القائمة الرئيسية

معضلة الوقوع في فخ السذاجة

معضلة الوقوع في فخ السذاجة
ملخص المقال

الخوف من التعرض للخداع مفيد عندما يدفع إلى الحذر، لكنه قد يصبح ضارًا إذا تحول إلى شك مفرط يعطل الثقة والتعاون واتخاذ القرارات. فالشعور بالخداع لا يرتبط بالخسارة المالية فقط، بل يحمل إحساسًا باللوم الذاتي لأن الضحية ترى أنها أسهمت، ولو جزئيًا، في منح المحتال ثقتها، ولذلك قد يؤدي الاحتيال إلى الغضب والعار والقلق والعزلة الاجتماعية واضطرابات النوم ومشكلات صحية، وقد تكون آثاره أشد عندما تقوم الخديعة على علاقة طويلة من الثقة، أو عندما يتكبد كبار السن خسائر يصعب تعويضها. كما يمكن للخوف من الاستغلال أن يجعل الناس أقل استعدادًا للاستثمار أو التعاون، ويدفعهم إلى تجنب المخاطر حتى عندما تكون منافعها أكبر من احتمال التعرض للخداع. ولا تقتصر آثار هذا الخوف على الأفراد، بل تمتد إلى القانون والسياسات العامة، إذ قد يؤدي التركيز المفرط على منع الاحتيال إلى إجراءات مكلفة وغير فعالة، كما يمكن توظيفه سياسيًا لإثارة مشاعر الغضب وتصوير جماعات معينة على أنها تستغل الآخرين. لذلك، لا يكمن الحل في التخلي عن الحذر، بل في الحفاظ على قدر متوازن منه؛ فالمشكلة تبدأ عندما يتحول الشك من وسيلة للحماية إلى موقف دائم يحرم الإنسان من فرص التعاون والثقة والعلاقات والتجارب الإنسانية التي قد تكون قيمتها أكبر من خطر التعرض للخداع.

في عالم تكثر فيه عمليات الاحتيال، يبدو الحذر أمرًا منطقيًا تمامًا. لكن حين يتجاوز الخوف من التعرض للخداع حدوده المعقولة، فقد يبدأ في الإضرار بصحتنا، وثقتنا بالآخرين، وقدرتنا على اتخاذ القرارات.

أيهما سيكون أشد وقعًا عليك: أن تخسر 100 دولار بعدما يسرقها منك لص في شارع مزدحم، أم أن تتبرع بمبلغ 100 دولار لجمعية خيرية ثم تكتشف لاحقًا أنها كانت عملية احتيال؟ بالنسبة إلى كثير من الناس، ستكون التجربة الثانية أسوأ. فأن يخدعك شخص قررت أن تثق به أمر يثير غضبًا شديدًا على نحو خاص.

والوقوع ضحية للخداع لا يثير الغضب وحده. فقد بدأ الباحثون الذين يدرسون الجرائم الإلكترونية في توثيق مجموعة واسعة من الآثار النفسية والجسدية التي تتركها عمليات الاحتيال في ضحاياها. ولا شك في أن التشكيك والحذر مفيدان، خصوصًا مع انتشار عمليات الاحتيال عبر الإنترنت وتزايد تطورها وتعقيدها. لكن الأبحاث تشير في الوقت نفسه إلى أن الإفراط في الحذر له ثمنه أيضًا.

فعندما يصبح الخوف من التعرض للخداع طاغيًا، فإنه يغير الطريقة التي يتخذ بها الناس قراراتهم ويتصرفون بها، وقد يدفعهم إلى سلوكيات تنطوي على أضرار محتملة. ولهذا الأمر تداعيات لا تحظى بالتقدير الكافي على القانون، والسياسات العامة، والمجتمع ككل.

يقول كارستن دي دريو، عالم السلوك في جامعة خرونينغن في هولندا: «إنها معضلة أساسية جدًا يواجهها الناس باستمرار». فعندما تمنح شخصًا ثقتك ويرد عليك بالمثل، تكون هناك مكاسب محتملة لكليكما. لكن عندما يصبح الناس شديدي الخوف من أن يُستغلوا أو يُخدعوا، «قد لا يتقدمون للمبادرة، وقد لا يبدؤون التعاون، وبالتالي لا تستطيع هذه الدورة الإيجابية من تبادل الثقة وتحقيق المنفعة المتبادلة أن تتطور».

المخدوع الذي تراه في المرآة

لا يقتصر الشعور بأنك تعرضت للخداع على عمليات الاحتيال التي تخسرك المال. فالكثير من التجارب اليومية العادية يمكن أن تستحضر المشاعر نفسها.

