القائمة الرئيسية

كيف يبرهن تجمع صناعي فرنسي أن التعاون قادر على دفع إعادة التصنيع الأخضر

كيف يبرهن تجمع صناعي فرنسي أن التعاون قادر على دفع إعادة التصنيع الأخضر
ملخص المقال

تناقش هذه المقالة كيف تحوّل منطقة فوس-بير الصناعية قرب مرسيليا التعاون بين الشركات والسلطات ومزودي البنية التحتية إلى قوة دافعة لإعادة التصنيع الأخضر، عبر مشاريع مشتركة للهيدروجين واحتجاز الكربون والطاقة منخفضة الانبعاثات، إلى جانب توظيف الرقمنة والتوائم الرقمية وحماية التنوع البيولوجي. وتبرز التجربة كيف يمكن لإزالة الكربون أن تتجاوز كونها عبئاً تنظيمياً لتصبح فرصة لجذب الاستثمارات، وخلق وظائف جديدة، وبناء سلاسل قيمة صناعية أكثر تنافسية ومرونة، بما يجعل فوس-بير نموذجاً محتملاً لمستقبل الصناعة الأوروبية.

  • من خلال جذب الاستثمارات، وتقاسم البنية التحتية، وتمكين التعاون، يمكن للتجمعات الصناعية أن تعزز القدرة التنافسية الصناعية، والنمو المستدام، وخلق فرص العمل.
  • يُظهر تجمع فوس-بير قرب مرسيليا كيف يمكن لإزالة الكربون، والحفاظ على البيئة، وتعزيز القدرة التنافسية أن تسير جنباً إلى جنب.
  • يبرز فوس-بير بوصفه نموذجاً يمكن أن تسترشد به أوروبا في رسم مستقبلها الصناعي، إذ يثبت أن التجمعات الصناعية قادرة على خفض انبعاثات الصناعات القائمة وفي الوقت نفسه بناء سلاسل قيمة جديدة بالكامل.

تواجه المناطق الصناعية في أوروبا تحدياً حاسماً يتمثل في الحفاظ على قدرتها التنافسية عالمياً بالتوازي مع تسريع الانتقال نحو تحقيق صافي انبعاثات صفري. وفي مختلف أنحاء القارة، تتعرض التجمعات الصناعية، وهي مناطق جغرافية تتركز فيها مجموعة من الصناعات، لضغوط متزايدة من أجل إزالة الكربون، وتعزيز أمن الطاقة، وجذب استثمارات جديدة، مع الحفاظ في الوقت ذاته على الوظائف ودعم التنمية الإقليمية.

وتُظهر منطقة فوس-بير الصناعية والمينائية، الواقعة بالقرب من مدينة مرسيليا في جنوب فرنسا، أن هذه الأهداف ليست متعارضة. فمن خلال التعاون، تستطيع المناطق الصناعية تحويل إزالة الكربون إلى محفز لتعزيز القدرة التنافسية والابتكار والمرونة على المدى الطويل. ويضم فوس-بير واحداً من أكبر النظم الصناعية والمينائية المتكاملة في أوروبا، ويدعم نحو 126 ألف وظيفة، كما أنه مسؤول عن ربع انبعاثات ثاني أكسيد الكربون الصناعية في فرنسا و40% من الانبعاثات الإقليمية. ويجمع هذا التجمع ضمن منطقة جغرافية واحدة أنشطة تكرير النفط، والبتروكيماويات، والصناعات الكيميائية، وصناعة الصلب، وإنتاج الطاقة، والخدمات اللوجستية للموانئ، ومعالجة النفايات.

وعلى مدى أكثر من عقد من الزمن، أدت منطقة فوس-بير الصناعية والمينائية دور مختبر حي للتآزر الصناعي، حيث تتعاون الشركات من أجل إزالة الكربون بطريقة يمكن للصناعات والمناطق الأخرى الاستفادة من تجربتها والتعلم منها.

من الإرث الصناعي إلى التحول الصناعي

مثل العديد من المناطق الصناعية الأوروبية، يستجيب فوس-بير لتحولات هيكلية عميقة. وتشجع السياسات الأوروبية المتعلقة بالمناخ والصناعة، مثل خطة الاتحاد الأوروبي الصناعية للصفقة الخضراء، على نشر صناعات جديدة منخفضة الكربون. وفي الوقت نفسه، أوجدت الطموحات الوطنية الرامية إلى إعادة تصنيع فرنسا فرصاً لجذب مشاريع جديدة في مجال التصنيع الأخضر من خلال إنشاء برنامج الاستثمار الوطني «فرنسا 2030».

ومن أبرز أدوات هذا البرنامج مبادرة «المناطق الصناعية منخفضة الكربون»، التي تجمع الشركات الصناعية الموجودة في مواقع متقاربة من أجل تطوير بنية تحتية مشتركة منخفضة الكربون، بما في ذلك شبكات الهيدروجين، وخطوط أنابيب احتجاز الكربون، وأنظمة الطاقة المتجددة، وذلك في مختلف الأحواض الصناعية الرئيسية في فرنسا.

