نايجل واربرتون
فكِّر بحدود أستراليا كما تظهر على الخريطة، تصوَّرها. ما الذي تراه؟ مؤخرًا، نشر أحد الأشخاص صورةً لهذه الحدود على الشبكات الاجتماعية مُظهرًا كيف يمكن أن تُرَى على شكل رأس كلب (ربما من الفصيلة الأسكتلندية) ينظر إلى اليسار، إلى جانبه رأس قط (سيامي) ينظر إلى اليمين، ينحني ليأكل لقمة طعام هي تسمانيا. وقد انتشرت الصورة انتشار النار في الهشيم. وما إن ترى هذه الصورة، حتى يصعب عليك أن تنساها؛ إذ ستبدو لك الخريطة مختلفة، وستراها بغتةً تركيبة من رأسيْ حيوانين، وسيسهل عليك تذكُّر كيف أن الساحل الشمالي يتحوَّل إلى شبه جزيرة على شكل أذن قط، وتذكُّر العلاقة بين الساحل الجنوبي وتسمانيا. وسيصعب عليك أن تعود إلى رؤية سواحل أستراليا باعتبارها شكلًا مُجرَّدًا، مثلما يصعب على أكثرنا رؤية سواحل إيطاليا سوى على شكل حذاء رفيع الكعب.
كتب لودفيغ فيتغنشتاين، في كتابه «تحقيقات فلسفية»، عمَّا يسميه «بزوغ الحيثية»، عن كيف نبدأ برؤية شيء ما على نحوٍ مُختلف، وهو ما يُدعى أحيانًا: «الرؤية باعتبار». وهذا ما يحدث حينما نعيد تشكيل ما نراه، تبزغ حيثية جديدة عندما نرى الشيء في وصفٍ مختلف. لذا، على سبيل المثال، نرى الساحل باعتباره مزيجًا من رأسين، أو في مثال فيتغنشتاين عن البطة-الأرنب (وهو شكل استعاره من عالم النفس الأمريكي جوزيف جاسترو)، نرى الشكل رأس أرنب باتجاه اليمين أو بطة مفتوح منقارها تجاه اليسار، لكن لا يمكن أن نرى الشيئين معًا. الصورة الشبكيَّة -أيْ تشكّل أنماط الضوء على عيوننا- لم تتغيَّر، ولكن ما نراه تغيَّر. وبمعنى من المعاني، جميع الأجزاء متساوية، وإنما نرتبها على نحو مختلف ونرى أشياء مختلفة نتيجةً لهذا. ومع الصور المُلغِزة، كالبطة-الأرنب ومكعب نيكر، هناك تحوُّل مفاجئ -يكاد يكون مُذهِلًا- لما نراه، وواحدة من لحظات الاستغراب «أها!» ترافقه؛ فكأنَّ الصورة الثابتة تنقلب أمامنا، ثم تعود إلى ما كانت عليه. ويمكننا أن نُؤثَّر في هذا أيضًا؛ إذْ يمكننا أن نجبر أنفسنا على رؤية الشكل وفقًا لوصفٍ مُختلف، وهذا ما يحدث. يمكننا أن نبحث عن الأرنب أو البطة، أو أن نبحث عمدًا عن شكل رأسي القط والكلب عندما ننظر في خريطة أستراليا، وسنجدها.
إن نموذجًا ساذجًا للإدراك الحسي يصوّرنا على أننا مُستقبلون سلبيون للمعلومات القادمة التي تتيح لنا أن نعقِل العالم. ولكن يظهر أن الأمور لا تجري على هذا الشكل تمامًا. يوجد واقع خارجي ما، شيء يستثير إدراكنا الحسي الواعي. وهذا ما وصفه إيمانويل كانط عالم «النومينون» الذي يؤدى إلى عالم «الفينومينن» أو العالم الذي نجربه بحواسنا. عالم «النومينون» غالبًا لا يُعرف إلَّا على نحو غير مُباشر، بمحاولة استنباط كيف يجب أن تكون لنا التجربة التي لدينا.
