القائمة الرئيسية

كيفية التفكير في سوق الأسهم المتراجع

كيفية التفكير في سوق الأسهم المتراجع
ملخص المقال

يتحدث المقال عن كيف تعكس تقلبات أسواق الأسهم حالة القلق وعدم اليقين المرتبطة بانتشار كوفيد‑19، بعد تراجع مؤشرات كبرى مثل مؤشر داو جونز الصناعي ومؤشر ناسداك المركب ومؤشر ستاندرد آند بورز 500، موضحًا أن الأسواق لا تتفاعل فقط مع التأثيرات الاقتصادية المباشرة للوباء مثل تعطّل سلاسل الإمداد وتراجع الاستهلاك، بل أيضًا — وربما بشكل أكبر — مع تصورات الناس ومخاوفهم وسلوكهم المتوقع، إذ يمكن للذعر وتوقعات الركود أن تعمّق الخسائر حتى لو كان الأثر الفعلي مؤقتًا، ويستعرض المقال صعوبة التنبؤ بما سيحدث نظرًا لندرة السوابق التاريخية المشابهة، مع الإشارة إلى أن دروس الأوبئة السابقة متباينة، وأن سوق الأسهم ليس مؤشرًا دقيقًا لمسار الوباء بقدر ما يعكس الحالة النفسية للمستثمرين والقصص الاقتصادية السائدة، وهي الفكرة التي يؤكدها الاقتصادي روبرت جيمس شيلر حول قوة السرديات في تشكيل الواقع الاقتصادي.

بقلم: جو بينسكر

تراجعت أسواق الأسهم في جميع أنحاء العالم خلال الأسبوع الماضي مع استمرار تراكم الأخبار المؤلمة حول انتشار فيروس كورونا الجديد. وانخفضت المؤشرات الثلاثة الرئيسة – مؤشر داو جونز الصناعي، ومؤشر ناسداك المركب، ومؤشر ستاندارد آند بورز 500 (اختصاراً لـ إس آند بي 500) – في الولايات المتحدة بأكثر من ١٠٪ دون مستويات ذروتها الأخيرة، والذي يعتبر انخفاضاً حاداً من شأنه أن يُوصف بمصطلحات وول ستريت على أنه “تعديل” لوضع السوق، حيث وصفه أحد المستثمرين نقلاً عن صحيفة وول ستريت جورنال بأنه “حمّام دم”.

ويعتبر سوق الأسهم العالمية من الناحية النظرية خلاصة لكيفية اعتقاد المستثمرين أن كل ما يحدث في العالم سينعكس على الاقتصاد. وفي الوقت الحالي وبناءً على هذه الانخفاضات، أصبح المستثمرون قليلو التفاؤل بكثير مما كانوا عليه قبل أسبوع، ولكن توقعاتهم لا تنحصر فقط على مدى سوء تفشي المرض من حيث مكوث العمّال في منازلهم وهم مرضى أو انخفاض الإنفاق الاستهلاكي أو اضطرابات سلسلة التوريد، بل تشمل أيضاً إلى أي مدى يمكن أن يكون ذلك سيئاً من وجهة نظر الناس، والذي قد يتبين أنهما أمران مختلفان تماماً.

ويمكن أن يكون للتصوّر العام للأزمة أهمية بالغة في الأسواق المالية، حيث قال الأستاذ السابق في كلية ليونارد إن ستيرن للأعمال بجامعة نيويورك ريتشارد سيلا: “إنّ فكرة الوباء مخيفة جداً للناس، وسوف يقومون بإعداد أنفسهم وتوخي الحيطة والحذر بشأن كيفية عيشهم لحياتهم”، في حال ما تواترت المعلومات السيئة. فعلى سبيل المثال، قد يبدأ الأشخاص بإلغاء عطلاتهم أو تناول الطعام بالخارج بشكل أقل، وبالتالي فإن شركات الطيران والمطاعم قد تفقد بدورها إيراداتها أو قد تضطر إلى الحدِّ من خدماتها نتيجة لما يعتقدون أن عملاءهم سيفعلونه. وكل هذه الأمور مجتمعة من شأنها أن تؤثّر سلباً على الاقتصاد، بغض النظر عن كارثية التأثير المباشر للمرض الواقعية. وقال سيلا: “إنّ الأمور التي يفكر بها الناس، حتى لو كان خاطئة، قد تكون ربما أكثر أهمية [في سوق الأسهم] مما يحدث في الواقع نفسه”.  

ولذلك فإن ما يعتقده المستثمرون بأن الناس يفكرون به يعد أمرًا بالغ الأهمية، سواءً إن تبين أن تبعات تفشي المرض ذات أثر تاريخي عميق أم لا، فهناك خطر من أن تتفاقم مخاوف المستثمرين خلال هذه الفترة من شدة عدم اليقين، مما قد يدفعهم إلى البيع بسبب الذعر وقد تزيد حدة أي ضرر مالي. ويقول الخبير الاقتصادي الحائز على جائزة نوبل ومؤلف كتاب الاقتصاد السردي: كيف تنتشر القصص وتؤدي إلى الأحداث الاقتصاديّة الكبرى (Narrative Economics: How Stories Go Viral and Drive Major Economic Events) روبرت جيمس شيلر: “إذا تعطل الاقتصاد في السنوات العشرين القادمة لمدة ثلاثة أشهر فإن ذلك يشير إلى تأثير ضئيل للغاية على السوق”، ولكن الوضع قد يكون أسوأ من ذلك بكثير، إذ عندما يفكر المستثمرون بـ “الصورة الأكبر” فإن ذلك قد يثير دواعي أخرى للقلق”، كما أخبرني شيلر.