قد تشعر بذلك في طريقك اليومي إلى العمل، عندما تضطر إلى الضغط على المكابح للسماح لشخص مستفز بالاندماج أمامك في الطريق. وقد تشعر به أيضًا بعدما تنجز الجزء الأصعب من مشروع في العمل، ثم تحصل زملاؤك الذين يتقاعسون عن أداء مهامهم على الحصة نفسها من التقدير والفضل.

وهناك سبب يجعل هذا النوع من المواقف أكثر إثارة للانزعاج.

تقول كاثلين فوهس، عالمة النفس الاجتماعي في جامعة مينيسوتا: «الفرق بين أن يخدعك شخص وأن تتعرض لأشكال أخرى من الاستغلال هو أنك عندما تشعر بأنك خُدعت، ترى جزءًا منك في ما حدث». وتضيف أن الناس «ينظرون إلى سلوكياتهم الخاصة على أنها ساهمت، ولو جزئيًا، في ما حدث لهم».

وحتى في السياق المحدود نسبيًا لتجارب علم النفس، يمكن أن يؤدي الشعور بالتعرض للخداع إلى ردود فعل قوية للغاية.

فعلى مدى عقود، درس علماء النفس الاجتماعي والاقتصاد السلوكي آليات التعاون البشري من خلال ما يعرف بألعاب الثقة. وفي أحد النماذج المعتادة لهذه التجارب، يواجه المشاركون خيارًا بين التعاون مع مجموعة من المشاركين الآخرين وتقاسم المكافأة المالية بالتساوي، أو التخلي عن التعاون والسعي إلى تحقيق مكسب أكبر لأنفسهم.

يحصل من يختارون عدم التعاون على أموال أكثر لأنفسهم، لكنهم في المقابل يقللون المبلغ الذي تحصل عليه المجموعة، وبذلك يجعلون الآخرين يشعرون بأنهم وقعوا ضحية للخداع أو الاستغلال.

وفي إحدى الدراسات المبكرة التي نشرت عام 1977، فوجئ الباحثون بشدة ردود فعل بعض المشاركين. فقد كتبوا أنه لم يكن من غير المعتاد أن يرغب بعض الأشخاص «في مغادرة المبنى الذي أجريت فيه التجربة من الباب الخلفي»، أو أن يعلنوا أنهم لا يريدون رؤية «أبناء الأوغاد» الذين خدعوهم وانقلبوا عليهم.

وتشير هذه الدراسات أيضًا إلى أن مجرد احتمال التعرض للخداع يمكن أن يقلل استعداد الناس للتعاون.

وفي إحدى الدراسات الأولى التي بحثت فيما أطلق عليه الباحثون «تأثير الخداع»، طلب الباحثون من المشاركين الضغط بسرعة على كرتين مطاطيتين، تشبهان تلك المستخدمة في ضخ الهواء داخل أجهزة قياس ضغط الدم، وكانتا موصولتين بجهاز غامض يحمل اسم FLOWMETER.

وأُبلغ المشاركون بأنهم يستطيعون كسب المال بناءً على كمية الهواء التي يضخونها هم وشريك غير مرئي خلال فترة مدتها 30 ثانية.

وكان المشاركون الذين اعتقدوا أن شريكهم أقل قدرة على أداء المهمة يضغطون بقوة ونشاط، ويبدو أنهم كانوا مستعدين لتعويض ضعف شريكهم. أما الذين اعتقدوا أن شريكهم قادر على أداء المهمة لكنه كسول، فقد خففوا هم أيضًا من جهودهم، وفضلوا التخلي عن مكسب مالي محتمل حتى لا يشعروا بأنهم تعرضوا للخداع والاستغلال.

وفي ورقة بحثية نشرت عام 2007، صاغت فوهس وزميلان لها مصطلحًا لوصف الخوف الاستباقي من التعرض للخداع، وهو «رهاب السذاجة» أو Sugrophobia، المشتق من الكلمة اللاتينية sugro التي تعني الامتصاص أو المص.

وقد يكون وجود هذا الخوف أمرًا مفيدًا، على الأقل عندما يكون في حدوده المناسبة.

تقول فوهس: «رهاب السذاجة تكيفي بالتأكيد». لكنها تضيف أن «معظم السمات النفسية تكون تكيفية بقدر معين، فلا ينبغي أن تكون أكثر من اللازم ولا أقل من اللازم».

لكن الإفراط في هذا الخوف يمكن أن يتدخل في قدرة الإنسان على اتخاذ قرارات مالية عقلانية، على سبيل المثال.

