القائمة الرئيسية

تُعد ادعاءات «النمو الأخضر» مبالغاً فيها، وتُظهر دراستنا ثلاثة أسباب تفسّر ذلك

تُعد ادعاءات «النمو الأخضر» مبالغاً فيها، وتُظهر دراستنا ثلاثة أسباب تفسّر ذلك
ملخص المقال

تُعدّ فكرة «النمو الأخضر» من أكثر المفاهيم طموحاً في السياسات البيئية، إذ تقوم على تحقيق الازدهار الاقتصادي دون الحاجة إلى زيادة مستمرة في استهلاك المواد الخام.

ملخص: يناقش المقال مفهوم «النمو الأخضر» الذي يفترض إمكانية تحقيق نمو اقتصادي مستمر مع تقليل استهلاك الموارد والانبعاثات، لكنه يشكك في واقعية هذا التصور بناءً على دراسة موسعة لبيانات تمتد لعقود وتشمل أكثر من 100 دولة. ورغم أن بعض الدول تُظهر ما يبدو أنه فصل بين النمو الاقتصادي واستهلاك الموارد، فإن التحليل الأعمق يشير إلى أن هذه الحالات استثنائية ومؤقتة وترتبط بظروف خاصة مثل الأزمات الاقتصادية أو تغيّرات الأسعار، وليس بتحول عالمي حقيقي في أنماط الإنتاج والاستهلاك. كما تُظهر البيانات طويلة المدى أن العلاقة بين الدخل واستخدام الموارد ما تزال تصاعدية في معظم الحالات، وأن الانخفاض الظاهر حديثًا قد يكون مجرد تقلب زمني وليس اتجاهًا مستدامًا. ويخلص المقال إلى أن تحقيق الاستدامة يتطلب خفضًا مطلقًا لاستهلاك الموارد في الدول ذات الاستهلاك المرتفع، وليس مجرد تحسين نسبي، مع التأكيد على أهمية قياس الواقع البيئي بصدق وعلى مدى زمني طويل بعيدًا عن التفاؤل المبالغ فيه في سرديات النمو الأخضر.

تُعدّ فكرة «النمو الأخضر» من أكثر المفاهيم طموحاً في السياسات البيئية، إذ تقوم على تحقيق الازدهار الاقتصادي دون الحاجة إلى زيادة مستمرة في استهلاك المواد الخام.

ويعتمد هذا التصور على فكرة «فصل» انبعاثات الطاقة عن النمو الاقتصادي، بحيث يمكن للدخل أن يرتفع في الوقت الذي يتراجع فيه الضغط على البيئة. وبعض الدول في الاقتصاد العالمي تبدو وكأنها تتحرك في هذا الاتجاه.

لكن هذه الصورة الإيجابية قد تكون مضللة. فالدراسة الجديدة التي أجريناها، والتي تغطي فترة طويلة تمتد إلى خمسين عاماً في أكثر من مئة دولة، إضافة إلى دراسة أعمق للاقتصاد البريطاني تمتد لأكثر من مئة وخمسين عاماً، تقدم نتائج أقل طمأنينة بكثير.

اعتمدنا في تحليلنا على أحدث البيانات الخاصة بما يُعرف باسم «البصمة المادية»، وهو مقياس يشمل كل ما يستهلكه البلد فعلياً، بما في ذلك الموارد المستخرجة خارج حدوده لإنتاج وارداته. وفي البداية، بدت النتائج مشجعة، إذ يظهر أن 25 دولة حققت نمواً مفصولاً عن استهلاك الموارد، من بينها المملكة المتحدة. فالناتج المحلي الإجمالي لديها يواصل الارتفاع، بينما يميل استخدام الموارد إلى الانخفاض.

لكن عند التدقيق، يتضح أن هذه الادعاءات مبالغ فيها لثلاثة أسباب رئيسية، وهو ما لا يعني أن النمو الأخضر مستحيل، بل يشير إلى أن الأدلة تُقدَّم أحياناً بصورة أكثر تفاؤلاً من الواقع.

أولاً: انخفاض استهلاك الموارد غير كافٍ

لا تزال الاقتصادات بعيدة عن الوصول إلى الحدود الآمنة لاستخدام الموارد. ويمكن تبسيط الفكرة بمثال: تخيل أنك مدين بخمسين ألف جنيه على بطاقات الائتمان. في العام الماضي زاد دينك بمقدار خمسة آلاف، وفي هذا العام زاد بأربعة آلاف فقط. أنت تتحسن فعلاً، لكنك لا تزال تغرق في الديون، بل وتغرق من مستوى عميق أصلاً.

وقد قدّر الباحثون أن الحصة العادلة للفرد من الموارد العالمية ينبغي أن تتراوح بين ستة وثمانية أطنان سنوياً. بينما يتجاوز استهلاك المملكة المتحدة حالياً هذا النطاق بأكثر من الضعف. وتقع دول مثل إسبانيا وألمانيا وبلجيكا في النطاق نفسه تقريباً. ورغم أن منحنيات الاستهلاك فيها بدأت بالانخفاض، فإنها ما تزال عند مستويات مرتفعة تجعل من المبكر اعتبارها قصص نجاح حقيقية. وفي المقابل، تظهر دول مثل كوبا والصومال، إلى جانب عدد كبير من الدول منخفضة ومتوسطة الدخل، ضمن نطاق الاستدامة، لكنها عند مستويات دخل أقل بكثير.

