داخل أحدث مراكز البيانات في العالم، تجري عمليات حوسبة كثيفة الاستهلاك للطاقة على مدار الساعة، بينما تتولى روبوتات الدردشة بالذكاء الاصطناعي وغيرها من أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي تنفيذ مهام تتراوح بين الأمور التافهة والمسائل البالغة الأهمية، مثل إعداد الصور لمنصات التواصل الاجتماعي، وتقديم نصائح بشأن العلاقات، وتحليل الصور الطبية لتشخيص السرطان، وإنشاء التعليمات البرمجية للمطورين، أو اكتشاف عمليات الاحتيال المالي لصالح البنوك.
وكما ارتفعت شعبية أدوات الذكاء الاصطناعي بشكل هائل خلال السنوات الأخيرة، ارتفعت معها التكاليف البيئية المرتبطة بها. تستهلك مراكز البيانات حاليًا 414 تيراواط ساعة سنويًا، أي نحو 1.5 في المئة من إجمالي استهلاك الكهرباء العالمي، وفقًا لوكالة الطاقة الدولية، وقد نما هذا الاستهلاك بمعدل 12 في المئة سنويًا على مدى خمس سنوات قبل أن يقفز إلى 17 في المئة في عام 2025. وبحلول عام 2030، تتوقع الوكالة أن يتجاوز الطلب على الكهرباء من جانب مراكز البيانات الضعف. ويجري تلبية جزء كبير من الطلب المتزايد على الكهرباء من خلال الوقود الأحفوري، في حين يشعر الخبراء بالقلق أيضًا بشأن استخدام موارد المياه المحلية لتبريد مراكز البيانات في المناطق التي تعاني الجفاف.
ومن المرجح أن يمثل استخدام الذكاء الاصطناعي لتوليد النصوص أو الصور جزءًا ضئيلًا جدًا من البصمة البيئية لأي فرد. ويشدد الخبراء على أن المسؤولية تقع على عاتق شركات التكنولوجيا لتقليل استهلاك الذكاء الاصطناعي للموارد، بدءًا من ابتكار خوارزميات أكثر ذكاءً وأقل استهلاكًا للطاقة، وصولًا إلى بناء أجهزة أكثر كفاءة.
ومع ذلك، يمكن للأفراد اتخاذ إجراءات بسيطة لضمان أن يكون لاستخدامهم للذكاء الاصطناعي أقل أثر بيئي ممكن، بدءًا من التفكير بعناية في الحالات التي يحتاجون فيها فعلًا إلى الذكاء الاصطناعي، ووصولًا إلى صياغة المطالبات بطريقة تقلل مقدار الحوسبة المطلوبة.
تقول عالمة الحاسوب إيفانا دروبنياك من كلية لندن الجامعية: «الخيارات الفردية ليست بلا معنى، وبعضها أكثر تأثيرًا مما يدركه الناس».
روبوتات شرهة للطاقة
من المعروف أن تقدير كمية الطاقة التي تُستهلك في معالجة استفسار واحد إلى روبوت للدردشة أمر بالغ الصعوبة. فعلى سبيل المثال، تقدر جوجل أن روبوت الدردشة جيميني يستهلك نحو 0.24 واط ساعة للرد على استفسار نصي متوسط الطول، وهو ما يعادل كمية الكهرباء اللازمة لمشاهدة التلفزيون لمدة تقل عن تسع ثوانٍ. كما يستخدم نحو 0.26 ملليلتر من الماء، وينتج ما يعادل 0.03 غرام من ثاني أكسيد الكربون، في حين أن قيادة سيارة تعمل بالبنزين لمسافة ميل واحد تنتج نحو 400 غرام من الانبعاثات. ورغم أن هذه الكميات صغيرة على المستوى الفردي، فإنها تتراكم بسرعة لدى الأفراد والشركات التي تستخدم أدوات الذكاء الاصطناعي بكثافة.
ويرجع استهلاك نماذج الذكاء الاصطناعي كميات كبيرة من الطاقة، جزئيًا، إلى المعالجات التي تشغّلها، مثل وحدات معالجة الرسومات التي تستهلك طاقة أكبر بكثير من وحدات المعالجة المركزية التي تشغّل مهام أبسط مثل عمليات البحث على الويب والبريد الإلكتروني. ويرتبط الأمر أيضًا بالنماذج التي تقوم عليها معظم أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي الشائعة، بما في ذلك نماذج اللغة الكبيرة التي تشغّل روبوتات الدردشة والمساعدات القائمة على الذكاء الاصطناعي.
وتعتمد هذه النماذج على تصميم معين يُعرف باسم بنية المحول. وتتيح هذه البنية لنماذج اللغة الكبيرة التدريب على نطاقات هائلة من أنماط اللغة الموجودة في النصوص، ومن ثم حساب مئات المليارات أو تريليونات المعلمات. ويمكن استخدام هذه المعلمات بعد ذلك لتوليد سلاسل جديدة من النصوص، من خلال التنبؤ بالكلمات التي يُرجح أن تأتي بعد بعضها بعضًا.