ففي إحدى الدراسات، بحث العلماء في مدى استعداد الناس لاستثمار أموالهم في شركة افتراضية. واستثمر المشاركون أموالًا أقل عندما قيل لهم إن الخطر الوحيد يتمثل في احتمال صغير لخسارة الأموال بسبب الاحتيال، مقارنة باستثمارهم في شركة أخرى تحمل الخطر نفسه تمامًا من حيث احتمال الخسارة، لكن سبب الخسارة في الحالة الثانية كان قوى السوق.

وفي عام 2017، وجدت دراسة أدلة على ديناميكيات مشابهة في العالم الحقيقي عقب فضيحة بيرني مادوف.

ففي تسعينيات القرن الماضي وبداية الألفية الجديدة، احتال مستشار الاستثمار بيرني مادوف على عملاء أثرياء وسلبهم مليارات الدولارات، في أكبر مخطط بونزي احتيالي في التاريخ.

وباستخدام وثائق المحاكم والإفصاحات التي قدمتها المؤسسات المالية إلى الحكومة الفيدرالية، وجد الباحثون أن الأشخاص الذين يعيشون في مناطق ترتفع فيها نسبة عملاء مادوف، حيث افترض الباحثون أن عددًا أكبر من السكان سيكونون على دراية بالاحتيال وربما يعرفون بعض ضحاياه، سحبوا أموالًا أكثر من حساباتهم مقارنة بأشخاص يعيشون في مناطق أخرى ويتمتعون بظروف اقتصادية مماثلة.

وسحب سكان المناطق التي كان فيها عدد كبير من عملاء مادوف مبلغًا هائلًا بلغ 363 مليار دولار من الحسابات التي يديرها مستشارو الاستثمار بعد انكشاف عملية الاحتيال عام 2008، ونقلوا جزءًا كبيرًا من تلك الأموال إلى البنوك التي اعتبروها أكثر أمانًا نسبيًا.

وبذلك، من المرجح أن كثيرًا منهم فوتوا عوائد كبيرة عندما تعافى سوق الأسهم وبدأ في الارتفاع من جديد بعد أزمة الإسكان التي شهدها عام 2008.

آثار الخداع في الصحة

في السنوات الأخيرة، بدأ الباحثون الذين يعملون مباشرة مع ضحايا عمليات الاحتيال في تكوين صورة أكثر وضوحًا عن الآثار المتنوعة التي يمكن أن يتركها التعرض للخداع في الصحة الجسدية والعاطفية والنفسية.

وتقدر لجنة التجارة الفيدرالية الأمريكية أن المستهلكين في الولايات المتحدة خسروا نحو 200 مليار دولار بسبب الاحتيال في عام 2024.

وتبدأ كثير من عمليات الاحتيال اليوم عبر الإنترنت، كما أصبح المحتالون أكثر براعة في استهداف مجموعات محددة، بحسب مارتي ديليما، عالمة الشيخوخة في جامعة مينيسوتا التي تدرس الاحتيال المالي.

فعلى سبيل المثال، يستهدف المحتالون الذين يعرضون فرص عمل وهمية الشباب الباحثين عن وظائف عبر منصة LinkedIn، بينما يميل المحتالون الذين يقدمون خدمات الدعم التقني أو يعرضون فرصًا للاستثمار في العملات المشفرة إلى استهداف كبار السن الذين يواجهون صعوبة أكبر في التعامل مع التكنولوجيا.

وتقول ديليما: «أصبح من السهل الآن تخصيص عمليات الاحتيال واستهداف أشخاص بعينهم بفضل الذكاء الاصطناعي التوليدي».

«ما التجارب الإنسانية المهمة التي نفقدها لأن الناس يخافون من التعرض للخداع؟»

تيس ويلكنسون رايان

ويقول مارك باتون، عالم الجريمة المتخصص في الجرائم الإلكترونية والجرائم الاقتصادية في جامعة بورتسموث بالمملكة المتحدة، إن رد فعل الناس تجاه الوقوع ضحية لعملية احتيال يختلف بدرجة كبيرة من شخص إلى آخر.

وفي دراسة مسحية حديثة شملت أكثر من 300 ضحية لعمليات احتيال في المملكة المتحدة، وجد باتون وزملاؤه أن مشاعر القلق والتوتر كانت شائعة جدًا.

وفي الحالات الأكثر حدة، عانى بعض الضحايا من اضطرابات في النوم، ومشكلات في الجهاز الهضمي، وأعراض جسدية أخرى.

كما أظهرت أبحاث أجرتها مجموعة باتون أن بعض ضحايا الاحتيال ينسحبون اجتماعيًا ويبتعدون عن الآخرين.

