القائمة الرئيسية

شخص كوري: قصة قصيرة

شخص كوري: قصة قصيرة
ملخص المقال

يروي بول يون قصة ماكسيم، فتى يعيش وحيدًا بعد وفاة عمّه وغياب والده الذي يعمل حارسًا في سجن على جزيرة سخالين، مصاحبًا لكلبته التي تمثل له صديقًا ورفيقًا وفيًا. خلال بحثه عن والده، يتنقل ماكسيم بين المزرعة المهجورة، صيد المزارع، وبلدة تيرني الساحلية، متفاعلًا مع المجتمع الكوري المحلي والعمال المهاجرين، ومواجهًا تحديات الحياة اليومية من إيجار المنزل ونقص المال والغذاء. ومع كل خطوة، يواجه ذكريات عائلته وماضيهم في المعسكرات، ويختبر شعورًا متقلبًا بين الخوف والفضول والاستقلالية. في نهاية الرحلة، يصل إلى والده، ويستعيد الاتصال العاطفي المفقود، مكتشفًا معنى الانتماء والأمان وسط الضباب والغموض، بينما تظل الكلبة رمزًا للحرية والوفاء، ويستمر شعور ماكسيم بالارتباط العميق بماضيه وهويته.

بقلم: بول يون

انتظر ثلاثة أسابيع حتى يتلقّى ردًّا من والده، وخلال ذلك الوقت كانت كلبته تتبعه خارجًا عند ذهابه لتفقّد بريده باحثًا عن رسائل ينتظرها، تسترق النظر حينها إلى الطيور الواقفة على أسلاك الهاتف، ثم إلى العمال المهاجرين العاملين في الحقول.

في أحد الأيام وصل رنين الهاتف العمومي بالقرب من صناديق البريد إلى مسامعه، فسارع إلى الكشك، واكتشف أنها امرأة من فلاديفوستوك تجري استطلاعًا للمجتمعات الكورية في الشرق الأقصى الروسي.

استمرّ القائمون على الاستطلاع في الاتصال منذ انتخاب أول رئيس لروسيا. كان من عادته أن يغلق المكالمة عندما يجد أن المتصل أحد هؤلاء، لكنه اليوم لم يفعل ذلك. كان يجيب عن أسئلة المتّصلة بينما تستلقي كلبته بجانبه.

“لا، أنا لا أعمل في مزرعة الشعير. لا، نحن نستأجر المنزل”.

“نعم، الكهرباء تنقطع في كثير من الأحيان. نعم، الماء طعمه مثل القصدير. نعم، لدينا متجر للموادّ الأساسية، ولكن أقرب مدينة تقع على بعد ساعة جنوبًا”.

“نعم”. أجاب كاذبًا: “أذهب إلى المدرسة”.

“لا، أنا لا أستخدم الهاتف العمومي كثيرًا”.

تسأله: “لماذا”؟ 

“لأنه يجب عليك الدفع لاستخدامه”.

يسمع صوت خطها بالقلم وتدوينها، وينصت إلى صوتها محاولًا تذكر صوت والده.

سألته: “ما اسمك”؟ 

“ماكسيم”.

“كم عمرك”؟

“ستَّ عشرةَ سنةً”.

“كم عدد الأشخاص في منزلك، يا ماكسيم”؟

بدأ ماكسيم بإحصاء الأشخاص الذين يعيشون في صف المنازل المجاورة للمزرعة، إلى أن أدرك أن المرأة تريد عددَ أشخاص عائلته فقط.

فردَّ قائلًا: “اثنان في عائلتنا”، وهو يعلم أن هذا لم يعد صحيحًا.

أنهى مكالمته مصدِرًا بعض الضوضاء التي أيقظت كلبته، فتبعته عائدَيْنِ إلى المنزل، وبمجرد وصوله بأمان إلى الداخل حتى انطلقت هي في الحقل باتجاه الغابة البعيدة. الغريب أنها لا تنتمي لأحد، غير أنها بقيت تتبعه طوال الأسابيع الماضية، فهو يترك الباب مفتوحًا لها، رغم أن عمّه ما كان سيسمح بذلك أبدًا، ولكنّه مات منذ ثلاثة أسابيع، فهل يهمّ ذلك الآن؟

إن ماكسيم حرٌّ مثل هذه الكلبة، فهو يفعل ما يريد، ويلبس ما يريد، ويأكل عندما يريد أن يأكل. إنه لا يرتّب الفراش على الأرض، ولا يهتمّ إذا ما تحطّمت إحدى الكؤوس الزجاجية، مُستيقظًا على أثره من حلم بات يراوده دائمًا، يرى فيه الناس تتحدث إليه بلغات مختلفة لم يسمعها من قبل. لا يوجد من يفسّر له الحلم، أو يوبخّه على ما يفعل، أو من يخبره أن يبحث عن عملٍ في البقالة حتى يكسب بعض المال للمنزل.

لا يوجد سوى أغراض عمه منتشرة في كل مكان: قبّعة البيسبول المعلقة على الحائط، وكوبه المصنوع من الستنالس ستيل، وكومة مجلات السيارات في هذا المنزل ذي الغرفة الواحدة، الذي عاش فيه ماكسيم لفترة أطول تفوق فترة غياب والده. هناك يقف الباب الذي ينفتح دائمًا بفعل رياح الصيف في نهايته، وفي الخارج حقل الشعير الذي لم يُسْقَ بماء المطر منذ فترة طويلة، وكافية ليعرف ماكسيم أنها كانت سنة سيّئة؛ تلي عدة سنوات سيّئة، وأن هنالك حديثًا عن عدم عودة العمال المهاجرين للعمل.

