القائمة الرئيسية

أهمية اللعب بين الوالدين والأطفال

أهمية اللعب بين الوالدين والأطفال
ملخص المقال

أصبحت الأبوة والأمومة أكثر تشاركًا بين الوالدين، لكن الحضور الرقمي للهواتف الذكية بات يهدد جودة التفاعل المباشر مع الأطفال، ما يجعل استعادة اللحظات المرحة أكثر أهمية. فاللعب والمرح لا يقتصران على الترفيه، بل يمثلان حالة ذهنية تتسم بالإبداع والخيال والمرونة والفكاهة، ويمكن أن تظهر في اللعب الجسدي أو الأحاديث اليومية أو أثناء تناول الطعام والتنقل، وتدعم نمو الطفل المعرفي والاجتماعي والانفعالي، وتعزز الثقة وتنظيم المشاعر وأمان التعلق. كما أن فوائدها تمتد إلى الوالدين، إذ ترتبط بزيادة الشعور بالكفاءة ومعنى الحياة والسعادة، بينما تبدو جودة التفاعل أهم من مقدار الوقت الذي يقضيه الوالدان مع أطفالهما. ولا يقتصر المرح على الآباء، رغم الصورة النمطية التي تجعلهم «الطرف المرح» في الأسرة، إذ تتشابه الأمهات والآباء في كثير من أساليب اللعب وإضحاك الأطفال، مع وجود مؤشرات على أن قدرة الأب على إقامة علاقة مرحة مع طفله قد ترتبط بصورة خاصة بأمان التعلق بينهما. وفي ظل تزايد المشتتات الرقمية، يصبح الحضور الكامل مع الطفل واللجوء إلى التفاعل المرح وسيلة بسيطة لكنها مؤثرة لبناء الثقة والإبداع والقدرة على تنظيم المشاعر، وتعزيز رفاه الأطفال والوالدين معًا.

تختلف الأبوة والأمومة اليوم اختلافًا جذريًا عما كانت عليه قبل 50 عامًا. فقد أعادت المشاركة المتزايدة باطراد للنساء في سوق العمل، إلى جانب انخراط الآباء بصورة أكبر في الروتين اليومي للأسرة.

وارتفعت نسبة الآباء الذين يقدمون الرعاية لأطفالهم من نحو 30 في المئة إلى 50 في المئة خلال فترة امتدت 30 عامًا، بينما يساهم الآباء في المتوسط بأكثر من أربع ساعات من الرعاية يوميًا، وفقًا لتعداد عام 2022.

وفي الوقت نفسه، أصبحت تربية الأطفال تتشكل بصورة متزايدة بفعل الحضور الطاغي للهواتف الذكية، وهو ما يُعرف باسم «التداخل التقني»، أي التأثير المربك للتكنولوجيا في العلاقات الاجتماعية.

وفي وقت تتدخل فيه المشتتات الرقمية بصورة متزايدة في الروابط التي تجمع الآباء بأطفالهم، يصبح إدراك القيمة النمائية للتفاعلات المرحة أمرًا مهمًا.

حاضرون جسديًا، منشغلون بالهواتف

تشير الأدلة الحديثة إلى أنه حتى عندما يكون الآباء حاضرِين جسديًا مع أطفالهم، فإن جزءًا كبيرًا من ذلك الوقت يُقضى على الهواتف الذكية. فعلى سبيل المثال، وجدت دراسة أجريت في الولايات المتحدة أنه مقابل كل ساعة يقضيها آباء الرضع مع أطفالهم، كانوا يقضون نحو 16 دقيقة منها على هواتفهم.

وتناول تقرير كندي صدر عام 2025 هذه المسألة إلى جانب أبحاث حديثة أخرى، وشدد على أهمية الحفاظ على التفاعل اليومي بعيدًا عن المشتتات الرقمية.

وقد جددت هذه التغيرات الاجتماعية والتكنولوجية الاهتمام البحثي بتربية الأطفال، ولا سيما بجودة التفاعلات المباشرة مع الأطفال. كما اتسع مفهوم الأبوة والأمومة، ولم يعد مقيدًا بالنظرة التي تتمحور حول الأم، والتي كانت تنظر إلى الأمهات باعتبارهن الطرف الذي يتولى بصورة حصرية دور الرعاية وتوفير الراحة.

