القائمة الرئيسية

التصنيع الحيوي الصيني: كيف تعيد بكين رسم ملامح العصر الصناعي المقبل؟

التصنيع الحيوي الصيني: كيف تعيد بكين رسم ملامح العصر الصناعي المقبل؟
ملخص المقال

تناقش هذه المقالة كيف تحوّل الصين التصنيع الحيوي من مجال متخصص إلى ركيزة محتملة للعصر الصناعي المقبل، عبر استثمارات ضخمة في البحث والبنية التحتية والتخمير والذكاء الاصطناعي، بما قد يمنحها نفوذاً واسعاً في قطاعات الغذاء والدواء والطاقة والمواد. كما تطرح المقالة سؤالاً حاسماً أمام أوروبا والولايات المتحدة وبقية العالم: هل ستتحرك سريعاً لبناء قدراتها وسياساتها واستثماراتها الخاصة، أم تترك للصين دوراً متقدماً في تشكيل قواعد الاقتصاد الحيوي العالمي؟

  • كان التصنيع الحيوي يُنظر إليه بوصفه حلاً مناخياً متخصصاً، لكنه يتحول سريعاً إلى جزء رئيسي من الاقتصاد العالمي، مدفوعاً بتطور الذكاء الاصطناعي وانخفاض تكلفة الطاقة المتجددة.
  • تمنح الصين التصنيع الحيوي أولوية تضاهي اهتمامها بالذكاء الاصطناعي، مع تركيزها على توسيع نطاق التكنولوجيا وخفض تكاليفها، مستفيدة من بنية تحتية أساسية موجودة بالفعل.
  • تحقيق قدر أكبر من التنوع العالمي في قدرات التصنيع الحيوي سيتطلب إعادة التفكير في عملية التصميم الصناعي، وإدماج الذكاء الاصطناعي منذ البداية، إلى جانب نموذج تمويل يسمح بجذب استثمارات خاصة فعالة بدعم من السياسات العامة.

هل يمكن أن تكون الثورة الصناعية المقبلة قد بدأت بالفعل في الظهور؟

التصنيع الحيوي هو عملية برمجة الكائنات الحية الدقيقة لإنتاج الأغذية والوقود والمواد الكيميائية والمواد التي تعتمد اليوم، في كثير من الأحيان، على الموارد الأحفورية. وبينما ظل هذا المجال يُنظر إليه عادة بوصفه حلاً مناخياً متخصصاً، فإنه يتحول الآن إلى طبقة أساسية من طبقات الاقتصاد العالمي.

العلم الذي يقوم عليه هذا المجال ليس جديداً، لكن انخفاض تكلفة الطاقة المتجددة والتقدم السريع في الذكاء الاصطناعي يجعلان الحلول القائمة أكثر جاذبية من الناحية التجارية، كما يسمحان للابتكارات الأكثر تقدماً بالانتقال بصورة أسرع إلى نطاق الإنتاج الصناعي.

وسيصبح من الممكن بصورة متزايدة إنتاج جزيئات أساسية في المختبر كان لا بد سابقاً من استخراجها أو تكريرها أو تصنيعها من النفط والغاز. وكما شكّلت جغرافيا الوقود الأحفوري التوازنات الجيوسياسية للعصر الصناعي السابق، فإن القدرة على التصنيع من دون الاعتماد عليه ستسهم في تشكيل العصر المقبل.

الصين تضع التصنيع الحيوي ضمن خطتها الخمسية

بينما قادت أوروبا والولايات المتحدة الأبحاث الأساسية في هذا المجال لعقود، وضعت الصين الآن التصنيع الحيوي إلى جانب الذكاء الاصطناعي في صميم استراتيجيتها الصناعية.

وفي الخطة الخمسية الخامسة عشرة، عرض الحزب الشيوعي الصيني رؤية للتصنيع الحيوي ومنظومة الابتكار المرتبطة به. وتقوم هذه الرؤية على إنشاء شركات قادرة على المنافسة عالمياً، وقيادة التقنيات الناشئة التي ستعزز اعتماد الصين على نفسها وتمنحها نفوذاً أكبر في ظل تصاعد التقلبات الجيوسياسية.

وتضخ بكين مليارات الدولارات في البحث والتطوير، كما تسيطر بالفعل على أكثر من 70% من القدرة العالمية على التخمير الصناعي. وهي استراتيجية مألوفة: تحديد تكنولوجيا أساسية، وبناء قدرات على نطاق لا يمتلكه الآخرون، وخفض الأسعار، ثم تحويل هذا التفوق إلى نفوذ اقتصادي وجيوسياسي طويل الأمد.

وقد رسخت الألواح الشمسية والبطاريات والمركبات الكهربائية هذا النمط. ومنذ الإدارة الأولى للرئيس الأمريكي دونالد ترامب، تمتعت الشركات الأمريكية بدرجة من الحماية من هذه السياسات من خلال الرسوم الجمركية المرتفعة والقواعد الصارمة المتعلقة بالأمن السيبراني والأمن القومي.

أما الشركات الأوروبية فهي أكثر تعرضاً لهذه التحديات، وتواجه صعوبة متزايدة في التعامل مع الضغوط على هوامش الأرباح، وتقلب سلاسل الإمداد، وارتفاع أسعار الطاقة، وتراجع حصصها في الأسواق العالمية.

وتشير تقارير إلى أن ألمانيا وحدها تفقد أكثر من 15 ألف وظيفة صناعية شهرياً، ويمكن إرجاع جزء كبير من ذلك إلى ما يُشار إليه غالباً باسم «صدمة الصين 2.0». وتتعرض الصناعات التقليدية لضغوط هائلة، لكن الانتقال إلى عصر صناعي جديد سيكون صعباً بالقدر نفسه، لأن الصين موجودة فيه بالفعل وتتحرك بسرعة.

