القائمة الرئيسية

الشيطان الذي يسكنها

الشيطان الذي يسكنها
ملخص المقال

يتناول المقال حياة وأعمال الروائية والفيلسوفة الأمريكية سوزان توبيس، مركّزًا على روايتيها “Divorcing” و“Lament for Julia”، ويبرز صراعها مع الاكتئاب والاضطهاد الثقافي لفكر النساء في الأدب. تُظهر الروايات تجربة نسائية عميقة وشخصية، حيث تجسد توبيس صراعات الهويات، العلاقات المعقدة، والانفصال النفسي والجسدي عبر شخصيات مثل صوفي وجوليا، مستخدمة تقنيات سرد مبتكرة كالمخاطبة غير المباشرة الحرة، والراوي الغامض أو الشبح. على الرغم من استهانة النقاد بروايتها خلال حياتها ووصفهم لها بـ“روائية أنثى”، اكتسبت أعمالها تقديرًا لاحقًا، سواء على مستوى الرواية أو الفلسفة، خاصة في سياق دراسة الغنوصية اليهودية وتأملاتها الميتافيزيقية حول الذات والعالم، لتصبح توبيس مثالًا على عبقرية تم تجاهلها، تجمع بين الجمال الشخصي والفكر العميق، وتطرح أسئلة وجودية حول الهوية، الجسد، والسلطة الثقافية على صوت المرأة.

بقلم جوديث شولفيتز

أغرقت الروائية الأمريكية سوزان توبيس نفسها قبالة ساحل شرق هامبتون عام 1969م عن عمر يناهز 41 عامًا، عانت من اكتئاب حاد لمدة طويلة، لكن عديدًا من الأصدقاء ظنُّوا أن السبب المباشر لوفاتها كان مراجعة صحيفة نيويورك تايمز الوحشية لروايتها بعنوان “Divorcing” (طلاق)، وهي الرواية الوحيدة من رواياتها التي نُشرت في حياتها. صدرت المراجعة قبل أيام قليلة من وفاتها فقط، استصغر الناقد هيو كينر، العمل الأدبي ووصفه بأنه مجرد تفاهات طنانة من “روائية أنثى”، كان كينر مخطئًا بشكل لا يغتفر، حيث تمت إعادة مراجعة الرواية عام 2020م من قبل صحيفة نيويورك تايمز، وهذه المرة، تمت الإشادة بها ووصفها تحفة فنية ذكية، وغير مهادنة، وتتجاوز الحدود، وبعد مرور أكثر من نصف قرن واندلاع ثورة نسوية، لا تزال الرواية تبدو أصلية تمامًا، ولا تزال صادمة، من المرجح أن يبدأ القراء الآن الرواية وهم يعلمون -إما من المراجعات أو من المقدمة- أن معظمها سيرة ذاتية، ما يزيد من حدة الصدمة.

صوفي بليند هي بطلة رواية “Divorcing” (طلاق) التي تروي قصة توبيس بشكل أو بآخر: طفولتها في المجر، وهروبها إلى أمريكا قبيل الاحتلال النازي، مع والدها الذي كان طبيبًا نفسيًّا مشهورًا وقام بتربيتها بنفسه، وشعورها بالغربة مدى الحياة عن بلدها وعن نفسها على حد سواء، وعلاقاتها العاطفية. مثل سوزان، درست صوفي “الفلسفة ونظرية المعرفة والأبحاث المنشورة”، ولا بُد من ذكر الزوج الذي ستطلقه صوفي، إزرا بليند، وهو أستاذ فلسفة لامع ومغرٍ وجريء ونسخة طبق الأصل من زوج سوزان، جاكوب توبيس.

الفرق الكبير بين سوزان وصوفي هو أن صوفي ميتة، تروى قصتها على لسان راوٍ مجهول بعد قطع رأسها من قبل سيارة أجرة قادمة في الشانزليزيه، وهو موت تعيشه كعملية تحرير، تقول صوفي، وتنتقل للحظة إلى ضمير المتكلم: “جسدي ينمو بشكل هائل، تتحرر آلاف التريليونات من خلاياه فجأة، وتنتشر وتسرع وتندفع مبتهجةً إلى بوابات باريس السبع، إلى بورت دو كليشي، وبورت دو لا شابال، وبورت دورليان، وبورت دو فرساي”، وتنسج بقية الرواية بين هذه الآخرة السريالية المفعمة بالحيوية والحياة التي سبقتها.

