القائمة الرئيسية

النظر إلى نفسك في ذكرياتك

النظر إلى نفسك في ذكرياتك
ملخص المقال

يتناول جيكوب ستيرن دور منظور الذاكرة في تشكيل تجربتنا الذاتية، موضحًا الفرق بين تذكر الأحداث من منظور الشخص الأول، الذي يعيد تجربة المشاعر والتفاصيل كما حدثت، ومن منظور الشخص الثالث، الذي يضع الحدث في إطار سردي أوسع ويساعد على تقييم التجربة بموضوعية أكبر. يشير المقال إلى أن ذكريات الشخص الثالث شائعة حتى بين الأصحاء، وتزداد مع قدم الذكرى أو عند المواقف المثيرة للقلق أو الإحراج، كما أنها ترتبط بالعدالة الجنائية واضطراب ما بعد الصدمة وحتى حالات الاقتراب من الموت. ويؤكد ستيرن أن تغيير منظور الذاكرة لا يعكس مجرد خطأ في التذكر، بل يشكل أداة لفهم الهوية وبناء سرد الذات، إذ يميل البشر بطبيعتهم إلى تحويل تجاربهم العاطفية والفوضوية إلى قصص متماسكة، ما يجعل منظور الذكريات حقيقة نفسية عميقة في العقل البشري.

بقلم جيكوب ستيرن

اختر ذاكرة من ذكرياتك. يمكن أن تكون قريبة كفطورك الأخير أو بعيدة كأول يوم لك في رياض الأطفال. المهم هو أنه يمكنك حقًّا تصوّرها. احتفظ بالصورة في ذهنك.

الآن فكر: هل ترى المشهد من خلال عينيك، كما فعلت في ذلك الوقت؟ أم ترى نفسك فيه، كما لو كنت تشاهد شخصية في فيلم؟ هل تراها بعبارة أخرى، من منظور شخصي أو من منظور ثالث؟ عادةً ما نربط هذا النوع من التمييز بالسرد وكتابة الخيال. ولكن مثل القصة، كل ذاكرة بصرية لها نقطة رؤية ضمنية خاصة بها. فكل رؤية هي رؤية من مكان ما. وأحيانًا، في الذكريات، هذا المكان لا يماثل المكان الذي كنت فيه فعليًّا في تلك اللحظة.

هذه الحقيقة غريبة، ومقلقة. إنها تتناقض مع فهمنا الأساسي للذاكرة كسجل بسيط للتجارب. فترة طويلة، لم يكن علماء النفس وعلماء الأعصاب يعيرون الكثير من الاهتمام لهذه الحقيقة. لقد تغير ذلك في السنوات الأخيرة، ومع زيادة كمية الأبحاث حول دور المنظور، زادت أيضًا تأثيراته المحتملة. يتضح أن منظور الذاكرة مرتبط بالعدالة الجنائية، والتحيز الضمني، واضطراب ما بعد الصدمة. وعلى المستوى الأعمق، يساعدنا المنظور في فهم أنفسنا.

يعود تمييز منظور الذكريات بين الشخص الأول والثالث على الأقل إلى سيغموند فرويد، الذي علق عليه أول مرة قرابة نهاية القرن التاسع عشر. ولكن لم يكن حتى بعد 80 عامًا تقريبًا حتى بدأت الدراسات التجريبية الأولى في تحديد تفاصيل منظور الذاكرة. ولم يبدأ هذا المجال باكتساب القوة إلا في القرن الحادي والعشرين. وما وجدته هذه الدراسات الأولية هو أن ذكريات منظور الشخص الثالث كانت أقل غرابة مما كان يُعتقد في السابق. إن هذه الظاهرة مرتبطة بعدد من اضطرابات العقل، مثل الاكتئاب، والقلق، وانفصام الشخصية، ولكنها ليست مجرد أعراض للأمراض النفسية، بل إنها شائعة جدًّا حتى بين الأشخاص الأصحاء.

