لم تكن الحكم الفردي حتميًا في الحضارات المبكرة، فقد كانت كثير من المجتمعات أكثر مساواة. لكن عندما ظهرت الثروات التي يمكن احتكارها، برز أصحاب النفوذ وظهرت أوجه عدم المساواة.
لماذا تحكم بعض المجتمعات أنظمة استبدادية يقودها أشخاص أقوياء يتخذون جميع القرارات تقريبًا من دون رقابة أو توازنات تُذكر، بينما يكون للمحكومين في مجتمعات أخرى صوت فعلي في الحكم؟
إذا سألت عالم آثار أو مؤرخًا أو عالمًا سياسيًا، فستسمع عادةً الرواية التالية: كان الناس في الماضي يتنقلون في مجموعات صغيرة للصيد وجمع الثمار، ويتخذون قراراتهم بصورة جماعية إلى حد ما. ثم اخترعوا الزراعة، التي ربطتهم بقطع محددة من الأرض، ومكنت بعضهم من تخزين الموارد وتكديسها. وأدى ذلك حتمًا إلى عدم المساواة في الثروة والسلطة.
وتفاقمت أوجه عدم المساواة هذه مع نمو السكان، وتحول بعض القرى إلى مدن ازداد عدد سكانها إلى درجة احتاجت معها إلى قادة أقوياء للحفاظ على النظام بين أعداد كبيرة من الناس. وظل العالم على هذه الحال إلى أن ابتكر الإغريق القدماء نهجًا جديدًا أطلقوا عليه اسم «الديمقراطية».
ثم تراجعت الديمقراطية خلال العصور الوسطى، قبل أن تستعيد زخمها بعد قرون، مرة أخرى في أوروبا، وفقًا للرواية الشائعة. ومن هناك أخذت تنتشر ببطء ولكن بثبات إلى مناطق أخرى، لتنافس الحكام المستبدين على النفوذ.
إنها قصة مرتبة ومنظمة، لكنها تبسيط مفرط إلى حد كبير، كما يقول عالم الآثار غاري فاينمان من متحف فيلد في شيكاغو. وتُظهر أبحاثه أن الحكومات الاستبدادية ليست حتمية عندما تكبر أعداد السكان، إذ اتبعت مجموعة متنوعة من المجتمعات في أنحاء العالم، وعلى امتداد التاريخ، مسارات مختلفة.
وفوق ذلك، لم تكن هذه المجتمعات الأقل تنظيمًا وفق أسس استبدادية محصورة في أوروبا، ولم تكن أكثر شيوعًا فيها، بل وُجدت في أنحاء العالم، من تيوتيهواكان في المكسيك إلى موهينجو دارو في باكستان.
عرض فاينمان منظوره الأثري بشأن التغير السياسي على المدى الطويل في دراسة شاملة نُشرت عام 2023 في مجلة «Annual Review of Anthropology»، ثم اختبر هذه الأفكار مع زملائه في أبحاث لاحقة نُشرت في مجلتي «PNAS» و«Science Advances». وتحدث مع «Knowable Magazine» عن العوامل التي تعزز الاستبداد أو أشكال الحكم الأكثر شمولًا.
وقد حُررت هذه المقابلة من أجل الاختصار والوضوح.
ما المواقع الأثرية التي عملت فيها، وكيف أثرت في نظرتك؟
أمضيت معظم مسيرتي البحثية الأكاديمية في العمل الميداني الأثري في المكسيك والصين. بدأت في أمريكا الوسطى، في المكسيك، وهي منطقتي الرئيسية. وعملت على مستويات متعددة، بدءًا من المسوحات الإقليمية ووصولًا إلى التنقيبات المكثفة في المواقع، بما في ذلك العديد من المنازل.
عندما بدأ الباحثون العمل في أمريكا الوسطى بهدف يتجاوز مجرد العثور على القطع الأثرية لملء خزائن المتاحف، افترضوا، ولم يكن ذلك افتراضًا سيئًا في ذلك الوقت، أن حضارات أمريكا الوسطى ستتسم بحكم قسري استبدادي من أعلى إلى أسفل، وبسيطرة سياسية على الاقتصاد، أي إن الدولة كانت تحدد ما ينتجه الناس، وتحتكر الموارد الأساسية، وتفرض سيطرة محكمة على توزيع السلع.
هذا ما تعلمته عندما كنت طالبًا في سبعينيات القرن العشرين.
