القائمة الرئيسية

جيل قصر النظر

جيل قصر النظر
ملخص المقال

المقال يناقش الانتشار المتسارع لقصر النظر بين الأطفال والمراهقين حول العالم، مع التركيز على آسيا والولايات المتحدة، موضحًا أن الوراثة وحدها لا تفسر هذه الظاهرة، بل تلعب العوامل البيئية الحديثة مثل كثرة العمل القريب من العين وقلة الوقت في الهواء الطلق دورًا كبيرًا. تسلط الكاتبة سارة تشانغ الضوء على جهود الباحثة ماريا ليو في جامعة بيركلي، التي أسست أول عيادة أمريكية لعلاجات السيطرة على قصر النظر، باستخدام عدسات OrthoK، والعدسات متعددة البؤر، وقطرات الأتروبين لإبطاء نمو مقلة العين لدى الأطفال، ما يقلل مخاطر المضاعفات المستقبلية. رغم أن هذه العلاجات فعّالة، إلا أنها باهظة التكلفة وتقتصر على فئات محددة، وتواجه تحديات تنظيمية قبل موافقة إدارة الغذاء والدواء الأمريكية. كما يشير المقال إلى أن هذه المشكلة الصحية الحديثة هي نتيجة تعايش البشر مع بيئة حياتية مخالفة لتكوينهم البيولوجي، وأن معالجة قصر النظر تتطلب الجمع بين العلم والوعي بالعادات اليومية مثل الحد من الشاشات وزيادة الأنشطة الخارجية.

بقلم سارة تشانغ

بعد عقد من عملها في مجال البصريات، بدأت مارينا سو تلاحظ شيئًا غير عادي بشأن الأطفال في عيادتها في مدينة نيويورك، فقد كان أكثرهم يحتاج إلى لبس نظارات في أعمار صغيرة جدًّا. كان للعديد من هؤلاء الأطفال آباء يتمتعون برؤية مثالية وكانوا محتارين بسبب تراجع بصر أطفالهم. ولم تتمكن سو من تفسير ذلك أيضًا.

تعلمَت في أثناء دراستها تخصص البصريات -كما كانت الكتب المدرسية الأمريكية تدرس لعقود من الزمن- أن قصر النظر حالة وراثية. فمعاناة أحد الوالدين من قصر النظر يضاعف احتمالات حاجة الطفل إلى النظارات. ووجود والدين يعانيان من قصر النظر يضاعف الاحتمالات خمس مرات. على مر السنين، شخَّصت الكثير من الأطفال الذين لديهم آباء يعانون من قصر النظر. أخبرتني أن هؤلاء الآباء غالبًا ما يتنهدون ويقولون: أوه لا، ليس هم أيضًا. ولكن شيئًا ما كان يتغير، فقد أصبحت رؤية الأطفال فجأة أسوأ من والديهم. تتذكر سو أنها سألت نفسها عندما رأت المزيد والمزيد من المرضى الصغار الذين يعانون من ضعف البصر والذي لم يكن له سبب منطقي: “إذا كان الأمر يتعلق بالوراثة فقط، فلماذا يعاني هؤلاء الأطفال أيضًا من قصر النظر؟”

وما لاحظته في مكتبها في نيويورك قبل بضع سنوات كان يحدث في الواقع في أنحاء العالم جميعها. ففي شرق وجنوب شرق آسيا، حيث يعد هذا التحول أكبر، ارتفعت نسبة المراهقين والشباب الذين يعانون من قصر النظر من الربع تقريبًا إلى أكثر من 80% فيما يزيد قليلًا عن نصف قرن. وفي الصين، ينتشر قصر النظر إلى درجة أنه أصبح مصدر قلق للأمن القومي؛ إذ تشعر المؤسسة العسكرية بالقلق إزاء تجنيد العدد الكافي من الطيارين ذوي الرؤية الحادة من بين سكان البلاد البالغ عددهم 1.4 مليار نسمة. ويبدو أن عمليات الإغلاق الوبائية الأخيرة جعلت بصر الأطفال الصينيين أسوأ.