ويجمع برنامج «التآزر الصناعي التجديدي في الجنوب» التابع لفوس-بير الجهات الصناعية، والسلطات العامة، والجهات المعنية بالموانئ، من أجل تطوير مسارات مشتركة لإزالة الكربون، وتحديد احتياجات البنية التحتية المشتركة، وتنسيق الاستثمارات في مختلف أنحاء المنطقة.

وخلال مرحلته الأولى الممتدة من عام 2023 إلى عام 2025، أنجز البرنامج 28 دراسة، ووضع ثلاثة سيناريوهات جماعية لإزالة الكربون في المنطقة الصناعية لفوس-بير. كما حدد البنية التحتية المشتركة المطلوبة للكهرباء والهيدروجين وثاني أكسيد الكربون من أجل تحقيق خفض يصل إلى 80% في انبعاثات غازات الدفيئة الصناعية بحلول عام 2050.

دور حوكمة التجمعات الصناعية

تأتي جمعية PIICTO في صميم عملية التحول التي يشهدها فوس-بير. وقد تأسست الجمعية عام 2014 بهدف تعزيز التعاون في مختلف أنحاء المنظومة الصناعية الإقليمية. وهي تجمع اليوم 50 شركة صناعية و10 سلطات عامة حول رؤية مشتركة ترتكز على البيئة الصناعية والإقليمية.

ويقوم هذا النهج على فكرة أن الأنشطة الصناعية لم يعد ممكناً النظر إليها بصورة منفصلة، بل يجب اعتبارها مكونات ضمن نظام إقليمي مشترك. فهذه الأنشطة تتعايش في المنطقة نفسها، وتستخدم بنية تحتية مشتركة، وتنتج تدفقات من المواد والطاقة والموارد والنفايات التي يمكن تجميعها أو استردادها والاستفادة منها.

وبصفتها جهة محايدة تعمل على جمع الأطراف المختلفة، تسهّل PIICTO الحوار بين القطاع الصناعي والسلطات المحلية ومشغلي البنية التحتية ومزودي الطاقة، كما تحدد فرص إنشاء أشكال جديدة من التآزر الصناعي، وتدعم المشاريع التعاونية، وتساعد على تهيئة الظروف اللازمة لتحقيق تحول صناعي طويل الأجل.

ويسمح نموذج الحوكمة التعاونية هذا للمؤسسات التي تختلف أولوياتها بالعمل بصورة جماعية من أجل تحقيق أهداف إقليمية مشتركة.

إعادة التصنيع من خلال مشاريع منخفضة الكربون

أتاحت الرؤية المشتركة والاستراتيجية الموحدة لإزالة الكربون لفوس-بير تطوير مجموعة طموحة من المشاريع الصناعية المصممة لخفض انبعاثات الصناعات القائمة مع جذب استثمارات جديدة في الوقت نفسه.

فعلى سبيل المثال، تخطط شركة GravitHy لإنتاج ثلاثة ملايين طن سنوياً من الحديد المختزل المباشر منخفض الانبعاثات باستخدام الهيدروجين الأخضر ومنخفض الكربون. ويمثل المشروع استثماراً بقيمة 2.2 مليار يورو، ومن المتوقع أن يوفر ما يصل إلى 500 وظيفة مباشرة، وأن يتجنب انبعاث ما يصل إلى أربعة ملايين طن من ثاني أكسيد الكربون سنوياً، وهو ما يعادل نحو 5% من إجمالي الانبعاثات الصناعية في فرنسا. ومن المقرر أن يبدأ الإنتاج التجاري عام 2029.

وإلى جانب ذلك، تعمل مشاريع صناعية أخرى، من بينها Rhône CO₂ وElyse Energy Neocarb ومشروع DEOS، على تنفيذ مبادرات تشمل تطوير الوقود الحيوي، واحتجاز الكربون واستخدامه وتخزينه، وتطوير البنية التحتية للهيدروجين، وكهربة العمليات الصناعية، ومشاريع تحسين كفاءة الطاقة، فضلاً عن تطوير بنية تحتية استراتيجية.

وتُظهر هذه المشاريع أن إزالة الكربون من القطاع الصناعي لا تقتصر على خفض الانبعاثات فحسب، بل تتعلق أيضاً بإنشاء سلاسل قيمة صناعية جديدة وتعزيز القدرات الصناعية الاستراتيجية لأوروبا.

البيانات والتعاون الرقمي في التجمعات الصناعية

لا تكفي البنية التحتية المادية وحدها للاستفادة الكاملة من إمكانات التعاون الصناعي. فمع ازدياد الترابط بين النظم الصناعية، تؤدي التقنيات الرقمية دوراً بالغ الأهمية في تمكين الشركات من تصميم سلاسل قيمة معقدة وتشغيلها وتحسينها بصورة جماعية.