لكن عندما بدأت في التنقيب عن المنازل، وجدنا في كثير من الأحيان أن الناس كانوا يصنعون شيئًا للتبادل في كل منزل تقريبًا نقوم بالتنقيب فيه، مثل الأدوات أو الفخار. وكانوا يستخدمون أشياء لم يصنعوها بأنفسهم، وربما لم تكن قد صُنعت حتى في المستوطنة التي وُجدت فيها.
لذلك، إذا كان الجميع يصنعون السلع من أجل التبادل، لكان من الصعب جدًا، إن لم يكن من المستحيل، على سلطة مركزية أن تسيطر على الاقتصاد. كما أننا لم نعثر على مخازن كان من شأنها أن تسمح للقادة بتجميع الموارد وتكديسها.
لم تتوافق فكرة أن الدولة كانت تسيطر على الاقتصاد لتمكين حاكم مستبد مع الأدلة.
ومع بدء تجميع البيانات عن أمريكا الوسطى قبل الغزو الإسباني عبر الأماكن والفترات الزمنية المختلفة، وجدنا أن طبيعة الحكم، وتنظيم المدن، وتقريبًا كل ما نظرنا إليه، كان متنوعًا. لم يكن الأمر مقتصرًا على نمط واحد يتمثل في وجود ملك واحد مطلق السلطة، كما كان الحال لدى المايا في العصر الكلاسيكي على طول نهر أوسوماسنتا.
كان المايا في العصر الكلاسيكي يمجدون حكامهم، وكانت لديهم مدافن شديدة التعقيد وقصور فخمة أكبر بكثير من أي منزل آخر. وهذا يتوافق مع نموذج الحكم من أعلى إلى أسفل.
لكن عندما تنظر إلى مكان مثل تيوتيهواكان بالقرب من مدينة مكسيكو أو مونتي ألبان بالقرب من مدينة واهاكا، فإنهما لا يتوافقان مع هذا النموذج، سواء في المجال الاقتصادي أو السياسي. فبدلًا من المقابر الفاخرة والنصب التذكارية التي تمجد حاكمًا واحدًا، تتميز تيوتيهواكان بساحات مفتوحة للتجمع العام، وجداريات تصور مواكب لمسؤولين ملثمين بدلًا من ملوك معروفين بأسمائهم، ومعابد ذات قمم واسعة صُممت لاستيعاب مجموعات من الأشخاص بدلًا من حاكم أو كاهن واحد.
كان ذلك غير متوقع، لأن كثيرًا من علماء الاجتماع الغربيين كانوا يعتقدون أنه باستثناء اليونان وروما، كانت جميع المجتمعات السابقة للعصر الحديث استبدادية، وأن هذا هو الوضع الذي استمر حتى عصر التنوير، عندما أصبح الناس أكثر عقلانية.
وفي الصين، أجرينا مسوحات في مقاطعة شاندونغ الشرقية، وهي المنطقة الأخيرة التي أُدمجت في إمبراطورية أول إمبراطور للصين، تشين شي هوانغ، الذي وحّد البلاد للمرة الأولى ودُفن في المقبرة الشهيرة التي تضم جيش محاربي الطين. ومرة أخرى، كانت النظرية التقليدية تتوقع أن تُظهر المنطقة، بعد دمجها في الإمبراطورية، علامات على المشقة وتراجع مستوى الرفاه.
لكن البيانات التاريخية والأثرية تُظهر في الواقع أن المنطقة شهدت ازدهارًا بعد دمجها في الإمبراطورية، التي ظلت موحدة لعدة قرون في ظل أسرة هان التي خلفتها. وارتفع عدد السكان بصورة كبيرة في أنحاء المنطقة، وأُنشئت مستوطنات جديدة، وأدت البنية التحتية الأفضل للنقل إلى مزيد من التكامل مع ازدياد الترابط بين المناطق، وأصبح تبادل السلع والأفكار وغير ذلك أكثر سهولة. لم يكن هذا نظامًا استبداديًا يستنزف كل شيء من المناطق التي جرى غزوها.
ومرة أخرى، اتضح أن فكرة أن أنظمة الحكم السابقة للعصر الحديث كانت دائمًا شديدة الاستبداد لا تتوافق مع الأدلة. ومع مرور الوقت، أثارت المعلومات التي جمعناها كل هذه القضايا. وأدى ذلك في نهاية المطاف إلى دراسة «Annual Review» لعام 2023، التي تلخص كيف ترسخت هذه الأفكار التي كانت في صميم العلوم الاجتماعية الغربية لنحو 500 عام. وكانت تلك الدراسة محاولة لرسم مسار جديد.