ثانياً: لا يوجد تحول عالمي واضح

الصورة العامة عبر 105 دول لا تُظهر أي نقطة انعطاف حقيقية. فكلما ازدادت الدول ثراءً مع مرور الوقت، يزداد استهلاك الموارد لديها، خاصة عند مستويات الدخل الأعلى.

وعند تكرار التحليل سنوياً منذ عام 1970 وحتى اليوم، يظهر النمط نفسه مجدداً، وهو ارتفاع مستمر يميل إلى الصعود. أما الانخفاض الموعود فلا يظهر فعلياً.

وهذا يشير إلى أن الدول الخمس والعشرين التي يُنظر إليها على أنها حالات نجاح ليست سوى استثناءات، وليست مؤشراً على نمط يمكن لبقية الدول اتباعه مع النمو. فهي ليست نماذج على الطريق الذي يجب أن تسلكه الدول الأخرى، بقدر ما هي حالات خاصة قد تتجنبها دول أخرى.

كما أن أسباب هذه «النجاحات» متعددة وليست موحدة. فالانخفاض في الاستهلاك داخل أوروبا يرتبط إلى حد كبير بالأزمة المالية في عام 2008 وما تبعها من انهيار في قطاع الإسكان، وليس نتيجة ثورة تكنولوجية هادئة.

وبعض الدول المصدّرة للمواد الخام تبدو أكثر «خضرة» لأن ارتفاع أسعار السلع رفع الناتج المحلي الإجمالي لديها، في حين بقي نشاط البناء المحلي مستقراً. أما كوبا فقد حافظت على مستويات منخفضة من استهلاك الموارد رغم ارتفاع نصيب الفرد من الناتج، وذلك عبر عقود من الزراعة البيئية والزراعة الحضرية.

وبشكل عام، لا تعكس هذه الحالات مساراً عالمياً متدرجاً نحو إنتاج أنظف كما تفترض سرديات النمو الأخضر، بل تعود إلى ظروف تاريخية مختلفة مثل الأزمات الاقتصادية، وانكماش قطاع الإسكان، وتأثيرات الأسعار، وقرارات سياسية محددة، وليس إلى تحول عالمي شامل في أساليب الإنتاج.

ثالثاً: التراجع الحالي قد يكون مجرد تقلب مؤقت

المشكلة الثالثة تتعلق بالزمن. فبيانات «البصمة المادية» المباشرة لا تعود إلا إلى عام 1970. أما بريطانيا فلديها بيانات تاريخية غنية عن استخدام الموارد والتجارة والاستهلاك والاستثمار، وقد استخدمناها لإعادة بناء البصمة المادية البريطانية حتى عام 1875. وعند النظر إلى هذه السلسلة الزمنية الطويلة، يختفي الانحناء الهابط الأنيق الذي يظهر إذا بدأنا التحليل من عام 1990.

وعلى امتداد ما يقرب من قرن ونصف، تبقى العلاقة بين الدخل في بريطانيا واستخدام الموارد علاقة تصاعدية شبه مستقيمة. أي أن الانخفاض الحالي سبق أن حدث في فترات سابقة، وقد لا يكون سوى مرحلة مؤقتة ضمن مسار طويل من النمو المرتبط بزيادة استهلاك الموارد.

ولا يعني ذلك أن الدول الغنية لم تبذل جهوداً حقيقية. فهناك بالفعل سياسات وتدخلات أحدثت تحسناً، كما أن الاتجاهات الحديثة في الرسوم البيانية تسير في الاتجاه الصحيح. لكن السؤال المطروح هو ما إذا كانت هذه التحسينات مجرد تذبذبات مؤقتة وليست تحولات جذرية، وما إذا كانت كافية لدفع الدول إلى ما دون الحدود الآمنة، أو صالحة كنماذج يمكن للدول الأخرى اتباعها.

ولتحقيق تقدم حقيقي، تحتاج الدول التي يستهلك سكانها أكثر من حصتهم العادلة والمستدامة من الموارد العالمية، ومن بينها المملكة المتحدة، إلى خفض استهلاكها بشكل مطلق، وليس فقط إبطاء معدل الزيادة. وهذا ممكن بالفعل، إذ تُظهر بعض الدول مثل كوبا والصومال أنها نجحت في تقليل استهلاك الموارد حتى مع ارتفاع الدخل، وضمن حدود الاستدامة.

وتختلف الطرق التي تحقق بها هذه الدول ذلك، وهي تستحق دراسة أعمق، لكنها تثبت أن الهدف ليس مستحيلاً. والطريق إلى الأمام يتطلب قياس النمو واستخدام الموارد بصدق، وعلى مدى زمني طويل، وبمقارنتها بحدود واقعية لا يمكن تجاوزها.

المصدر

مقالات ذات صلة