الأشجار حيّة، مثلها مثل العشب والأزهار والأرض الصلبة المتماسكة. وهناك طائرة تحلق في السماء ناحية الشرق على جنبها، هيكلها منقلب، ومحركاتها تصدِر أصواتَ صرير، ويتردد منها ضجيج، وترتَّج عند الأطراف. كلّ تلك الأشياء تدعو إلى الشعور بالذعر.
وهناك ثمانيةَ رجال وفتى. مجموعهم تسعة. وهناك ستّة جنود. ويفوق عددهم عدد الجنود، يستطيع الرجال العدّ. ولكنهم يستطيعون أيضًا عدّ البنادق، وعلى الرغم من أن ثلاثة على الأقل من الجنود مخمورون، وتبدو حالة أحدهم أسوأ من السكر، فإن هناك اثنين حذرين وثابتين، بأعين ترفّ وتستقر، وترفّ وتستقر، ويعلم الرجال أن الهروب سيكون جنونًا مستحيلًا، وسيؤدّي لمقتلهم جميعًا
وهم تحت الأشجار وقرب حافة المرج. فقد نُقِلُوا لفترة ليست بطويلة ولا بعيدة عن المكان الذي كانوا فيه. ولقد توقفوا بجانب الطريق، وأُمروا بالنزول من السيارة، أو بما يُسمى بالشاحنة، وأجبروا على مغادرة الطريق، الذي يقودهم إلى ما يعرفونه. بقي جنديان آخران هناك عند الشاحنة. ربما كان الجنود يعتقدون أن ستة كانوا كافين، قادرين على توجيه ثمانية رجال وحراستهم. أو بالأحرى تسعة. وإذا كان الجنود يعتقدون ذلك، فكيف يمكن للرجال أن يعتقدوا أن ذلك خطأ، أو أن لديهم فرصة؟ من هم المحترفون هنا؟
ولقد تسلقوا تلة عبر الشوك والفضلات إلى مروج خضراء واسعة، وساروا عبرها والجنود يوجّهونهم من الخلف “إلى اليسار، إلى اليسار أكثر، هناك، إلى ذلك الصف من الأشجار”. فقد كان المرج فارغًا ولونه أخضر باهت، لربما كان هناك تيّارٌ مائيٌّ على يمينهم وهم يعبرون، في البعد، حيث تبدو الأرض وكأنها تنحدر وتتلاشى. كانت الشمس ساطعة عليهم، وتحدثوا مع الفتى بقدر استطاعتهم، وبقدر ما يمكنهم أن يجدوا في أنفسهم شيئًا ليقولوه له، إما شيئًا مشجّعًا أو مشتّتًا، وبقدر ما يسمح لهم الجنود بالتحدث: “اسكت، أنت، التزم الصمت!”.
ولم تكن هناك طائرات في أثناء عبورهم الحقل؛ إذ نظر الرجال إلى السماء، ولكنها لم تأتِ ولم تكن هناك. انتبه إلى ما تفعله. ماذا يمكنهم أن يفعلوا على أي حال؟ كان الجندي الأكبر سنًا المسؤول، هو الأكثر عصبية. فلم يبدُ مخمورًا، ولكنه لم يكن متزنًا. لقد كان يتعرق وعيناه محمرتان، وكان يحدق في الضوء ويراقب السماء، ويتوقف كلّ بضعة أمتار لينظر نحو القمة المرتفعة للمروج، فقد يكون هناك تيار مائيّ، ويبدو أنه يريد التحرك أسرع وعدم الوصول، في الآن نفسه.
توقفوا بين الأشجار، وتقدم أحد الجنود فيما كان الباقي ينتظرون، وقد جلس جميع الرجال على الأرض والجنود أيضًا، بوضعية الجلوس أو بوضعية القرفصاء. وكان الفتى وحده واقفًا حتى صرخ عليه الجنديّ، فجلس بوضعية القرفصاء بحذرٍ دون أن يفتح ذراعيه، ويمكن للرجال أن يرَوْا ذراعيه ملتفين حول صدره، يحاول أن يتوقف عن الارتعاش، دون جدوى.
