القائمة الرئيسية

  النظر إلى الزواج كلعبةٍ جديَّة لا كعملٍ شاقّ

  النظر إلى الزواج كلعبةٍ جديَّة لا كعملٍ شاقّ
ملخص المقال

المقال يناقش فكرة أن الزواج يُنظر غالبًا على أنه “عمل شاق”، سواء في الثقافة الشعبية أو التاريخ الأمريكي، حيث رُبط الزواج بالواجب والمسؤولية والعمل المستمر للحفاظ على العلاقة، خاصة بالنسبة للنساء، مع ظهور برامج تعليمية ودورات تدريبية تهدف لتعليم الأزواج مهارات إدارة العلاقة كوظيفة. وتشير الكاتبة نينا لي كومز إلى أن التعامل مع الزواج كعمل دقيق ومُنظم قد يخلق شعورًا بالإرهاق والالتزام اللوجستي بدلًا من العاطفة، وتقترح بدلاً من ذلك تبني مفهوم “اللعب الجاد”، أي التعامل مع العلاقة الزوجية بطريقة مرنة ومبدعة تشبه تعاون الأطفال في اللعب، حيث يكون التركيز على المتعة والتعاون والتجربة والتعلم من الفشل، ما يعزز القرب والتواصل بين الشريكين ويجعل الزواج أكثر حيوية وارتباطًا بالمحبة بدلًا من مجرد أداء مهام.

بقلم: نينا لي كومز

الزواج عملٌ شاقّ: سمعت هذه المقولة مرارًا وتكرارًا، في حياتي الشخصية من القساوسة خلال الوقت الذي قضيته في البرامج التابعة للكنيسة، ومن العمَّات –حسنات النيَّة– في الحفلات ما قبل الزفاف، وحتى من المرأة التي قامت بتنظيف حاجبيّ في الأسبوع الذي سبق حفل زفافي. وفي العالم من حولي، رأيت هذه المقولة مكتوبة على موقع مارثا ستيوارت الإلكتروني، وسمعتها بلسان بِن أفليك في حفل توزيع جوائز الأوسكار. تتسم هذه المقولة بسِمات الحِكم والأمثال الشعبية، أيّ تصحّ في كل زمانٍ ومكان.

لذا، بعد حفل زفافي قبل بضع سنوات، بذلت قصارى جهدي لكي أكون أفضل “موظفة” زواج، إذ قمت بجدولة اجتماعات لمناقشة الميزانية كل أسبوعَين وتحدثت عن فوائد استخدام العبارات التي تبدأ بـ “أنا” عند الجدال، وقمت بتحليل نمط حياة زوجي لتحسين الطريقة التي يمكننا بها تقاسم الأعمال المنزلية، مثل تفريغ غسالة الصحون وتنظيف المطبخ بالمكنسة الكهربائية. وأدَّى هذا الأسلوب لتحويل زواجنا إلى مكتب عملٍ مثمر ونظيف في صباحٍ يومٍ مليء بالقهوة، حيث يتم التحقق من أداء كل مهمة، والرد على كل بريد إلكتروني. وفي نهاية اليوم، تراودني مشاعر الاستياء والإرهاق والتقصير تجاه حياتي العاطفية، وكأنني لا أستطيع أن أقدم أو أتلقى العاطفة إلاّ بعد إنجاز أحد الأعمال المعلقة. لم يساعدني النظر إلى الزواج باعتباره عملاً شاقًا في التقرب من الرجل الذي اخترته شريكًا لحياتي. 

فما هو القصد من مقولة إنّ الزواج عمل شاقّ؟ برأيي الخاص، تتمثّل الفكرة في أن بدء علاقة طويلة الأمد تتطلب من الأساس أن يصبح الزوجان مديرَي مكتب، حيث يقومان –كشركاء– بإدارة الاتصالات العاطفية واللوجستية، ويقتطعان وقتًا من الجداول الاجتماعية المزدحمة لقضاء الوقت معًا، عبر تخطيط موعد عشاء على سبيل المثال، كما يجب عليهما أن يتعلّما لغة حلّ الجدال الصعبة والمعقدة. وربما تنبع هذه المقولة من الرغبة في الحفاظ على سعادة واستمرارية الزيجات وجهل كيفية تحقيق ذلك، حيث يسمح لنا تصوّر الزواج كعمل شاقّ بجعل طريق السعادة واضحًا: يمكن لأيّ شخص أن يتمتع بعلاقةٍ زوجية سعيدة، شرط أن يكون على استعدادٍ لبذل الجهد اللازم، ويبدو أن هذه الفكرة تتأثر بالحكمة الشائعة التي تفيد بأن من جدَّ وجد. إلّا أن التفكير في علاقاتنا الزوجية كعلاقات عمل يغير طبيعتها، فماذا لو كانت هناك طريقة أخرى للتفكير في الزواج، أيّ حياتنا اليومية كمتزوجين، باعتباره نوعًا من اللعب بدلاً من العمل؟