يصعب تقدير مدى شيوع هذه الظاهرة بدقة. قالت بيغي سانت جاك، أستاذة علم النفس في جامعة ألبرتا التي تدرس منظور الذاكرة: إن حوالي 90% من الناس يقولون إن لديهم ذكرى واحدة على الأقل بمنظور الشخص الثالث. وتقدر سانت جاك، استنادًا إلى بحثها، أن حوالي رُبع الذكريات التي تعود إلى السنوات الخمس الماضية للشخص العادي هي ذكريات من منظور الشخص الثالث (وجدت بعض الدراسات أن النساء عمومًا لديهن ذكريات أكثر بمنظور الشخص الثالث، ولكن دراسة ثالثة لم تجد أي اختلاف ذي دلالة إحصائية بين الجنسين. بشكل عام، يُعد البحث حول التباينات المحتملة حسب الخصائص الديموغرافية محدودًا). في بعض الحالات النادرة، قد يكون لدى الناس فقط ذكريات بمنظور الشخص الثالث. وفي أثناء محاولتك لاستحضار ذكرياتك الخاصة، كن حذرًا من أن العملية يمكن أن تصبح مربكة بسرعة. ربما يمكنك أن تتذكر مشاهد من الطفولة من منظور الشخص الثالث، ولكن من الصعب معرفة ما إذا كانت هذه ذكريات تُرجِمَت من منظور الشخص الأول إلى الثالث، أم هي مشاهد من منظور الشخص الثالث بالفعل، بُنِيَت من خلال قصص الآخرين أو صور فوتوغرافية. بالنسبة لبعض الأشخاص، تُعد ذكريات الشخص الثالث أمرًا طبيعيًّا، وبالنسبة لآخرين، تبدو وكأنها خيال علمي.

يعود سبب تذكرك لذكريات معينة من منظور معين بدلًا من آخر إلى مجموعة من العوامل المتقاطعة. وفقًا لسانت جاك، فإن الأشخاص أكثر عرضة لتذكر التجارب التي شعروا فيها بالقلق أو الحرج، على سبيل المثال، عندما قدموا عرضًا أمام جمهور، من منظور الشخص الثالث. هذا منطقي: عندما تتخيل كيف تبدو من خلال عيون الجمهور في تلك اللحظة، من المرجح أن ترى نفسك من خلال عيونهم في وقت الاسترجاع. وأيضًا، وجد الباحثون مرارًا وتكرارًا أنه كلما كانت الذاكرة أقدم، تزداد احتمالية أن تتذكرها من منظور الشخص الثالث. وهذا أيضًا مفهوم تمامًا: إذا كانت الذكرى بمنظور الشخص الأول تنطوي على القدرة على التواجد في تلك اللحظة وعيش تجارب ذاتك السابقة، فمن الطبيعي بالتأكيد أن تزداد صعوبة رؤية العالم كما رأيته كطفل في سن الست سنوات من رؤيتك له في الأسبوع الماضي. وقد يرتبط التذكر بمنظور الشخص الثالث للذكريات الأقدم أيضًا بحقيقة أنه كلما كانت الذاكرة أكثر بعدًا، كلما كان لديك تفاصيل أقل، وكلما قلت التفاصيل، كلما كنت أقل قدرة على استعادة وجهة النظر التي شهدت بها المشهد في الأصل، حسبما قال لي ديفيد روبين، أستاذ علم النفس في جامعة ديوك الذي نشر العديد من الأوراق حول الذاكرة الذاتية.

ومن الصعب فهم السيناريو العكسي: يستطيع الناس استعادة المشاهد بتفاصيل أكثر عندما يطلب منهم اتخاذ منظور الشخص الأول بدلًا من اتخاذ منظور الشخص الثالث. “في بعض الأحيان في قاعة المحكمة، قد يُطلب من شاهد على عملية سطو أن يتذكر ما حدث من منظور الكاتبة”، كما قالت لي سانت جاك. ولكن إذا كانت أبحاثها مؤشرًا على شيء، فإن مثل هذه الأساليب قد تشوش ذاكرة الشاهد بدلًا من تحسينها. “تشير أبحاثنا إلى أن ذلك قد يزيد من احتمال أن تكون الذاكرة أقل حيوية، ويزيد من احتمال أن يتذكر شاهد العيان التفاصيل بشكل أقل”.