كان عمره حوالي ثماني سنوات عندما وجد نفسه محاصرًا بينهم. وقد نُقِلوا من مركبة إلى أخرى، بدأ الأمر بمجموعة مكونة من ثلاثة، ومجموعة من أربعة، والذين كانوا مع هؤلاء الرجال هم رجالٌ آخرون لا يَعرِف بعضهم بعضًا، والفتى. وكلّ مجموعة من الرجال ظنت أن الفتى كان مع الآخرين. من هذا الفتى؟ ولدك؟ لا، أليس تبعك؟ ألم يأتِ معك؟ وأدركوا حينها أن لا أحد منهم يعرف من هو، وكان الفتى في حالة صمت. “ما اسمك يا فتى؟ ستكون على ما يرام. ما اسمك؟ مع من كنت؟”، ولكنه لم يقل شيئًا، وعندما حاولوا أن يسألوا الجنود صرخوا عليهم ليصمتوا. ومع ذلك فقد شعروا بطريقة ما أن وجود هذا الفتى قد غيّر كلّ شيء، وأن وجوده يعني أنهم لن يقتَلوا. فكان كلّ شيء يسير نحو هذا الاتجاه، ولكن بعد ذلك ظهر الفتى مثل الاستمارة التي مُلِأت بشكل غير صحيح، وبخطأ إداري. وهذا يعني في النهاية أن الجنود سوف يخدشون رؤوسهم وينفخون خدودهم، ويشكّون في أن بعض المسؤولين قد أخطأوا، وأنه سيتعيّن عليهم العودة وإعادتهم جميعًا، وأن هذا كان خطأ، فلا يمكنك قتل الرجال أمام الفتى، ولا يمكنك قتل الفتى.
ويخيف أصغر الجنود الرجالَ أكثر من غيره وهو ثمل، فقد كان دائمًا ما يحمل قارورةً، ويرتشف منها ويحمل بندقيته ويحدّق بهم. وهو ذو بنية ضعيفة، ويهزّ رأسه وذراعَيْه كما لو كان هناك تصلب في جسده، بسبب الخوف أو الغضب. وربما يكون الخوف، فالرجال يديرون خوفهم – عقولهم تعمل وأعينهم تنطلق، ولكنهم يحاولون جاهدين ألا يقوموا بأيّ حركات مفاجئة أو تهديدية، بل يحاولون الظهور بمظهر الكسالى والبطيئين، كما لو أن عقولهم لا تعمل، وأن أجسادهم في وضع الخوف.
أو ربما يكون الجندي الكبير هو أكثر من يخيفهم، فإنه ينظر إلى الغابة وهو يجلس بوضعية القرفصاء، متكئًا على بندقيته، وينظر عبر الأشجار. كان يبدو في منتصف العمر ومظهره عادي، ويتساءل الرجال عما إذا كان بإمكانهم التحدّث والتفاهم معه. “ماذا تفعل؟ كيف يمكنك أن تفعل هذا؟ وكيف يمكن أن يكون هذا صحيحًا”؟ يعتقدون أنهم إذا تمكنوا من اختراع حجة جيدة، تروق له كرجل، أو ربما كأبٍ، أو كأخٍ، أو… على الأقل كرجل، فسوف يقتنع وسيخبرهم: “اركضوا، اذهبوا ودافعوا عن أنفسكم”، وبأنه سيطلق النار إذا قُبِض عليهم. ولكنهم يعرفون أنه محترف، فهو لا ينظر إليهم، بل ينظر إلى الأمام ويجلس القرفصاء مديرًا ظهره لهم، ويتقاضى أجرًا مقابل ما يفعل، وهو وطنيّ يؤدّي واجبه، وليس جبانًا ولا خائنًا، ولا تغلبه عواطفه، ولا أيًا من تلك الصفات التي قد يعتقدها الجنود الآخرون عنه إذا سمح لهم بالرحيل. يعمل الرجال على تشكيل حججهم، ولكنهم ينتظرون.
