القائمة الرئيسية

قد تكون البساطة أنيقة، إلا أن المكان لا يُسمى منزلًا إلا بالفوضى

قد تكون البساطة أنيقة، إلا أن المكان لا يُسمى منزلًا إلا بالفوضى
ملخص المقال

تتناول الكاتبة آني ميدوري أثيرتون تجربة الاحتفاظ بالأشياء العاطفية والموروثة عبر الأجيال، مثل الورق الزجاجي الأحمر، وصناديق بطاقات عيد الميلاد، وملابس قديمة، التي تحمل ذكريات ومراحل حياتها وحياة أقاربها الراحلين، وتربطها بالحاضر وعائلتها الصغيرة. توضح كيف أن هذه “الفوضى العاطفية” تمنح المنزل عمقًا معنويًا وعاطفيًا، فهي تمثل روابط مع الأشخاص والأوقات الماضية، وتساعد على معالجة الفقد والألم مع الحفاظ على لحظات الفرح. وتبرز المقالة أن اتخاذ قرار ما يجب الاحتفاظ به أو التخلص منه عملية مستمرة وعاطفية، تعكس تعقيد الحياة البشرية، حيث يصبح المنزل بمثابة متحف شخصي يخلّد الذكريات ويعزز شعور الانتماء والارتباط العميق مع الحياة الماضية والحاضرة.

بقلم آني ميدوري أثيرتون

في درج طاولة السرير الجانبية مثبت ورق زجاجي أحمر اللون، كان يملكه والدي من قبلي، الذي توفي مؤخرًا، ومن قبله جدته، شكله مكعب، مع زهور مرسومة بدقة على كل جانب، ووزنه ثقيل في يدي، لكنني نادرًا ما أستعمله؛ إذ لا أستعمل أوراقًا تحتاج التثبيت. يحتل هذا الجسم مساحة قيّمة يمكن استخدامها لكتاب، أو مناديل، أو أي شيء آخر أستخدمه بالفعل، ومع ذلك، أحتفظ به، جنبًا إلى جنب مع بعض القطع الأخرى مما يمكن أن تسميه “الفوضى العاطفية”؛ أشياء غير عملية ذات معنى، مثل صندوق من بطاقات عيد الميلاد القديمة، وقطعة من صدفة متكسرة، وبطاقة لمقهى لم يعد موجودًا.

أعيد التفكير بهذه الذكريات المرتبطة بالأشياء بينما أحاول تنظيف الشقة الصغيرة التي أشاركها مع زوجي وطفلتي الصغيرة، لكن لا يبدو أنني قادرة على التخلص من الفوضى العاطفية، لذلك تتراكم في زوايا الغرف، ليصبح المنزل كمتجر للأثاث المستعمل، وليس متجرًا أنيقًا ومرتبًا. ليس من الضروري أن أحب مظهر الأشياء المتنوعة والمبعثرة المزدحمة في زوايا منزلي؛ لأن الفوضى تُشبع احتياجًا عاطفيًّا أعمق. تمثل هذه الأشياء مجتمعةً كل مرحلة من مراحل حياتي، وحياة الأقارب الذين توفوا، والآن حياة ابنتي التي لم تتجاوز سنتين بعد، تربطني بالأشخاص والأوقات التي قد تضيع وتُنسى بخلاف ذلك.

على طاولة التزيين صندوق معدني يحتوي على تذاكر رحلات قديمة جدًّا، بالكاد أتذكرها، تتراكم تحت السرير الملابس القديمة، بما في ذلك القميص المزخرف الذي ارتديته في عيد ميلادي الحادي والعشرين، لم أجرب ارتداءه منذ أكثر من عقد من الزمان، لكن عندما أخرجه، وتلامس أصابعي حوافه الرخيصة، أتذكر نفسي عندما كنت حرة، بمسؤوليات وأهداف أقل؛ حتى الآن، تنقلت هذه الأشياء الصغيرة عبر 12 شقة مختلفة، أذكر ذواتي السابقة حتى عندما أبدأ من جديد.

وتوجد أشياء مخبأة أكثر في غرفة نومي في بيت والديّ، التي طلبت مني أمي أن أرتبها منذ ما يقرب من عشرين عامًا، في بعض الأحيان أتحدى الفوضى العاطفية وأتبرع ببعض قمصان الأندية القديمة، ولكن فكرة التخلي عن دفاتر المدرسة ورسائل الأصدقاء تبدو مرهقة بشكل غريب، كيف كنت مقربة لهذه الفتاة التي لم أرها منذ عشرين عامًا؛ إذ كتبت لي رسالة مفعمة بالحب وأعدّت لي كولاجًا شخصيًّا؟ كيف استمرت علاقتي مع زملاء آخرين؟ تأسرني هذه الذكريات التي تغمرني بشعورٍ ما بين الحلاوة والمرارة.

تشكل الأشياء الأخرى تكريمات صغيرة للأشخاص الذين فقدتهم؛ في النصف الأول من العام الماضي، توفي والدي ووالد زوجي وجدي لأسباب غير مرتبطة، تدفقت ممتلكاتهم بعد ذلك إلى منزلنا، لم نتفق بعد على ما يجب فعله بها؛ لذا في الوقت الحالي، يشغل الحذاء الذي ارتداه والد زوجي في حفل زفافنا مساحة في خزانتنا، زوجي يخطط للتبرع به، ولكن ليس الآن، أتفاجأ أحيانًا برؤية هذه الأشياء، وأتساءل عما إذا كانت تساعدنا على الشفاء أم تعيقنا عن الاستمرار في الحياة.