ومن خلال إطار الباب ما يزال بإمكانه رؤية آثار إطارات سيارة عمّه الأجرة، إذ جاءت الشركة منذ عدة أيام وأخذتها. وبينما كان جيرانه يراقبون ألقى سائق الشاحنة خريطة طريق إلى ماكسيم، وأخبره أنها كانت موجودة في الصندوق أمام مقعد الراكب في سيارة عمّه. انتظر ماكسيم حتى أصبح بمفرده ليفتح الخريطة، متسائلًا عما إذا كان هناك شيء آخر مطويّ فيها بالصدفة، رسالة سرية له مثلًا. لكنها كانت مجرد خريطة، نادرًا ما استخدمها عمه؛ لأنه كان يعرف الطرق جيدًا.

وجد ماكسيم رسالة في صندوق البريد بالأمس تخبره أن عمه يدين بالمال لمالك سيارة الأجرة، وفي الشهر المقبل سيدين ماكسيم بإيجار المنزل. وللمرة الرابعة هذا الأسبوع يذهب إلى متجر البقالة ليسأل المالك عمّا إذا كان يمكنه فعل أيّ شيء اليوم؟ يتجاهله المالك، وهو يفتح صناديق الرامين الفوري بينما يصف مذيع الأخبار على شاشة التلفزيون مناوشة على الحدود مع الشيشان.

ثم يرمي الرجل لماكسيم حزمة من الرامين ويقول: “لماذا تستمرون جميعًا في تناول هذا الهراء فقط”؟

في وقت لاحق فتح ماكسيم الخريطة مرة أخرى وتمعّنها، ولكنه لم ير الشيشان هناك. بل هناك جزيرة سخالين، شرق مكان وجوده، وبجوار بحر اليابان، شكلها يشبه سمكة عملاقة قافزة، ويبلغ طولها 950 كيلومترًا وعرضها 160 كيلومترًا. رسم ماكسيم طريقًا من ساحل البرّ الرئيس إلى ساحل الجزيرة، لمسافة 100 كيلومتر ذهابًا وإيابًا، كما يعتقد، وفي تلك الأثناء يكتشف بلدة تسمى تيرني على البرّ الرئيس يمكنه الوصول إليها في غضون ساعات قليلة.

لا يعرف ماكسيم ما إذا كان والده لا يزال يعمل في سخالين أو إذا تلقى الرسالة التي تخبره بوفاة شقيقه، عمّ ماكسيم. لم يعد يعرف ما طعام والده المفضّل بعد الآن، لا يعرف إن كان سمينًا أو نحيفًا، أو إن كان يتحدّث باللغة الروسية أو الكورية في معظم الأيام.

غادر والد ماكسيم إلى الجزيرة قبل خمس سنوات، أو في الواقع قيل له أن يغادر، ولم يره ماكسيم منذ ذلك الحين.

 تهبّ الرياح ويُسمع صفيرها، يطهو ماكسيم الرامين في الميكروويف، ويحدّق في التقويم المعلّم بخطّ يد عمه، غير قادر على فهمه. اليوم هو اليوم الأخير من شهر أغسطس.

ينتهي الشهر، ويبقى صندوق البريد فارغًا. بعد يومين أغلق ماكسيم الباب خلفه، وسار إلى حيث يصعد العمال المهاجرون إلى سطح شاحنة صغيرة خلفيّ، وسأل عما إذا كان يمكنه الركوب معهم. كان العمال كوريي الأصل من أوزبكستان، وهم يأتون إلى هنا منذ سنوات. طلب منهم الركوب وهو يعلم أنهم يتّجهون شرقًا إلى مزرعة أخرى قبل أن يتّجهوا جنوبًا لقضاء الشتاء هناك.

ماكسيم يقف على الطريق حاملًا حقيبة ظهر على كتفيه، يرتدي سترة دنيم وقبّعة البيسبول الخاصة بعمّه. يحمل ماكسيم بعض المال الذي كان يحتفظ به تحت فراشه بيده، ولكن الأوزبكي الذي كان واقفًا بالقرب منه طلب منه الاحتفاظ بهذا المال. قال الأوزبكي باللغة الكورية إنهم آسفون لسماع ما حصل لعمّ ماكسيم، وأن الرجل كان يوصلهم بلا مقابل. عندها بادر العمال لمساعدة ماكسيم على الصعود، وسألوه إلى أين يريد الذهاب.

فقال: “تيرني”.

في أثناء شروع الشاحنة بالتحرّك قفزت الكلبة على السطح الخلفيّ، فأضحكت جميع الأوزبك. نظرت مرة أخرى إلى الطيور الموجودة على الأسلاك بينما يهمّ الجميع بمغادرة المزرعة.

“هل ما يزال والدك على الجزيرة؟” صرخ الأوزبكي بجانبه لينتقل صوته عبر الرياح مع حركة الشاحنة، وهم يسرعون عابرين غابة ذات أشجار عالية، “هل لا يزال في المعسكر؟”

لا يعرف ماكسيم ما الذي يعتقدونه بشأن والده، لذلك أومأ برأسه ممسكًا بالكلبة بينما الشاحنة تهتزّ.