اقترب أصغر جنديّ من أحد رفاقه وتمتم. يبدو مضطربًا، وكأنه يسأل: إلى أين يتجه الجنديّ الآخر الذي تقدّم للأمام. وقال له الجندي الكبير بأن يصمت، دون أن يلتفت له.
ماذا لو كان الرجال مخطئين؟ ماذا لو لم يُطْلِق النار عليهم؟ إن الفتى هنا والشمس ساطعة والأرض خضراء، وهناك تيارٌ بعيدٌ عن الأنظار. فمن سيطلق النار عليهم؟ أهو الجندي الشاب المخمور الذي يخاف مثلهم؟ أو الرجل العادي الذي في منتصف العمر؟ من سيفعلها؟ قد يؤخذون إلى مكان آخر كسجناء. قد ينقلون “ويجب أن يحدث هذا! فهم قيّمون، ويمكن الاستثمار بهم”.
وإذا كانوا على خطأ، وحتى لو كانوا على حق، فلماذا يخيفون الفتى أكثر من خلال التوسل من أجل حياتهم؟ لماذا قد يفعلون ذلك؟
فالفتى لا ينظر إلى أحد، بل يوجه نظره إلى الأرض. ويظنّ الرجال أنه ربما يكون صغيرًا وذكيًا بدرجة كافية، وربما تكون الأشجار كثيفة بدرجة كافية، وربما يمكنه النجاح إذا ركض وهرب عبر الغابة والأشجار، ليخلص نفسه. ولكن لا أحد منهم يعرف كيف يقول له هذا، ولا أحد منهم يعرف كيف يجعله يحاول. وحتى لو تمكنوا من قول ذلك له، يخافون من أن يُطلق عليه النار في أثناء فراره، وسيكونون حينئذٍ مسؤولين عن مماته. وربما سيقتادون إلى مكان آخر، أو يعادون إلى الشاحنة، ومن ثم إلى المدينة، ولاحقًا يطلَق سراحهم، وسيكون الفتى ميتًا.
وهذه الأفكار كحرارة الصيف، كثيفة وعميقة، وتأتي ولا تذهب. فالخوف هو أبطأ استخدام للوقت، وهو الجزء الأكبر من الموت. إنه فخ، إما ساق وإما مخلب، ولا تستطيع التحرك فجأة، إذ سيكون الوقت المتبقي لديك هو كل الوقت المتبقي في الكون.
ولا يعرفون بماذا يفكّر الفتى. ففي بعض الأحيان يلقي نظرة سريعة على أحد الرجال، أو على أحد الجنود، تصور عيونه موقع كلّ من حوله والأسلحة والأشجار والسماء بنظرات صغيرة خاطفة، قد يكون ذلك من أجل رسم خريطة لوضعه، وقد يكون الخوف الذي يظهر على وجهه أحيانًا، وهو ينظر إلى الرجال في الواقع، شجاعةً وإصرارًا ومكرًا. فربما يفكر في الركض، ولكنه متوترٌ جدًا. وربما هذا أمر جيّد. ولعله أشوس، ولكنه يرتجف كثيرًا. قد يرتجف بسبب الغضب.
يحاولون التحدّث معه، ولا يعرفون ماذا يقولون، ويلزمهم الجنود بالصمت.
سمعوا صيحة في مكان قريب، فرمى الجنود بأنفسهم أرضًا وفعل الرجال الشيء نفسه عندما سمعوا صيحة أخرى، رد الجنود بالصراخ، وجلسوا رافعين أسلحتهم مرة أخرى ويضحكون. مرت مجموعة أخرى من الجنود بالجوار، حوالي 10 أشخاص. وكان أحدهم الجندي الذي تقدم. لاحظ الرجال أن الفتى قد بدأ بالبكاء بصمت، وجهه مبلل وأنفه محمرّ وأكتافه ترتفع وتنخفض، في حين يصرخ الجنود بالمارة، ويشتكون من شدّة الحر، وذكروا شيئًا حول المجارف والحفر، وشيئًا حول الملابس، وكان بعضهم يحمل أكياسًا بلاستيكيةً سوداء. عمّ الهدوء قبل أن يختفوا.