الريادة في التصنيع الحيوي تمنح الدول موقعاً عالمياً متقدماً

في حين كانت المنافسات الصناعية السابقة تتركز في قطاع واحد، يمتد التصنيع الحيوي في الوقت نفسه إلى الغذاء والطب والطاقة والمواد. ويمكن للدول والتكتلات التي تتصدر مجال التخمير المتقدم أن تؤثر في سلاسل الإمداد الحيوية وتعزز قدرة الدول على الصمود.

العلم موجود بالفعل، والقدرات الإنتاجية واسعة النطاق تُبنى الآن، ومن ينجح في التصنيع على نطاق واسع بأسرع وتيرة سيمتلك نفوذاً أكبر. وإذا كانت أنماط تطور الألواح الشمسية والمركبات الكهربائية والبطاريات وتوربينات الرياح مؤشراً، فإن نافذة التدخل الفعّال في الأسواق تضيق بسرعة.

وفي وحدات الطاقة الشمسية الكهروضوئية، تمتلك الشركات الصينية 80% من القدرة التصنيعية العالمية في مجالات البولي سيليكون والرقائق والخلايا والوحدات. وخلال العام الماضي، استحوذ السوق الصيني على ما يقرب من 70% من توربينات الرياح التي تم تركيبها عالمياً، وقد تم توريد ما يقرب من 100% منها من جانب شركات صينية مصنعة للتوربينات. كما باتت الصين تنتج أكثر من 70% من المركبات الكهربائية العالمية، ويتم تركيب أكثر من 50% من الروبوتات الصناعية في العالم داخل الصين.

وهذا الاتجاه نحو التركّز الجغرافي الكبير بدأ يظهر أيضاً في قطاع التصنيع الحيوي. وبالنسبة إلى بقية العالم، فإن الاعتماد المفرط على جهة واحدة يتحول إلى خطر وعبء، كما سيزداد من الصعب تبرير أي نشاط إنتاجي خارج الصين من الناحية الاقتصادية من دون دعم مالي ضخم.

وإذا أراد باقي العالم أن يكون له دور يتجاوز مجرد المشاهدة في مستقبل طرق تصنيع المنتجات، فإن الوقت المناسب للاستثمار هو الآن.

«تستثمر القيادة الصينية في تهيئة الظروف اللازمة لبناء مستقبل قائم على الاقتصاد الحيوي.»

التصميم المدمج بالذكاء الاصطناعي والسياسات العامة يمكن أن ينوّعا قدرات التصنيع الحيوي

بما أن التنوع العالمي المستقبلي في قدرات التصنيع الحيوي بدأ بالفعل من موقع غير متكافئ، فإن السبيل الوحيد للخروج من هذا الوضع هو إعادة التفكير في كيفية بناء القوة الصناعية.

حتى الآن، استُخدم الذكاء الاصطناعي لتعزيز الأساليب القائمة، لكنه لم يُستخدم لقلبها رأساً على عقب. ولن يكون إدماج قدرات ذكية جديدة في عمليات الإنتاج والمعدات القائمة، ثم بناء كل شيء آخر حولها، كافياً لاستعادة الريادة الصناعية.

المطلوب هو ثورة في العمليات نفسها، بحيث تُدمج إمكانات الذكاء الاصطناعي في التصميم الصناعي منذ البداية، وتُبنى البنية التحتية حولها. وسيسمح ذلك باتباع نهج قائم على الذكاء في قطاع واجه طويلاً حقيقة أن العمليات البيولوجية احتمالية وناشئة بطبيعتها. وهذا يعني أنها قد تكون فوضوية وغير قابلة للتنبؤ على النطاق الصغير، بينما تنتج سلوكاً منظماً ومعقداً على نطاق أكبر.

وإذا كان من المقرر أن تكون العمليات البيولوجية في قلب الثورة الصناعية المقبلة، فينبغي للعمليات الصناعية أن تكون قادرة على التعامل تحديداً مع هذا القدر من العشوائية والتنظيم الذاتي. والخبر الجيد هو أن الذكاء الاصطناعي يجعل ذلك ممكناً الآن.

أما الخبر السيئ، فهو أن بناء منظومة صناعية جديدة للاستفادة من هذه الإمكانات مكلف للغاية بحيث لا يستطيع الاستثمار الخاص القيام به بمفرده، خصوصاً في ظل المنافسة الموجودة بالفعل.

وتستثمر القيادة الصينية في تهيئة الظروف اللازمة لبناء مستقبل قائم على الاقتصاد الحيوي. فبكين تمول البنية التحتية، وتزيد من قدرات التخمير، وتدعم الشركات الناشئة والبحث والابتكار في الجامعات، كما تمول المختبرات والبيئات التجريبية والمراكز الصناعية، وبدأت أيضاً في تقديم حوافز للسوق.

لكن السوق بمفرده لن يعالج المشكلة، إذ يميل إلى التوجه نحو الأرباح السريعة، كما هي الحال في قطاعي مستحضرات التجميل والعناية بالصحة، أو نحو المجالات التي تحقق أعلى العوائد، مثل العلاجات التجريبية للسرطان وغيرها من المنتجات الدوائية الرائدة.

ومن دون دعم شامل وسريع وأساسي، ستحدث إخفاقات هيكلية، رغم وجود بعض قصص النجاح المحدودة في أوروبا والولايات المتحدة واليابان والهند وكندا والبرازيل والعديد من الدول الأخرى. وسيظهر نظام صناعي جديد في جميع الأحوال، لكن الخيار سيكون بين الاكتفاء بدور المتفرج أو المشاركة في تشكيله.

المصدر

مقالات ذات صلة