إن تجربتنا الواعية -ما نراه، ونُحسه، ونشمه، إلخ- لا يمكن أن تكون حيال الأشياء كما تظهر لنا. فبينما أكتُب، حذائي الأسود ملقى على السجادة الحمراء، ولكنَّ سواد الحذاء وحُمرة السجادة ليست إلَّا تأويلات دماغي، لا صفات متأصِّلة في الأشياء نفسها. وكما وصفها جون لوك في القرن السابع عشر، للأشياء صفات أولية (كالكتلة والشكل)، ولكن الصفات الثانوية -كاللون الأحمر- تنتج بالتفاعل بين أعضائنا الحسية (في هذه الحالة من خلال الضوء) وما ندعوه النسيج الجُزيئي لهذه الأشياء (المُركبات الصغيرة لهذه الأشياء باعتبارها «جسيمات»). فالحُمرة -وهي صفة ثانوية- ليست في السجادة، وإنما هي تبدو كذلك. وكما يمكننا أن نقول الآن: إنها طريقة دماغنا في تقديم معلومات مُعقَّدة عن العالم إلى نفسه باعتبارها تجربنا الواعية. فقد نشأنا لنمر بتجربة مُقنعة عن العالم، تشمل -على سبيل المثال- رؤية الألوان بوصفها متأصلة في الأشياء التي نراها. ويصعب أن تتجاوز بنفسك هذا التفكير. فأحيانًا عقاقير الهلوسة تقذف الناس في وعي أكبر حول كيفية عمل هذه الأشياء.
العديد من علماء الأعصاب اليوم -مثل أنيال سث- يريدون التخلُّص من فكرة أن العيون مُستقبِلات سلبية، وإنما يرون أنَّ أدمغتنا تصنع أفضل التوقعات حيال طبيعة ما هو هناك وتُحسِّنها، منتفعةً من جميع المعلومات التي يمكن أن تستمدها. وهذه التوقعات توصف باعتبارها استنباطات. وما يجري هو ترميز تنبُّؤي، يُحدّث فيه الدماغ على نحو مستمر نموذجه للبيئة التي يوجد فيها، وتُؤثِّر معتقداتنا وتوقعاتنا فيما نراه، إلى جانب المعلومات التي نتلقاها من أعضائنا الحسية. وهذا في داخل إطار افتراضات مُدمجة ستتطلَّب الكثير لأجل أن تُغيَّرها، من قبيل أن الضوء يهبط في العادة من الأعلى، وهو افتراض يقودنا إلى تأويل الظلال والعُمق بطرقٍ مُعيَّنة.
هذا لا يعني أن بمقدورنا أن نُسقِط ما نشاء على العالم، ومن ثمَّ نراه هناك. على أقل تقدير، ليس عندما تكون عيوننا مفتوحة. وكان الأمر ليكون غريبًا لو أننا تطوَّرنا على نحو يتيح لنا ندرك حسيًا أي شيء نريد أن ندركه، بدلًا من أن ندرك شيئًا مقاربًا لما في بيئتنا. فأدمغتنا تُقارن بين ما نتوقعه وما نجده، وتُجري التعديلات. والعالم الحقيقي يُقيِّد ما نراه، ومعلوماتنا الجديدة حياله تُعايِر التوقعات التي نُجريها. فليس بمقدورك -على سبيل المثال- أن ترى حدود أستراليا على شكل حلزون أو مثلث متساوي الأضلاع؛ فنحن نُكيِّف إدراكاتنا الحسية حسب سِمات العالم بالكيفية التي تُؤثِّر بها على حواسنا. فهذا الأمر لا يعني أن كل شيء مقبول، وإنما يمكننا أن نرى الأشياء على نحو مختلف.
يمكن أن يكون الأمر مُشعِرًا بالحرية أن نعي القدر الذي تُؤثِّر به التوقعات وأنماط التفكير في صياغة ما نراه وما يمكننا أن نراه، وأن نعترف بما يُسمَّى أحيانًا «نصيب الناظر». وبإيجاد سياقات وطرق جديدة للتفكير فيما ندركه حسيًا، يمكننا أن نُغيِّر ما نراه فعلاً، ويمكننا أن نختبر أشياءً مألوفة عندنا من وجوه جديدة، ويمكن أن تُشرِق فينا حيثيات خفية سابقًا؛ وعندها لن نرى العالم على نحو مُختلف وحسب، وإنما سنرى أشياءً مختلفة فعليًّا.
المصدر: مجلة الفيلسوف الجديد