يعمل والد ماكسيم حارسًا في السجن، حسنًا على الأقلّ هذا ما يعرفه ماكسيم منذ آخر محادثة بينهما؛ أن والده يعمل في سجن الجزيرة. يطلق كبار السن على هذا السجن اسم “المعسكر”؛ لأنه كان معسكرًا للعمل يديره اليابانيون، عندما استولوا على النصف الجنوبي من الجزيرة. جمع الجنود اليابانيون آلاف الكوريين خلال زمن الحرب، وأخذوهم إلى ذلك المعسكر لقطع الأشجار وتحضير لبّ الورق واستخراج الفحم. كان جدّ ماكسيم أحد العمال عندما كان في العشرينات من عمره، وعندما انتهت الحرب لم يعد كثير منهم، ومنهم جدّ ماكسيم، إلى ديارهم أبدًا. أخذوا قاربًا واتّجهوا غربًا في بادئ الأمر إلى فلاديفوستوك، ثم في النهاية إلى الداخل شمالًا، حيث استقرّوا.

هذه هي قصة عائلتهم، بل هي قصة جميع العائلات التي تستأجر مكانًا للعيش في المزرعة تقريبًا.

كان ماكسيم يستغرب دائماً من ذهاب والده إلى العمل حيث كان جده مسجونًا. وقد سأل عمّه ذات مرّة عن ذلك، لكن عمّه أجابه: “وجود والدك هناك أفضل من وجوده هنا”، فقط، وترك الأمر عند هذا الحدّ.

قطعوا بقية الطريق في صمت، فتتحوّل الغابة إلى مروج، ومن ثم إلى تلال وكثبان، وفجأةً تنتشر رائحة البحر، وتُرى الطيور البحرية. عندما وصلوا إلى تيرني أعطاه الأوزبكي، الذي كان يتحدّث إليه، قطعةً من الورق تحمل عنوانًا بالقرب من فلاديفوستوك، وأخبر ماكسيم أنهم غير متأكّدين من أنه سيكون هناك عمل في المزرعة في العام المقبل، وأن عليه إذا لم تَسِرِ الأمور معه على ما يرام أن يأتي إليهم.

قال الأوزبكي: “سنلتقي مرّةً أخرى”.

قفزت الكلبة وراء ماكسيم من الشاحنة، ودخلا معًا بلدة التلّ واتّجها مباشرةً إلى الساحل. هواء الظهيرة مغبرّ وبارد، يُسمع من خلاله صوت ثقيل لم يدرك ماكسيم بعد أنه صوت حركة الماء. لقد سار في الطريق لمدّة ساعتين فقط، وهو يشعر بالفعل بأنه في عالم بعيد. يمسك بأحزمة حقيبة ظهره، ويخالجه شعور بالارتياح لوجود الكلبة معه. يستمرّ بالمشي وهو ينحني تحت حبال الغسيل، بينما تسرق الكلبة بعض الماء من إحدى الدلاء، وفي تلك الأثناء تراقبها الكلاب الأخرى، ثم تختفي في الأزقّة، وماكسيم يتجنّب النظر إلى النوافذ قدر الإمكان.

يخطر ببال ماكسيم أنه لا يعرف الطريق الذي سلكه والده إلى الجزيرة. ولسنوات عديدة كان يتخيّله وهو يرتدي زيَّ الحراس ويمسك بهراوة، وتساءل كيف غيّرت الهراوة الطريقة التي يضرب بها الرجال. كان خوف ماكسيم الأكبر عندما كان طفلًا هو من أن والده سيستخدم ذات يوم سكين المطبخ لإيذائه.

يجد طريقًا يسلكانه إلى الشاطئ، فرحَيْنِ برؤية الماء، تقفز كلبته ببهجة في الماء وتعود، بينما يمشي هو على الرمال، وهو يستمع ويشاهد. لقد صادف بعض المنازل الخشبية، ومطعمًا، ثم مرآبًا فيه ألواح ركوب الأمواج مكدّسة على الرفّ. يعود إلى المطعم، فيرى امرأة ذات شعر رماديّ تقف خلف المنضدة وهي تهمّ بمسحها. تتمتع عيناها بثبات جعله يشعر بارتياح دفعه لسؤالها باللغة الروسية عما إذا كانت تعرف أيَّ شخص يمتلك قاربًا. 

تنظر إليه، ثم تشير نحو الجرف، وتقول إنه إذا استمرَّ في السير فسوف يجد الصيادين.

لذلك يمضي قُدُمًا. يمشي بجوار بعض الصخور الكبيرة البارزة من الماء، مثل الجُزُر الصغيرة. وعند وصوله إلى قاعدة الجرف يرى الزوارق البخارية راسية على الشاطئ، ومجموعة من الأكواخ قريبًا من هذا الجرف. يزداد صوت المحيط، ويُسْمَع أعلى من هنا، وفي كل مكان. لم يستطع معرفة ما إذا كان هناك أحد الأشخاص خلفه، فأخذ يستدير بين الفينة والأخرى لينظر، وعندما استدار من جديد، رأى مجموعة من الناس تقترب منه قادمةً من الأكواخ.

“أهذا كلبك”؟

يقول ماكسيم: “إنها لا تنتمي لأحد”.

قال رجل: “إذن يمكننا أن نأخذها”.