ويعد التحول الرقمي عنصراً أساسياً لدعم التحول الصناعي منذ المراحل الأولى للتصميم. فعلى سبيل المثال، ومن خلال تعاونها مع شركة GravitHy، تسهم شركة Siemens في تطوير منشأة صناعية رقمية منذ البداية، من خلال المساعدة في تحديد خارطة الطريق الرقمية للمشروع ووضع استراتيجية التوأم الرقمي.

ويتمثل الهدف في إنشاء مسار رقمي متكامل يربط بين أعمال الهندسة والإنشاء والتشغيل، بما يسمح بتنفيذ المشاريع بكفاءة أكبر، وتحسين الأداء التشغيلي، وتعزيز عملية التحسين طوال دورة حياة المنشأة.

ولا تقتصر أهمية التوائم الرقمية ومنصات البيانات الصناعية وهياكل البرمجيات القابلة للتشغيل البيني على المنشآت الفردية، بل تمثل أصلاً هيكلياً بالغ الأهمية بالنسبة إلى التجمعات الصناعية بأكملها.

ومن خلال إنشاء بيئات موثوقة لتبادل المعلومات التشغيلية ونتائج المحاكاة وتدفقات الموارد، يمكن لهذه الأدوات أن تساعد في تنسيق استخدام البنية التحتية المشتركة، وتحسين استهلاك الطاقة والهيدروجين، وتطوير استراتيجيات الصيانة، وتسريع الابتكار في العديد من المشاريع الصناعية.

ولهذا السبب، يبرز التعاون الرقمي بوصفه أحد العوامل الرئيسية التي تتيح تطوير الجيل القادم من النظم الصناعية المتكاملة، إلى جانب المزايا المادية التي توفرها التجمعات الجغرافية للصناعات.

الموازنة بين التنمية الصناعية والتنوع البيولوجي

يتمثل أحد أبرز التحديات التي تواجه العديد من التجمعات الصناعية في تحقيق التوازن بين تطوير مشاريع صناعية جديدة والحفاظ على التنوع البيولوجي.

ولتحقيق ذلك في منطقة فوس-بير، التي تضم مناطق طبيعية حساسة ومحمية وتقع بمحاذاة مناطق أخرى من هذا النوع، يتبع التجمع تسلسلاً يقوم على ثلاثة مبادئ هي التجنب والتقليل والتعويض.

وفي البداية، يتم توجيه المشاريع الجديدة إلى المواقع الصناعية القائمة أو الأراضي الصناعية المهجورة التي سبق استخدامها. وعندما يتعذر تجنب الآثار البيئية بالكامل، يتم تعديل التصاميم بهدف تقليل استخدام الأراضي والحد من الاضطراب البيئي إلى أدنى مستوى ممكن. أما الآثار المتبقية التي لا يمكن تجنبها، فيتم التعويض عنها من خلال تنفيذ تدابير للاستعادة البيئية أو الحفاظ على الطبيعة في مواقع أخرى.

ويشجع هذا النهج المنهجي الشركات على تحديد حلول بيئية مشتركة، كما يعزز المبدأ القائل إن التنمية الصناعية المستدامة تعتمد على التعاون بقدر اعتمادها على الابتكار التكنولوجي.

نموذج لمستقبل الصناعة في أوروبا

يُظهر فوس-بير أن الانتقال نحو تحقيق صافي انبعاثات صفري يمكن أن يشكل قصة حقيقية للتجدد الصناعي.

فمن خلال الحوكمة التعاونية، والبنية التحتية المشتركة، ومجموعة طموحة من المشاريع منخفضة الكربون، يعمل فوس-بير على ترسيخ مكانته نموذجاً للنمو المستدام، من خلال جذب صناعات جديدة، وخلق وظائف ذات جودة، وبناء قدرة اقتصادية على الصمود على المدى الطويل.

وتعمل مبادرة «تحويل التجمعات الصناعية» التابعة للمنتدى الاقتصادي العالمي، والتي انضمت إليها PIICTO مؤخراً، على تنسيق هذه الجهود من خلال شبكة دولية سريعة النمو تضم تجمعات صناعية من مختلف أنحاء العالم، مما يتيح لتجمعات مثل فوس-بير تبادل المعرفة والخبرات مع نظرائها عالمياً.

ومع مواجهة المناطق الصناعية في أنحاء أوروبا تحديات مماثلة، يقدم فوس-بير مثالاً بارزاً على الكيفية التي يمكن من خلالها للتعاون أن يسرّع عملية إزالة الكربون والتنمية الاقتصادية في آن واحد.

وتُظهر تجربة فوس-بير أنه عندما تعمل الصناعات والحكومات ومزودو البنية التحتية معاً، يمكن للتجمعات الصناعية أن تتحول إلى محركات قوية لإعادة التصنيع الأخضر، وأن تشكل نموذجاً يمكن الاسترشاد به لرسم مستقبل الصناعة في أوروبا.

المصدر

مقالات ذات صلة