وقد يقود ذلك إلى حلقة مفرغة، بحسب باتون، إذ يقول: «عندما تكون وحيدًا نوعًا ما، تصبح أكثر عرضة لأن تكون ضحية».

وتشير أبحاث باتون وباحثين آخرين إلى أن التأثير النفسي الذي يتركه الاحتيال في الضحايا يرتبط عمومًا بحجم الثروة التي فقدوها، لكن مقدار الخسارة المالية ليس العامل الوحيد الذي يحدد شدة الآثار.

فقد يكون الألم العاطفي شديدًا بصورة خاصة لدى الأشخاص الذين يقعون ضحية لعمليات الاحتيال العاطفي، أو عمليات الاحتيال الاستثمارية المعقدة التي يعمل فيها المحتال على بناء علاقة مع الضحية وترسيخ الثقة بها على مدى أشهر أو حتى سنوات.

تقول ديليما: «أنت تفقد الشيء الذي كنت تتطلع إليه وتتخيله في ذهنك طوال أشهر».

إضافة إلى ذلك، قد تكون الخسارة المالية مدمرة بصورة خاصة لكبار السن، لأن الوقت والفرص المتاحة أمامهم لإعادة بناء مدخراتهم تكون أقل.

وتقول: «هذا الأمر سيحدد الطريقة التي سيعيشون بها بقية حياتهم».

كما يؤدي الشعور بالعار دورًا مهمًا في هذه التجربة، وهو ما يعني أن كثيرًا من جرائم الاحتيال لا يجري الإبلاغ عنها أصلًا، بحسب تيس ويلكنسون رايان، أستاذة القانون التي تدرس علم النفس المرتبط باتخاذ القرارات القانونية في جامعة بنسلفانيا.

وتقول: «يشعر الناس بسوء شديد تجاه ما حدث في تلك العلاقة، فيشعرون أساسًا بالخجل من الأمر، ولذلك لا يتحدثون عنه ولا يبلغون عنه».

وتضيف أن هذه الجرائم «موصومة اجتماعيًا، لأن شيئًا سيئًا لم يحدث لك فحسب، بل إنك سمحت له بأن يحدث. وهناك نوع من الضعف يرتبط بهذا الأمر».

البحث عن الطرف الذي يستحق اللوم

ترى ويلكنسون رايان أن علم النفس المرتبط بالشعور بالتعرض للخداع له تداعيات على مفاوضات العقود، وتسويات الطلاق، وغيرها من المجالات القانونية التي يرى فيها أحد الطرفين أن الطرف الآخر يحاول استغلاله بصورة غير عادلة.

وقد ناقشت هذا الموضوع في مقال نشر عام 2025 في Annual Review of Law and Social Science.

وتدرس ويلكنسون رايان وغيرها عملية اتخاذ القرارات القانونية من خلال تجنيد أشخاص من عامة الجمهور وطلب تقييمهم لسيناريوهات قانونية واقعية.

وربما ليس من المستغرب أن تكشف إحدى النتائج المتكررة عن استعداد واضح لمعاقبة الشخص الذي ارتكب المخالفة.

ففي إحدى الدراسات، طلبت ويلكنسون رايان وزميل لها من المشاركين تقييم مدى عدالة مقترحات تتعلق بتقسيم الممتلكات بعد الطلاق.

وأُبلغ المشاركون بأن الطرف المسؤول عن انهيار الزواج لا علاقة له بالقرار، وهو ما يتوافق عادة مع القوانين المعمول بها في الولايات المختلفة.

ومع ذلك، اعتبر المشاركون المقترحات التي قدمها الزوج أو الزوجة الذي خان شريكه أقل معقولية من المقترحات نفسها عندما جاءت من شريك لم يرتكب الخيانة.

وفي الوقت نفسه، اكتشف الباحثون ميلًا آخر يتمثل في تحميل الضحية المسؤولية عما حدث لها.

ففي دراسة أجريت عام 2014، طلبت ويلكنسون رايان من المشاركين تحديد الطرف المسؤول في سيناريو افتراضي اشترى فيه شخص بطاقة ائتمان تتضمن اتفاقية تحتوي على شروط غير عادلة مدفونة في التفاصيل المكتوبة بخط صغير.

قال معظم المشاركين إن العميل هو المسؤول، لأنه كان ينبغي له قراءة العقد بمزيد من التمعن، رغم أن كثيرًا منهم قالوا في الوقت نفسه إنه من غير المعقول أن يُتوقع من شخص أن يعثر على شرط غير عادل مخبأ داخل عقد طويل.