ومنذ ذلك الحين، شاركت في دراستين كبيرتين مع فريقين مختلفين لاختبار هذه الأفكار.
هل يمكنك أن تخبرنا عن هاتين الدراستين؟
الدراسة الأولى، التي نُشرت عام 2025 في مجلة «PNAS»، بحثت في العلاقة بين عدم المساواة والحجم الديموغرافي والسياسي من خلال النظر في الفارق بين أكبر المنازل وأصغرها في أكثر من ألف موقع أثري. أما الدراسة الثانية، التي قدتُها ونُشرت في مارس 2026 في مجلة «Science Advances»، فقد بحثت في العلاقة بين طبيعة الحكم والحجم عبر 40 سياقًا أثريًا وتاريخيًا.
لطالما افترض الباحثون أن تركّز السلطة وعدم المساواة يزدادان معًا مع زيادة عدد السكان طوال معظم التاريخ، لأن الناس كانوا يفتقرون إلى الوسائل اللازمة لإنجاز الأمور من دون قيادة قسرية من أعلى إلى أسفل. لكن هاتين الدراستين أظهرتا أن حجم السكان مهم، لكنه ليس عاملًا حتميًا. ففي كلتا الدراستين، لم يفسر حجم السكان سوى نحو ربع التباين في مستوى المساواة أو درجة الاستبداد.
إضافة إلى ذلك، نرى في بياناتنا أدلة على ممارسات ديمقراطية في مناطق أخرى من العالم غير اليونان القديمة وروما الجمهورية، وفي الفترة الزمنية نفسها تقريبًا، وربما قبلها بقليل. وقد تكون هاتان الحضارتان قد مارستا أكبر تأثير في المجتمع الحديث، وهذا يعود جزئيًا إلى الطريقة التي حُفظت بها السجلات وخُزنت ونُقلت عبر الزمن، ونحن لا نقصد التقليل من أهمية هذين المكانين. لكنهما ليستا فريدتين كما افترض الناس. وبالتأكيد ليس صحيحًا أن كل الأماكن الأخرى كانت منظمة بصورة استبدادية.
وأخيرًا، نُظهر أن كل شيء لم يتغير مع ظهور الزراعة. هذه حجة راسخة جدًا، وهي فكرة أن الزراعة والحياة المستقرة غيّرتا كل شيء بسرعة، وأننا دخلنا بعد ذلك في مسار حتمي نحو زيادة الحجم، وزيادة تركّز السلطة، وما إلى ذلك. بياناتنا لا تدعم ذلك. وليس المقصود أن الزراعة لم تكن ابتكارًا أساسيًا. لقد كانت كذلك، وكان لها بالفعل تأثيرات طويلة المدى. لكنها لم تكن دائمًا فورية أو متشابهة.
أعتقد أن هذه هي النقاط الأساسية: نحن نجد أدلة لا تتوافق مع وجهات نظر راسخة ومتجذرة منذ زمن طويل، ليس في علم الآثار فحسب، بل في العلوم الاجتماعية عمومًا.
هل لا يزال بإمكاننا القول إن أمورًا مثل الزراعة وزيادة عدد السكان أوجدت فرصًا أمام المستبدين، حتى لو لم تجعل الاستبداد أمرًا حتميًا؟
أعتقد أن زيادة الحجم تخلق بالتأكيد فرصًا أمام المستبدين، وأعتقد أن الزراعة تخلق فرصة لزيادة الحجم لأنها ترفع الإنتاجية.
لكن ما تكشفه أبحاثنا، وأراه أمرًا مهمًا للغاية، هو أن تركّز السلطة يأتي أساسًا من الطريقة التي تُوجَّه بها الموارد إلى المؤسسات السياسية.
عندما يتعين على الدولة جمع قدر كبير من ضرائبها من خلال أخذ قدر صغير من عدد كبير من المزارعين أو الحرفيين، فمن المرجح أن تكون منظمة بطريقة أكثر ديمقراطية. نحن نطلق على هذه الموارد اسم «الموارد الداخلية». وفي ظل هذه الظروف، سيكون تحقيق الاستبداد صعبًا، إذ يستطيع الناس أن يصوتوا بأقدامهم من خلال الرحيل، ولذلك يتعين عليك أن تجعلهم راغبين في المساهمة.