وبدلًا من ذلك، أصبحت تربية الأطفال تعكس مشاركة كلا الوالدين بنشاط في أنشطة رعاية الأطفال وتنشئتهم. وقد شجع ذلك الباحثين على دراسة مجموعة أوسع من السلوكيات الوالدية، بما في ذلك المرح الذي يبديه الوالدان.

لحظات من المرح

قد يتساءل المرء لماذا ينبغي أن نهتم باللعب إذا كان يُنظر إليه على أنه مجرد وسيلة للترفيه، أو يُعتقد أنه يصرف الأطفال عن الأمور المهمة، مثل تعلم الأبجدية.

ومنذ اعتماد اتفاقية حقوق الطفل عام 1989، أصبح الوصول إلى اللعب والترفيه معترفًا به بوصفه حقًا أساسيًا من حقوق الأطفال، وحقًا ذا أهمية في حد ذاته. والأهم من ذلك أن اللعب يؤدي دورًا بالغ الأهمية في جوانب عديدة من نمو الطفل وتطوره.

وقد تشمل اللحظات المرحة التي يتشاركها الآباء مع أطفالهم التفاعلات الجسدية التي تتسم بالمصارعة والمداعبة، أو مشاركة الأطفال في أناشيد الأطفال المصحوبة بإيماءات يدوية مرحة، مثل أغنية «العنكبوت الصغير جدًا»، وهي أنشطة يمكن أن تجذب انتباه الأطفال، وتدفعهم إلى الضحك، وتعزز العلاقات، فضلًا عن تطور اللغة.

ومع ذلك، من المهم فهم أن «مرح الوالدين» لا يقتصر على اللعب الجسدي.

ويشير «مرح الوالدين» إلى الاستخدام العفوي من جانب الوالد للسلوكيات الجسدية والمعرفية والاجتماعية، التي تتسم بالإبداع والفرح والخيال والفكاهة أثناء التفاعلات بين الطفل ووالديه.

إنه حالة ذهنية يمكن التعبير عنها في مجموعة متنوعة من السياقات، مثل أثناء تناول وجبة عائلية، أو خلال ركوب السيارة، أو في التفاعلات اليومية الأخرى التي يتشاركها الآباء مع أطفالهم. فالوالد المرح يفكر بمرونة، ويخاطر بالأفكار، ويسمح للأفكار الإبداعية أو الجديدة بالظهور.

وتشير الأدلة المتزايدة إلى أن هذه التبادلات المرحة ترتبط بالتطور المعرفي والاجتماعي والانفعالي، وكذلك بأمان التعلق بين الطفل ووالديه. ومع ذلك، لا يمتلك الآباء دائمًا الطاقة أو الموارد أو الاستعداد العاطفي للمشاركة في اللعب، ولا سيما عندما تواجه الأسر صعوبات اجتماعية واقتصادية أو أشكالًا أخرى من الشدائد.

مرح الوالدين بوصفه حالة ذهنية

عندما يكون الوالدان في حالة ذهنية مرحة، فإن ذلك يبعث برسالة قوية إلى الطفل مفادها أن والديه يستمتعان بالتفاعل معه.

كما توفر التفاعلات المرحة سياقًا مثاليًا لتشجيع الطفل على التفكير بطريقة مختلفة، أي على الإبداع، وتطوير الثقة بالآخرين، مثل معرفة أن الوالد لن يؤذيه أثناء اللعب الجسدي الذي يتضمن المصارعة والمداعبة، وتنظيم المشاعر الشديدة خلال فترات الإثارة والحماس الكبيرين.

حتى «نكات الآباء» الشهيرة يمكن أن تؤدي دورًا مهمًا في نمو الطفل، من خلال إظهار أن بإمكان الأطفال تجاوز لحظات الإحراج والخجل العابرة. ويمكن أن تصبح هذه وسيلة قيّمة عند التعامل مع المشاعر المرتبطة بالوعي بالذات، والتي تصبح حاضرة بصورة خاصة خلال مرحلة المراهقة.

