المؤلف: أندريه داو
ترجمة: معنى
هاتفي يستمع إليَّ، لازمة شائعة بين ما يزيد عن 3.8 مليار مستخدمٍ – ولا يزال العد مستمرًا- للهواتف الذكية تظهر في شكل «مصادفات» غريبة: ربّما ذكرتَ للتو أنك بحاجة إلى شراء هديّة لابن أخيك أو لابن أختك، وفجأةإذ بك ترى إعلانات للوازم المدرسة؛ أو كنت تتساءل بصوتٍ مسموع ما إن كنت بحاجة لزيارة طبيبٍ ما ليكشف عن الوجع في أسفل ظهرك، والآن تُظهِر صفحات الإنترنت كل ثانية وجوهًا مُقطَبة ووعودًا بشفاء الألم.
الخبر الجيّد أنّ هاتفك –على الراجح- لا يستمع إليك؛ فبعد مكاشفات إدوارد سنودن عن مدى تجسس الحكومات الغربية على مواطنيها، لا يمكنك الجزم بما يتعلق بالمراقبة الرقميّة).
أما الخبر السيء فهو أنّ الشركات التي تقدّم هذه الإعلانات المُخصَّصة لا تحتاج أن تتنصت على محادثاتك ؛ لتستفيد من مخاوفك واحتياجاتك ورغباتك. إذ إنَّ كل ما تحتاجه هذه الشركات لبناء ملفٍّ شخصي دقيق دقّةً مرعبة ملفٍّ يتنبأ بسلوكك لا سيما عاداتك وإنفاقك– هو جمعُ البيانات التي تنتجها في حياتك اليومية – كتصفح مواقع التواصل الاجتماعي، أو التسوق الإلكتروني، أو تسجيل خطواتك، أو طلب خدمات النقل- حتى إنّ تلك الشركات صنّفت هذه المعلومات تيسيرًا منها باسم «عوادم البيانات» ، الذي يشير إلى أنَّ جميع هذه البيانات المستمدة من ضغطاتنا وعمليات بحثنا ليست سوى مهملات ونفاية أنتجتها حيواتنا الرقميّة؛ لئلا نقلق إذا ما كُنست بغتة.
ومع ذلك، فإنَّ هذه النفايات الواضحة هي ما يشكِّل ثروة بعض الشركات العالمية الكبرى. ولا شك أنّه عندما يسميها أرباب الصناعة عوادم البيانات، فإنهم يقولون: إنَّ «البيانات هي النفط الجديد». وكما هو الحال مع النفط، هناك حاجة إلى عمليات معقدة بتقنيات مكلِفة –عادةً ما يملكها عدد قليل من الجهات الفاعلة الرئيسية – لتحويل المادة الخام إلى أنهارٍ من الذهب. في حالة البيانات، تُسمّى هذه العمليّة بتحليلَ البيانات. وإحدى التقنيات الشائعة في تحليل البيانات هي تقنية التعلم الآليالذي يستغل التطورات الكبرى في الطاقة الحاسوبية والتخزين الرقمي للتمشيط عبر كُبريات مجموعات البيانات، مع العثور على أنماط عصيّة على الفهم البشري. وأخيرًا في ظل وجود البيانات الكافية تُستخدم هذه الأنماط للتنبؤ بأنماط مستقبلية – سواءً أكان نمطًا يتنبّأ بتشخيص الإصابة بالسرطان، أم نمطًا يتنبّأ بسلوك بشري في المستقبل.
باختصار إنَّ سوق البيانات يدير ارتباطًا واحدًا؛لذا عندما تُظهِر لك الخوارزمية إعلانًا عن فساتين الزفاف، فهذا ليس لأنَّ الخوارزمية قد استعملت البيانات التي أنتجْتَها؛ لتكشف عن روحك – فهي لا تعرف في الواقع أيّ شيء عنك كفرد، لكنها تُجري حسابًا احتماليًا يعتمد على مدى الترابط بين بعض نقاط بياناتك، وبعض نقاط بيانات الآخرين ممن يهتمون بشراء فساتين الزفاف.
في النهاية لا يهتم المعلِنون بكون الترابط لا يساوي السببيّة – فطالما كان الترابط يتنبأ بعادات الإنفاق لدى عددٍ كافٍ من الناس، فإنَّ الخوارزمية حينئذٍ مُربحة، ولا يهتم المعلنون اهتمامًا خاصًا بالسبب الذي يدعو شخصًا يراقب الطقس بانتظام ويسرف في مشاهدة المسلسلات الكوميدية التي صدرت في التسعينات لشراء ساعة ذكية، طالما أنه يفعل ذلك على أيّ حال.
لكنَّ تحليل البيانات والتعلم الآلي لا يقتصران على التسوق الإلكتروني والتشخيص الطبي. ففي بعض السياقات الأخرى قد نظنُّ أنَّ هويّاتنا الفعليّة مهمّة جدَّا في اتّخاذنا للقرارات– وليس فيما نرتبط به فحسب. مثلًا: اُستخدمت خوارزميات التعلم الآلي في التنبؤ بخطر ما قد يرتكبه المفرَج عنهم حتى الكفالة أو إطلاق السراح المشروط جرائم أخرى، أو للتنبؤ بالسلوك المالي لشخصٍ ما حتى منح القروض أو الإيجار. في هذه الحالات ربما تظنّ أن ثمة شيء خطأ، إن وجدتْ الخوارزمية أنّ من يملكون مقاس حذائك نفسه؛ فقد يرتكبوا جرائم عنيفة. قد تقول: لا علاقة، ولا اعتبار لهويتي؛ لقد تغيرتُ، وأدركتُ عواقب أفعالي، –أين هذا من مجموعة بياناتكم؟ لكنَّ هذا تمامًا كالذي ناقشه بعض علماء البيانات الرائدين أنَّ إزالة البيانات التي ليست لها علاقة في منظور البشر ينفي غرض التعلم الآلي تمامًا؛ لأنَّ الأصل من المفترض أن تتعرف الخوارزمية إلى أنماط لن مستطيع التعرف إليها. إذن ليس مهمًّا إن كان مقاس الأحذية لا علاقة له بمفهومنا للإجرام – فكلما زادت البيانات، زاد التنبؤ.