رفض العديد من الخبراء لسنوات عديدة عدَّ ارتفاع معدلات قصر النظر في آسيا أمرًا خارج المألوف. فقد جادلوا أن الآسيويين لديهم استعداد وراثي لقصر النظر وتصيَّدوا الأخطاء في منهجية الدراسات التي أجريت هناك، لكن في النهاية أصبح من المستحيل إنكار نطاق المشكلة وسرعة التغيير.

في الولايات المتحدة، كان 42% من الأشخاص الذين تتراوح أعمارهم بين 12 إلى 54 عامًا يعانون من قصر النظر في أوائل العقد الأول من القرن الحادي والعشرين -وهي المرة الأخيرة التي أُجرِيَ فيها مسح وطني لقصر النظر– من ربع في السبعينيات. وعلى الرغم من عدم توفر دراسات استقصائية حديثة واسعة النطاق، عندما سألت أطباء العيون في أنحاء الولايات المتحدة جميعها عما إذا كانوا يرون المزيد من الأطفال الذين يعانون من قصر النظر، كانت الإجابات: “بالتأكيد”، “نعم” “بلا شك”.

وفي أوروبا أيضًا، من المرجح أن يحتاج الشباب إلى نظارات للرؤية عن بعد أكثر من آبائهم أو أجدادهم الآن. وتتواجد في البلدان النامية في أفريقيا وأمريكا الجنوبية أدنى معدلات قصر النظر. ولكن بينما كان يُنظر إلى آسيا على أنها حالة شاذة، فإنها تعد الآن نذيرًا. وتشير إحدى الدراسات إلى أنه إذا استمرت الاتجاهات الحالية، فإن نصف سكان العالم سوف يعانون من قصر النظر بحلول عام 2050م.

إن نتائج هذه الاتجاهات أكثر خطورة من زيادة عدد الأطفال الذين يرتدون النظارات الطبية؛ إذ تكون العيون المصابة بقصر النظر عرضة لمشاكل خطيرة، مثل الجلوكوما وانفصال الشبكية في منتصف العمر، وهي حالات يمكن أن تسبب بدورها العمى الدائم. تبدأ المخاطر صغيرة ولكنها ترتفع بشكل كبير مع زيادة الوصفات الطبية. فكلما بدأ قصر النظر في سن مبكرة، كانت التوقعات أسوأ. عام 2019م، شكلت الأكاديمية الأمريكية لطب العيون فريق عمل لعدِّ قصر النظر مشكلة صحية عالمية عاجلة. وكما قال لي مايكل ريبكا، أستاذ طب العيون في جامعة جونز هوبكنز والمدير الطبي للشؤون الحكومية في الأكاديمية الأمريكية لطب العيون: “إنك تحاول تجنب وباء العمى الذي سيستمر عقودًا من الزمن”.

قد يبدو سبب هذا التدهور الملحوظ في رؤيتنا واضحًا، فما عليك سوى أن تنظر حولك لترى عددًا لا يحصى من الأطفال المنشغلين بالهواتف والأجهزة اللوحية وأجهزة الكمبيوتر المحمولة. ولن تكون أول من يستنتج أن التحديق في شيء ما على بعد بوصات قليلة من عينك يضر بالرؤية عن بعد. قبل أربعة قرون، ألقى عالم الفلك الألماني يوهانس كيبلر اللوم في ضعف بصره جزئيًّا على الوقت كله الذي قضاه في الدراسة. وتاريخيًّا، وجد الأطباء البريطانيون أن قصر النظر أكثر شيوعًا بين طلاب أكسفورد منه بين المجندين العسكريين، وفي مدارس المدن “الأكثر صرامة” مقارنة بالمدارس الريفية. حتى إن كتيب طب العيون الذي صدر في أواخر القرن التاسع عشر اقترح علاج قصر النظر بتغيير الهواء وتجنب كل عمل يستخدم فيه الشخص العينين- “الذهاب في رحلة بحرية إن أمكن”.

