- تستحوذ أكبر أربع شركات للذكاء الاصطناعي فائقة النطاق على 87% من إجمالي مشتريات الشركات من الطاقة النظيفة في الولايات المتحدة، وهي قوة شرائية قادرة على إعادة توجيه أسواق الطاقة على نطاق واسع.
- من المتوقع أن يتضاعف الطلب على الطاقة من مراكز البيانات بحلول عام 2030، ومع ذلك لا يزال من المتوقع أن يأتي 40% من هذا الإمداد من الوقود الأحفوري.
- أصبحت المواءمة مع كوكب الأرض خياراً استراتيجياً لم يعد بإمكان شركات الحوسبة فائقة النطاق تأجيله.
تُعد شركات الذكاء الاصطناعي فائقة النطاق من بين أكبر المشترين من الشركات للكهرباء المتجددة في العالم، لكن التأثير المحتمل الهائل لأنشطتها في البيئة وقطاع الطاقة يعني أيضاً أن عليها مسؤولية الذهاب إلى أبعد من ذلك في ضمان أن يكون التوسع في الذكاء الاصطناعي قائماً على الطاقة المتجددة.
وفي الولايات المتحدة، تستحوذ الشركات الأربع الأكبر، وهي غوغل وميتا ومايكروسوفت وأمازون ويب سيرفيسز، حالياً على 87% من إجمالي مشتريات الشركات من الطاقة النظيفة.
ويمكن لهذه القوة الشرائية الهائلة أن تعيد توجيه الأسواق، بما يحمله ذلك من إمكانات ضخمة لتسريع تحول الطاقة. فمنذ عام 2024، على سبيل المثال، ساهمت اتفاقيات شراء الطاقة التي أبرمتها هذه الشركات في إحداث طفرة في مجال الطاقة النووية.
يمكن لشركات الذكاء الاصطناعي فائقة النطاق إحداث تأثير هائل في تطوير مصادر الطاقة المتجددة
لكن النمو السريع للذكاء الاصطناعي يهدد أيضاً بترسيخ بنية تحتية جديدة قائمة على الوقود الأحفوري. ففي مقاطعة بايك بولاية أوهايو، اقترح مطورون إنشاء مجمع ضخم لمراكز البيانات، على أن يتم تزويده بالطاقة من منشأة يصفها القائمون عليها بأنها أكبر محطة كهرباء تعمل بالغاز في العالم. ويمكن لقدرتها البالغة 9.2 غيغاواط أن توفر الكهرباء لمدينة نيويورك.
وعلى الصعيد العالمي، من المتوقع أن يتضاعف الطلب على الطاقة من مراكز البيانات بحلول عام 2030. وفي وقت يحتاج فيه العالم إلى خفض الانبعاثات بسرعة، يُقدَّر أن تساهم الطاقة النظيفة، بما في ذلك الطاقة النووية، في توفير نحو 60% من إمدادات الكهرباء المطلوبة، ما يعني بقاء 40% منها معتمداً على الوقود الأحفوري.
وبشكل متزايد، تتجه الشركات إلى توربينات الغاز باعتبارها تقنية انتقالية لسد الفجوة إلى أن تتمكن الطاقة النظيفة من مواكبة الطلب. إلا أن توربينات الغاز تمثل بنية تحتية كثيفة رأس المال يمكن أن تستمر في العمل لعقود. وتمتلك شركات الحوسبة فائقة النطاق القدرة على القيام بالمزيد لإزالة الاختناقات التي تعيق توليد الكهرباء الخالية من الكربون، وتطوير شبكات الكهرباء، وأنظمة التخزين، والمرونة في إدارة الطاقة.
ولا تمثل مراكز البيانات سوى جزء واحد من التحدي المتمثل في مواءمة الذكاء الاصطناعي مع هدف الحفاظ على نظام مناخي مستقر ومحيط حيوي قادر على الصمود. وقد تكون الطريقة التي يُستخدم بها الذكاء الاصطناعي عاملاً أكثر أهمية في تحديد تأثيره المناخي. فمن دون توجيه متعمد، يمكن لوكلاء وأدوات الذكاء الاصطناعي أن يساهموا في زيادة الطلب على الطاقة الأحفورية، وترسيخ البنية التحتية عالية الكربون، ومساعدة الشركات على استخراج المزيد من النفط والغاز.