بدأ الرجال في التكلم مع الفتى، وصرخ الجنود بهم “إنهم يتخذون القرار بشأننا نحن الرجال”. قرروا الاستمرار في التحدث إلى الفتى، بينما هو يبكي ويلتقط أنفاسه، وكان متوترًا مثل غصن جافّ يخافون أن ينكسر ويتحول إلى غبار، فتحدثوا إليه: مرحبًا يا فتى! هل تحب اللعب؟ هل تحب الغُمّيضَة؟ ما نوع الألعاب التي تحبها؟ هل تحب لعبة “أنا أرى بعيني الصغيرة”؟. وقف الجندي الأصغر فجأة وسار نحو الفتى، وصرخ الجندي الأكبر بأن يدعِ الرجال يتحدثون، فتوقف الجندي وعلى وجهه مِسحة رهيبة من الكراهية تجاه الفتى والرجال والجندي الكبير ونفسه. لا يريد شيئًا أكثر من رفع بندقيته وإطلاق النار على الفتى، أو رفعها واستخدامها لضربه مرارًا، ليس فقط حتى يموت الفتى -سيموت الفتى في الضربة الثانية- ولكن حتى يتوقف غضبه أو تكون لديه الشجاعة للتوقف، أو حتى يمنعه الإرهاق. ولكنه وقف وحدق في الفتى وفي الرجال، قبل أن يستدير ويعود إلى الجلوس مرة أخرى.
“ما الألعاب التي تحبها؟ لدي ابن، وعندما كان في عمرك، كنا نحاول عدّ الأشجار في الغابة عندما كنا نسير. هل تعدّ الأشجار؟ من الصعب القيام بذلك. من الصعب حقًا. فقط ابدأ وعدّّ، هناك كثير! ومن ثم تتساءل: هل عددت تلك الشجرة؟ كما لعبنا لعبة “لا تنظر إلى حذائك”، فقد أسألك عن لون حذائك، ولون الأربطة، ولون الأشياء الموجودة على الجانب، كالخطوط، وعدد الثقوب والأربطة الموجودة في الحذاء، ولا يُسمح لك بالنظر! عليك أن تتذكر”.
ويعتقد الرجال أن الجندي الكبيرَ سوف يسمعهم ويستمع إليهم. سوف يسمع عن حياتهم ويعرف ماهيتهم، وأن ذلك سيكون في صالحهم. يعتقدون أنهم ربما يستطيعون إقناعه بطريقة غير مباشرة.
لا يزاحمون الفتى بأصواتهم، فهم يتناوبون ويحاولون قياس ما إذا كان صوتٌ ما يعمل أفضل من الآخر. بدأ الفتى بالنظر إلى من يتحدّث، ويعتقدون أن هذا يُعد تقدمًا، ويُعد شيئًا ما، ولكنه لا يتكلم. ربما لا يستطيع الكلام، أو ربما هو أجنبي؟ من يعرف؟ ولكنهم يرقّقون أصواتهم، حتى الرجال الذين ليس لديهم أصوات قد اعتاد عليها الأطفال. ينظرون إليه بأعين ناعمة ووجوه بشوشة، إذ يحاول جميعهم تهدئته.
بينما يراقبون أيضًا الجزء الخلفيّ من الجنديّ الكبير، ويدرسون التغيير في وضعيته، وفي استرخاء عضلات ظهره. ربما لو ذكروا أبناءهم مرة أخرى أو بناتهم؟ يشاهدون الفتى ووجهه، والجندي الكبيرَ وظهره.