بحلول أوائل القرن العشرين، وجد الخبراء آراءهم حول فكرة أن قصر النظر سببه “العمل القريب من العينين”، والذي قد يشمل القراءة والكتابة، أو في هذه الأيام، مشاهدة التلفاز والتصفح عبر إنستغرام. وفي الصين، كان المسؤولون قلقين للغاية لدرجة أنهم اقترحوا تغييرات اجتماعية واسعة النطاق للحد من قصر النظر لدى الأطفال. فقد قُلِّلَت الاختبارات الكتابية قبل الصف الثالث، كما قُيِّدَت ألعاب الفيديو. وبحسب ما ورد ثبَّتت إحدى المدارس الابتدائية قضبانًا معدنية على مكاتبها لمنع الأطفال من الانحناء لأداء واجباتهم المدرسية بشكل قريب.

ووفقًا للمنطق، فقضاء الكثير من الوقت في التدقيق في النصوص أو الصور أمامك مباشرة، سيسبب لعينيك قصر النظر. تقول لياندرا يونج، أخصائية البصريات في منطقة الخليج: “منذ زمن طويل، كان البشر صيادين وجامعي ثمار”. لقد اعتمدنا على رؤيتنا البعيدة الحادة لتتبع الفريسة والعثور على الفاكهة الناضجة، أما الآن، فحياتنا قريبة وفي الأماكن الداخلية؛ “إذ نستخدم خدمة Uber Eats للحصول على طعامنا”.

يوجد شيء ما في الحياة الحديثة يدمر قدرتنا على الرؤية بعيدًا، ولكن ماذا؟

هذا تفسير بديهي وممتع، ولكن كان من الصعب إثباته. يقول توماس ألير، طبيب العيون في سان برونو، كاليفورنيا: “مقابل كل دراسة تُظهِر تأثير العمل القريب على قصر النظر، توجد دراسة أخرى لا تُظهِر ذلك”. فلا يبدو أن عدد الساعات التي تقضيها أمام الكتاب أو الشاشة يفسر بداية أو تطور قصر النظر.

وقد سارع عدد من النظريات لملء هذا الفراغ المحير. وقد تكون البيانات الواردة في الدراسات خاطئة، إذ لم يسجل المشاركون ساعات عملهم القريبة بدقة. وقد تكون المدة الإجمالية للعمل القريب من العينين أقل أهمية من تقسيمه على فترات متقطعة. وقد لا يكون العمل نفسه هو الذي يدمر العيون، بل إنه يحرم الأطفال من الوقت الذي قد يستطيعون قضاءه في الهواء الطلق. وينقسم العلماء الذين يناقشون أهمية الهواء الطلق إلى قسمين: أولئك الذين يعتقدون أن ضوء الشمس الساطع يعزز نمو العين السليم مقابل أولئك الذين يعتقدون أن المساحات المفتوحة الواسعة هي التي تقوم بذلك.

يوجد شيء ما في الحياة الحديثة يدمر قدرتنا على الرؤية بعيدًا، ولكن ماذا؟

سوف يغرقك طرح هذا السؤال في متاهة من المنافسات العلمية، وهو ما حدث عندما سألت كريستين وايلدسوت، أستاذة البصريات في جامعة كاليفورنيا في بيركلي، عن المعقولية البيولوجية لنظريات قصر النظر هذه. على مدار ساعتين، توقفت مرارًا وتكرارًا لتشير إلى أن الجزء التالي من النظريات كان مثيرًا للجدل. وقالت مرة: “لست متأكدة من الجدل الذي نحن بصدده”. (كانت في النظرية 4، ولا تزال توجد ثلاث نظريات أخرى). لكنها لاحظت أيضًا أن هذه النظريات هي في الأساس وجهان لعملة واحدة: أي شخص يقوم بالكثير من العمل القريب من العين لا يقضي أيضًا الكثير من الوقت في الخارج. مهما كانت النظرية صحيحة، يمكنك استخلاص الاستنتاج العملي نفسه حول ما هو الأفضل لبصر الأطفال، وهو قضاء وقت أقل أمام الشاشات، ومزيد من الوقت لممارسة الأنشطة الخارجية.

