المكتوب منفصل نسبيًا عن صاحبه، مقارنة بالقول الشفوي، ومن أجل تعويض هذا الانفصال، اقترح أوستين معادلة بين الـ""أنا"" المنطوقة والتوقيع المكتوب.
[65] - «قانون الالتزامات والعقود المغربي»، مرجع سابق، الفصل 418.
[66] - «مدونة الأسرة المغربية»، مرجع سابق، المادة 296.
[67] -Beatrice Fraenkel, « Actes écrits, actes oraux : la performativité à l’épreuve de l’écriture », Études de communication [En ligne], 29 | 2006, mis en ligne le 20 novembre 2014, consulté le 02 août 2015. URL : http://edc.revues.org/369.
[68] - عمد أوستين، وبعده سيرل، إلى تحليل بنية فعل الكلام، للتدليل على أن هذا الفعل على نفس القدر من الأهمية مقارنة ببقية الأفعال الاجتماعية، فقسمه إلى مستويات ثلاثة:
أ – الفعل الكلامي Locutionary act: وهو المستوى الأول من فعل الكلام، ويضم ثلاثة أفعال: إصدار أصوات معينة (الفعل الصوتي)، وتلفظ بكلمات في تركيب محدد وطبقًا لقواعد نحوية (الفعل التركيبي، ويسمّيه سيرل فعل القول)، ثمّ استعمال هذه الكلمات سليمة التركيب بدلالة ومعنى معينين، أيّ بإحالة وحمل محددين (الفعل القضوي).
ب - الفعل التكلمي Illocutionary act: وهو ما يفعله المتكلم بقوله، أو العمل المنجز من خلال استعمال هذا القول. انظر ماذا يحدث عندما أقول لصديقي حمزة ""أرجوك، سامحني""، فأنا لا أنجز الفعل الكلامي بمستوياته الثلاثة فقط، وإنما أضيف إلى ذلك فعلاً آخر هو طلب السماح. ويعرف بعض الأفعال التكلمية بالقواعد العامة للغة، بينما يحتاج بعضها الآخر إلى شروط خارج لغوية (أعراف ومواضعات)، وهي شروط اجتماعية مؤسساتية. وقد أخذ هذا النوع من أفعال الكلام الجزء الأكبر من اهتمام كل من أوستين وسيرل، لكن من دون أن يُنظر إليه في استقلال عن النوعين الآخرين، وهما الفعل الكلامي والفعل التكليمي.
ج - الفعل التكليمي Perlocutionary act: إضافة إلى إنجاز الفعلين الكلامي والتكلمي، قد يُحدث القول تأثيرًا في مشاعر وسلوكات المخاطَب، مثل فعل الإقناع أو الإغضاب أو الإسعاد أو غيرها من الأفعال. ويمكن للمخاطَب أن يعبّر عن ذلك بأقوال من قبيل: ""أقنعتني حجتك"" أو ""أغضبتني أسئلتك"" أو ""أسعدني جوابك"". وقد تكون هذه النتائج مقصودة من المتكلم وقد لا تكون كذلك، وذلك متوقف على كيفية تأويل القصد التكلمي للمتكلم من طرف المخاطَب، مما يجعلنا نقول إنّ الأثر التكليمي للقول مستقلّ عن القول ذاته. فقد أتوجه إليك بالعبارة: ""سأكون هناك إذن في العاشرة ليلاً""، فإذا كنت في حاجةٍ إلى مجيئي، ستأخذ قولي باعتباره وعدًا مفيدًا فيسعدك. لكن قد يكون مجيئي مستحيلاً، فتفهم من قولي سخرية ثمّ تغضب. وقد تفهم قولي باعتباره تهديدًا، فتخاف أو تحترز أو تتحدى.
[69] - Jaques Derrida, De la Grammatologie, Paris, Les éditions de Minuit, 1967. p. 96.
[70] - حملت المحاولة التفكيكية الدريدية لنظرية أفعال الكلام أكبر الانتقادات إلى حدود اليوم، فبينت قيمتها كما بينت حدودها. ولئن كان دريدا لم يزل يستخدم مفاهيمها (خاصة مفهوم ""الإنجازي"") معتبرًا إيّاها من إبداعات الفلسفة تاريخًيا، فإنه في الوقت ذاته قد بين أكبر قدر من حدودها، خاصةً وأن تفاعله مع سيرل قد أخذ منهما وقتًا طويلاً، وهو ما يعبِّر عنه كمُّ النصوص التي أفرزها، وأهمّ هذه النصوص:
- Jacques Derrida, «Signature Evénement Contexte», in: Marges de la philosophie, Paris, les éditions de Minuit, 1972.
- John Rogers Searle, «Reiterating the differences, A reply to Derrida», op. cit.
- John R. Searle, «The word turned upside down, On deconstruction, by Jonathan Culler», The New York Review of books, October 27, 1983, PP. 74-78.
- Jacques Derrida, Limited Inc., Translation by Samuel Weber ,Evanston, Northwestern University Press, 1988.
[71] - John L. Austin, How to do things with words, op. cit.