ويحاولون التفكير في الألعاب، وعندما يشاهد بعضهم الفتى وهو ينظر إلى عيونهم مباشرةً، يتذكرون الأطفال الذين لعبوا معهم؛ وهو ما يجلب لهم الضيق والحر شديد. ويتذكرون أطفالهم، ويشعر بعضهم بأنهم لن يرَوْا أطفالهم مرة أخرى. ويشعر بعضهم بأن هذا سيحدث بالتأكيد، وأن الحياة سوف تستمر حتى تتوقف، وأنه هذه هي الحياة…، ينظرون إلى الفتى، وعندما ينظر هو إليهم يرى بعض الرجال أطفالهم أو أبناء إخوتهم وبنات إخوتهم وأحفادهم وأبناء أصدقائهم وجيرانهم، أو يرون أنفسهم في مرحلة الطفولة؛ يرون في الفتى نسخةً من الطفل الذي يتذكرونه. وبينما يتحرك الجنود ويقفون وينادون، فهم يريدون أن يعيش الفتى أكثر من أي شيء آخر، حتى لو لم يعيشوا هم.
عاد بعض الجنود الذين مروا. لماذا؟ لماذا فعلوا ذلك؟ عاد أربعة منهم. يفوق عددهم الآن عدد الرجال. كان من الممكن أن يحاولوا، ولكن ليس بعد الآن. فربما لو حاولوا سابقًا، لكان الفتى قد أفلت. ولكن الفتى الآن في حالة ارتباك، فقط لو أنهم حاولوا.
وهناك كثير من الاحتمالات.
لربما عاش، ولربما سيعيش حتى الآن، وربما يموتون، أو لا لا يموتون. وربما يكونون قد فهموا كلَّ شيء خطأ. فلا شيء يتضح. بل يزداد تعقيدًا. فقدوا فرصتهم، أليس كذلك؟ الفرصة التي كان من الممكن أن ينتهزوها عندما كانت الأمور أبسط، وعندما كانت الحياة أبسط، ولكن الفتى قد توقف عن البكاء على الأقل. ولكنه حتى الآن لم يقل شيئًا، ولكنه ينظر إلى الرجال الآن، ينظر في عيونهم. يبدو أهدأ قليلًا. ربما هناك فرصة.
وقف الجنود وصرخوا عليهم طالبين منهم الوقوف. ركزت أفكار الرجال على اللاشيء، على الفراغ. الأمر ببساطة هو أن وقتهم بدأ ينفد الآن. وقف الجميع واضعين أيديهم على كتف الفتى الواقف أيضًا، وهم يشعرون بالارتعاش بداخله مثل الموسيقى من بعيد، مثل شيء قادم، ولكن لا شيء قادم. طلب الجنود منهم المشي والتحرّك والمضيّ قدمًا والابتعاد والاستمرار في المسير.
استمروا يمشون، والأشجار تمشي معهم وتتجمّع من حولهم، ومن ثم تفقد اهتمامها وتتراقص مع النسيم حتى وصلوا إلى مكان مفتوح، حيث توجد رائحة حادّة كرائحة اللحم أو الروث أو المعدن، وكانت الحرارة محسوسة، توقفوا ورأوا أمامهم خندقًا أو حفرةً في الأرض، وهم يعلمون أن مصيرهم هنا. نظروا إلى الفتى وهو ينظر إليهم، وكأن بإمكانه أن يستنتج من وجوههم ويرى في عيونهم أنه ما يزال حيًّا، وأنهم ما يزالون أحياء، وطالما أن لديه وجوهًا لينظر إليها، ووجوهًا تنظر إليه، سيكون على ما يرام…، قد يكون هذا ما يفكر به؛ لا يعلم الرجال.
يجب أن يتحدثوا الآن. وصلوا لحالة اليأس. تنحنحوا.
أمرهم الجنود بخلع ملابسهم. اعترض الرجال وسألوا: لماذا؟ “لماذا؟ انخلع كلّ شيء؟ ما السبب”؟ صرخ عليهم الجنود وكرروا عليهم بأن يخلعوا جميع ملابسهم، وبأن يرموها هنا. التقط أحد الجنود ملابسهم ووضعها في بعض الحقائب، مختلطة بعضها ببعض، إذ لم يفصل الجندي بينها. إذًا كيف سيستعيدونها؟ كيف سيحدث ذلك؟ ستكون ملابسهم مختلطة جميعها، وسيضطرون للوقوف عراةً لفرز ملابسهم: “هل هذا قميصك؟ هل هذا سروالك الداخلي”؟ إلا الملابس الصغيرة. نظر الرجال إلى قمصانهم وسراويلهم وملابسهم الداخلية وجواربهم وأحذيتهم وهي تختلط وتمزج مع ملابس الآخرين، وتوضع في حقائب مختلفة. تابعوا ملابسهم بأعينهم حتى ضاعت.