لقد تجاوز العلماء الآن الافتراض الخاطئ أن قصر النظر أمر وراثي بحت. وترسخت هذه الفكرة في الستينيات، عندما أظهرت الدراسات التي أجريت على التوائم أن التوائم المتطابقة لديها أنماط مماثلة من قصر النظر أكثر من التوائم غير المتطابقة، واستمرت في العالم الأكاديمي عقودًا من الزمن. يلعب الحمض النووي بالفعل دورًا في قصر النظر، ولكن العامل الصعب هنا هو أن التوائم المتطابقة لا تشترك في الجينات نفسها فحسب، فهي تتعرض للمحفزات البيئية نفسها أيضًا.

تساعد النظارات والعدسات اللاصقة وجراحة الليزر الأشخاص الذين يعانون من قصر النظر على الرؤية بشكل أفضل. ولكن لا شيء من هذه الإصلاحات يصحح المشكلة التشريحية الأساسية لقصر النظر. وفي حين أن العين السليمة تشبه الجرم السماوي تقريبًا، فإن العين التي تعاني من قصر النظر تشبه الزيتونة. ولإبطاء تطور قصر النظر، علينا أن نوقف استطالة مقلة العين.

وهو ما نعرف بالفعل كيفية القيام به؛ إذ توجد علاجات لإبطاء تطور قصر النظر- تسمى “السيطرة على قصر النظر” أو “إدارة قصر النظر”. ولكنها ليست معروفة على نطاق واسع في أمريكا.

على مدى العقدين الماضيين، اكتشف أطباء العيون -معظمهم في آسيا- أن العدسات الخاصة وقطرات العين يمكن أن تبطئ تطور قصر النظر لدى الأطفال. أخبرتني ماريا ليو، الباحثة في مجال قصر النظر والتي نشأت في بكين، أن اهتمامها بقصر النظر بدأ عندما كانت مراهقة، عندما بدأت تشاهد زملاء الدراسة في مدرستها للأطفال الموهوبين وهم يلبسون النظارات واحدًا تلو الآخر. وفي هذه البيئة الأكاديمية شديدة التنافسية، تتذكر أنها كانت منذ الساعة 6:30 صباحًا حتى الساعة 10 مساءً تقوم بواجباتها المدرسية، ذلك كله في الداخل. وبحلول الوقت الذي أنهت فيه دراستها الجامعية، كان زملاؤها الطلاب جميعهم تقريبًا بحاجة إلى نظارات، وقد احتاجت هي أيضًا إلى ذلك.

وبعد سنوات، عندما بدأت برنامج التخصص في طب العيون في الصين، التقت بالعديد من المرضى الشباب الذين يرتدون عدسات تقويم القرنية -المعروفة أيضًا باسم OrthoK- وهي نوع من العدسات اللاصقة الليلية التي تغير مؤقتًا طريقة دخول الضوء إلى العين عن طريق إعادة تشكيل الطبقة الأمامية الواضحة لمقلة العين، وبالتالي تحسين الرؤية خلال النهار. لاحظت ليو، من خلال القصص المتناقلة، أن أولئك الذين يرتدون عدسات OrthoK يتمتعون برؤية أفضل في المستقبل من أولئك الذين يرتدون النظارات. هل يمكن لاستخدام العدسات على المدى الطويل أن يمنع بطريقة أو بأخرى استطالة العين، وبالتالي يعيق تطور قصر النظر؟ تبين أن العلماء والأطباء الآخرين في أنحاء آسيا جميعها لاحظوا الأمر نفسه. وعام 2004م، أكدت دراسة عشوائية أجريت في هونج كونج على عدسات OrthoK نظرية ليو.