قد يبدو ملء مساحاتنا بالرموز الأليمة من الماضي خاطئًا، ولكن وفقًا لناتاليا سكريتسكايا، وهي عالمة نفس وباحثة في جامعة كولومبيا في مركز الحزن المطوّل، فإن الاحتفاظ بالأشياء التي تحمل مشاعر مختلطة أمر طبيعي، قالت لي: “نحن مخلوقات معقدة”؛ عندما أتأمل الفترات البارزة من حياتي، أجد أنها لا تخلو تمامًا من الحزن، فالألم يوجد عادةً بالقرب من الفرحة، ويعزز من تلذذنا بها، أريد من منزلي أن يعكس هذا التدرج. بالتأكيد في بعض الحالات يمكن أن يمنع التمسك بالممتلكات القديمة الشخص من معالجة ألم الفقد، كما قالت سكريتسكايا، ولكن تجنب الارتباطات الحزينة جميعها ليس الحل أيضًا؛ فيستحيل تطهير مساحاتنا من علامات الحزن جميعها، وإن خلت الغرف جميعها من علامات المعاناة، ستخلو أيضًا من العمق المعنوي والعاطفي.

اتخاذ القرارات بشأن ما يجب الاحتفاظ به وما يجب التخلص منه هو عملية مستمرة وعاطفية لا يشعر الشخص فيها بالانتهاء أو اليقين تمامًا، يمكن أن تتذبذب الحدود بين التخلص من الأشياء “بما فيه الكفاية” و”بشكلٍ مبالغ فيه”، حتى لو كنت أنا من يضعها، يمكن لانقلاب بسيط في مزاجي أن يحول شيئًا محبوبًا إلى مزعجٍ في لحظة واحدة، لا يكون هذا الشعور أقوى من عندما أبحث بشكل هستيري عن مفاتيحي، أو بعض الأوراق المهمة، مثل هذه اللحظات تجعلني أشعر أن حياتي فوضوية، وأنني أفتقر إلى السيطرة على محيطي (إذ قُدِّمَت العديد من الأشياء لي، ولم أخترها بشكل متعمد)، ومع ذلك، تجد الأشياء طريقها إلى مساحتنا المحدودة كلما تتلقى ابنتنا ألعابًا وكلما اكتسبنا المزيد من المعدات، وبينما أتخلص بالفعل من بعض ممتلكاتي بشكلٍ شبه منتظم، أنا متأكدة أنني أمتلك أكثر بكثير مما قد يوصي به أي منظم محترف.

من ناحية، يُعد المنزل متحفًا شخصيًّا، قد تربطنا بعض الأشياء فيه بأحداث تاريخية أكبر، لا يُمثل ملصق حقيبة سفر جدي المصفر الرحلات التي اختار القيام بها في وقت لاحق من حياته فقط، ولكن أيضًا تلك التي اضطر إليها في السنوات السابقة، فقد كان مراهقًا أمريكيًّا من أصول يابانية خلال الحرب العالمية الثانية؛ إذ نُقِلَ إلى معسكر اعتقال. قد يعني البعض الآخر شيئًا فقط لأولئك الذين يعرفون مستخدمي الأشياء، كالـ “لوحة” الأولى التي رسمتها ابنتي، والتي كادت تجعلني أنا وزوجي نبكي، إنها مجرد بضع نقاطٍ متناثرة، ولكن فكرة اختيارها لمكان وضعها كانت مؤثرة بشكل غريب، فهي تمارس لأول مرة الحرية الإبداعية، ما زالت اللوحة مُلصقة على باب الثلاجة، تكرّم هذه القطع سكان منزلنا وتخلد ذكرى الأشخاص الذين شكلوا حياتنا.

خلال إحدى زياراتي الأخيرة لرؤية والدي في منزله، أعطانا كرسي طعام خشبيًّا عتيقًا كان في منزل طفولته، حيرتني فكرة أن والدي، الذي بدا أطول من المعتاد وهو مستلقٍ على السرير، قد جلس في هذا الكرسي الصغير في طفولته، أخذنا الكرسي إلى المنزل لابنتي، التي بدأت للتو في تناول الطعام الصلب، بعد عدة أيام، رحل والدي، وبقي الكرسي.

معظم عائلتي، بما في ذلك والدي، لم يعيشوا حياة استثنائية بشكل خاص، لم تُنقَش أسماؤهم على المباني أو تُرفق بمنح دراسية، قلة فقط من يفكرون فيهم حتى الآن، ومنهم أنا، لكن ممتلكاتهم الشخصية لا تزال موجودة وتقول: كان يوجد شخص يمتلكني، وأثناء قيامي بمهامي اليومية، مثل طي الملابس، أو التفكير في خطة اليوم، تذكّرني الفوضى العاطفية بالأشخاص الذين ملأوا حياتي يومًا ما، ويملؤون شقتي اليوم. 

المصدر

 

مقالات ذات صلة