صمت ماكسيم، ووقفت الكلبة جامدةً وصامتةً أيضًا. هناك امرأة تقف خلف مجموعة من الرجال، تدخن سيجارة، ويبدو عليها الملل. استفسر ماكسيم ما إذا كانت القوارب الراسية هنا ملكًا لهم؟ ولكن عندما لم يُجِبْهُ الرجال سألهم ما إذا كان بإمكان أحدهم أن يأخذه إلى سخالين؟

أضاف ماكسيم: “أستطيع أن أدفع”.

سأل أحد الرجال ما إذا كان ماكسيم يابانيًا، وما إذا كان اليابانيون يواصلون القدوم إلى هنا حاملين معهم ألواح ركوب الأمواج والزلاجات المائية. فقال الرجال: “لا نريد أموالك اليابانية”! ولكن بعد برهة قالوا: “أثبت لنا أنك تمتلك المال”.

زمجرت الكلبة، وعلى أثرها استدار ماكسيم بسرعة، وأخذ يركض بعيدًا. كان يعد حتى 30، ومقابل كل رقم يخطو خطوة. 28… خطوة… 29… خطوة… يدور للخلف ويداه مشدودتان. لم تتحرّك المجموعة، لكنهم لم يعودوا مهتمّين به.

أصبح الآن لوحده، هو والكلبة فقط، يقتربان من الصخور الكبيرة التي مرّا بها، وبدآ الدخول في الماء. تراقبه الكلبة من الشاطئ، الصخور زلقة، ولكن ماكسيم يواصل السير بحذر. يذهب إلى أبعد ما يستطيع دون أن تتطاير الأمواج فوقه، وينظر إلى الأفق الشاسع أمامه بحثًا عن الجزيرة، أو حتى عن اليابان.

ربّما سيحاول التوجه إلى مسافة أبعد عن الشاطئ في الاتجاه المعاكس، ويسأل شخصًا آخرَ، أو ربّما سيجرّب الذهاب إلى مدينة أخرى على الساحل. يتذكّر أن عمّه حاول أن يعلّمه السباحة في إحدى السنوات، لكنه لا يتذكّر الشاطئ الذي ذهبا إليه، إلا أن عمّه قد انتهى به المطاف إلى السباحة بمفرده، وبقي ماكسيم على الرمال يرقبه.

إنه يفكّر في الانتقال إلى هنا والعمل في مطعم. وبعد شراء هراوة سيضرب هؤلاء الصيادين واحدًا تلو الآخر، بينما الآخرون مقيّدون ومجبرون على المشاهدة.

ابتسم وهو يقفز عائدًا إلى الرمال، حيث تنتظره الكلبة، وهي تهزّ ذيلها. إن الشاطئ فارغ، وأصبحت النجوم الآن مرئية، ومياه غروب الشمس كثيفة ومتموّجة. إنه يشعر بانجذاب غريب نحو الشاطئ، ويسأل الكلبة: “وماذا نفعل الآن”؟

يجد نفسه مرة أخرى في المطعم، يخطو داخله ويسترق النظر، الأبواب الزجاجية مغلقة، والأضواء مطفأة، ولا أحد بالداخل. يجلس على الدرجات المواجهة للماء ويمدّ يده داخل جيب سترته. يخرج علبة سجائر لعمّه ويدخن واحدة، يساعده ذلك على تحمّل جوعه. ثم يدرك أنه لم يطعم الكلبة، ولم يحضر شيئاً لها، يا له من شيءٍ تافهٍ لينساه. فتح حقيبته كما لو أن الطعام قد يظهر بطريقة سحرية، لكنه الآن يدرك أن الكلبة نامت. وضع ماكسيم قدميه تحت جسدها ليشعر بالدفء.

يُوائِم تنفسه مع تنفس الكلبة، بدا جفناه ثقيلين وأخذا ينطبقان، غلبه النوم عالقًا في طقس هذا المحيط.

يستيقظ عندما يرى شخصًا يرفع حافة قبعة البيسبول، إنها المرأة التي كانت خلف المنضدة، تميل إليه. ليس لديه أيَّ فكرة عن الوقت – إن الوقت متأخر بما يكفي ليظهر انعكاس إضاءة المكان على الماء ليلًا. يمكنه رؤيتها هناك في الضوء الفضيّ، ثم يتساءل لماذا لم تنبح الكلبة؟ ويستدير ليبحث عنها.

“أين كلبتي”؟

تقول المرأة: “لا يوجد كلب. هل وجدت قاربًا”؟

يهزّ رأسه بالرفض. يبحث حوله عن آثار في الرمال.

“يمكنك محاولة البحث عن قارب مرة أخرى خلال يومين”.

“يومان”؟

“غدًا مطرٌ وضباب. ليس وقتًا جيّدًا لرؤية المعالم السياحية، أليس كذلك”؟

يقول ماكسيم وهو ينهض: “لست هنا لأرى المعالم”.

مرّةً أخرى تنظر إليه وتقول: “تعال”.

فيخبرها أنه سيبحث عن الكلبة، لكنها تقول: “الكلبة ستعود”.

لقد أدخلته إلى المطعم، إلى المنضدة، وأعطته بطانية وكوبًا من الماء، وأخرجت وعاءً للكلبة تركته بالخارج. سألها إن كان لديها أيَّ طعام للكلاب. فأخرجت وعاءً مملوءًا بالبسكويت المملّح والفول السوداني.