بحلول ذلك الوقت، كانت ليو قد انتقلت إلى الولايات المتحدة، وبدأت برنامج الدكتوراه في علوم الرؤية في بيركلي لدراسة قصر النظر. وتتذكر أن زملاءها كانوا يتناولون موضوعات غريبة، مثل العلاج الجيني وزراعة الشبكية، وتساءلوا عن سبب دراستها “لشيء ممل للغاية”. وفي النهاية عملت في مختبر وايلدسوت، حيث بحثت في تطور قصر النظر لدى صغار عيون الكتاكيت.

يولد غالبية البشر ببعد النظر. تبدأ أعيننا قصيرة جدًّا، وتنمو في مرحلة الطفولة إلى الطول المناسب، ثم تتوقف عند طول معين. عُويرَت هذه العملية بدقة على مدى ملايين السنين من التطور. ولكن عندما لا تتطابق الإشارات البيئية مع ما تطورت العين لتتوقعه -سواء كان ذلك بسبب كثرة العمل القريب من العين، أو عدم قضاء وقت كافٍ في الهواء الطلق، أو الاثنين معًا، أو عامل آخر- فإن العين تستمر في النمو. وهذه العملية لا رجعة فيها. وقالت ليو: “لا يمكنك جعل مقلة العين الطويلة أقصر”. ولكن يمكنك إيقاف النمو عن طريق التصدي لهذه الإشارات الخاطئة، وهذا ما تقوم به علاجات السيطرة على قصر النظر.

وعندما أصبحت ليو أستاذة في جامعة بيركلي بعد حصولها على درجة الدكتوراه، بدأت تدرس فكرة إنشاء عيادة لعلاجات السيطرة على قصر النظر -وهي الأولى في الولايات المتحدة- والتي يمكنها سد الفجوة بين البحث والممارسة. وبحلول ذلك الوقت، كانت تعلم أن العديد من الأطباء في الصين كانوا يستخدمون عدسات OrthoK بنجاح للسيطرة على قصر النظر.

وكانت إدارة الجامعة متشككة. فتقول ليو: إن المدير الطبي لم ير كيف ستفيد العيادة طلاب البصريات، أو كيف يمكن أن تجتذب عددًا كافيًا من المرضى لتكون جديرة بالاهتمام من الناحية المالية. لكن عام 2013، بدأت ليو إنشاء العيادة على أي حال بمفردها دون مساعدة. بدأت في رؤية المرضى أيام الأحد في غرف الامتحانات المستعارة دون أجر إضافي ودون التخلي عن أي من واجباتها التعليمية أو الطبية. وفي غضون أشهر، كان جدول أعمالها مزدحمًا. تعمل الآن عيادة بيركلي لعلاجات السيطرة على قصر النظر أربعة أيام في الأسبوع وتضم 1000 مريض، بعضهم يقود سياراته لساعات عبر ازدحام منطقة الخليج للوصول إلى هناك. وكانت ليو الوحيدة في الجامعة التي توقعت النجاح الهائل الذي حققته العيادة. أخبرني يونج، وهو أيضًا أستاذ مساعد في جامعة بيركلي، أن معرفة ليو بأحدث علاجات السيطرة على قصر النظر جعلتها تشعر وكأنها جاءت “من المستقبل”.

عندما وصلتُ إلى العيادة في الساعة الثامنة صباحًا من يوم السبت في الربيع الماضي -الوقت الذي كان فيه بقية الحرم الجامعي لا يزال هادئًا- كانت مزدحمة بالفعل بطلاب البصريات والمسجلين للتخصص الذين يعملون هناك كجزء من تدريبهم. كانت ليو، بقصر قامتها وشعرها الأنيق المموج، تتنقل في العيادة بكفاءة مخيفة. في إحدى اللحظات كانت تفحص عَيْنَيْ شخص ما، وفي اللحظة التالية كانت تتحدث إلى والدَيْ أحد الأشخاص الذي لم تصله شحنة عدساته، وفي اللحظة التالية حذرت الموظفين من وجود خلل في الطابعة.