تزداد هذه العملية رعبًا عندما نفكر حول التصنيفات الاجتماعية الواسعة كالعرق والجندر. أكرر: ربما تظنُّ أنه من غير العدل تمامًا رفضُ طلبك للحصول على قرض بسبب أنّ الخوارزمية عثرتْ على ترابط بين عرقك والتخلف عن سداد القروض. وسيتفق القانون معك في كثير من الدوائر القضائية؛ لأنَّ التمييز العنصري (إلى جانب مختلف أنواع التمييز بما فيه الجندري) غير قانوني. المشكلة -وإن أُزيلت المعرّفات الجنسية أو العرقيّة من مجموعات البيانات، فستستطيع الخوارزمية أن تُوجِدَ نقاطَ بيانات أخرى مترابطة كمؤشرات بديلة إلى العرق أو الجندر، على سبيل المثال، في كثير من الأماكن يمكن أن يشير الرمز البريدي إلى العرق.
كمن الحل لدى بعض علماء البيانات، مرّةً أخرى، في مزيدٍ من البيانات. فبدلًا من إزالة العرق أو الجندر من مجموعات البيانات – وهذا مستحيل على أيّ حال – يقول العلماء: ""إنّ عليهم تغذية الخوارزمية بمزيدٍ من البيانات حول هذه المجموعات الاجتماعية ناقصةَ التمثيل"". الاعتقاد الأساسي المراد هنا هو أنَّ البيانات تعرف عنا أكثر مما نعرف عن بعضنا. – ومن ثَمَّ، فإن البيانات تعرف عنا أكثر مما نعرفه عن أنفسنا.
لا تعرف البيانات عنا إلا الأشياء التي... تخضع للتسجيل في مجموعة بيانات.
مع هذا، فإنَّ العكس صحيح تقريبًا؛ فلا تعرف البيانات عنا إلا الأشياء القابلة للقياس – الأشياء التي تخضع للتسجيل في مجموعة بيانات، وكلما اعتمدنا على البيانات والتعلم الآلي في عمليات اتخاذ القرارات، تضاءل احتمال معرفتنا لأنفسنا بطرق أخرى غير قابلة للقياس وغير بيانيّة.
ربما بسبب إدراكُ هذا نقصًا في معرفتنا لأنفسنا عن طريق البيانات؛ فإنَّ آخر ما توصّل إليه تحليل البيانات هو تحويل المشاعر إلى بيانات؛ حيث تعد الشركات الناشئة الجديدة باستخدام تقنيّات التعرّف على الوجه والصوت إلى جانب تقنيات التعلم الآلي للتعرّف على الاكتئاب والبهجة وكل ما بينهما.
يركز رد مناصري الخصوصية على ذلك – وعلى كل جمع للبيانات لإعمار عالمنا الرقمي – تركيزًا كبيرًا على الفرد. فالهدف هو إعطاء الأفراد تحكّمًا أكبر في بياناتهم وحمايةً أقوى ضد القرارات غير العادلة المبنيّة على هذه البيانات. هذه الأهداف رائعة –وأساسية أيضًا– بقدر ما تستطيع. لكن على هذا الإقدام تجاه حقوق الأفراد ألّا يقبل اعتقادات علماء البيانات المتأصّلة في أنّ مجموعات البيانات هذه تكشف حقيقتنا ومشاعرنا؛ فهي ليست سوى سجلّات لسلوكيات ملحوظة خارجيًّا؛ فهاتفك لا يستمع إليك، بل يسجّل نقراتك، ومشاهداتك، وربما تعبيرات وجهك أو أنماط صوتك. لكنّ هذه الأشياء ليست أنت.
من طرق تجاوز هذا التأطير للبيانات أن نفكر بها في سياقات علائقية. كما ناقشت الباحثة في القانون والتقنية سالومي فيليون، ف
إنَّ الطريقة التي ينتج جمع البيانات بها القيمة والأذى لا تتم في الأساس على الصعيد الفردي، بل عن طريق خلق رؤى على الصعيد السكاني. أو إن شئت فقل: لا يُكشف الترابط شيئًا داخليًّا عنك، بل يعطي محلل البيانات رؤية– ومن ثَمَّ سلطة– على مجموعة أفراد تشابهك بطريقة ما. ليس هناك أوضح من ذلك عند استخدام البيانات للتلاعب بنتائج الانتخابات، كما حدث مع عمليات كشف كامبريج أناليتيكا سيئة الذكر. ولا يعد حق الفرد باختيار الانسحاب من جمع البيانات مريحًا بالمرّة إن كانت بيانات جارك تُجمع وتُستخدم للإخلال بالأنظمة الديموقراطية.
والحل –كما يقول فيليون-: ""ينبغي لنا البدء في الاعتراف بأن أفعالنا في اقتصاد البيانات تؤثر على الآخرين، وغالبًا على خيوط اللامساواة. يتيح هذا الاعتراف للديموقراطية أن تسائِل البيانات: إذ لا يتعلق الأمر بما تعرفه البيانات عنك، بل بالكيفية التي تصوغنا بها البيانات.
المصدر: مجلة الفيلسوف الجديد