ثلاث طرق لمواءمة تطوير الذكاء الاصطناعي مع كوكب الأرض
ينبغي لمبدأ المواءمة مع كوكب الأرض أن يوجّه تطوير الذكاء الاصطناعي واستخدامه، لأن شركات الحوسبة فائقة النطاق تتحكم في رؤوس أموال ومنظومات ابتكار على نطاق استثنائي. ومع تسارع نشر الذكاء الاصطناعي وبناء بنيته التحتية، تمثل هذه المرحلة وقتاً حاسماً لوضع الأسس اللازمة لقطاع طاقة مستدام. ويمكن لثلاثة تحولات رئيسية أن تجعل هذه الفرصة واقعاً.
1. بناء منظومة الطاقة النظيفة بوتيرة أسرع من نمو الطلب الناتج عن الذكاء الاصطناعي
يتعين على شركات الحوسبة فائقة النطاق نشر قدرات توليد الكهرباء الخالية من الكربون، وتوسيع شبكات الكهرباء، وأنظمة التخزين، والمرونة في إدارة الطلب، بوتيرة تفوق بشكل كبير معدل نمو أحمالها الكهربائية، مع تسريع التقدم نحو توفير طاقة خالية من الكربون على مدار الساعة وطوال أيام الأسبوع في كل شبكة كهرباء تعمل ضمنها.
فمطابقة استهلاك الكهرباء سنوياً بشهادات الطاقة النظيفة لا تثبت أن الطلب على الكهرباء قد تمت تلبيته بإمدادات خالية من الكربون خلال الساعة نفسها وفي منطقة شبكة الكهرباء ذاتها.
ويمكن للقوة الشرائية التي تتمتع بها شركات الحوسبة فائقة النطاق أن تساعد في إزالة العوائق أمام توليد الطاقة النظيفة وتطوير الشبكات والتخزين. كما يمكن للتخطيط المتكامل أن يساعد في اختيار مواقع المنشآت في الأماكن التي تستطيع فيها أنظمة الطاقة والمياه دعمها بصورة مسؤولة، وتحويل أعباء العمل المناسبة إلى أوقات أو مناطق أخرى، واستخدام البطاريات أو الاستجابة للطلب للحد من ذروة استهلاك الكهرباء.
وينبغي ألا يؤدي نمو الذكاء الاصطناعي إلى تحميل الأسر تكاليف إضافية مرتبطة بشبكة الكهرباء، أو مزاحمة القطاعات الأخرى التي تحتاج إلى الطاقة النظيفة، أو ترسيخ محطات توليد الكهرباء القائمة على الوقود الأحفوري من دون تقنيات للحد من انبعاثاتها.
وتكمن الفرصة في أن يؤدي هذا النمو إلى ترك منظومة الكهرباء الأوسع نطاقاً أكثر نظافة ومرونة وقدرة على الصمود، وفي الوقت نفسه أكثر قدرة على تحمل التكاليف.
2. جعل الكفاءة الجذرية والشفافية هما القاعدة الأساسية
التحسينات في الكفاءة حقيقية، لكنها لا تنمو بالسرعة الكافية لتجاوز الشهية التي تبدو بلا حدود للقدرات الحاسوبية. وتشير غوغل إلى أن استهلاك الطاقة والبصمة الكربونية لنموذج Gemini انخفضا بمقدار 33 مرة و44 مرة على التوالي خلال عام واحد. ومع ذلك، فإن انبعاثات جميع شركات الحوسبة فائقة النطاق لا تزال في ارتفاع.
وينبغي لهذه الشركات أن تقود تحسينات الكفاءة عبر كامل منظومة التكنولوجيا وأن تفصح عنها، بما يشمل الرقائق والنماذج والبرمجيات والخوادم وأنظمة التبريد والعمر التشغيلي للأجهزة.
كما يجب أن تؤدي مكاسب الكفاءة لكل مهمة إلى خفض الآثار البيئية المطلقة. وأي زيادة مؤقتة في الانبعاثات ينبغي أن تكون محدودة، مع تحديد موعد واضح لبلوغ ذروة الانبعاثات المطلقة، ووضع هدف موثوق للانتقال بعدها إلى انخفاض مستدام يتوافق مع أعلى مستوى ممكن من الطموح المناخي.
ويلعب الموقع دوراً مهماً أيضاً، إذ يمكن لأعباء العمل المتشابهة أن تخلّف تأثيرات مختلفة للغاية اعتماداً على كفاءة المنشأة ومصادر الكهرباء المحلية.
فعلى سبيل المثال، تشير بيانات غوغل الإقليمية لشبكات الكهرباء لعام 2025 إلى أن مناطق مثل ستوكهولم وفنلندا يمكن أن توفر ما يقارب 100% من الطاقة الخالية من الكربون، في حين أن بعض المناطق الأخرى قد توفر مستويات تقترب من الصفر من الطاقة الخالية من الكربون.