يعلمون بأن النار ستطلَق عليهم الآن. وقفوا وهم يغطّون أعضاءهم التناسلية بأيديهم، وكأن ذلك سيحفظ كرامتهم. ارتجفوا من شدة الحرارة على أجسادهم، وبدا الفتى أصغر حجمًا الآن، وساقاه رقيقتان كالعشب، وكتفاه مربّعان وصغيران، كقطع قماش جلدية. ربما يُنْقَذون =، فلقد سمعوا عن عمليات إعدام مزيفة، وعن تأجيلات في اللحظة الأخيرة. سمعوا عن دوستويفسكي، إذ قرأوا كتبًا أدبيةً عظيمةً، وأحبوا الناس، ولديهم ذكريات ومنازل وأصدقاء وأحباء وأعداء، ليس أعداء مثل هؤلاء، ولكن لديهم ذكريات، ذكريات كثيرة، ويشعرون بأنهم يجب أن يتأملوا في حياتهم الآن. ولكن ربما سيُنقَذون، أو ربما سيهربون.
بكى الفتى مرة أخرى، بينما طلب الجنود من الرجال أن يصطفوا: “هناك، هناك”. هناك الخندق. ساروا نحوه، يحاولون أن يبقوا الفتى أمامهم، حجميًّا من الجنود، أمسكوا بيديه وأخذوه معهم. وجد أحد الرجال نفسه يمسك بيد الفتى؛ لا يريدون أن يكون في الأمام بعد الآن، بسبب ما في الخندق. فهم رأوا ما بداخله أولًا؛ لأنهم أطول قامة. نقلوه إلى الخلف ليحجبوا رؤيته. يفعلون ذلك معًا. يلهيهم ذلك عمّا رأوه للتوّ. وفكروا بينما ينقلون الفتى إلى الخلف، وبينما يقتربون من حافة الخندق: “اقترب من إلى الحافة! هيا تحرك”! إنهم ليسوا هنا حقًا، بل في مكان منفصل، يراقبون أنفسهم، ومن ثم يلتفون ليواجهوا الجنود. لا يأمرهم أحد بذلك، بل يفعلون ذلك من أجل الفتى، حتى لا يرى الجثث عبر أرجلهم، ويتحول هو إلى جثة أيضًا.
اضطربت مِعَد الرجال بينما بقيت الأشجار ساكنة تمامًا، كما لو أن الهواء قد اختفى.
بدأ الفتى يفعل شيئًا غريبًا، غريبًا بحق. فماذا يفعل؟ نظر الرجال إليه وهو يرفع يديه ويمدّ ذراعيه مستقيمتين في الهواء، وكفّاه مبسوطتان إلى الأمام. ماذا يفعل؟ أيحاول أن يكون طويل القامة؟
يفعل ذلك كلعبة يحاول فيها الوصول إلى غصن. ربما ليقف على أطراف أصابعه.
يحدق جميع الجنود في الفتى، ولكن يبدو أنهم منقسمون. فكان ثلاثة، من ضمنهم الجندي الشاب، غاضبين، بينما كان بقية الجنود نعسانين وكسولين، كما لو أنهم لا يعرفون أين هم، ولا ماذا يفعلون. والأهم من هذا كله أن الجندي الكبير بدا نعسانًا.
صرخ أصغر جندي: “توقف، توقف! وتقدم للأمام وبندقيته مرفوعة: “أنزل ذراعيك. سأطلق النار. سأطلق”!
سحب الرجال يدي الفتى وهو يقاوم ويعاند في هذه اللحظة. قالوا له: “قف خلفنا، وإلا سيُطلق عليك”.