حتى دون التعليمات، قد يكون الشاهد على استعداد لاستعادة عملية السطو بمنظور الشخص الثالث: وجد الباحثون أن الناس غالبًا ما يستأصلون الذكريات الصعبة أو العاطفية من المنظور الشخصي. قد يكون ذلك لأن هذه الذكريات تميل إلى إثارة ردود فعل عاطفية أقوى في وقت الاستعادة، ومن خلال اتخاذ منظور الشخص الثالث، يمكننا إبعاد أنفسنا عن التجربة المؤلمة، وفقًا لما ذكرته أنجلينا سوتين، وهي عالمة نفس في جامعة فلوريدا ستيت. قد يكون ذلك أيضًا نتيجة للمعلومات المتاحة لدينا. في المواقف العاطفية، قال روبين: يميل الناس إلى التركيز على هدف غضبهم أو خوفهم. خذ سيناريو السطو مثالًا: “يرغب الشرطي في أن يصف الشاهد المجرم، وبدلًا من ذلك، يصف بتفصيل دقيق فوهة البندقية الموجهة نحو رأسه”، ولا يستطيع أن يتذكر الكثير بعد ذلك. وبالتالي، فإنه يخفق– نظرًا لعدم وجود المعلومات اللازمة لموضعة نفسه في المنظور الأصلي.

تحتوي هذه التأثيرات المبعثرة على بعض التطبيقات المحتملة التي قد تثير الدهشة، وقد يكون أبرزها حلًّا لمشكلة تجارب الاقتراب إلى الموت. لسنوات عديدة، وثق الفلاسفة وعلماء النفس حالات الأشخاص في لحظات الصدمة، إذ شعروا كما لو كانوا يطفون خارج أجسادهم– عادةً فوق أجسامهم. ومع ذلك، يشير روبين إلى أن هذه التقارير ليست وصفًا فوريًّا للحظة الحدوث، ولكنها تقارير بعد الواقعة. لديه فكرة مثيرة للجدل: قد يكون ما يبدو كتجربة خروجٍ من الجسد في وقت لاحق هو في الواقع ترجمة الذاكرة من منظور الشخص الأول إلى ذكرى من منظور الشخص الثالث، وهي ترجمة قوية بما يكفي لتخدعك وتجعلك تعتقد أن التجربة نفسها حدثت من منظور الشخص الثالث. يصبح المتذكر، في هذه النظرية، كالشخص الذي يطل من خلال نافذة محدبة، يخطئ في عدِّ تشويه الزجاج على أنه تشويه للعالم.

تُعد التفصيلات المؤرخة لحالات الفصام الناتجة عن الصدمات حالات مؤثرة ولكنها بلا شك غير معزولة عمّا يطلق عليه روبين “الطابع البنّاء للعالم”. في مقال استعراضي عام 2019م حول منظور الذاكرة، لاحظت سانت جاك أن عملية تغيير منظور موقفك وعملية ابتكار مشهد جديد تعتمدان على العمليات العقلية نفسها في المناطق نفسها في الدماغ. ويوجد تشابه كبير بين استذكار الماضي وتوقع المستقبل، لدرجة أن يدمج بعض علماء النفس العمليتين في فئة واحدة تعرف بـ “السفر العقلي عبر الزمن”. كلاهما عمليات بناء، إذ يتلاشى الخط الفاصل بين الذاكرة والخيال.