قائلاً: “هذا لكما”.

فتح الغطاء الرماديّ وأكل حفنة من الوجبة الخفيفة، ساعده الملح على الاستيقاظ. أخذ يشرب من الماء، وفتحت المرأة زجاجتين من البيرة، وأعطته واحدة، شربها بسرعة حتى شعر بالدوار، بينما هي ترشف من زجاجتها وتشاهد التلفاز. ظهر يلتسين [بوريس يلتسن: الرئيس الروسي السابق] على الشاشة يتحدّث عن الشيشان، كانت تنظر إليه، وهي تضغط على زرّ كتم الصوت، ثمّ تحوّل القناة إلى مباراة كرة قدم.

تقول: “أنا صوفيا”.

“ماكسيم”.

“كم عمرك يا ماكسيم”؟

قال كاذبًا: “في الثامنة عشرة. وأنت”؟

ضحكت. أخبرت ماكسيم إنه كان مطعم زوجها، لكنها لم تستمرّ.

أجاب ماكسيم: “لا أمانع في العمل في أحد المطاعم”.

“ربّما تمانع هي”. قالت صوفيا وهي تنقر بأظافرها على زجاجتها التي تشربها.

أخذ يتجوّل في المكان ويبحث عن الكلبة. ولأول مرة، سألته صوفيا عما يفعله هنا، فشرح لها ذلك، وهو يخرج المال أيضًا.

تحصي صوفيا النقود، وتعيدها إليه، ثم تقول: “أعرف شخصًا لديه قارب”.

فيقول: “لم تخبريني ذلك من قبل”.

تقول: “لم أكن أعرفك من قبل”.

يحاول أن يعطيها المال مرة أخرى لكنها ترفض. ظهر على شاشة التلفزيون حارس مرمى وهو يقفز ليلتقط الكرة. طلبت صوفيا من ماكسيم أن ينام، وأنها ستراه غدًا، وأطفأت الأضواء وهي تخرج من المطعم.

يستلقي ماكسيم على الأرض، كانت لزجة، ولها رائحة كالبيرة القديمة. ولكنه كان متعبًا جدًّا من رحلة اليوم. أخذ يركّز على موجات المحيط، ويفكر مرة أخرى في عمّه وهو يسبح في الماء.

لم تعد الكلبة في اليوم التالي، تصل صوفيا في الصباح وتأخذه إلى سفينة صيد قديمة صغيرة على رصيف الميناء. وتقول إنه قارب ابن أخيها، وأنها ستأخذه بنفسها. وهو لم يخبرها أنه لم يركب قاربًا من قبل.

لقد انسدلت ستارة من الضباب على الساحل، كان الهواء يدور حوله. وسرعان ما انطلق القارب بعيدًا عن الأرض، وأبحر شرقًا إلى بحر اليابان، وسط ضباب يزداد كثافة كلما تقدّموا. جلس على أرضية القارب بجانبها، وضمّ ركبتيه إلى صدره وعيناه مغمضتان، في انتظار زوال الغثيان والدُّوار الذي أصابه.

تستغرق هذه الرحلة ساعات. في البداية كان يبقي عينيه مغلقتين، وبعد حين اعتاد على إيقاع القارب وضجيج المحرك، ومع انحسار الغثيان، وقف وأخذ ينظر من فوق كتف صوفيا. لا يستطيع رؤية جزيرة سخالين بسبب الضباب، ولكن تظهر لمحات منها، فيرى الميناء والتلال الخضراء الشاهقة بالقرب من الماء. إن الميناء أكثر ازدحامًا مما كان يعتقد، إذ يمكنه رؤية صيادين على الرصيف وسفينة شحن في الأسفل قليلًا، كلّ شيء يختفي ثم يعود للظهور في وسط ذلك الضباب.

كان ربّان القارب هناك يبحث عن مساحة فارغة للرسوّ بسرعة، وهي تسأل كم من الوقت يحتاج ذلك.

لم يفكّر في ذلك، ولكنه يشعر بطاقة جديدة وهو يرفع حقيبة الظهر؛ قلبه ينبض بسرعة.

يتراجع غير متأكّد مما إذا كانوا قد لاحظوه، لكن اللغة التي يتحدثون بها بينهم تلفت انتباهه، لم يسمع مثلها من قبل.

تقول صوفيا: “لا أستطيع البقاء هنا. لذلك سأعود غدًا عند الظهيرة. وإذا لم تكن هنا، سأتّصل بالشرطة، اتفقنا”؟

أومأ بنعم، وهو يكاد يطلب منها أن تبقى معه. قفز من القارب واستدار لها، قائلًا: “كلبتي”!

تردّ صوفيا: “نعم،”سوف أجدها”.

يشدّ أحزمة حقيبة الظهر، ويغيب مسرعًا عبر الضباب إلى أسفل الرصيف. توافدت الطيور البحرية لتلتقط الفتات في الشارع الرئيس. وفي كل مرّة تنطلق سيارة خارجة من الضباب تتفاجأ الطيور وتنتشر.