قبل وفاتها، كانت صوفي تحاول أن تتمالك نفسها، لقد كانت مذعنة أكثر من اللازم، كانت تسمح لإيزرا باستعارتها، إذا جاز التعبير، لقد لعبت الأدوار التي أسندها إليها، بما في ذلك المازوخية في السيناريوهات السادية التي كان يحب تمثيلها، مع نساء أخريات بالإضافة إليها، كتبت توبيس: “لم يكن بإمكانها حتى أن تشعر بالغيرة أو الإهانة”، “لقد شرح لها والدها عندما كانت طفلة لماذا يحتاج الرجال إلى القسوة للحصول على المتعة”، لحقت صوفي وأطفالها الثلاثة خطوات إزرا عبر أنحاء العالم جميعه، من نيويورك إلى القدس، في حين فشل هو في إنهاء الكتاب الذي سيضمن له منصبًا أكاديميًّا مستقرًّا. عندما كانا يتشاجران، كانت صوفي تدوّن ملاحظات ذهنية تتمتع بجمال الحركة البطيئة لحالة الانفصال عن الواقع: “كانت صوفي تراقب سبابته، كانت ترسم دوائر أو تحرّك سائلًا غامضًا، كانت تنطلق في مسار عمودي نحو الأعلى، ثم انحدرت إلى المستوى الأفقي ووقفت موجهة نحوها، وبدأ إصبع السبابة يهتز نحوها بتهديد متزايد كما لو كان لا يعرف ماذا يفعل بنفسه” (ووفقًا لمعارف جاكوب توبيس، فإن سوزان صوّرته بشكل مثالي). تغادر صوفي وتنتقل إلى شقتها الخاصة في باريس، لكنها لا تزال غير قادرة على التخلص من الشعور بأنه “لم يكن هناك فرق كبير في الحقيقة” بين الحياة والحلم.

حياتها الآخرة غريبة وتبدو مثل الهلوسة، الكتابة أقرب ما تكون إلى الإباحية، لكن ما يعوضها هو الحيوية الهوسية، تومض المشاهد الكابوسية كما لو أنها مضاءة بالكراهية الذاتية، تبدو صوفي أكثر انفصالًا من أي وقت مضى، وهي تراقب حفل زفافها من أعلى في تابوت مبطن بالحرير الوردي، بدا الزفاف كحدث شيطاني، بما في ذلك طقوس إتمام الزواج من قبل الضيوف الذكور، وتشاهد لاحقًا جنازتها المبهجة، يتلقى إزرا “العزاء في جو احتفالي، وهو متوهج بشكل إيجابي، ويترك عبر الحشد كما لو كان يركب أمواج التعاطف، ويضع منديلًا كبيرًا على فمه ليغطي نظراته الشيطانية”، يثني الحضور على جمال جثتها، وتسمع أخت إزرا تتباهى قائلةً: “قام بتجهيزها خبراء مشهورون بأحدث التقنيات الأمريكية، النظارات الشمسية من ماركة عالمية”.

قبل كتاب “Divorcing” (طلاق)، كتبت توبيس رواية “Lament for Julia” (رثاء لجوليا) في أوائل الستينيات، لم ينشر أحد الرواية آنذاك، لذا فإن صحيفة نيويورك تايمز تصدرها للمرة الأولى في قسم المراجعات، مصحوبة بتسع قصص قصيرة، نُشر بعضها في المجلات خلال حياة توبيس، يبدو أن رواية “Lament for Julia” كانت بمثابة نسخة تجريبية لرواية توبيس اللاحقة، ورواية مختلفة تمامًا في الآن ذاته، راويها ليس ميِّتًا، لكنه ليس حيًّا، إنه ملاك مشتاق إلى الوطن، أو شيطان، أو عفريت، فحتى هو ليس متأكدًا من ماهيته، لقد “حشرته” قوة ما غير محددة في عقل وجسد فتاة تدعى جوليا، فتاة جميلة متمردة تربت في بلدة مجهولة في أوروبا الوسطى في وقت ما في أوائل القرن العشرين على يد والدين بشعين لدرجة أنهما قد يكونان وحوشًا في إحدى حكايات الإخوة جريم الخيالية.