لكن عندما يمكن احتكار الموارد والتقنيات، سواء كان ذلك من خلال السيطرة على طرق التجارة أو غنائم الحرب أو المناجم أو المزارع القائمة على العبودية، فعندئذ نجد الاستبداد. ونحن نشير إلى هذه الموارد باسم «الموارد الخارجية».
عندما تكون الموارد الخارجية محتكرة، لا يتعين عليك الاعتماد على الحصول على القليل من عدد كبير من الناس. فعندما تكون لديك موارد يمكن توجيهها أو السيطرة عليها، ما عليك سوى دفع المال لعدد صغير من الأشخاص لمساعدتك في حماية تلك الموارد. ولا يتعين عليك استغلال مواطنيك، بل يمكنك ببساطة تجاهلهم إلى حد كبير.
ولتوضيح الأمر، فإن مزارع العبيد، وحتى المزارع الإقطاعية، تُعد وفق مصطلحاتنا موارد خارجية. فالأشخاص الذين يعملون فيها لا يتمتعون إلا بقدر ضئيل جدًا من الحرية أو لا يتمتعون بها إطلاقًا. يريد المستبدون التخلص من الحاجة إلى دفع أجور العمال. وإذا تمكنوا بمرور الوقت من السيطرة على قوة العمل تلك، فيمكنهم تحويل الزراعة الصغيرة النطاق، التي تُعد موردًا داخليًا يعتمدون فيه على مواطنيهم، إلى مورد خارجي يسيطرون عليه بأنفسهم. وهذه استراتيجية استبدادية تتمثل في استغلال أشخاص لا يتمتعون بوضع المواطنة.
أما بالنسبة إلى المواطنين الأحرار، فأعتقد أن أحد المفاهيم الخاطئة في كثير من الأدبيات السابقة هو أن المستبدين يميلون إلى إرهاب المواطنين واستغلالهم. ومن وجهة نظري، من الأكثر شيوعًا أن تتجاهل الأحزاب الاستبدادية مواطنيها، لأنها لا تحتاج إلى الضرائب التي يدفعونها. وهي لا تريد في الواقع أن تراهم يتعرضون للأذى، لأنهم قد يكونون مفيدين في مرحلة ما، وربما لا يزالون يساهمون ببعض الموارد. لكنها تستطيع ببساطة أن تتجاهلهم إلى حد ما.
لقد شرحت أنك قست عدم المساواة من خلال النظر في الفارق بين أكبر المنازل وأصغرها. لكن كيف تقيس مفاهيم أكثر تجريدًا مثل الاستبداد أو الشمولية؟
هنا كان العمل ضمن فريق مهمًا. ففي البحث المنشور في «Science Advances»، كان اجتماعنا الأول مخصصًا في الغالب لتصميم منهجية رأى نحو اثني عشر شخصًا من الخبراء في أماكن وفترات مختلفة أنها يمكن أن تصلح لمقارنة درجة الاستبداد عبر جميع هذه الحالات المختلفة.
قررنا التركيز على بُعدين أساسيين. الأول: إلى أي مدى تتركز السلطة في أيدي عدد صغير جدًا من الأفراد؟ والثاني: إلى أي مدى تتاح للناس العاديين فرصة التواصل مع بعضهم بعضًا والتعبير عن آرائهم ووجهات نظرهم؟ وكان التحدي الذي واجهناه هو قياس هذين البعدين، وهما تركّز السلطة والشمولية، باستخدام أنواع المعلومات التي نمتلكها من المصادر الأثرية والتاريخية.
ووضعنا مجموعة من 27 «مؤشرًا بديلًا»، أي أمورًا يمكننا قياسها أو إعادة بناء صورة عنها وتوفر معلومات حول السمات الأساسية للحكم. هل تُتخذ القرارات في حصن منيع أم في دار مجلس مفتوحة على نطاق واسع؟ هل يمجد فن الدولة حاكمًا واحدًا، أم يركز على الآلهة والطبيعة والمجتمع؟ هل توجد ساحات عامة كبيرة يسهل الوصول إليها ويمكن للمواطنين التجمع فيها، أم أن الهندسة المعمارية شديدة التقييد؟
ثم جمعنا أكبر قدر ممكن من هذه المؤشرات عبر 31 منطقة من أنحاء العالم، كان عدد منها يضم فترات زمنية منفصلة متعددة، ليصل العدد الإجمالي إلى 40 حالة. ثم دُمجت هذه المؤشرات وجُمعت لمنح كل كيان موقعًا على مؤشر للاستبداد قمنا بتطويره.