تقدم العيادة ثلاثة علاجات مختلفة: عدسات OrthoK، والعدسات اللاصقة اللينة متعددة البؤر، وقطرات الأتروبين. يعمل كلا النوعين الأولين عن طريق تعديل كيفية دخول الضوء إلى العين، مما ينتج إشارة لمقلة العين للتوقف عن الإطالة. أما قطرات الأتروبين، فهي دواء يغير مسار نمو العين كيميائيًّا عند استخدامه بجرعات منخفضة. (كما أنها توسِّع حدقة العين، ويُقال إن كليوباترا استخدمتها لتجعل عينيها أكثر جمالًا). وتؤدي هذه العلاجات إلى إبطاء تطور قصر النظر بنسبة 50% في المتوسط. أُجرِيَت معظم التجارب السريرية الأصلية التي أثبتت صحتها في آسيا بدءًا من منتصف العقد الأول من القرن الحادي والعشرين. ونشرت اللجنة القائمة على الأدلة التابعة لجمعية البصريات الأمريكية (AOA) تقريرًا يقدم لأعضائها إرشادات حول كيفية استخدام علاجات السيطرة على قصر النظر في العام الماضي. ولكن حتى وقت قريب، لم يُوافَق على أي من هذه العلاجات من قبل إدارة الغذاء والدواء الأمريكية (FDA) للسيطرة على قصر النظر. وكان على أي طبيب عيون يرغب في تقديم هذه المنتجات أن يستخدمها دون تصريح. وأي مريض يريد استخدامها كان عليه أن يجد الطبيب المناسب.

ليس من قبيل المصادفة أن عيادة ليو حققت نجاحًا مبكرًا في منطقة الخليج، التي تضم عددًا كبيرًا من السكان الآسيويين. فقال أطباء العيون الذين تحدثت معهم في مدن متعددة في أنحاء الولايات المتحدة جميعها: إن الآباء الآسيويين عادة ما يأتون لطلب علاج للسيطرة على قصر النظر. كان الآباء الذين التقيت بهم في العيادة من ذوي الميول الآسيوية، وفي ذلك السبت، كان المهاجرون الصينيون على وجه الخصوص من الجيل الأول الذين يتحدثون لغة الماندرين يبحثون عن ليو في الأيام التي تتواجد فيها شخصيًّا في العيادة. سمع الكثير منهم عن علاجات السيطرة على قصر النظر من زملائهم المهاجرين أو الأصدقاء في آسيا. وأخبرني جورج تساي، الذي كان ابنه البالغ من العمر 8 سنوات في العيادة من أجل موعد لعدسات OrthoK، أن زوجته التي نشأت في الصين، تعلمت كيفية السيطرة على قصر النظر من خلال تطبيق WeChat، وهو تطبيق المراسلة الشائع في البلاد وبين الجالية الصينية.

تمتلك ليو هاتفًا ثانيًا، تستخدمه لإدارة ثلاث مجموعات في تطبيق WeChat مليئة بالآباء والأمهات الذين لديهم أطفال يعانون من قصر النظر في أنحاء أمريكا الشمالية جميعها. والأسئلة تتدفق ليلًا ونهارًا. فقد قالت: “أول شيء أقوم به في الصباح إلقاء نظرة على مجموعة WeChat هذه. من فقد العدسة؟ من لديه عيون حمراء؟ من لديه مشاكل أخرى؟ وأقوم بذلك مرة أخرى، قبل أن أخلد إلى النوم”. بدأت المجموعة الأولى مع والد أحد مرضاها، وعندما وصلت المجموعة إلى الحد الأقصى لعدد الأعضاء المسموح به على WeChat، أنشأوا مجموعة ثانية، ثم ثالثة. وتحتوي المجموعات الآن على إجمالي 1500 أب وأم.