وعلى بعض المستويات، يفهم الناس هذا عمومًا، ولكننا نادرًا ما نحصل على مثال لا يدع مجالًا للشك كما هو الحال في الذكريات من منظور الشخص الثالث. إذا حاولت أنت وصديقك استذكار تفاصيل تصميم المطعم الذي تناولتما فيه العشاء الشهر الماضي، قد تجد أنكما غير متفقين في بعض النقاط. تعتقد أن لون ورق الجدران كان أخضر، بينما يعتقد صديقك أنه أزرق. أحدكما مخطئ، وكلاكما متأكدان من صحة رأيكما. ولكن مع الذكريات من منظور الشخص الثالث، عليك معرفة أن الذاكرة مشوهة، إذ لا يمكنك بأي حال من الأحوال أن تنظر إلى نفسك فعليًّا. وإذا كنت دون أن تدرك ذلك قادرًا على تغيير شيء مركزي مثل منظور الذاكرة، فكيف يمكن أن تكون واثقًا في أي تفصيل من تفاصيل الذكرى؟

بهذه الطريقة، تبعث الذكريات من منظور الشخص الثالث نوعًا من الرعب. ولكن التحولات في وجهة النظر ليست مجرد نواقص في الذاكرة. في مختبرها في جامعة ولاية أوهايو، تدرس عالمة النفس ليزا ليبي العلاقة بين منظور الذاكرة والهوية– وهي الطريقة التي تلعب فيها التحولات في منظور ذاكرتنا دورًا في كيفية فهمنا لأنفسنا. في إحدى التجارب، سألت ليبي مجموعة من الطالبات الجامعيات عما إذا كن مهتمات في مجال العلوم والتكنولوجيا والهندسة. شاركت الطالبات بعد ذلك في نشاط علمي، إذ شاركت بعضهن في نسخة من النشاط مصممة لتكون جذابة، بينما شاركت أخريات في نسخة مصممة لتكون مملة. بعد ذلك، عندما سألت ليبي الطالبات عن تجربتهن، وجهت لبعضهن تعليمات لاسترجاعها من منظور الشخص الأول وأخريات من منظور الشخص الثالث. تناسبت أجوبة مجموعة منظور الشخص الأول مع مدى جاذبية النشاط، بينما تناسبت إجابات مجموعة منظور الشخص الثالث مع أجوبتهن حول مدى اهتمامهن بمجال العلوم والتكنولوجيا والهندسة.

توصلت ليبي للاستنتاج التالي: يبدو أن لكل نوع من الذاكرة وظيفته الخاصة.

قالت ليبي لي: “طريقة واحدة للتفكير في المنظورين هي أنهما يساعدانك في تمثيل… مكونين مختلفين من شخصيتك”. يتيح لك تذكر حدث من منظور الشخص الأول الدخول في إطار ذهني تجريبي، يساعدك على استرجاع كيف شعرت في تلك اللحظة. أما تذكُّر حدث من منظور الشخص الثالث، فيضعك في إطار سردي، ويساعدك في توسيع تجربتك عن طريق تحديدها بمعتقداتك السابقة ووضعها في قصة متسقة. تشكل الذاكرة هويتنا –أو على الأقل تُعد أحد العوامل المشكلة لها– ووجهة النظر هي الأداة التي نستخدمها للتشكيل.

ربما أكثر الأمور إثارة للاهتمام في هذا كله هو الإيحاء بشأن ميول البشرية نحو السرد. عندما ننقل ذكرياتنا من منظور إلى آخر، نشكل في كثير من الأحيان دون أن ندرك حتى ذلك تجربتنا في قالب قصة ونعيد تشكيلها، محولين الفوضى إلى انسجام. يبدو أن الدافع السردي يمتد إلى أعماق النفس البشرية بشكل أكثر مما نعترف به عمومًا. وبذلك، لا يُعد منظور الذكريات مجرد غرابة ثقافية أو نتاج عشوائي للحياة الحديثة، بل يُمثل حقيقة نفسية مدمجة في عقل الإنسان.

المصدر

مقالات ذات صلة