وقد وفر لنا ذلك أساسًا لدراسة أسباب التباين الملحوظ في الاستبداد ونتائجه. ولدينا عدد كبير من المؤشرات، بحيث إنه حتى لو اعترض شخص ما على أحدها، فلن يؤثر ذلك كثيرًا في النتائج الإجمالية.
كيف يبدو المجتمع الأكثر مساواة في السجل الأثري؟ هل يمكنك أن تعطيني مثالًا؟
كان يُفسر كثير من المجتمعات في البداية على أنها أنظمة استبدادية، بسبب أمور مثل ضخامة مبانيها. وكان يُفترض أن أماكن مثل تيوتيهواكان لا بد أن تكون منظمة استبداديًا لأنها بنت هذه الأهرامات العملاقة. فلماذا قد يبني الناس تلك الأهرامات إذا لم يكونوا مجبرين على ذلك من جانب مستبد؟
لكن اتضح أن تيوتيهواكان كانت منظمة بصورة جماعية إلى حد كبير، ولم توجد أدلة على وجود حاكم واحد. وإضافة إلى ذلك، كانت قمم الأهرامات واسعة بما يكفي لاجتماع ما لا يقل عن عشرة أو اثني عشر شخصًا فيها، بينما كانت معابد المايا في العصر الكلاسيكي، في أماكن مثل تيكال، لا تتسع إلا لشخص واحد أو اثنين، وربما ثلاثة أشخاص في القمة، مما يشير إلى أنها كانت بقيادة زعيم واحد.
وظل بعض الناس يعتقدون أنه لا بد من وجود مقبرة ملك في تيوتيهواكان. ولذلك، على مدى العقد الماضي أو نحو ذلك، حفر علماء الآثار أنفاقًا أسفل أكبر ثلاثة أهرامات في تيوتيهواكان بحثًا عن مدفن الحاكم.
وماذا وجدوا؟ قرابين، وأحيانًا ضحايا للتضحيات، لكن لا وجود لملك. وهذا يختلف اختلافًا كبيرًا عن معابد وأهرامات المايا الرئيسية، التي كانت غالبًا معابد تؤدي وظيفة ضريح جنائزي لملك من ملوك المايا. لا يوجد شيء من هذا القبيل في تيوتيهواكان.
ثم إذا نظرت إلى تخطيط المدينة، تجد أن تيوتيهواكان صُممت بشوارع واسعة وساحات كبيرة. كان بإمكان الناس أن يجتمعوا معًا. وكانت أكثر شمولًا. وهذا ليس هو الحال في مدن المايا في العصر الكلاسيكي.
وفي فن تيوتيهواكان، حُفظت الجداريات، وهي تُظهر عمومًا أهم الأشخاص. وغالبًا ما يكونون في مجموعة، وليس هناك ملك واحد منفرد. كما أنهم لا يُذكرون بأسمائهم. وغالبًا ما يكونون جزءًا من مواكب. وفي مشاهد مختلفة، تقدم الكائنات الخارقة للطبيعة أو الشخصيات المهمة الماء أو البذور أو غيرها من السلع إلى الناس.
أما المايا في العصر الكلاسيكي، فغالبًا ما كانوا يصورون ملوكهم وهم يدوسون على أسير أو يجمعون السلع من الآخرين، أي يأخذون بدلًا من أن يعطوا. وهذا يشير إلى أن الجداريات يمكن أن تصور الحاكم في الدور الذي كان يؤديه على الأرجح.
ما الذي قد يفسر الاختلافات بين هاتين الحضارتين؟
في حالة المايا في العصر الكلاسيكي، كانت طرق التجارة الممتدة على طول نهر أوسوماسنتا بالغة الأهمية. كانوا يتاجرون بالكاكاو، ويتاجرون باليشم، ويتاجرون بالسبج، ويتاجرون بالأقمشة والريش. وكانت هذه السلع تُستهلك وتُتبادل في الوقت نفسه. وكانت السيطرة على تلك التجارة، بوصفها موردًا خارجيًا يمكن للنخب الحاكمة التحكم فيه، مهمة للغاية لأمراء المايا في العصر الكلاسيكي وفي علاقاتهم القائمة على التبادل مع الأمراء الآخرين.