يسلك ماكسيم دربًا يتّجه لأعلى التلّ. إنه يعلم أن السجن ليس بعيدًا عن الرصيف؛ يريد الوصول إلى أرض تعلو الضباب. ولكن كلما ارتفع إلى أعلى قلّت قدرته على الرؤية، والرياح تهبُّ عليه. عند المنعطف يجد رجلين راكعين بجانب صخرة، واحد منهما يضع شيئًا ما في حقيبة من القماش الخشن. فيتراجع، غير متأكّد مما إذا كانا قد لاحظاه، لكن اللغة التي يتحدّثان بها تلفت انتباهه، لم يسمع مثلها من قبل. ثم سمع الرجلين يناديانه.

يسأل ماكسيم، باللغة الروسية، ما إذا كانوا يعرفون مكان السجن؟

الرجل الأقرب إليه يبتسم قائلًا: “هل ستسلّم نفسك للحراس”؟ 

يقول ماكسيم: “والدي يعمل حارسًا فيه”

ابتسامة الرجل لا تختفي. ويقول: “إن مساره سينتهي قريبًا عند تقاطع ثلاثة طرق خذ الطريق في أقصى اليمين، سوف يوصلك إلى هناك. ولكن ابقَ على حافة الطريق، فالناس يسرعون هنا”.

شكرهما ماكسيم، وقبل أن يذهب، سألهما عن اللغة التي يتحدّثان بها.

وبدلًا من إجابة سؤاله قال الرجل: “أنت شخص كوريّ (Koryo Saram) [يعرف هذا المصطلح بـ”الكوريون القارّيون”، وهم مجتمع عرقي كوري كانوا يعيشون في جزيرة سخالين]، أليس كذلك”؟

يجيب ماكسيم: “نعم. (Koryo Saram) شخص كوريّ”. 

“لقد كنا هنا قبل وقت طويل من وصولك يا صديقي”.

الرجل يستمرّ في الابتسام وهو يقول: “وداعًا”. يرفع رفيقه حقيبة القماش الخشن، ويسير كلاهما في الطريق نفسه، ويختفيان في الضباب.

يجد ماكسيم الطرق الثلاثة، ويسلك أقصى يمينها. يبقى على حافة الطريق كما أوصاه الرجل، سائرًا في وسط حقل خالٍ يذكّره بالمزرعة. وبعد نصف ساعة تقريبًا يظهر السجن: أسوار عالية، وأسلاك شائكة، وبرج. وعند المدخل الرئيس كشك بداخله حارس.

وعندما لاحظه الحارس قال ماكسيم اسم والده، وقال إن والده يعمل حارسًا أيضًا، وأنه يبحث عنه وأن هذا مهم. وأضاف مخبرًا الحارس أنه إن لم يصدقه، فعليه أن يسأل. 

يضع الحارس المجلة التي كان يقرأها جانبًا ويميل إلى الأمام: “هل أنت ابن فاسيلي”؟

أومأ ماكسيم بنعم.

تحقّق الرجل من قائمة ما، وقال إن نوبة حراسة فاسيلي لم تبدأ بعد، وأضاف: “إنه في المنزل. اذهب إلى هناك”.

لا يعرف ماكسيم أين يقع ذلك المنزل.

تردّد الحارس قليلًا، ثم قال: “عد إلى الطريق، انعطف يمينًا واستمرّ في السير حتى تصل إلى تلة حيث تطلّ مجموعة من المنازل على السجن. لولا الضباب لرأيت المنازل من هنا. هل أنت حقًا ابن فاسيلي”؟

لم يجب ماكسيم. لقد قضى في الجزيرة الآن أكثر من ساعة، تصور سفينة صيد صوفيا وهي في طريق عودتها إلى البرّ الرئيس. كلما تعبت ساقاه أكثر أصبح الضباب أشبه بالمحيط والأرض تطفو عليه.

وصل إلى المنازل، إنها مبنية جيّدًا، ولها أسقف جديدة وقوية، وهو النوع الذي يودّ أن يعيش فيه يومًا ما. كان يتساءل أيّ واحد لوالده، حين رآه فجأة خلف نافذة المنزل الأول. رأى فاسيلي يخرج من الخلف، ويشعل سيجارة، ويتّجه نحو الطريق.

“ماكسيم”!

وقفا متواجهين. لم تفارق عينا ماكسيم والده، بينما جلس فاسيلي على مقعد بجانب طاولة النزهة في الفناء الخلفي، مواجهًا السجن بالأسفل، رغم أنه لا يكاد يُرى الآن.

خمس سنوات على لقائهما، بدا وكأن كلّ تلك الأيام لا تهم، فهو لا يستطيع أن يتذكّر واحدة منها.

يجلس ماكسيم مقابله على المقعد الآخر، ومن هنا يستطيع رؤية الجزء الخلفيّ من المنزل، حيث تحدّق بهم امرأة من خلال المدخل. كانت ترتدي رداء حمام، وعندما خرجت، طلب منها والده العودة إلى الداخل، لكنها لم تستمع لكلامه. إنها في عمر فاسيلي، ولها شعر طويل جدًّا غسلته وجفّفته بالمجفّف. تختلط رائحة السجائر من حولهم برائحة الشامبو الذي غسلت به.

تقول: “أهذا ابنك”؟ ولكن فاسيلي لم يردّ عليها، ولم يفعل ماكسيم ذلك أيضًا. كان ينظر إلى والده، وهو حليق الذقن لأول مرّة، يتذكر رؤيته كذلك فيها وهو يرتدي قميصًا مكويًّا.

تقول المرأة: “إنه لا يشبهك أبدًا”.

يقول فاسيلي: “إنه يبدو أفضل مني”.