أخبرتني ليو أن الآباء الآسيويين كانوا أكثر تحفيزًا لأن قصر النظر “يُنظر إليه أو يُقبَل كمرض في الثقافة الآسيوية”. وأعرف هذا لأني ابنة لمهاجرين صينيين. شعرت بالأسى بسبب تدهور رؤيتي في المدرسة الابتدائية، وكانت والدتي تنصحني على الدوام، إذ كانت تضع مقلمتي في وضع مستقيم لقياس المسافة بين رأسي ومكتبي. كما أنها جعلتني أقوم بتمارين العين التي تُعُلِّمَت في الصين، والتي علمت أخيرًا في أثناء نقل هذه القصة أنها لا تحدث تغييرًا. كان ذلك في أواخر التسعينيات، عندما لم يوجد ما يمكن فعله حيال تطور قصر النظر. لكن لدى الآباء الذين التقيت بهم في عيادة بيركلي، رأيت التصميم نفسه الذي رأيته في نفسي ذات مرة. لقد اقتلعوا حياتهم وأتوا إلى بلد أجنبي، والآن هم هنا، على أمل أن يمنحوا أطفالهم أي ميزة، أي شيء يمكن أن يمنحه العلم الحديث.

يوجد سبب آخر يجعل منطقة الخليج، بمتوسط دخلها المرتفع، أرضًا خصبة لعلاجات السيطرة على قصر النظر، وهو أن العلاجات باهظة الثمن. والعديد من الآباء الذين التقيت بهم في العيادة كانوا مهندسين أو أطباء. وفي بيركلي، تبلغ تكلفة عدسات OrthoK أكثر من 450 دولارًا لزوج واحد من العدسات، بالإضافة إلى 1600 دولارٍ للتركيب الأولي، ولا يشمل ذلك رسوم العديد من مواعيد المتابعة سنويًّا. ويمكن أن تتراوح أسعار العدسات اللاصقة اللينة من مئات الدولارات إلى أكثر من 1000 دولار سنويًّا. وتبلغ تكلفة قطرات الأتروبين للعين مدة عام مئات الدولارات. وعادة ما يأخذ الأطفال علاج السيطرة على قصر النظر حتى منتصف سن المراهقة وحتى أوائل العشرينات. ولا يغطي تأمين الرؤية أيًّا من هذه العلاجات.

ترى شركات العناية بالعيون متعددة الجنسيات الآن أن علاجات السيطرة على قصر النظر قد تكون مربحة؛ إذ يتنافسون للحصول على موافقة إدارة الغذاء والدواء (FDA) على عدسات جديدة وتركيبات متطورة من قطرات الأتروبين، والتي يمكن الحصول على براءة اختراع لها بدلًا من بيعها كمنتج أرخص. والحالة التجارية واضحة، فإذا كان نصف العالم يعاني من قصر النظر بحلول عام 2050م، فهذا يعني وجود مجموعة ضخمة من العملاء المحتملين. “كم مرة تتاح لك فرصة التأثير على حالة قد تجدها في شخص واحد بين كل شخصين؟ لا يوجد شيء آخر على هذا الكوكب أعرفه غير هذا”. يذكر ذلك جو رابون، المسؤول الطبي السابق في شركة SightGlass Vision، وهي شركة صغيرة في كاليفورنيا، استحوذت شركتا العناية بالعيون العملاقتان CooperVision وEssilor على تكنولوجيا السيطرة على قصر النظر فيها”.

في نوفمبر 2019م، أعطت إدارة الغذاء والدواء الأمريكية الضوء الأخضر للعلاج الأول -والوحيد حاليًّا- المصمم خصيصًا لإبطاء تطور قصر النظر في الولايات المتحدة، وهو عبارة عن عدسة لاصقة لينة من شركة CooperVision تسمى MiSight. ومع ذلك، توجد العديد من العلاجات الأخرى قيد التجارب في الولايات المتحدة، بما في ذلك عدة أنواع من النظارات التي تعدل طريقة دخول الضوء إلى العين من أجل إبطاء نموها. وبعضها موجود في السوق في أوروبا وكندا.