3. إعطاء الأولوية للحلول المناخية القادرة على تحقيق أثر بمقياس الغيغاطن
يمكن للذكاء الاصطناعي أن يختصر الطريق نحو نقاط تحول إيجابية، من خلال تغيير منحنيات التكلفة للحلول المناخية الرئيسية بحيث تتمكن من الانتشار على نطاق واسع في وقت أبكر.
وتشير تقديرات أحد سيناريوهات التبني الواسع إلى أن تطبيقات الذكاء الاصطناعي الموجودة حالياً يمكن أن تخفض انبعاثات ثاني أكسيد الكربون بمقدار 1.4 غيغاطن في عام 2035.
وتهدف غوغل بالفعل إلى تمكين خفض الانبعاثات بمقدار غيغاطن واحد سنوياً بحلول عام 2030، وأعلنت أن تسعة من منتجاتها ساهمت في عام 2025 في تمكين خفض الانبعاثات بنحو 41 مليون طن، أي ما يعادل تقريباً 4% من الهدف، مع بقاء أربع سنوات للوصول إليه.
لكن ينبغي وضع ذلك في مقابل العقود المبرمة مع الشركات العاملة في استخراج الوقود الأحفوري.
وتشير تقديرات إلى أن الذكاء الاصطناعي يمكن، إذا استُغلت إمكاناته بالكامل، أن يتيح قيمة سنوية تبلغ 230 مليار دولار في أنشطة إنتاج النفط والغاز في المراحل العليا من سلسلة الصناعة. ولهذا الأمر تداعيات مناخية.
وقد خلص تحليل حديث إلى أنه إذا أدى الذكاء الاصطناعي إلى زيادة الإنتاجية في قطاع الوقود الأحفوري، فسيتعين أن تكون مكاسب الإنتاجية التي يحققها في قطاع الطاقة النظيفة أكبر بأربع مرات على الأقل من المكاسب المحققة في قطاع الوقود الأحفوري من أجل موازنة الخسائر الناتجة.
ومن الواضح أنه في عالم يواجه قيوداً شديدة مرتبطة بالكربون، يجب ألا تستخدم شركات الحوسبة فائقة النطاق الذكاء الاصطناعي لتوسيع عمليات استخراج الوقود الأحفوري أو إطالة عمر الأصول ذات الانبعاثات المرتفعة.
ونود أن نرى هذه الشركات تفصح عن الإيرادات والقدرات الحاسوبية المخصصة لخدمة عمليات استخراج الوقود الأحفوري، إلى جانب ما تعلن عنه من تخفيضات في الانبعاثات أسهمت تقنياتها في تحقيقها.
جعل المواءمة مع كوكب الأرض متطلباً في السوق
يمكن للعملاء من الشركات والقطاع العام التأثير في شركات الحوسبة فائقة النطاق. وينبغي أن تتضمن عقود خدمات مراكز البيانات والحوسبة السحابية والذكاء الاصطناعي أربعة متطلبات إلى جانب الأمن والموثوقية والتكلفة.
وتتمثل هذه المتطلبات في الإفصاح كل ساعة عن نسبة الطاقة الخالية من الكربون وفقاً لكل منطقة من مناطق شبكة الكهرباء؛ والإفصاح عن استهلاك الطاقة والمياه وانبعاثات دورة الحياة لكل عبء عمل على أساس قابل للمقارنة؛ ووضع مسار واضح للانبعاثات المطلقة يتضمن سنة محددة لبلوغ ذروة الانبعاثات ومعدل انخفاض محدداً بعدها؛ والالتزام بألا تُستخدم الخدمات التي يتم شراؤها في توسيع عمليات استخراج الوقود الأحفوري.
وتثبت معايير المشتريات العامة الخضراء للمفوضية الأوروبية أنه من الممكن إدراج متطلبات الأداء المناخي لمراكز البيانات والخدمات السحابية ضمن شروط المناقصات.
تعمل شركات الحوسبة فائقة النطاق على مستوى هائل وبسرعة كبيرة. وتتمثل مسؤوليتها في تقليل بصمتها البيئية إلى أدنى مستوى ممكن، والمساهمة في تشغيل اقتصاد نظيف ودائري وقادر على الصمود.
ومن شأن مكافأة الشركات الرائدة التي تتبنى هذا النوع من الإجراءات التي تضع كوكب الأرض في المقام الأول أن تحول هذه المسؤولية إلى فرصة تنافسية.
ويجب على شركات الحوسبة فائقة النطاق أن تستحق وتحافظ على حقها في مواصلة التوسع من خلال إثبات أن نموها يسرّع انتقالنا نحو اقتصاد متوافق مع كوكب الأرض، بدلاً من دفعنا باتجاه نقاط تحول مناخية خطرة.