وسيكون التنبؤ بردود الفعل العاطفية لسكان العالم أجمع تجاه فيروس كورونا أسهل قليلاً في حال ما تمكّن المستثمرون من الاستعانة بتأثيرات السوق الناجمة عن الأوبئة السابقة للحصول على المشورة، ولكن التاريخ يقدم دلائل وبيانات قليلة لما قد يحدث للاقتصاد إذا ما استمر فيروس كورونا ومرض كوفيد-19 الذي يسببه هذا الفيروس في الانتشار. ويقول شيلر “إن هذا الوضع جديد نوعاً ما، لذلك من الصعب جداً فهمه والتعامل معه بشكلٍ سليم”. 

ويعد أقرب نظير للوضع الراهن هو تفشي فيروس الإنفلونزا على الصعيد العالمي خلال عاميّ ١٩١٨ و١٩١٩، والذي نجم عنه عشرات الملايين من الوفيات البشرية. وكان أداء سوق الأسهم في عام ١٩١٨ جيداً في الواقع، حيث ارتفع مؤشر داو جونز الصناعي بعض الشيء، بينما في السنوات التي تلت ذلك، كما أشار سيلا “لم يكن هناك تغيير يُذكر في سوق الأسهم، وعلى الرغم من أن اتجاهها كان ثابتاً، أصابتها بعض التقلبات – أيّ حالات من الارتفاع والانخفاض، تماماً كما يحدث الآن”. 

ولكن استخلاص أيّ استنتاجات من السنين الماضية يعد أمراً صعباً، ويعود ذلك –من ضمن أسباب أخرى– إلى أنه كانت هناك الكثير من الأمور الأخرى التي تحدث آنذاك – تحديداً الحرب العالمية الأولى. ونتيجة لذلك، كما يقول الأستاذ في جامعة تكساس في كلية سان أنطونيو لإدارة الأعمال جون والد، أنه “من الصعب حقاً معرفة إذا ما قد تم تسعير [جائحة عام ١٩١٨] بشكلٍ صائب أم لا” من قبل السوق. 

ولعلَّ النظير الأمثل هو وباء الإنفلونزا الواقع عاميّ ١٩٥٧ و١٩٥٨، والذي نشأ في شرق آسيا وأودى بحياة ما لا يقل عن مليون شخص، بما في ذلك ما يقدّر بنحو ١١٦,٠٠٠ حالة وفاة في الولايات المتحدة. وخلال النصف الثاني من عام ١٩٥٧، انخفض مؤشر داو جونز الصناعي بحوالي ١٥٪. وأشار والد إلى أنه “وقعت العديد من الأمور خلال تلك الفترة الزمنية”، ولكن “على الأقل لم تكن هناك حرب عالمية قائمة”. وقد تم احتواء حالات التفشي الأخيرة بشكلٍ أفضل مثل متلازمة التنفسية الحادة الوخيمة “السارس” (SARS) ومتلازمة الشرق الأوسط التنفسية “الميرس” (MERS)، بحيث لم تُلحق الكثير من الأضرار الاقتصادية العالمية.

وعلى الرغم من أن موسم الإنفلونزا السنوي يختلف أشد الاختلاف عن الأوبئة، إلا أنه يوفر كمية وافرة من البيانات للاقتصاديين لتحليلها. ووجد والد بالإضافة إلى الباحثين بريان ماكتير ويومان تسي عندما قاموا بدراسة سجلات التداول من عام ١٩٩٨ حتى عام ٢٠٠٦ أن عائدات سوق الأسهم كانت أقل خلال الأسابيع التي كان فيها الإنفلونزا أشد انتشاراً، وتوصّلوا كذلك إلى أن حجم التداول قد انخفض عندما كان هناك ارتفاع في معدل الإصابة وبالتحديد في منطقة مدينة نيويورك الكبرى، والذي يعد أمراً سيئاً عادةً للسوق. وتكمن الفكرة هنا في أنه ربما أُصيب المزيد من المستثمرين بالمرض، مما أدى إلى تنفيذ عدد أقل من الصفقات – الأمر الذي لا يبشِّر بالخير في حال ما تمكن كوفيد-19 من شقّ طريقه إلى مدينة نيويورك. 

وتعد نظرة سيلا كمؤرخ مالي لكل ما يحدث هادئة ومسترخية للغاية، حيث قال: “لن أُعير التقارير اليومية للصحف التي تتضمن عبارات مثل ‘هذا نذير خير’ و’ذاك نذير شؤم’ الكثير من الاهتمام، حيث إن سوق الأسهم لا تعد مؤشراً موثوقاً عن أيّ مدى سيسوء الوباء على المدى القصير، ويرجع ذلك جزئياً إلى حقيقة أن المستثمرين يحصلون على المقدار نفسه من المعلومات الضئيلة التي يحصل عليها أيّ شخص آخر. وقال كذلك: “الأمر الذي أعتقد أن التاريخ سيبينه لك هو أن مشكلة كهذه تستغرق عدة أشهر وقد تمتد ربما إلى عدة سنوات لتصبح غير مهمة”، وتابع قائلاً إنّ “فكرة وول ستريت عن التاريخ منحصرة على العشر دقائق الماضية فقط”. 

المصدر

 

مقالات ذات صلة