وقال لي باري إيدن، طبيب العيون في ديرفيلد بولاية إلينوي: إنه بمجرد الموافقة على هذه النظارات في الولايات المتحدة، “سيفتح ذلك الباب لإدارة قصر النظر”. وأوضح أنه كلما تمكنت من البدء في إبطاء تطور قصر النظر لدى الأطفال في وقت مبكر، كانت النتيجة أفضل، لكن الآباء يرفضون أحيانًا فكرة وضع الأدوية أو العدسات اللاصقة في عيون أطفالهم الصغار، ولكن ليست لديهم المشكلة نفسها مع لبس النظارات.

أخبرتني ليو أنها تأمل في المستقبل أن تؤدي موافقات إدارة الغذاء والدواء إلى تشجيع تغطية تأمين الرؤية لعلاجات السيطرة على قصر النظر جزئيًّا على الأقل، مما يجعل العلاجات في متناول المزيد من الآباء. وفي الوقت نفسه، سرَّعت شركة CooperVision التسويق لعدساتها MiSight. وتستهدف الآباء والأمهات الذين يمكنك توقعهم بالضبط، ففي حي بارك سلوب الذي أعيش فيه في بروكلين، حيث ترى أطفالًا صغارًا على عربات أطفال من نوع Uppababy تزيد قيمتها عن 1000 دولار، علَّق أحد متاجر البصريات مؤخرًا لافتة كبيرة تعلن عن عدسات MiSight بطفلين مبتسمين. أخبرتني طبيبة بصريات في وسط مدينة سان فرانسيسكو أن الآباء الذين شاهدوا إعلانات عدسات MiSight يأتون الآن إلى مكتبها ويسألون عنها بالاسم. فقد انتهى عصر الحديث الشفهي عن علاجات السيطرة على قصر النظر، وبدأ عصر الإعلانات الجماعية.

في مجال البصريات، غالبًا ما تُقارَن علاجات السيطرة على قصر النظر بتقويم الأسنان- وهو علاج آخر ينفق عليه الآباء من الطبقة المتوسطة والعليا الذين يريدون الأفضل لأطفالهم آلاف الدولارات. وتبدو هذه المقارنة مناسبة بطريقة مختلفة أيضًا؛ إذ يعد التقويم أيضًا حلًّا حديثًا لمشكلة حديثة نسبيًّا. لقد تعجب علماء الأنثروبولوجيا أن أسنان رجال الكهوف كانت مستقيمة بشكل لا يصدق. وظهرت الأسنان المعوجة في السجل الأثري فقط عندما انتقل أسلافنا من مضغ اللحوم النيئة والخضروات إلى تناول الحبوب المطبوخة والمعالجة. فأصبحت فكوكنا الآن أصغر وأضعف بسبب الإهمال، وأسناننا أكثر ازدحامًا واعوجاجًا. وأصبح اليوم تقويم الأسنان الطريقة التي نعدل بها أجسامنا غير المتكيفة مع الحياة المعاصرة.

قد لا نعرف بالضبط كيف يؤثر التحديق في الشاشات طوال اليوم وقضاء الكثير من الوقت في الداخل علينا، أو ما الذي يسبب المزيد من الضرر، لكننا نعلم أن قصر النظر هو نتيجة واضحة للعيش على خلاف مع تكويننا البيولوجي. قال أطباء البصر جميعهم الذين تحدثت معهم إنهم يحاولون تعزيز عادات الرؤية الأفضل، مثل الحد من قضاء الوقت على الشاشة واللعب في الخارج، لكن تأثير هذا محدود جدًّا. فقد لا يكون اليوم أخذ الهاتف من المراهق أكثر عملية من إطعام طفل صغير نظامًا غذائيًّا يعتمد على الصيد وجمع الثمار.

إذن هذا ما وصلنا إليه، فمن يستطيع تحمل تكاليف إضافة مواد كيميائية ووضع قطع من البلاستيك في أعينهم كل يوم، يقومون بذلك على أمل إعادة أعينهم إلى حالتها الطبيعية.

المصدر

مقالات ذات صلة