في كتابها الذي جاء بعنوان: إنجاح الزواج: تاريخ الزواج والطلاق في الولايات المتحدة في القرن العشرين (Making Marriage Work: A History of Marriage and Divorce in the Twentieth-Century United States)، ذكرت المؤرِّخة كريستين سيليو أنّ النظر للزواج كعمل لم يكن أمرًا حتميًّا. ففي القرن التاسع عشر، كان الزواج في الولايات المتحدة مدفوعًا بالشعور بالمسؤولية تجاه العائلة بدلاً من الاختيار الشخصي، وسرعان ما أصبح الزواج مدفوعًا بالشعور بالحبّ، مما يعني أن الطلاق أصبح منطقيًا عند الافتقار للشعور بالحبّ. وكانت النتيجة –إلى جانب زيادة حقوق المرأة وتغيير القوانين وعوامل إضافية أخرى– ارتفاع معدلات الطلاق.

ووفقًا لسيليو، ربط الخبراء في عشرينيات القرن الماضي الزواج والعمل بعضهما ببعض؛ لمعالجة المخاوف المجتمعية المتزايدة بشأن هذا الارتفاع في معدلات الطلاق وزيادة “هشاشة” الأُسر. على سبيل المثال إرنست رذرفورد جروفز، عالِم الاجتماع الذي صمَّم دورات التهيئة للحياة الزوجية لكل من الرجال والنساء، أوّلاً في جامعة بوسطن عام 1922، ثمّ في جامعة نورث كارولينا عام 1927. حيث شملت هذه الدورات تدوين السِمات المرغوبة في الشريك المثالي، وإجراء اختبارات الشخصية، وتعلّم كيفية تحقيق التوازن في حياة الأسرة المادية. وتصور هذه الدورات الزواج على أنه وظيفة يجب الاستعداد لها، كمهنةٍ يمكن تحقيق النجاح فيها من خلال إتقان مهارات مختلفة. وبحلول عام 1937، كان ما يقرب من 30% من الكليات والجامعات في الولايات المتحدة تقدم دورات مماثلة لتلك التي يقدمها جروفز. ويبدو أنّ الرسالة غير المباشرة تتمثّل في أن المواعدة قبل الزواج ممتعة، وأنّ الحياة بعد يوم الزفاف تتطلب العمل لا اللعب.

في بعض الأحيان، كان الربط ما بين العمل والزواج مبالغ فيه. على سبيل المثال، في برنامج مدرسة العرائس، وهو برنامج وضعته مجلة التدبير المنزلي الجيد (Good Housekeeping) عام 1939، حيث خاطبت إلينور روزفلت ذات مرّة مجموعةً من الفتيات محذرةً بأن المتزوجات حديثًا “يجب أن يفهمن بأنهن يوقّعن على عقد وظيفة بدوامٍ كامل وبمدةٍ أبديَّة حتى “يفرقكما الموت”، وهي وظيفة لا يمكنهن إهمالها ليومٍ واحد دون مواجهة المشكلات”. وفي خمسينيات القرن الماضي، تعزَّزت هذه المشاعر من خلال ازدهار قطاع تقديم النصائح المتعلقة بالزواج المليء بالمستشارين والخبراء والكتب. ولفترةٍ طويلة، كان الجمهور المستهدف لهذا القطاع من ينتمون للعِرق الأبيض والطبقة المتوسطة. ومع ذلك، بحلول العقود الأخيرة من القرن العشرين، شقَّت مقولة إنّ “الزواج عملٌ شاقّ” طريقها إلى المعجم الأمريكي.

لكن هذا العمل الشاقّ لا يتسم بالإنصاف، وغالبًا ما ينطوي الجزء المُضمّن على أنّ الزواج غالبًا ما يكون عملاً شاقًا بالنسبة للمرأة فقط. وفي تتبعها لتاريخ هذه الفكرة، تشير سيليو إلى أنّ الخبراء في الولايات المتحدة في أوائل القرن العشرين “افترضوا بأن النساء بحاجةٍ إلى الزواج أكثر من الرجال؛ لأسبابٍ مالية وعاطفية على حدٍّ سواء”؛ لذلك، فُرض على النساء العمل من أجل تحقيق الحياة الزوجية السعيدة. ورغم انضمام النساء إلى القوى العاملة بأعدادٍ أكبر مع ضمان امتلاكهن لحسابات مصرفية وبطاقات ائتمان خاصة، إلا أنهن ما زلن يقمن بأعمالٍ منزلية أكثر من شركائهن الذكور عندما يعدن إلى المنزل نهاية يوم العمل.