ويحتاج نموذج لغة كبير قائم على بنية المحول إلى قدر كبير من العمليات الحسابية، لأنه مع كل كلمة جديدة يولدها استجابة لاستفسار المستخدم، يعالج الاستفسار والكلمات التي كُتبت حتى تلك اللحظة من خلال النموذج، وينفذ مليارات العمليات الحسابية في كل مرة.
وتشير شركات التكنولوجيا إلى أن نماذج اللغة الكبيرة أصبحت أكثر كفاءة في استهلاك الطاقة بمرور الوقت. ووفقًا لحسابات جوجل لعام 2025، فإن استهلاك جيميني البالغ 0.24 واط ساعة عند التعامل مع مطالبة نصية متوسطة الطول يمثل انخفاضًا بمقدار 33 ضعفًا مقارنة باستهلاك النموذج للطاقة في العام السابق.
وعلى أي حال، حتى الكميات الصغيرة من الطاقة تتراكم بسرعة بالنظر إلى حجم استخدام الذكاء الاصطناعي. واستنادًا إلى أرقام عام 2025 الصادرة عن شركة التكنولوجيا أوبن إيه آي، قدرت دروبنياك في مايو أن نحو 3.2 مليار استفسار كان يُرسل يوميًا في ذلك الوقت إلى روبوت الدردشة تشات جي بي تي. ويطلب المستخدمون من أدوات الذكاء الاصطناعي معالجة كميات هائلة من النصوص والصور ومقاطع الفيديو وإنتاجها. ويجري بعضهم محادثات طويلة مع روبوتات الدردشة. وبشكل متزايد، ينشئ الناس «وكلاء ذكاء اصطناعي» خاصين بهم، والذين يرسلون بدورهم استفسارات إلى روبوتات الدردشة بالذكاء الاصطناعي.
فماذا يستطيع المستخدمون أن يفعلوا لتقليل الموارد التي يستهلكها استخدامهم للذكاء الاصطناعي؟ لدى الخبراء بعض النصائح.
لا تتخلوا عن محركات البحث
كإجراء أول وبسيط لتوفير الطاقة، ينبغي للمستخدمين التفكير بعناية فيما إذا كانوا يحتاجون فعلًا إلى الذكاء الاصطناعي لإنجاز مهمة معينة. يقول غونتر كلامباور، خبير الذكاء الاصطناعي في جامعة يوهانس كيبلر في النمسا: «إن سؤال تشات جي بي تي: ماذا ينبغي أن أرتدي اليوم؟ أو كيف هي حالة الطقس؟ يشبه استخدام طائرة الكونكورد للذهاب إلى متجر البقالة».
وينطبق الأمر نفسه على محركات البحث على الويب التي تستخدم الذكاء الاصطناعي لتوليد إجابة تلقائيًا عن الاستفسار إلى جانب نتائج البحث الفعلية، مثل ملخصات الذكاء الاصطناعي من جوجل أو بحث كوبايلوت من بينج. يقول أوديت غوبتا، الخبير في الهندسة الكهربائية وهندسة الحاسوب في كورنيل تك بمدينة نيويورك: «إذا كنت تبحث فقط عن مقال معين، فإن إيقاف تشغيل هذه الخاصية يمكن أن يكون له تأثير كبير من منظور توفير الطاقة». ويمكن تحقيق ذلك من خلال اختيار خيار «نتائج الويب فقط» في المتصفح، أو تضمين «ai» مسبوقة بعلامة ناقص في صياغة بحث الويب.
النماذج الأصغر تستهلك طاقة أقل
يمكن للأفراد والشركات الذين يستخدمون أدوات الذكاء الاصطناعي بكثرة لأداء مهام محددة، مثل الترجمة أو التلخيص، التفكير في الانتقال إلى نماذج لغوية أصغر ومتخصصة في هذه المهام. وبما أن هذه النماذج تُدرّب على نطاق أضيق وتنفذ عددًا أقل من العمليات الحسابية، فإنها تستهلك طاقة أقل من نماذج اللغة الكبيرة الضخمة متعددة الاستخدامات عند أداء المهام نفسها.
وفي دراسة نُشرت عام 2025 بواسطة اليونسكو، اختبرت دروبنياك فوائد استخدام نماذج صغيرة، مثل نموذج يسمى opus-mt-en-es للترجمة من الإنجليزية إلى الإسبانية، إلى جانب نماذج أخرى للتلخيص والإجابة عن الاستفسارات، بدلًا من نموذج Llama 3.1 الذي طورته شركة ميتا. وعلى الرغم من أن هذه النماذج الأصغر غالبًا ما تكون أقل سهولة في الاستخدام من نماذج الذكاء الاصطناعي الأكثر شعبية، فإنها متاحة مجانًا عبر منصة الذكاء الاصطناعي Hugging Face. ووجدت الدراسة أن النماذج الصغيرة استهلكت طاقة أقل بما يتراوح بين 15 و50 مرة، مع إنتاج مخرجات أعلى جودة في المهام التي صُممت خصيصًا لأدائها.