“هذه هي الحقيقة”.

يقول والده: “هل ستبقى قليلًا”؟ 

تميل المرأة نحو أذن فاسيلي. تقول: “لا أريد ولدًا”! تعود إلى الداخل، وتذهب معها رائحة الشامبو العطرة.

“أنت جائع؟ هل تريد بيرة”؟ يقول والده. ثم يتابع: “كم عمرك الآن”؟

تهبّ عليهم الريح فتقرّب الضباب منهم، وتخفي وجود والده للحظة.

قال ماكسيم: “منزل جميل”.

“وظيفتي جيدة، ثابتة، كما أخبرتك”.

“هل عشت هنا طوال ذلك الوقت”؟

هزّ فاسيلي رأسه بالرفض: كان يعيش بعيدًا في مجمّع سكنيّ. بنت الحكومة الجديدة المنازل هنا، إذ عملت قرعة للحراس المهتمّين، وكان هو أحد الفائزين، وقد انتقل إلى هنا العام الماضي.

كان ماكسيم يتصور والده وهو يفوز بمنزل، وهو يحاول أن يتذكّر ما إذا فازوا بأيّ شيء من قبل. وقال: “هذا حظّ جيد”. سحب والده نفسًا من سيجارته، وأغلق إحدى عينيه حتى لا يدخل فيها الدخان.

يقول فاسيلي: “أذكر تلك القبّعة”.

يخلع ماكسيم قبّعة عمّه للبيسبول ويضعها على سطح الطاولة.

يقول والده: “لم يكن يعرف شيئًا عن لعبة البيسبول، لقد أحبَّ القبعة فقط”.

فقال ماكسيم: “لقد كان يعرف القليل عنها”.

نظر والده إلى الأسفل وكأنه يتذكّر شيئًا ما، ثم سأل عن حال المنزل، ومن يعيش هناك هذه الأيام على طريق المزرعة ذاك، كان ماكسيم يفكّر في كيفية الإجابة. يودّ القول إنه كانت هناك سنوات سيّئة في المزرعة، لا يحصل متجر البقالة على ما يكفي من المال لتوظيفه، ولا يستطيع دفع إيجار الشهر المقبل. يريد أن يقول إنه غير متأكّد من أنه سيبقى هناك بعد الآن، ويفكّر في الذهاب إلى مكان آخر، إلا أنه لا يعرف إلى أين يذهب.

سأله ماكسيم: “هل وصلتك الرسالة”؟ 

“نعم”.

“لم تحضر الجنازة”.

يقول فاسيلي: “لم أكن أعرف ما إذا كان يريدني هناك. لم أكن أعرف إذا كنت ستريد ذلك أيضًا”.

ابتعد ماكسيم عن نظراته، واستدار نحو التلّ، وأشار إلى الأسفل قائلًا: “هل كان أيّ من ذلك هو المعسكر”؟

“ماذا”؟

“معسكر العمل. جدّي”.

والده لا يعرف.

“هل تفكر فيه”؟ يقول ماكسيم: “عندما تعمل هناك؟ كنت لأفكّر فيه طوال الوقت، لو كنت أعمل هناك”.

يقول فاسيلي: “إذن، أنا سعيد لأنك لا تعمل هناك”. بعد فترة صمت خفّف صوته، وقال إن هناك كثيرًا مما يحدث داخل السجن فلا يمكنك التفكير في أي شيء.

يقول ماكسيم: “هل تعرف لماذا انتهى الأمر بجدّي حيث وصل؟ لماذا بقي في هذا البلد”؟

يقول فاسيلي: “نعم. لقد ركب القارب الخطأ”.

لا يستطيع معرفة ما إذا كان والده يمزح. ضحك والده بعدها، وماكسيم مذهول، لا يستطيع تذكُّر آخر مرّة سمع فيها ضحكه. كان يشعر وكأن رمادًا يُلقى على نار صغيرة بداخله.

يقول ماكسيم: “هل تتذكّر الكلب. في المزرعة”؟

يقول والده: “ليس هناك أيّ فائدة من الكلاب”.

“إنها من سلالة كلاب روديسيان ريدج باك، المنحدرة من أفريقيا. أخبرني العمال بذلك، لقد أخبروني ذلك عندما ركبت معهم”. 

“ما علاقة أفريقيا بي أو بك”؟

يقول ماكسيم: “أودّ أن أذهب إلى أفريقيا”.

فاسيلي يطفئ سيجارته: “لقد قطعت كلّ هذه المسافة لتسألني إن كنت قد تلقيت رسالتك، ولتتحدّث عن جدّك، وتخبرني أنك ذاهب إلى أفريقيا”؟

يقول ماكسيم: “لا. لقد جئت لأقول شيئين آخرين”.

والده ينتظر منه الحديث.

يشعر ماكسيم بصعوبة في الحديث، ينظر للأسفل ويمسك بحافة سطح الطاولة. يقول: “لا أعرف إذا كنت تخطّط للعودة للاطمئنان عليَّ. ولكن إذا كنت كذلك، فأنا لا أحتاج منك أن تفعل ذلك”.

يقول والده: “أنت لا تحتاج إلى أن أفعل ذلك، أليس كذلك”؟! 

يقول ماكسيم: “نعم. أنا بخير، أنا بخير بمفردي”.