أما في تيوتيهواكان، فأعتقد أن التمويل الرئيسي جاء من ضرائب العمل، وربما من نوع من الضرائب على المزارعين والإنتاج الحرفي الصغير النطاق. ولذلك كانت الحكومة، وفق ما نستطيع استنتاجه، تعتمد بدرجة أكبر بكثير على الموارد الداخلية، فنحن لا نملك سجلات مكتوبة. ولا توجد لدينا أي أدلة على أن الحكومة كانت تدير السيطرة على التجارة بعيدة المدى في حالة تيوتيهواكان. وكانت الحرف تُنتج في المناطق السكنية في جميع أنحاء الموقع، وليس فقط في الأهرامات.
أنا متأكد من أن كثيرًا من الناس سيصنفون الضرائب على أنها أمر استبدادي إلى حد كبير.
أعتقد أن فكرة أن دفع الضرائب هو في جوهره استغلال هي مفهوم خاطئ آخر. فعندما تدفع الضريبة، قد تحصل في المقابل على خدمات تساعدك على أن تعيش حياة أفضل. وقد يتيح دفع الضرائب للحكومة الديمقراطية فرصة لإنشاء سلع وخدمات يمكن أن تسمح للمواطنين بزيادة إنتاجهم، أو زيادة تجارتهم، أو تربية المزيد من الأطفال لأنهم يستطيعون أن يعيشوا حياة أفضل.
في عالم ما قبل العصر الحديث، كان هناك قدر كبير من التنقل. كان بإمكان الناس الانتقال من مكان إلى آخر. ولذلك، إذا كنت تعتمد على قاعدة ضريبية من المزارعين أو الحرفيين الصغار، فأنت تريد أن تجعل هؤلاء الناس قريبين منك حتى تتمكن من فرض الضرائب على الثروة التي ينتجونها.
الكثير مما نراه في السجل التاريخي ليس بالضرورة إعادة توزيع مباشرة للثروة. فقد كانت الحكومات ترد على الناس من خلال إنشاء شوارع واسعة، ومساحات مفتوحة كبيرة يمكن للناس التجمع فيها، وأنظمة لإيصال المياه إلى الناس، فضلًا عن تنظيم الدفاع بطبيعة الحال. وكل هذه طرق يمكن للحكومات من خلالها العمل مع الناس لتحسين حياة المواطنين العاديين.
ووجدنا أيضًا أن الطقوس في المجتمعات الأكثر ديمقراطية تميل إلى أن تكون تشاركية، مثل الرقص الجماعي، والمواكب، والولائم، وكلها تهدف إلى تعزيز الثقة والتماسك والتعاون. وفي كثير من الحالات، ينشأ الازدهار والنمو من وضع يحقق مكاسب لجميع الأطراف. فإذا كانت لديك حكومة فاعلة تجمع الضرائب، لكنها تستخدمها لتحسين حياة الناس، فقد يصبح المجتمع أكثر هرمية قليلًا، لكن مستوى الرفاه سيستفيد.
ومع ذلك، هناك دائمًا توتر، وتتغير الأمور بمرور الوقت. وهناك دائمًا أشخاص يحاولون الحصول على المزيد لأنفسهم، أو تجنب الاضطرار إلى المشاركة. وقد يقوض ذلك النظام. وسواء قرأت عن روما الجمهورية، أو جمهورية فايمار، أو الولايات المتحدة اليوم، فإن الأنظمة الديمقراطية يمكن تقويضها، عمومًا من خلال تركّز الثروة، الذي غالبًا ما يعزز بدوره تركّز السلطة.
وفي مونتي ألبان في المكسيك، وهي المنطقة التي عملت فيها، وبعد أكثر من ألف عام كانت خلالها واحدة من أطول المدن التي نعرفها عمرًا في التنظيم الجماعي، بدأنا نرى تماثيل تمجد الحكام وأدلة على أن هؤلاء الحكام ورثوا مناصبهم، وهو أمر لا نراه في المراحل المبكرة. ولذلك، حتى هناك، حدث نوع من الانهيار، ثم انهارت المدينة بأكملها. ومن الصعب جدًا الحفاظ على الديمقراطيات. فهي هشة بصورة خاصة، لأنها أكثر تعقيدًا من نواحٍ كثيرة.