يقدم الشبح (على الرغم من أن توبيس لا تحدد أي فئة من الكائنات هو، إلا أن أحد عناوين الرواية الفرعية كان “The Ghost” (الشبح)) نفسه على أنه الملاك الحارس لجوليا، لكن انفعالاته تظهر شذوذه وغرابته، يُغرم بجوليا ويأسف لنموها الجسدي، ويصدمه نمو صدرها وتزعجه دورتها الشهرية ويفزعه مهبلها أيضًا: “كانت جوليا كالقفاز مقلوب الإبهام، كالمحفظة مجعدة، مجرد مستودع أو إسفنجة تمتص كل شيء، يلقحها كل ما تلمسه”، وما أثار رعبه أنها ألقت بنفسها على الأولاد المحليين: “ضعها في دير! بدا الحل الأمثل”، يتلوى الشبح من إجباره على أن “ينتحل شخصية أنثى”، على الرغم من أنه يعلم أنه لن يجد جسدًا أجمل ليسكنه، إنه طفيلي، كما يقول، يتغذى عليها “مثل ناسك يتغذى على اليرقات والجذور”. 

تبدأ رواية “Lament for Julia” (رثاء لجوليا) ببطء، وهو ما قد يكون أحد الأسباب التي تبرر عدم نشرها، ندخل في القصة في منتصف الطريق: هربت جوليا، يمضي فصل قبل أن تتضح صورة جوليا، يصفها الراوي بـ “أميرة القصص ذات خصلات الشعر الذهبية” وكذلك بـ “الطفلة الساحرة”، لكن سحرها الحقيقي يكمن في قوة رفضها، إنها تكافح بمرارة ضد الخادمة التي تحاول أن تفرض عليها ثوبًا قصيرًا منمقًا وفستانًا ورديًّا من التفتا فوق رأسها، أم أن الشبح الذي يسكنها هو من يكافح؟ إنه يتحمل المسؤولية: “أظنُّ أن هذا هو الوقت الذي أصابتني فيه النوبة الأولى، كُسر عديدٌ من ألواح النوافذ، وحُطم إناء زهور، وسُكبت زجاجة حبر على فستان جوليا، ظنوا أنها ممسوسة”.

يسكنها شيطان بالتأكيد، أو هكذا يقول الكائن، لكن بعد مدة، تبدأ التساؤلات، الكائن غامض بشكل غريب، لا يبدو أن جوليا تخاطبه مباشرة، كل ما يدّعي أنهما يفعلانه معًا يمكن أن تفعله وحدها بسهولة: القراءة، وتأليف المسرحيات، وسكب الحبر على الفساتين، يسمي نفسه معلمها، لكنها تتجاهله، يتشاجران، ويقول إنها “غامضة بشكل سامٍّ”، يقول: “لا يمكنني حتى أن أكون متأكدًا ما إذا كانت جوليا قد احتقرتني عمدًا أم إن كانت تتصرف ببساطة كما لو لم أكن موجودًا”، “بالحكم على سلوكها في ذلك الوقت يمكن للمرء أن يظنَّ أنها كانت تظن أنها الشخص الوحيد في العالم”. 

هل الشبح موجود أم يظنُّ فقط أنه موجود؟ وماذا يعني مرور شبح في أزمة وجودية على عكس شخص عادي، مثل ديكارت مثلًا؟ هذا هو نوع المشاكل الميتافيزيقية التي تحب توبيس أن تبني قصصها حولها، كانت موهوبة في هذا المجال، إذ درست الدين والفلسفة في رادكليف ونشرت مقالات حول تأثير الغنوصية اليهودية على هايدغر وسيمون فايل، من بين مواضيع أخرى، الغنوصية هي بدعة عدمية، ديانة مقلوبة ومشوهة، ووفقًا لها، الإله هو غياب بدلًا من وجود”، والخلق هو محض تجسيد للشرارة الإلهية التي لا تجسيد لها، والإنسان مخلوق منفصل عن ذاته. بقلم الغنوصية، كتبت توبيس في مقال لعام 1954م عن الفيلسوف هايدغر، “تسود أعماله فكرة واحدة: لا يُعد الكون “بيت الإنسان”، وتمضي في وصف “الذات الغنوصية” التي تشبه إلى حد كبير شيطان رواية “Lament for Julia” (رثاء لجوليا) الحزين: “غريب في العالم” أُلقي به طوعًا أو كرهًا من مكان ما.