وأدى الانتقال بعيدًا عن النماذج الأكبر إلى انخفاض إجمالي في استهلاك الطاقة بنسبة 90 في المئة، ما جعل ذلك أقوى استراتيجية منفردة لتوفير الطاقة اختبرتها دروبنياك في دراستها. وكما يقول غوبتا: «لا تحتاج إلى استخدام نموذج يحتوي على تريليون معلمة لتحرير رسالة بريد إلكتروني».
روبوتات دردشة أقل إسهابًا
نظرًا إلى أن نماذج اللغة الكبيرة تنفذ عددًا هائلًا من العمليات الحسابية مع كل كلمة متتالية تنتجها، فمن المفيد اختيار نماذج تنتج نصوصًا أقل عمومًا. وقد اكتشف موشاراف تشودري، وهو خبير في أنظمة الذكاء الاصطناعي في جامعة ميشيغان، وكان يقيس استهلاك نماذج اللغة الكبيرة للكهرباء، أن النماذج التي تتسم بطبيعتها بمزيد من الإسهاب تميل إلى استهلاك قدر أكبر من الطاقة.
فعلى سبيل المثال، يستهلك أحد إصدارات نموذج Qwen الذي طورته شركة علي بابا كلاود قدرًا أكبر بكثير من الطاقة عندما يكون في «وضع حل المشكلات مع الاستدلال»، حيث ينتج نحو عشرة أضعاف عدد الكلمات التي ينتجها عند الاستجابة لمطالبة مقارنة بوضع «المحادثة النصية». ولذلك يوصي بعض الخبراء باستخدام وضع الاستدلال فقط مع الأسئلة المعقدة، والالتزام في الحالات الأخرى بالوضع القياسي لروبوت الدردشة.
ويمكن لمجرد مطالبة روبوتات الدردشة بالذكاء الاصطناعي بأن «تكون مختصرة» أو تحديد حد لعدد الكلمات أن يوفر الطاقة أيضًا. وفي دراسة اليونسكو، وجدت دروبنياك وزملاؤها أنهم تمكنوا من خفض استهلاك نموذج Llama للطاقة بنسبة 50 في المئة عندما طلبوا منه تقليص مخرجاته إلى النصف. وعلى النقيض من ذلك، كان إبقاء المطالبة نفسها قصيرة أقل تأثيرًا في توفير الطاقة، إذ لم يحقق سوى توفير بنسبة 5 في المئة عندما كان طول المطالبة نصف طول الاستفسار الأصلي.
تقول دروبنياك: «حجم المخرجات هو العامل الأكثر تأثيرًا في تحديد استهلاك الطاقة ودفعه». وقد تعاونت مع مدينة سان فرانسيسكو لتطوير نصائح لمستخدمي الذكاء الاصطناعي بهدف تقليل استهلاك الطاقة، ومن بينها أن يكون المستخدم محددًا قدر الإمكان، وأن يضيف تعليمات مثل «خمسة بنود كحد أقصى».
استخدم دقة منخفضة وأنشئ مقاطع الفيديو على دفعات
تنطبق توصيات مماثلة على توليد الصور ومقاطع الفيديو، التي يمكن أن تستهلك طاقة تزيد بمراتب عدة عن تلك اللازمة لتوليد النصوص، لأنها تتضمن تكرار معالجة ملايين وحدات البكسل مرات عديدة، مع إعادة معالجة الصورة بأكملها من جديد في كل مرة، بحسب دروبنياك. وتحظى هذه الأدوات بشعبية كبيرة. إذ يستخدم نحو 40 في المئة من المراهقين الذين تتراوح أعمارهم بين 13 و17 عامًا الذكاء الاصطناعي لإنشاء الصور أو مقاطع الفيديو أو تعديلها، وفقًا لدراسة حديثة أجراها مركز بيو للأبحاث.
وتوصي دروبنياك بإنشاء الصور أو مقاطع الفيديو عند الضرورة فقط، وبالدقة اللازمة فقط. وتقول: «أحد الخيارات هو أن تبدأ بدقة منخفضة، وإذا كان اتجاه الخوارزمية صحيحًا، يمكنك عندئذ البدء في زيادة الدقة». وتشير أيضًا إلى أن تعديل الصور الموجودة أصلًا يكون دائمًا أقل استهلاكًا للعمليات الحسابية من إنشاء صور جديدة من الصفر.
وعند إنشاء صور متعددة، من المفيد إنشاؤها في جلسة واحدة أو على دفعة واحدة، لأن ذلك أكثر كفاءة من تنفيذ عدة طلبات منفصلة.
قد تبدو هذه الإجراءات وكأنها قطرة في بحر، وهي كذلك في جوانب كثيرة، بحسب الخبراء. لكن الأمور الصغيرة تتراكم. وبينما ننتظر من شركات التكنولوجيا والعلماء وصناع السياسات إيجاد طرق لتقليل الأثر البيئي الإجمالي للذكاء الاصطناعي، تقول دروبنياك: «يمكن للفرد الذي يعرف كيف يصل إلى الأداة المناسبة أن يحدث فرقًا حقيقيًا. فالذكاء الاصطناعي يستهلك قدرًا هائلًا من الطاقة، ولذلك علينا أن ننظر إلى الأمر من كل زاوية».