والأهم أن فوائد التفاعلات المرحة بين الوالدين والأطفال لا تقتصر على الأطفال، بل تمتد أيضًا إلى الوالدين.

وأظهرت أبحاث قادها باحثا علم النفس أنات شوشاني وشخار يعاري أن التفاعل مع أطفالنا بطريقة مرحة يمكن أن يعزز شعور الوالدين بالكفاءة، والإحساس بمعنى الحياة، والسعادة أيضًا. ويبدو أن جودة التفاعلات المرحة بين الوالدين والأطفال أهم من مقدار الوقت الذي يقضيه الوالدان مع أطفالهم في أنشطة الترفيه والرعاية والأنشطة العائلية.

هل يقتصر الأمر على الآباء؟

ترتبط الصور النمطية المرتبطة بالنوع الاجتماعي أحيانًا بالآباء بصورة أساسية، باعتبارهم «الطرف المرح» في الأسرة.

ومن المهم الإشارة إلى أنه رغم أن الآباء يخصصون نسبة أكبر من وقت رعايتهم للعب، فإن الأمهات يقضين في المتوسط وقتًا أطول بكثير مع الطفل، وفي نهاية المطاف يخصصن للعب مع الطفل قدرًا من الوقت يماثل ما يخصصه الآباء، إن لم يكن أكبر منه.

وقد يفسر ذلك جزئيًا سبب عدم اختلاف الأمهات والآباء، خلافًا للصورة التقليدية، اختلافًا حقيقيًا في مجموعة السلوكيات التي يستخدمونها أثناء اللعب، أو في الجهد الذي يبذلونه لإمتاع الطفل.

وفي دراسة حديثة، طلبنا من الآباء أن يجعلوا أطفالهم يضحكون. ولاحظنا أن أكثر الطرق فاعلية في استثارة الضحك كانت واحدة لدى الآباء والأمهات، وهي دغدغتهم. وهذه أيضًا سلوك تستخدمه أمهات الشمبانزي لإضحاك صغارها. وقد ضحك الأطفال بالقدر نفسه مع كلا الوالدين.

وعلى الرغم من أوجه التشابه هذه، برز اختلاف لافت، إذ ارتبطت القدرة على إضحاك الطفل بأمان التعلق فقط في العلاقات الثنائية بين الأب والطفل. ويشير مصطلح «الثنائية» إلى وحدة تتكون من فردين تجمعهما علاقة مهمة، ويُستخدم للتأكيد على مدى الترابط بينهما وبين الديناميكيات التي تحكم علاقتهما.

وقد يشير ذلك إلى أن قدرة الأب على إقامة علاقة مرحة مع طفله قد تكون عاملًا حاسمًا في تعزيز رابطة آمنة بينهما، في حين تتفاعل الأمهات عادة مع الأطفال في مجموعة أكبر وأكثر تنوعًا من السياقات، مثل القيام بالأعمال المنزلية معًا أو اتباع روتين وقت النوم، وهي كلها أنشطة قد تسهم في تعزيز أمان التعلق بين الأم والطفل والحفاظ عليه.

تعزيز الثقة والقدرة على الصمود

تظل التفاعلات بين الوالدين والأطفال واحدة من أهم العوامل المحركة لنمو الأطفال وتطورهم. وتعد التبادلات المرحة من أغنى هذه التفاعلات وأكثرها معنى، لأنها تخلق أجواء آمنة تعزز الثقة والإبداع وتنظيم المشاعر والتعلق الآمن.

وتوفر هذه اللقاءات المرحة دعمًا تدريجيًا لقدرات الأطفال الناشئة على التفكير خارج الأطر المعتادة، وتنظيم مشاعرهم، والتعامل مع العلاقات الاجتماعية بثقة وقدرة على الصمود.

وفي وقت تتدخل فيه المشتتات الرقمية بصورة متزايدة في الروابط التي تجمع الآباء بأطفالهم، يصبح إدراك القيمة النمائية للتفاعلات المرحة أمرًا مهمًا. إن اختيار الحضور الكامل مع الطفل يتيح للوالدين بناء تفاعلات تعزز الترابط، وتدعم رفاه الأطفال والوالدين على حد سواء.

المصدر

مقالات ذات صلة