أخشى أنني أرسم الرواية كالمثل الأنطولوجي الجاف، إنها كالمثل، ولها بعد وجودي، ولكنها ليست جافة على الإطلاق، ما يجعلها قوية، وما يجعل مجموعة أعمال توبيس بأكملها قوية، ليست الأفكار، رغم عمقها، ولكن التأثير، إن الغنوصية في الرواية تبث الانزعاج الجذري، إن عدم ارتياح الشبح مع جوليا بلحمها ودمها يحاكي شعور اضطراب تشوّه الجسم، فيغدو الشبح كالنسخة المنفصلة عن الذات المفرطة في النقد الذاتي التي لا تريد الاعتراف بها، حيث يمكن لجوليا أن تتحدى الحدود بكل استهتار طالما أن الروح تأخذ على عاتقها ما قد يتبع ذلك من اتهام، وبمجرد أن تكبر وتبدأ في الابتعاد عن الشبح، لا تسير الحياة على ما يرام بالنسبة لها.

ينتشر موضوع الخوف والاشمئزاز من حياة الأنثى الجنسية في قصص أخرى في مجموعة أعمالها أيضًا، رواية “The Gold Chain” (السلسلة الذهبية) هي حكاية شعبية بشعة عن زوجة بسيطة التفكير ولكنها غير راضية، تجد متعتها في الحقل مع عشيق لا ترى وجهه أبدًا: “إذا نظرت، فهذه خطيئة، ولكن إذا أبقيت عيني مغلقة، سيكون الأمر كما لو أنه حدث في أثناء نومي”، وغني عن القول إن رجال القرية يفرحون عندما يسمعون عن هذه المرأة، ليس لأنهم يضعون سعادتها في الاعتبار.

في قصة أخرى أكثر إثارة للقشعريرة بعنوان “Dr. Rombach’s Daughter” (ابنة الدكتور رومباخ)، يسقط محلل نفسي على ابنته المراهقة رغبات جنسية مفرطة، سواء موجهة نحوه (يقول إن لديها “تعلقًا أوديبيًّا قويًّا”) أو موجهة نحو شباب لم تلتقِ بهم بعد، يسهب في الحديث عن هذه المشاعر المفترضة في حين يلمسها بشكل غير لائق ويسألها: “بماذا تفكرين الآن؟” ويقول إنها سئمت منه، وتتوق إلى لمسات شاب جديد، “بالتأكيد! أنتِ فتاة في طور النمو، بدأت غددك بالعمل، وجسمك ينمو” كان يتمعن النظر في صدرها، ويحثها على ارتداء حمالة الصدر. 

يترك الدكتور رومباخ ابنته ماريانا مخدرة ومكتئبة وصامتة، إنها فتاة محبة للكتب، وعندما قاطعها الدكتور كانت جالسة وهي تمسك بقلم رصاص ودفتر في حضنها، بعد أن غادر، لم تستطع ماريانا تذكر ما كانت على وشك كتابته: “كانت صفحة الدفتر أمامها فارغة، وكانت تحاول التفكير في شيء لتكتبه، كعبارة جميلة، نظرت في أرجاء الغرفة لكنها لم ترَ شيئًا جميلًا… لم تستطع التفكير سوى في الفراغ الذي تشعر به”.

يأمل المرء أن تكون هذه القصة خيالية بحتة، على الرغم من أن جزءًا منها يبدو بيوغرافيًّا على الأرجح، فبالرجوع إلى كتاب “Divorcing” (طلاق)، الذي يعد بشكل عام مصدرًا موثوقًا لسيرة حياة سوزان، فإن والدها أخبرها منذ صغرها أنها ستقع في حبه، وتحدث معها عن الجنس بعبارات قاسية، وكان يتعدى عليها عاطفيًّا. إن تصويرها لعلاقتهما الوثيقة، خاصةً في أعقاب طلاقه من والدتها، كان مخيفًا بصراحة، ومهما كان والد توبيس قاسيًا -على الرغم من عدم وجود دليل على أنه تحرش بها- لم يتم إسكات طموح توبيس، لقد أصبحت مثقفة ومهمة، على الرغم من أن الأمر استغرق خمسة عقود حتى يقدّرها العالم. في السنوات القليلة الماضية، حظيت فلسفتها بانتعاش لا يقل عن انتعاش رواياتها، فقد ظهرت مؤخرًا عديدٌ من الأبحاث العلمية حول مقالاتها، كما صدر هذا العام كتاب بعنوان “The Philosophical Pathos of Susan Taubes: Between Nihilism and Hope” حول فلسفتها من تأليف إليوت ر. ولفسون، وهو باحث بارز في التصوف اليهودي.