وتقول ويلكنسون رايان إن النتيجة هي أن المستهلكين نادرًا ما يعترضون على العقود التي تتضمن شروطًا سيئة، حتى عندما تكون هناك احتمالات قوية بألا تصمد هذه الشروط أمام القضاء.

وعلى نطاق أوسع، يمكن لعلم النفس المرتبط بالخوف من أن يكون المرء مخدوعًا أن يؤثر في السياسات العامة، وليس بالضرورة بطريقة إيجابية.

فعلى سبيل المثال، يفترض أن يكون الهدف من التحقق من استيفاء المستفيدين من برامج الرعاية الاجتماعية لشروط الدخل هو منع الأشخاص من استغلال هذه البرامج بصورة غير عادلة.

وتقول ويلكنسون رايان إن منع الاحتيال من هذا النوع سياسة جيدة. لكن عندما تصبح إجراءات اكتشاف الغش ومكافحته أكثر تكلفة من الغش نفسه، فإنها تبدأ في العمل ضد المصلحة العامة بدلًا من حمايتها.

كما يمكن للسياسيين توظيف الخوف من التعرض للخداع واستخدامه سلاحًا سياسيًا، بحسب ما تكتب ويلكنسون رايان في كتابها الصادر عام 2023 بعنوان Fool Proof.

وقد استخدم السياسيون منذ فترة طويلة خطابًا يقوم على فكرة أن شخصًا ما يخدعنا أو يستغلنا من أجل إثارة المشاعر والتأثير في الرأي العام.

وقد كرر الرئيس دونالد ترامب هذا النوع من الخطاب مرارًا لإثارة حماس قاعدته السياسية، متحدثًا عن تعرض الأمريكيين للاستغلال من جانب المهاجرين، والبرامج الحكومية التي تهدر الأموال، وقائمة متغيرة باستمرار من الدول الأجنبية.

ويقول دي دريو إن هذا الخطاب «يخاطب دافعًا إنسانيًا أساسيًا وعميقًا جدًا، يتمثل في ألا نتخلف عن الآخرين وألا نسمح لأحد بأن يخدعنا أو يستغلنا».

ويضيف: «وهذا يجعله محفزًا جدًا على الفعل».

كما أن هذا الخطاب فعال جدًا في تجاوز مشاعر التعاطف والرحمة التي قد تدفع الناس في الظروف العادية إلى التصرف بصورة مختلفة، بحسب ويلكنسون رايان.

وتقول: «أعتقد أنك ترى هذا الأمر كثيرًا في النقاشات المتعلقة بالهجرة».

فالأشخاص الذين يأتون إلى الولايات المتحدة بحثًا عن اللجوء لأسباب إنسانية أو عن فرص اقتصادية أفضل يعاد تقديمهم في الخطاب السياسي على أنهم مجرمون جاءوا لسرقة الوظائف من الأمريكيين.

وتقول: «إنه يقوض نزعات أعتقد أننا نقدرها في أنفسنا في الظروف العادية».

فكيف يمكننا إذن التعامل مع هذا المزيج المعقد من المشاعر المرتبطة بالخوف من الوقوع في فخ الخداع، في عالم يبدو فيه الاحتيال حاضرًا في كل مكان من حولنا؟

ترى ديليما، التي تركز أبحاثها حاليًا على التدخلات التي يمكن أن تمنع الناس من الوقوع ضحايا لعمليات الاحتيال، أن الحذر أمر منطقي تمامًا.

وتقول: «هناك محتال يناسب كل شخص».

وتضيف: «هل تظن أنك محصن ضد عمليات الاحتيال؟ أنت لم تصادف بعد عملية الاحتيال المصممة خصيصًا لخداعك».

لكن ويلكنسون رايان تحث الناس في الوقت نفسه على التفكير في الثمن الذي قد يدفعونه عندما يصبحون شديدي الحذر.

وتقول إن الشك الصحي والمعقول أمر منطقي تمامًا، لكنها تضيف: «إنها مجرد نصيحة يتعلمها الناس بصورة مبالغ فيها، ثم ينقلونها إلى مجالات أخرى، فتبدأ في استنزاف ما كان يمكن أن يكون التزامات اجتماعية وأخلاقية معقولة ومدروسة تمامًا».

وترى ويلكنسون رايان أنه لو أخذ الناس وقتًا للتفكير في الأمر، فقد يكتشفون أن التجربة التي يحرمون أنفسهم منها أهم من الاحتمال الضئيل بأن يكون أحدهم قد استغلهم.

وتعود إلى السؤال الأوسع الذي يلخص هذه المعضلة كلها:

«ما التجارب الإنسانية المهمة التي نفقدها لأن الناس يخافون من التعرض للخداع؟»

المصدر

مقالات ذات صلة