انزعج الرجال حقًا. ماذا يعتقد أنه سيفعل؟ سيستسلم، أم سيسلم نفسه؟ فكان يرتب جسده بطريقة يعتقد أنه يمكن قراءتها وفهمها، كما لو كانت كلمة مرور أو علامة سرية، بطريقة تحل محل سائر الإيماءات، وستنهي ما يحدث هنا في الغابة. كالألعاب التي يلعبها، إذ يفوز بفضل عبارة معينة، أو نقرة على الكتف، أو يد على شجرة.
لا وقت لهذا!
جروه مرة أخرى وأعادوه إلى الوراء، حتى يكونوا في الأمام. لا ينبغي أن يكون هنا. إنه مجرد طفل. وقفوا أمامه ووضعوه خلف أجسادهم، وتعثر وهم ينظرون إلى الأمام. وعندما لا يتمكّنون من رؤية الفتى بعد الآن؛ لأنهم ينظرون إلى الجنود، وبالطبع عندما لا يتمكن الجنود من رؤية الفتى بعد الآن لأنه وراء الرجال يبدأ إطلاق النار.
لا يعرف الجنود كيف بدأ الأمر. فجأة بدأت بنادقهم في إطلاق النار وهم يمسكون بها. أطلقوا النار على جميع الرجال، فتعرض بعضهم لإطلاق النار عدة مرات، واخترقت الرصاصات أجسادهم، ومات بعضهم من فورهم، بينما ترنح آخرون لبضع ثوانٍ، ورأوا السماء من فوقهم قبل انقلاب الأشجار. أصيب الفتى برصاصة واحدة فقط، أصابت صدره من الجانب، وسقط إلى الخلف في الخندق، فوق جثث الموتى القدامى، بينما سقط الموتى الجدد في الخندق فوقه. وبعد لحظة أو لحظتين فقط توقف إطلاق النار، ومات الرجال جميعهم. بحث الجنود عن تحركات، ولم يستطيعوا رؤية الفتى، إذ كان مختبئًا بين الجثث.
كان الفتى على قيد الحياة، لفترة قصيرة بالطبع. فقد كانت الرصاصة في صدره ستقتله بمفردها في النهاية، ولكنه كان يختنق تحت أجساد الرجال، الذين كان آخر فعل لهم محاولة يائسة لحمايته. لربما يدرك ذلك وهو يموت، وربما سيريحه هذا الأمر.
انسحب الجنود، وأتى رجال آخرون في وقت لاحق كلفوا بمهمة تنظيف المكان. قاموا بعمل جيد. دكوا الأوساخ، وأزالوا الجوارب الملقاة والأقلام وبعض أغلفة الطلقات، ألقوا الأغصان والأوراق والنباتات في الخندق. هؤلاء الرجال محظوظون، فهم يرون الموتى فقط، ويرون فقط رجالًا ميتين. هذه هي الحرب، فماذا تتوقع؟
لا يرون الفتى.
أخذ الجنود الذين أطلقوا النار أكياس الملابس وحرقوها في نار بعيدة، حيث حرقت ملابس أخرى من قبل. ومن ثم قادوا الشاحنة مرة أخرى نحو رفاقهم، وأجسادهم الهادئة تحمل الحرب في عقولهم. تعرّضت الشاحنة التي يستقلونها لقذيفة من بُعد سبعة كيلومترات من موقع القتل. ومات الجميع عدا اثنين، وأطلق أحد الناجين النار على نفسه في وقت لاحق من ذلك اليوم. بينما لم يستعدِ الآخر وعيه أبدًا ومات بعد خمسة أسابيع في سرير المستشفى على فراشٍ أبيضَ، بكت أخته على وجهه الوسيم غير المخدوش، وانتهت الحرب.
لا أحد يعرف عن الفتى شيئًا. فمن هو هذا الفتى؟ مات الرجال والجنود، وماتت عائلته. لا يعرف أحد ما حدث له!
لا أحد!