وفيما لا تزال تعيش فكرة أنّ الزواج عمل على أرفف المكتبات اليوم، إلاّ أن الزواج يمكن أن يشوبه العديد من الصراعات التي لا يمكن للعمل الجاد وحده حلّها، مثل الفقر وامتناع الولايات المتحدة عن توفير الدعم للآباء. عندما تحدثت مع سيليو، تكلّمنا عن أن فكرة الزواج كعمل لم تتغير كثيرًا منذ أن نشرت كتابها حول هذا المفهوم قبل أكثر من 10 سنوات. وفي نهاية حديثنا، طرحت عليها سؤالاً يشغل بالي: في رأيها، بعد أن تعمّقت في التاريخ والبحث، هل الزواج عمل؟ ضحكت قليلاً، ثمّ قالت: “أعتقد أن الكثير يؤمن بهذه الفكرة، وهذا هو الحال بالفعل إلى حدٍ كبير، ولكن ليس من الضروري أن يكون الزواج عملًا. إنما تعمل هذه العبارة كإشارةً لعدم سعادة الأزواج، ما يجعلني أشعر بالأسف”. 

عندما استمعت لكلماتها، تذكرت مرةً أخرى أنّ عبارة “الزواج عملٌ شاق”، نشأت جزئيًا لإبعاد الناس عن فكرة الطلاق. وبالنسبة لبعض الأزواج، قد يكون تكرار هذه المقولة مجرد وسيلة لتقبّل الأعمال اليومية التي تصاحب حتمًا شراكة الحياة. لكنني أتساءل عمَّا إذا كانت هذه المقولة تعكس دور الأعمال اليومية باعتبارها وسيلة أساسية لتقرب الشركاء من بعضهم البعض بالنسبة لأزواجٍ آخرين. قد تبدو العلاقة الزوجية مبنية على قائمة مهامٍ ليس لها نهاية، إلاّ أن شطب جميع المهام لا يضمن زواجًا مليئًا بالمحبَّة. 

أمَّا أنا، فقد تخلّيت تمامًا عن فكرة العمل في الزواج. بدلاً من ذلك، بدأت أفكر في “اللعب الجاد” باعتباره أساسًا لزواجي. أعي أن هذا قد يبدو تافهًا أو سهلاً أو حتى مرحًا، إلا أنني أعني اللعب بالطريقة التي يتعاون بها الأطفال عند اللعب بالرمل، حيث يشرعون معًا في بناء قلعةٍ أو حفر خندق، وتُعطى الأولوية للإبداع بدلاً من مستوى الإنتاجية. يتعلّم الأطفال دروسًا قيِّمة حول التواصل والتعاون من خلال هذه التجارب، لا عبر الكتب المدرسية والمعلمين. يمكن أن تنهار القلعة الرملية التي عملوا جاهدين لبنائها، إلّا أن الفشل يوفر مساحة للبدء من جديد والمحاولة مرّة أخرى. وفي نهاية المطاف، فإن التزامهم بأهدافهم جدّي، ولكن تعاونهم نحو تحقيقها يسوده المرح. وهذا ما أريد محاكاته في علاقتي الزوجية.

تغمرني السعادة في زواجي عندما نتجول معًا حول حيّنا للاستراحة من الأعمال المنزلية، ونرى شجرة ملتوية تبدو كبوابةً لعالمٍ آخر، ونتساءل بصوتٍ عالٍ إلى أيّ عالمٍ تؤدي. تغمرني السعادة في زواجي عندما نتخلَّى عمدًا عن الأعراف الراسخة حول جنس الشريك الذي يجب أن يتحمل مسؤولية التنظيف بالمكنسة الكهربائية ومسؤولية التخطيط للشؤون المالية. تغمرني السعادة في زواجي عندما ينهار تخطيطنا الدقيق وندرك أننا نتمتع بالمرونة والقدرة على الصمود بما يكفي للبدء من جديد، لأنّ علاقتنا مبنية على أكثر من مجرد اللوجستيات. نعاني أنا وزوجي بالطبع من العمل الشاق المُعتاد المتمثّل في غسل الأواني وحساب الضرائب ونحوه، فيما لا يزال يتعين علينا أن نأخذ نفسًا عميقًا قبل الجدال حول العائلة التي سنقضي معها موسم عطلات هذه السنة، ولكنني الآن، أنظر لهذه المهام باعتبارها مسؤولية حياتنا المشتركة لا أساسًا لوجودنا معًا.

المصدر

 

مقالات ذات صلة