هل هذا هو السبب في أنها غالبًا ما تطور إدارات شديدة التعقيد أيضًا، وهو أمر يحب دافعو الضرائب الشكوى منه؟
نعم. يمكننا أن نرى هذا التعقيد في مونتي ألبان وتيوتيهواكان، اللتين كانتا تضمان الكثير من المباني العامة التي ربما كانت تؤدي وظيفة بيروقراطية، فهي ليست مساكن. ويُعد وجود هذا العدد الكبير من المباني العامة الأخرى غير القصور مؤشرًا على وجود نشاط بيروقراطي أكبر.
وبالطبع، يمكن تحويل البيروقراطيات إلى أنظمة أكثر محاباة للأقارب وقائمة على المعاملات والمصالح. لكنني أعتقد أنك تحتاج إلى البيروقراطية في الديمقراطية، لأن عليك مرة أخرى جمع الضرائب، كما تحتاج أيضًا إلى أنواع معينة من العمالة لبناء البنية التحتية، وتوفير الأمن، وتنظيم المجتمع.
ويمكن للبيروقراطية أيضًا أن تكون وسيلة للحد من السلطة المركزية. وأعتقد أن أحد الأخطاء التي نشأت عن العلوم الاجتماعية المبكرة تمثل في أن الباحثين نظروا إلى المجتمعات الآسيوية القديمة وافترضوا أنه بما أنها تمتلك بيروقراطيات كبيرة، فلا بد أنها كانت سلالات حاكمة شديدة المركزية وشديدة عدم المساواة.
لكن في الواقع، كان النظام البيروقراطي المعقد في الصين القديمة يفرض في كثير من الأحيان نوعًا من القيود على الحكام. وكان على البيروقراطيين اجتياز اختبار للالتحاق بالجهاز، ولذلك كان النظام قائمًا بدرجة كبيرة على الجدارة. وكانت لديهم أيضًا ولاءات معينة تجاه مسقط رأسهم، ولذلك لم يكونوا يتفقون دائمًا فيما بينهم. وبالتالي، كانت لديهم مجتمعين مصالح مختلفة إلى حد ما عن مصالح الحاكم، وكانوا يدافعون عنها.
وإذا نظرت إلى أكثر الفترات ديمقراطية في تاريخ الولايات المتحدة، ولنقل فترة فرانكلين روزفلت، فستجد أن بيروقراطيتنا في ذلك الوقت كانت فعالة جدًا، وهو ما أدى إلى ارتفاع مستويات المعيشة لدى عامة السكان. ويستند كثير من أفكارنا إلى تصورات أسطورية مفادها أن الحكومة لا تعمل لصالح الناس. لكنني أعتقد أن الأمر يعتمد على نوع الحكومة.
هل توجد أمثلة أخرى مثيرة للإعجاب أو ملهمة على الحكم الجماعي أو الديمقراطي في مناطق من العالم وفترات تاريخية لا يتوقع معظم الناس أن يجدوا فيها مثل هذه النماذج؟
هناك عدد من الأمثلة في أمريكا الشمالية، مثل الإيروكوا، والزونّي، وتشاكو كانيون. كانت هذه المجتمعات صغيرة نسبيًا، لكنها كانت بالتأكيد كبيرة بما يكفي لاستدامة مستويات أعلى من عدم المساواة. ومع ذلك، كانت تُدار بصورة جماعية، وكانت لديها مستويات أقل من عدم المساواة، مع تقاسم السلطة بين المجتمعات المختلفة. ويرى بعض الباحثين أن بعض ممارسات الحكم لدى هذه الشعوب الأصلية في أمريكا ربما أثرت أيضًا في المؤسسين الأوائل للولايات المتحدة.
آمل أن يساعد عملنا الناس على إدراك أن الماضي يحمل بالفعل الكثير من الدروس. وكما يقول المثل، الماضي لا يكرر نفسه، لكنه يتناغم معه. إن الأطر القديمة التي تزعم أن العالم كان دائمًا استبداديًا وأنه يصبح أكثر استبدادًا كلما نمت المجتمعات، تجعل الماضي يبدو بعيدًا، وتجعل الحاضر والمستقبل بمنأى عن التغيير. لكن إذا كانت أشكال الحكم الأكثر شمولًا موجودة طوال الوقت، فإن دروس التاريخ تصبح فجأة أكثر صلة بكثير.
ونأمل أن يتمكن العاملون في مجال السياسات من دمج بعض هذا التفكير الجديد في الطريقة التي يتعاملون بها مع مشكلات اليوم.