يمدّ والده يده ويتراجع ماكسيم، فيضحك والده أكثر، وبعد ذلك، لمفاجأة ماكسيم، يمدّ يده بعناية أكثر ويمسك بيد ماكسيم. أخذ يده بلطف، كما لو كانا يدعوان معًا. كان ماكسيم يصبّ تركيزه ونظره على الضباب الذي يتجمّع تحته، فالطريقة التي يطفو بها حول ساقيه تشبه شيئًا قديمًا وغريبًا.

سأل ماكسيم: “هل تستخدم هراوة”؟

كان يتحدّث بهدوء، ولكن فاسيلي سمعه، فقال باستغراب: “ماذا”؟

“في السجن. هل تستخدم هراوة”؟

يشعر بضغط يد والده على يده. ينتظر لينكسر الصمت، لأن تتقطّع أنفاسه، ذلك الصدع المفاجئ في العالم، وكأنما يريده أن يحدث، رغم عدم فهمه لماذا يريد ذلك. إنها مثل الطريقة التي تعبر بها الكلبة حقول الشعير إلى الغابة، كما لو كان يجذبها هناك شيء لا تستطيع التحكُّم فيه.

ولكن لا شيء يحدث، والده لا يفعل شيئًا. ترك يد ماكسيم، واختفت هذه الرغبة التي كان يشعر بها بالسرعة التي جاءت بها. وفجأة امتلأ الهدوء بضوضاء غريبة: صفارة إنذار، تحذير، ملأ صوتها هذه الزاوية من الجزيرة. يعتقد ماكسيم أنها قد تكون طائرة، ولكن بعد ذلك تومض الأضواء الساطعة في الأسفل في السجن.

ومن داخل المنزل يرنّ الهاتف، وتظهر المرأة وهي تلوّح بالسماعة.

يذهب والده إلى الداخل، يعود بعد بضع دقائق، وهو يرتدي زيَّه العسكري.

يقول: “لقد هرب شخص ما. كلّ شيء على ما يرام. لا شيء يدعو للقلق. يحدث ذلك عدّة مرات في السنة”.

ماكسيم يشاهد شاحنة صغيرة تخرج من السجن، وتقترب من المنزل.

يقول فاسيلي: “أنت تعرف من هو؟ “إنهم دائمًا هؤلاء النيفك [النيفك: مجموعة عرقية أصلية تعيش في جزيرة سخالين]. فهم يخالفون القانون ويعاقبون عليه، ويعتقدون أنه يمكنهم الخروج. لأنهم يعتقدون أنها جزيرتهم، وأنهم يمكنهم فعل ما يحلو لهم. نحن نحاول، هل تعلم؟ نحاول أن نكون جيّدين معهم. حتى إننا نوظّف بعضهم حرّاسًا، ولكن كلّ ما يفعلونه هو مساعدة أحد أصدقائهم على الهروب”.

توقّف ماكسيم عن الاستماع إلى والده. إنه يفكّر في الرجلين اللذين التقى بهما على الطريق، الحقيبة الخشنة، ابتسامة أحد الرجال له، إيقاع لغتهما؛ شعب النيفك.

تتوقّف الشاحنة أمام المنزل، يتّجه ماكسيم نحوها مع والده. يتابع فاسيلي كلامه: “هل تعلم؟ كلّ ما يفعلونه هو العودة إلى المنزل. العالم يتغيّر، وسوف يتغيّر دائمًا، وسيظلون دائمًا على حالهم. لماذا تعتقد أنهم كذلك؟ هؤلاء الحمقى العنيدون”.

وقبل أن يتمكّن ماكسيم من الردّ على أيّ شيء يقول والده: “ماكسيم، ما الشيء الثاني”؟

“الشيء الثاني”؟

يقول والده: “هذا الذي أردت أن تقوله لي. لقد قلت إنك جئت لتقول شيئين. ما الشيء الثاني”؟

في غرفة القيادة حارسان يحملان بنادق، ويحدّقان في ماكسيم.

يقول ماكسيم: “هل هناك أيّ شخص آخر”؟ 

“أيّ شخص آخر”؟

يقول ماكسيم: “في عائلتنا. هل هناك أي شخص آخر، في مكان آخر”؟

“لا أعرف، ولا أريد أن أعرف”، يقول فاسيلي، وهو يقفز إلى صندوق الشاحنة الصغيرة الخلفيّ.

تسرع الشاحنة بعيدًا، كانت المرأة واقفة عند الباب الأماميّ، ولكن ماكسيم يتجاهلها. إنه يشعر بالحرارة الباقية متركّزة في راحة يده بعدما أمسك بها والده. يظلّ يشعر بذلك في أثناء مروره بالسجن والعودة إلى الطريق. في الميناء يبحث عن سفينة الصيد وعن صوفيا، إذا لم تكن قد غادرتر. كان بعض الصيادين يحدّقون في التلال، في مصدر الضوضاء.

عندها أدرك أنه نسي قبعة البيسبول التي كان يرتديها عمّه على طاولة النزهة. للحظة يصبح الهواء ساكنًا، لا يرى شيئًا في الضباب سوى الضوء الساطع؛ الكلبة في الحقل، وعمّه يسبح. يمدّ يده، ثم تمرّ بالقرب منه سيارة سريعة وقاتمة، وتكاد أن تمسه بينما يستمرّ صوت الإنذار بصوت أعلى الآن، في جميع أنحاء الجزيرة.

المصدر

مقالات ذات صلة