ستكون توبيس ممتنة بشكل خاص لأن عبقريتها قد حظيت أخيرًا بالاعتراف، فعندما كانت على قيد الحياة، كان جمالها المؤلم هو الذي جذب الانتباه إليها، في وقت كان يُنظر فيه إلى الفكر والجمال على أنهما غير متوافقين، فقد كانت سيدة حسناء تتمتع ببشرة فاتحة وعينين شاحبتين وخصلات شعر داكنة، وكانت تعلم أن معظم الرجال لا يستطيعون سماع الكلمات التي تخرج من فمها، ولا يريدون سماعها، مهما كانت عبقرية، ولا كثيرٌ من النساء، فالجمال الشديد يفعل أشياء غريبة بالناس، كتبت لزوجها قائلة: “لا أعرف أي شخص لا يحبني”، ويبدو أنها لم تكن تبالغ، ونتيجة لذلك، أضافت قائلة: “ليس لديّ صديق واحد، لا أجد سوى الصداقات اللحظية والتعقيدات”، (لم يكن هذا صحيحًا تمامًا، ففي هذه الأثناء تعرفت على زميلتها سوزان سونتاغ، طالبة الدراسات العليا في جامعة هارفارد، والتي ستكون صديقة توبيس المقربة لبقية حياتها)، حتى توبيس لم تأخذ نفسها بالجدية اللازمة، حيث كانت توجه جهدها وجديتها نحو الحصول على وظائف لزوجها الصعب أكثر من العمل على تطوير حياتها المهنية. 

عندما أصبحت توبيس روائية -كانت مُطلَّقة بحلول ذلك الوقت- بدأت تصارع الصوت الأنثوي المخنوق، وأطلقت عليه “مشكلة سرد النساء بضمير المتكلم” في تدوينة في يومياتها عام 1965م، بعد مدة ليست طويلة من انتهائها من رواية “Lament for Julia” (رثاء لجوليا)، وحتى نهاية الستينيات، كانت لا تزال القصص التي تكتبها النساء بضمير المتكلم غير شائعة، في الحقيقة، لم تنشر النساء كثيرًا من القصص الروائية بأي صوت، مقارنةً بالرجال، ومن هنا جاء لقب كينر الساخر “الروائية الأنثى”، لا بد أن توبيس كانت قلقة من أن يُنظر إلى الأنثى بضمير المتكلم الأنثوي على أنها وقحة أو سخيفة، ولم تكن مخطئة في ظنِّها هذا، كما تؤكد مراجعة كينر أيضًا، تجنبت رواية “Lament for Julia” (رثاء لجوليا) مشكلة ضمير المتكلم المؤنث بجعل الشبح هو الراوي، لكنه شبح في أحسن الأحوال، وليس متأكدًا حتى من أنه حقيقي، وهو أيضًا يشعر بالخجل من قول “أنا”، وكان فظًّا ومُحرجًا، يقول: “مأزقي يعود إلى اللحظة التي بدأت أفكر فيها بضمير المتكلم، أي بجدية”، “دعونا نفترض أنني أنا الذي أتكلم، اقترحت على نفسي، دعونا نسحب المؤلف المتخفي إلى خشبة المسرح، وهو بثياب النوم، ونسلط عليه الأضواء وهو يتلعثم”.

لم تعتنق توبيس قط ضمير المتكلم بالكامل، لكنها اقتربت من ذلك، توظف رواية “Divorcing” (طلاق) نمطًا من المخاطبة يُعرف بالمخاطبة “غير المباشرة الحرة”، حيث يطفو صوت الراوي على مقربة من الشخصيات بشكل أو بآخر، يستقر صوت الراوي في الرواية في أعماق ذهن صوفي، وفي مناسبات نادرة يتجلى كصوتها ببساطة، ربما كانت توبيس ستستخدم الآن “الأنا” بشكل أكثر اتساقًا لو كانت على قيد الحياة، أو ربما كانت مواضيعها ستتمحور دائمًا حول الذات المنفصلة، فكانت سوزان توبيس أكثر بكثير مما يمكن احتواؤه في ضمير، وكما يقول شبح رواية “Lament for Julia” (رثاء لجوليا) عن تعايشه المتوتر مع جسد جوليا: “سيكون الأمر بسيطًا إن كانت هي مجرد جسد وأنا مجرد عقل، ولكننا خليط من الأجزاء الغريبة، ولا نشكل شخصًا”.

المصدر

 

مقالات ذات صلة